issue17452

الثقافة CULTURE 18 Issue 17452 - العدد Wednesday - 2026/9/9 الأربعاء قامات مدرّعة من «قصر هشام» 3 في شمال أريحا تــــبــــنّــــى الأمــــــــويــــــــون فــــــن الــــنــــحــــت، واعــــتــــمــــدوه بــشــكــل خـــــاص فــــي مـــيـــدان الـعـمـارة المـدنـيـة، كما تشهد مجموعة مـــن الــقــطــع الأثــــريــــة، أهــمّــهــا تــلــك الـتـي خـــرجـــت مـــن بـــن أطـــــال قــصــر يــقــع في قرية خربة المفجر، شمال أريـحـا، على الضفة الشمالية لـــوادي النعيمة. بدأ استكشاف هـذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجـرت أعمال المسح فيه خــال ثلاثينات الـقـرن المـاضـي، وتبي أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عـدد كبير من التماثيل المتنوّعة، قـــطـــع يـــمـــثـــل كـــــل مـــنـــهـــا رجــــا 3 مـــنـــهـــا مدرعاً. ويوحي هذا الـزي المشترك بأن هــذه الأنــصــاب تجسّد قـامـات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب». لــــم يـــصـــل أي مــــن هـــــذه الــتــمــاثــيــل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تـبـقّــى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافا كبيرا فـــي بنيتها كـمـا فـــي أسـلـوبـهـا الـفـنـي. تـحـضـر إحــــدى هـــذه الـقـطـع عـلـى شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الــثــالــثــة نـــمـــوذجـــا مـــغـــايـــراً، وهــــي على شــــكــــل تــــمــــثــــال نـــصـــفـــي يـــــضـــــم الـــــــرأس والــــــصــــــدر. تـــحـــاكـــي هــــــذه المـــجـــسّـــمـــات مـــن حــيــث الــحــجــم المـــقـــيـــاس الـطـبـيـعـي للإنسان، ويتبنّى كل منها طـرازا فنيا خــاصــا يـتـجـلّــى فـــي الــشــكــل الــخــارجــي كـمـا فـــي الـصـيـاغـة المـتـبـعـة فـــي النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هـــــذا الــــطــــراز فــــي الــبــنــيــة الـتـشـريـحـيـة الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي. تـــمـــثّـــل هــــــذه الــــقــــامــــة رجــــــــا يـقـف بـــثـــبـــات، رافــــعــــا ذراعــــــــه الـــيـــمـــنـــى نـحـو الأعــــــلــــــى، شـــــاهـــــرا بــــيــــده ســـيـــفـــا ســقــط الـــقـــســـم الأعــــلــــى مـــنـــه وضــــــــاع. تـــتـــدلّـــى الــــــــــــذراع الــــيــــســــرى وتــــــبــــــدو مــلــتــصــقــة بــالــصــدر، وتـمـسـك الــيــد بــتــرس دائـــري زُيّـــــن بـشـبـكـة مـــن الــنــقــوش الــزخــرفــيــة، تـتـكـوّن مـن سلسلة دوائـــر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف الـــلـــولـــبـــيـــة، يـــلـــيـــه شــــريــــطــــان نــحــيــان مــــجــــرّدان. وتــحــضــر فـــي الـــوســـط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة مـــن الـــخـــطـــوط الـــعـــمـــوديـــة المــرصــوصــة عـلـى شـكـل أســنــان المــشــط. يــرتــدي هـذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومــــقــــوّمــــاتــــه ســــتــــرة مــــــدرّعــــــة تـــنـــســـدل وتـــحـــجـــب أعــــلــــى الــــســــاقــــن، مــــع حــــزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة ســاســل مـــن المــســاحــات الـبـيـضـاويـة 4 المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الــحــديــد» فـــي «لـــســـان الـــعـــرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شــكــل ســــواريــــن عــريــضــن حــــول أعـلـى الـــذراعـــن. يـبـدو هــذا التمثال رومانيا مـن حيث الأســلــوب، ويعكس نموذجا شـــاع فـــي تــدمــر كـمـا فـــي الــبــتــراء خـال القرون التي سبقت ظهور الإسلام. اتـــخـــذ هــــذا الــنــمــط طــابــعــا محليا نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قــــول أبــــو الأخــــــزر الـــحـــمـــانـــي: «مـقـلـصـا بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى فـــي الــحــديــد المـــتـــقـــن». وقــــول عــمــرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلق عمرا فقد لاقيت مـدرعـا/ وليس من همه إبـل ولا شاء». تــأتــي الـقـطـعـة الـثـانـيـة عـلـى شكل كـتـلـتـن مـنـفـصـلـتـن لـــم يـــتـــم جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الـــــصـــــدر، وتــــمــــثّــــل الأخـــــــــرى الـــســـاقـــن، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتد حتى حدود الركبتين، كاشفة عن ســـروال فضفاض. يتبنّى هــذا اللباس الــــطــــراز الـــســـاســـانـــي، ويـــعـــلـــوه شــريــط مـضـفـور بسلسلة مــن الـــدوائـــر ينسدل حـــــول الـــعـــنـــق، وحـــــــزام مـــمـــاثـــل يـنـعـقـد حــــول الــخــصــر. تـــزيـــن الــــســــروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصا مــدرّعــا، أي «قميص من حـديـد يلبس وقـايـة مـن الــســاح»، كما يقول «لسان العرب». نــصــل إلــــى المــجــسّــم الـــثـــالـــث، وهــو كـمـا أشــرنــا عـلـى شـكـل تـمـثـال نصفي، يجسّد كما يبدو جنديا مدرّعا يعتمر خــــــوذة عـــريـــضـــة تــعــلــوهــا قـــبـــة مــزيّــنــة بـشـبـكـة مـــن الــخــطــوط الــعــمــوديــة. فقد هـــــذا الـــجـــنـــدي ذراعـــــــه الـــيـــمـــنـــى، وبــــدت ذراعــــــــه الـــيـــســـرى مـــرفـــوعـــة فــــي اتـــجـــاه صــــــدره، غــيــر أن يــــده تــســاقــطــت وبـــات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الــــوجــــه دائـــــــري ومــكــتــنــز، مــــع شــاربــن مــقــوّســن ولـحـيـة قـصـيـرة تـلـتـف حـول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويــــتــــوسّــــط كـــــا مــنــهــمــا بـــؤبـــؤ دائـــــري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المـــفـــجـــر، ويـــعـــكـــس نــســقــا مــحــلــيــا طـبـع النتاج الفني الأمـــوي الـخـاص بميدان النحت. تــــــؤلّــــــف هــــــــذه الــــقــــطــــع المـــنـــحـــوتـــة مــــجــــمــــوعــــة صــــغــــيــــرة تـــعـــكـــس صــــــورة مـــخـــتـــزلـــة لـــــ«مــــجــــتــــمــــع الــــجــــيــــش» فــي الـــعـــالـــم الأمـــــــوي، وتــقــابــلــهــا صـــورتـــان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة فـي الأردن، تظهر فـي كــل منها صـورة عـسـكـري يعتمر كــذلــك خــــوذة عريضة مـقـبّــبـة. يـتـكـرّر هـــذا الــنــمــوذج فــي لـوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جــــزءا مـــن قـصـر الـحـيـر الــشــرقــي، أكـبـر القصور الأموية في البادية السورية. تـعـلـو هـــذا الــلــوح صــــورة فــــارس يظهر معتمرا خوذة مشابهة، ملتحفا لباسا مــــدرّعــــا، تـعــلــوه شـبـكـة مـــن الــتـعــزيــزات القشرية. مــــن نـــاحـــيـــة أخــــــــرى، تـــشـــكّـــل هـــذه المجموعة الصغيرة رافدا من مجموعة كــبــيــرة مـــن الـــصـــور المــنــحــوتــة خـرجـت مــــن مـــوقـــع خـــربـــة المـــفـــجـــر فــــي الـــبـــاديـــة الفلسطينية، وتـقـابـل هـــذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الــغــربــي فـــي الــبــاديــة الـــســـوريـــة. تشكل هــذه الـصـور المنحوتة دلـيـا حيا على اســتــمــراريــة هــــذا الــفــن فـــي بــــاد الــشــام فـــي ظـــل الــحــكــم الأمــــــوي، بــعــد تـراجـعـه فـي العهد البيزنطي، كما تـؤكّــد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً. مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية مصدرها موقع خربة المفجر 3 في شمال أريحا محمود الزيباوي داخل مبنييها المتلاصقين تشكلت نواة الحداثة من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟ إذا كان مقدّرا لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجـــتـــمـــاعـــيـــة، مـــا يـمـكـن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الـذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزا في الدور، وثراء في التجربة، وتمزقا بين الخيارات. على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأم أعينهم هزيمة ، وقصف 1967 يونيو (حــزيــران) عـام مـــطـــار بــــيــــروت بـــعـــدهـــا بـــعـــام واحـــــد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاتـــــه صـــعـــود المـــقـــاومـــة الفلسطينية وحـركـة اليسار الـجـديـد، بما جعلهم يـــقـــفـــون عـــلـــى الـــتـــخـــوم الـــفـــاصـــلـــة بـن لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يــقــضــي الاثــــنــــان مــعــا عــلــى مـذبـح التناحر الأهلي. وحــــيــــث كـــــــان مـــــن الـــطـــبـــيـــعـــي أن تـــحـــتـــضـــن الـــجـــامـــعـــة الـــلـــبـــنـــانـــيـــة فـي تـلـك الـفـتـرة الـكـثـرة الـكـاثـرة مــن أبـنـاء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف المـاركـسـي الـتـقـلـيـدي، وأن تـتـحـول بـالـتـالـي إلـــى بــــؤرة للتغيير وحـــركـــات الاحــتــجــاج عـلـى مـــا اعـتُــبـر آنــــــــــذاك فـــــســـــاد الـــســـلـــطـــة وخـــنـــوعـــهـــا ومواقفها السياسية المـتـخـاذلـة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن. ولا يـعـنـي ذلـــك أن كــل المنتسبين إلـــــى الـــكـــلـــيـــة، كـــانـــت لـــديـــهـــم الأهــــــداف ذاتها والطموح إيـاه، حيث إن بعض المـلـتـحـقـن بــهــا لـــم يـــــروا فـيـهـا ســوى المـــحـــطـــة الـــتـــي لا بــــد مــــن اجـــتـــيـــازهـــا، لــالــتــحــاق بـسـلـك الـتـعـلـيـم الــثــانــوي، الـــــــذي يــــوفــــر لـــهـــم الــــحــــد المـــقـــبـــول مـن الاســـتـــقـــرار والأمــــــن المــعــيــشــي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلـى واحـة متنوعة لـلـتـحـصـيـل المـــعـــرفـــي، وإلـــــى مـسـاحـة لتلاقح الأفــكــار، وإلـــى حاضنة مثلى لمــغــامــرة الـتـجـديـد وتـــيـــارات الـحـداثـة الوافدة. على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لـــم يـــأت مـــن الـــفـــراغ المــحــض ولـــم يكن ولـيـد الـصـدفـة المــجــردة، بـل تضافرت عـــلـــى تــحــقــيــقــه عــــوامــــل عــــــدة، بـيـنـهـا الامـتـحـانـات الـجـديـة والـنـزيـهـة، التي كـان على الطلاب المتبارين خوضها، لــــكــــي يــــحــــظــــوا بــــفــــرصــــة الالــــتــــحــــاق بــالــكــلــيــة. وبــيــنــهــا أن المـــقـــبـــولـــن مـن الــطــاب كــانــوا قــادمــن مــن كـافـة مـدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطـــن مـصـغـر، تـتـفـاعـل بــن ظهرانيه صفوة منتقاة مـن الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح. كـمـا أن المـنـحـة المـالـيـة الـتـي كـان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قــد لعبت دورا غـيـر قليل فــي جعلها تـــتـــبـــوأ دورهـــــــا الـــــريـــــادي بــــن كـلـيـات الــجــامــعــة الأخــــــرى. لــيــس فــقــط لأنـهـا تمنح هـؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مــؤســســة أكـــاديـــمـــيـــة مــمــاثــلــة، بل لأن إعــفــاء الــطــاب مــن مـشـقـة البحث عــن وظـيـفـة أو مـهـنـة تــوفــر لـهـم سبل الـــعـــيـــش، هــــو مــــا أتـــــــاح لـــهـــم الـــتـــفـــرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتـاح للكلية أن تتحول إلـى ورشــة دائـمـة للتفاعل الـــثـــقـــافـــي والــــفــــكــــري بــــن مــكــونــاتــهــا المختلفة. لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مـــؤســـســـة رســـمـــيـــة لـــتـــدريـــب الـــطـــاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهـي التي اسم 1951 حملت عند تأسيسها عام «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلــك بـسـنـوات مـن أن تـتـجـاوز دورهــا الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصـــنـــاعـــة المـــســـتـــقـــبـــل. الــــافــــت بــهــذا الــخــصــوص أن مـــا حــــدث فـــي بــيــروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماما في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعــداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلا من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عــبــاس عـــمـــارة، وتـهـيـئ لـهـم الـفـرصـة النموذجية والـنـادرة لإطـاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلا له عبر تاريخه. ومـــع أن الـفـضـل فـــي مـــا أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عـائـدا مـن بعض وجـوهـه إلـى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غـطـاس كــرم وأنـيـس فريحة والمـطـران جــــــورج خـــضـــر ويـــمـــنـــى الـــعـــيـــد وعــلــي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغــيــرهــم، فــإنــه كـــان عــائــدا مــن وجــوه أخــــــرى لـــنـــضـــالات الـــحـــركـــة الــطــابــيــة اللبنانية، كما للصفوة المـخـتـارة من الـــطـــاب، الـــذيـــن كـــان كـــل مـنـهـم يـرسـم للكلية دورا يتجاوز دورها الأكاديمي، ويـــجـــعـــل مــنــهــا صــــــورة مـــصـــغـــرة عـن الوطن الآخـر، الذي كان يطمح لبنائه عــلــى مـــقـــاس أحـــامـــه. ولــــن يـــعـــود من المستغرب تبعا لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامـتـنـاع عـن المـشـاركـة فـي امتحانات نـهـايـة الـــعـــام، بــهــدف تـمـديـد سـنـوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة. على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتيا من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقا بشكل خاص مـــــن ردهـــــــــة الـــكـــافـــتـــيـــريـــا الــــواســــعــــة، والـواقـعـة أسفل المبنى الـغـربـي، التي شــهــدت طـــاولاتـــهـــا ومــقــاعــدهــا أعـمـق الــــنــــقــــاشــــات الـــفـــكـــريـــة والـــســـيـــاســـيـــة، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير مـــن الــقــصــائــد والـــنـــصـــوص الـنـثـريـة، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحا مناسبا لنشوء الـصـداقـات وقصص الــــحــــب. الــــافــــت فــــي تـــلـــك الــحــقــبــة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات الــعــاطــفــيــة بــــن الــــطــــاب والـــطـــالـــبـــات لـــم تــكــن مــعــايــيــره مـتـصـلـة بمنسوب الوسامة أو الـثـروة أو توفر السيارة والـــشـــقـــة الــســكــنــيــة، بـــل كــــان الــطــالــب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازا بــالمــعــرفــة، هـــو الأقـــــدر مـــن ســــواه على الفوز بقلوب الفتيات. أمـــا المــهــرجــان الـشـعـري الـسـنـوي الـــذي كــان ينظمه ويـشـرف عليه بول شــــاوول، وآثـــر إعــطــاءه شـكـل المــبــاراة بـن الـشـعـراء الـشـبـان، فقد تـحـول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة مـن كبار الشعراء والـــنـــقـــاد الــلــبــنــانــيــن، إلـــــى مـنـاسـبـة دوريـــة استثنائية، ينتظر انعقادها الـكـثـيـرون، ويقطع الـفـائـز بجائزتها الـخـطـوة الأولــــى عـلـى طــريــق الكتابة الشائك. وإلـــــــــــى الــــــشــــــعــــــراء والــــــروائــــــيــــــن والمـــســـرحـــيـــن والــــرســــامــــن، كــــان ثمة نـــخـــبـــة واعــــــــــدة مــــــوازيــــــة مـــــن الــــقــــادة الـــطـــابـــيـــن والمـــفـــكـــريـــن الــســيــاســيــن والمــنــاضــلــن مـــن أجـــل الـتـغـيـيـر. وإذا لـم يكن بالمستطاع تسمية كـل أولئك الــذيــن تـضـافـرت جـهـودهـم لتضييق المــســافــة بـــن واقـــــع وطــنــهــم المـــتـــردي، وصـــــورتـــــه المـــقـــابـــلـــة فــــي نــصــوصــهــم ومخيلاتهم، والـذيـن مـا زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي فـي لبنان حتى يومنا هــذا، يمكنني أن أســــمــــي مــــن بـــيـــنـــهـــم، عـــلـــى سـبـيـل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الــــفــــطــــايــــري وأنــــــطــــــوان ســـيـــف وبـــــول شــــــــاوول ونـــصـــيـــر الأســــعــــد وإلــــيــــاس عــــطــــالــــلــــه وغــــــســــــان شـــــربـــــل وجـــــــورج ســــمــــعــــان وإلــــــيــــــاس خــــــــوري ورشــــيــــد الـضـعـيـف ومــحــمــد الــعــبــدالــلــه وعـقـل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر. ولـــــن تــفــوتــنــي الإشــــــــارة فــــي هـــذا الـــصـــدد إلـــى أن دور الـكـلـيـة الـثـقـافـي لـــم يـقـتـصـر عــلــى الأنـــشـــطـــة الــخــاصــة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الـدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري ومـوريـس عـــواد، إضـافـة إلــى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمــســيــة الــتــي دعــــي لإقــامــتــهــا، بـأنـه يشعر بـالـرهـبـة والـــخـــوف، لأنـــه يقف عـلـى المـنـبـر الأكــثــر اتـــصـــالا بمغامرة الـــتـــجـــديـــد، مــعــتــبــرا أن الأمـــســـيـــة تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته. على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لــــــم تـــســـتـــطـــع ابــــــتــــــاع تــــلــــك الـــجـــرعـــة الــفــائــضــة مـــن الـــحـــريـــة، وذلـــــك المــنــاخ غير المـسـبـوق مـن الانــدمــاج الوطني، فـعـمـلـت عــلــى إجـــهـــاض الــتــجــربــة من أســــاســــهــــا، لــتــقــتــصــر مــهــمــتــهــا عـلـى تهيئة القادمين من الكليات الأخـرى، لـانـخـراط فـي مهنة التعليم، ولسنة واحـدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مـؤسـسـات جامعية أخـــرى. ومــع ذلك فـقـد يــبــدو الأمــــر مــن بـعـض وجــوهــه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت مــــن الـــــجـــــدوى، وتـــحـــولـــت إلـــــى أطــــال مـا كانته قبل خمسين عـامـا، لـم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضــعــنــاه، وعـــن الــكــيــان الـــواعـــد الـــذي تـعـامـل مـعـه الـقـائـمـون عـلـى مـقـدراتـه كغنيمة حـرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام. شوقي بزيع إلياس خوري حسن داود عقل العويط بول شاؤول علوية صبح كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى عاماً 50 أطلال ما كانته قبل لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky