لم يكن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، ، عـــلـــى قــــرار 2026 ) فــــي الــــرابــــع مــــن سـبـتـمـبـر (أيـــــلـــــول «تصحيح الـخـريـطـة» نقاشا تقنيا فـي علم المساحة. كان، في جوهره، تصويتا على الطريقة التي يرى بها العالم نفسه، وعلى صورة ترسّخت في الوعي الجمعي حتى بدت حقيقة نهائية لا تحتاج إلى مراجعة. دولـــة الـــقـــرار الـــذي تـقـدمـت بــه التوغو 164 أيـــدت باسم المجموعة الأفريقية، وسانده الاتحاد الأفريقي، وشجّع على الانتقال التدريجي من إسقاط ميركاتور إلـــــى إســـقـــاطـــات أكـــثـــر وفـــــــاء لــلــمــســاحــات الـحـقـيـقـيـة، وفــي مقدمتها إسـقـاط «الأرض المـتـسـاويـة». عارضت الــــولايــــات المــتــحــدة وحـــدهـــا، وامــتــنــعــت ســـت دول عن التصويت: إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا. لا يمنح القرار أفريقيا حجما جديداً، وإنما يعيد إلـيـهـا حجما أخـفـتـه أداة رســـم شـائـعـة. تبلغ مساحة مـلـيـون كـيـلـومـتـر مـــربـــع، أي قـرابـة 30.3 الـــقـــارة نـحـو خُــمـس الـيـابـسـة فــي الـعـالـم، ولا يسبقها فــي الاتـسـاع مليون 2.17 سوى آسيا. أما غرينلاند فمساحتها نحو كـيـلـومـتـر مــربــع. ومـــع ذلــــك، يـــرى الــنــاظــر إلـــى خريطة مــيــركــاتــور الــجــزيــرة الـقـطـبـيـة قـريـبـة مـــن أفـريـقـيـا في الحجم، بينما تتسع القارة في الواقع لنحو أربعة عشر ضعفا من مساحة غرينلاند. المقارنة لا تقف عند هذا المثال المدرسي. أفريقيا أكبر من روسيا بما يقارب الضعف، وأكبر من أوروبا بنحو ثـاثـة أضــعــاف، وأوســــع مــن أمـيـركـا الشمالية، وفــــي داخـــــل حــــدودهــــا يــمــكــن أن تــســتــوعــب الـــولايـــات المـتـحـدة والــصــن والـهـنـد والــيــابــان والمـكـسـيـك وجـــزءا كبيرا من أوروبا، ويبقى فيها متسع. هـــذا الـتـشـويـه لـيـس تفصيلا جـمـالـيـا. مــع تـكـرار الـــصـــورة نـفـسـهـا فـــي المــــــدارس والـــنـــشـــرات الإخــبــاريــة والمكاتب والمنصات الرقمية، تتحول المبالغة الهندسية إلــــى حـقـيـقـة نـفـسـيـة. يــبــدو الــشــمــال أضــخــم مــمــا هــو، وتنكمش أفريقيا وأميركا الجنوبية ومناطق واسعة من آسيا بصرياً. غـيـر أن الإنـــصـــاف الـعـلـمـي يـقـتـضـي الـفـصـل بين أصـل الأداة وسـوء استعمالها. لم يصمم جيراردوس لتوزيع الوزن السياسي 1569 ميركاتور خريطته عام بـــن الــــقــــارات، بـــل لـخـدمـة المـــاحـــة الــبــحــريــة. الإســقــاط محافظ على الــزوايــا والاتــجــاهــات، ولـذلـك بقي مفيدا لـلـبـحـارة، ثـم صــار مريحا لشبكات الـخـرائـط الرقمية لأنـهـا تـقـوم عـلـى شبكة إحــداثــيــات منتظمة. المشكلة ليست في الابتكار، بل في تحويل أداة صُممت لغرض مـحـدد إلـــى صـــورة مهيمنة للعالم فــي المــجــالات التي تـــكـــون فــيــهــا مـــقـــارنـــة المـــســـاحـــات أهــــم مـــن رســــم مـسـار سفينة. كـــل خــريــطــة مـسـطـحـة تــنــطــوي بـــالـــضـــرورة على تشويه. الكرة لا تُبسط على ورقــة من دون التضحية بــدقــة المــســاحــة أو الـشـكـل أو المــســافــة أو الاتـــجـــاه. من هنا، لا تكمن قـوة الـقـرار الأمـمـي فـي استبدال خريطة كاملة بـ«خريطة خاطئة»، إذ لا توجد خريطة مسطحة كاملة، بل في إقرار مبدأ بسيط طالما تجاهلته العادة: اختيار الإسـقـاط الأنسب لكل غــرض. إسقاط «الأرض بويان شافريتش 2018 المتساوية»، الـذي وضعه عـام وتوم باترسون وبرنهارد جيني، يحافظ على النسب الحقيقية لمساحات القارات مع شكل أقرب إلى المألوف من إسقاطات المساحة المتساوية الأقدم، ولذلك يصلح للتعليم والإعـــام وعــرض البيانات العالمية أكثر مما يصلح ميركاتور. أما الملاحة الجوية والبحرية، فيمكن أن تـواصـل اسـتـخـدام الإسـقـاطـات الملائمة لوظيفتها، وهو ما نص عليه القرار صراحة. الــخــرائـط ليست مــرايــا مــحـايـدة. اخـتـيـار المـركـز، ووضع الشمال في الأعلى، وتكبير منطقة على حساب أخـــــرى، قــــــرارات تــؤثــر فـــي المــخــيــلــة. الــطــفــل الــــذي يــرى أفريقيا أصغر مما هي عليه لا يتلقى معلومة جغرافية فــحــســب، بـــل يــتــشــرب، مـــن دون وعـــــي، تـرتـيـبـا رمــزيــا للعالم: قـــارات تـبـدو مـركـزيـة وضـخـمـة، وأخـــرى تبدو هامشية ومحدودة. دراســــات الـجـغـرافـيـا الـنـقـديـة، مـنـذ أعــمــال ج. ب. هارلي، بيّنت أن الخريطة ليست وصفا بريئا للمكان، بل نظام تمثيل ينتج معنى سياسياً. ولا يصح الادعاء بــأن إسـقـاط مـيـركـاتـور هـو الـــذي صنع الاسـتـعـمـار أو التخلف أو اخــتــال مــوازيــن الــقــوة. لـكـن مــن الـسـذاجـة أيـــضـــا إنـــكـــار أن الـــصـــور المـــتـــكـــررة تــســهــم فـــي تثبيت الـتـصـورات الـتـي تـبـرر تلك الاخـــتـــالات، وفــي تصغير المـــشـــكـــات الـــتـــي تـــقـــع عـــلـــى أرض واســــعــــة: مــــن الأمــــن الغذائي إلى الهجرة والمناخ والبنية التحتية. من هذه الزاوية، يتجاوز تحرك توغو والاتحاد الأفريقي رسم الحدود. القارة التي طالما جرى تعريفها وقياسها من خارجها انتقلت من موقع الاعتراض إلى موقع اقتراح معيار عالمي. الحملة لم تبدأ في نيويورك. أطلقتها منظمتان أفريقيتان «أفريقيا نـو فلتر» و«سبيك أب أفريقيا»، تحت عنوان «صححوا الخريطة»، ثم تبناها الاتحاد ، وأقرّتها قمة رؤســاء الـدول 2025 الأفريقي في صيف ، قـبـل أن 2026 فــي دورتــهــا الـتـاسـعـة والـثـاثـن مطلع تـرفـعـهـا تـــوغـــو إلــــى الـجـمـعـيـة الـــعـــامـــة. ربــــط الاتـــحـــاد : «العدالة للأفارقة ولذوي 2025 المبادرة بموضوع عام الأصـــــول الأفــريــقــيــة عـبـر جـبـر الـــضـــرر»، أي إنـــه وضـع التصحيح البصري داخل معركة أوسع على السردية والتمثيل. التأييد الكاسح في الأمـم المتحدة يؤكد أن المطلب ليس خصومة عاطفية مـع أوروبــــا، بـل قضية علمية وتربوية يمكن أن يتوافق عليها معظم المجتمع الدولي. وقـوف فرنسا وبريطانيا ومعظم أوروبـا إلى جانب النص دليل على ذلك. أما الموقف الأميركي فيستحق قراءة مستقلة. لم تجادل واشنطن في الأرقـــام. جادلت في الإطـــار. قالت المندوبة الأميركية إن القرار «يسخر من عمل المؤسسة»، وإنه لا ينفصل عن «مشروع آيديولوجي جذري» يربط الخرائط بجبر الـضـرر و«الـعـدالـة المعرفية»، وإن مثل هـذه النصوص «قـواقـع» تثقل عمل المنظمة وتُضعف شــرعــيــتــهــا. هــــذا الاعــــتــــراض يـكـشـف انــقــســامــا أعــمــق: هـــل تـصـحـيـح الـتـمـثـيـل الــبــصــري عـمـل تـقـنـي مـحـايـد، أم جـــزء مــن إعــــادة تــوزيــع الــرمــزيــة الــدولــيــة؟ الأغلبية اختارت الجواب الأول من دون أن تنكر البعد الرمزي. والامتناعات الستة، ومعظمها من شرق أوروبا، تذكّر بـأن حتى الخريطة «العادلة» قد تُقرأ بعيون نزاعات أخرى، لا سيما حين تُصغَّر الكتل الشمالية بصريا أو يُعاد رسم روسيا في إسقاط مختلف. وهــنــا يــجــدر الـتـذكـيـر بـــأن المـــوضـــوع ظــل هاجسا للرئيس السنغالي السابق ماكي صال، خصوصا خلال ، حين كان يكرر أن 2022 رئاسته للاتحاد الأفريقي عام لأفـريـقـيـا حـقـا فــي مقعد أوســـع داخـــل المـؤسـسـات التي تقرر مصير العالم. قال لي غير مرة، وهو يتأمل خريطة تـصـغّــر الـــقـــارة: «هــــذا لا يـعـقـل». كـــان يـــرى أن أفـريـقـيـا، بمساحتها وثـقـلـهـا الــبــشــري ومــــواردهــــا، لا يــجــوز أن تبقى أسيرة صورة تنتقص من مكانتها. لم أكن أتصور يومها أن تجعل الجمعية الـعـامـة هــذا الأمـــر جـــزءا من اهتمامها، ثم تتخذ بشأنه قرارا بهذه الأغلبية. القرار يلتقي مع المعركة التي حملها صال: وضع أفـريـقـيـا فــي قـلـب الـحـسـابـات الــدولــيــة، لا عـلـى هامش الخريطة ولا على هامش القرار. غــيــر أن الانـــتـــصـــار الـــرمـــزي لا يــجــوز أن يـتـحـول إلــى احتفال مكتف بنفسه. الـقـرار غير مـلـزم، وقيمته سـتـتـحـدد بــمــا يــلــيــه. الــكــتــب المـــدرســـيـــة والأطــــالــــس ما زالـت تعيد إنتاج ميركاتور. كثير من نشرات الأخبار والتقارير الدولية يرسم العالم بالمنطق نفسه. منصات رقمية كبرى أبقت الإسقاط قديما في الواجهة الأسهل، حـــتـــى حــــن انــتــقــلــت بـــعـــض واجـــهـــاتـــهـــا المــكــتــبــيــة إلـــى الـكـرة ثلاثية الأبــعــاد. البنك الــدولــي بــدأ منذ سنوات اسـتـخـدام إسـقـاطـات المساحة المتساوية فـي الخرائط الثابتة، وهذا مؤشر على أن التحول ممكن حين تتغير مواصفات الطلب لا الشعارات وحدها. على وزارات التربية الأفريقية أن تراجع المناهج، لا بـوصـف التصحيح درســـا فــي الــكــرامــة فـحـسـب، بل درســــا فــي مـنـهـج الــعــلــم: لـكـل خـريـطـة غـــرض وحــــدود. وعــلــى المــؤســســات الإعــامــيــة الأفــريــقــيــة أن تــكــون في مـقـدمـة الــتــحــول، لا أن تنتظر دور الـنـشـر والـشـركـات العالمية كي تعيد إليها صورتها الصحيحة. الأهـــــم أن «تـصـحـيـح الــخــريــطــة» يــجــب أن يـكـون مدخلا لسيادة معرفية أوسع. القارة لا تحتاج فقط إلى أن تظهر بمساحتها الحقيقية، بل إلـى امتلاك أدوات إنتاج الصورة: الأقمار الاصطناعية، والمسح الأرضي، والــــخــــرائــــط الـــرقـــمـــيـــة عـــالـــيـــة الــــدقــــة، وبـــيـــانـــات المـــنـــاخ والزراعة والمدن والمـوارد والمخاطر. المفارقة التحليلية أوضح من أي شعار. أفريقيا تحمل اليوم نحو خُمس سكان العالم، وغالبيتهم في سن العمل المقبلة، غير أن حصتها من الناتج العالمي ما زالــت تــدور حـول ثلاثة في المائة. الخريطة العادلة تزيل وهما بصرياً، لكنها لا تغلق هذه الفجوة. امتلاك الصورة من دون امتلاك بيانات الإنتاج والتبادل والتمويل يظل إنجازا ناقصاً. لـــم يـتـغـيـر حـجـم أفـريـقـيـا بـعـد الــتــصــويــت. الـــذي تغير هو استعداد معظم العالم للاعتراف بأن الصورة الـقـديـمـة لــم تـكـن مـنـاسـبـة لـكـل الاســتــخــدامــات. الــقــارة ليست بحاجة إلى مبالغة مضادة. حقيقتها الجغرافية تكفي: ثانية القارات مساحةً، وثانية السكان، ومخزن هائل للمعادن والطاقة المتجددة والأراضــي الزراعية، ومسرح مبكر لأزمة المناخ. الخريطة الـعـادلـة لـن تنهي الـحـروب أو الفقر أو الــديــون. لكنها تـزيـل درســا بصريا مضللا ظـل معلقا على جـــدران المـــدارس طـويـاً، وتعيد طـرح ســؤال أدق: إذا كانت القارة بهذا الاتساع، فلماذا بقيت أصغر من حجمها في السياسة والاقتصاد والمعرفة؟ أحيانا يبدأ تصحيح موقع قارة في العالم بتصحيح الطريقة التي تُـــرى بـهـا. أمـــا اسـتـكـمـال التصحيح فـيـبـدأ حــن تنتج أفريقيا خرائطها وبياناتها ومعاييرها، لا حين تكتفي بأن يراها الآخرون أكبر قليلا على الورق. Issue 17452 - العدد Wednesday - 2026/9/9 الأربعاء ، اكتمل بناء 1961 ) في الثالث عشر من أغسطس (آب الجدار الـذي فصل لاحقا بين ألمانيا الشرقية والغربية، سقط بعد 1989 ) وفي التاسع من نوفمبر (تشرين الأول الاحتجاجات الشعبية الـعـارمـة، وإعـــان حكومة ألمانيا الشرقية، فتح الحدود؛ ما أدى إلى إعادة توحيد ألمانيا. هـل شهدت ألمانيا الأحــد المـاضـي، سقوطا مشابها لجدار آخر، الجدار العازل، والذي عملت القوى السياسية والــحــزبــيــة الألمـــانـــيـــة عــلــى بــنــائــه وتـــقـــويـــة مــدامــيــكــه في العقدين الماضيين، ليكون بمثابة حائط صد ورد، ضد تغول اليمين المتطرف وتصاعد الشعبوية الحاملة في ثناياها وحناياها تجربة جمهورية فايمار؟ قبل أسبوع واحد من انتخابات ولاية ساكسونسا - أنـهـالـت، خـرجـت المـسـتـشـارة الألمـانـيـة السابقة أنجيلا مـيـركـل بـتـصـريـحـات لافـتـة حـــول صـعـود حـــزب «الـبـديـل مـن أجــل ألمـانـيـا»، عـــادَّة أن قــوة الـحـزب لـم تعد مقتصرة على الولايات الشرقية، بل أصبحت ظاهرة على مستوى ألمانيا كلها، ومشيرة إلى تقدمه في ولايات غربية. المــســتــشــارة الـسـابـقـة الــتــي تُـــعـــد فـــي تـقـديـر اليمين الألماني، السبب الرئيس في أزمة اللاجئين والمهاجرين، دعت الألمان إلى ما سمَّته «الدفاع عن الديمقراطية»، بعد أن جعل «البديل» نفسه محورا دائما للنقاش السياسي في البلاد. عـــشـــيـــة الأحـــــــــد المــــــاضــــــي تـــحـــقـــقـــت تــــوقــــعــــات مـــيـــركـــل في المائة 43 الاستشرافية، حين فاز حزب «البديل» بأكثر من من أصوات الناخبين في ولاية ساكسونيا - أنهالت؛ ما يعني أن ألمانيا دخلت بالفعل مرحلة سياسية جديدة لم تعد فيها الأحزاب التقليدية قادرة على تجاهل صعود «البديل». الفوز المريح لليمين المتطرف في ساكسونيا يجعله قاب قوسين أو أدنى، وللمرة الأولى من بوابة الحكم في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث سيطر النازي على عموم البلاد. أما التقدم بفارق هائل على بقية الأحــزاب الألمانية المنافسة، لا سيما الحزب المسيحي الديمقراطي، فقد دفع أولريش زيغموند زعيم الحزب للقول: «لقد كتبنا تاريخ البلد»، متعهدا بتغيير سياسي جذري وتشديد سياسة الهجرة. هـل هــذا الـصـعـود الـسـريـع لــ«الـبـديـل» يبعث إنـــذارا سياسيا في ألمانيا، ويهدّد بإعادة رسم المشهد الحزبي وفتح الباب أمام تمدد اليمين إلى السلطة الكاملة؟ يبدو أن ما جرى هو سقوط للجدار الثاني، أو حائط العزل، ذاك الـذي تكلم عنه نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، قبل أسبوع واحد من الانتخابات العامة التي ، حين ألقى خطابا تاريخيا أمام مؤتمر 2025 أجريت عام ميونيخ للأمن، دعا فيه الأحـزاب الألمانية الرئيسية إلى التخلي عن الطوق الذي تفرضه على حزب «البديل». يـــخـــطـــر لـــنـــا الـــــتـــــســـــاؤل: «هــــــل مـــــا جــــــرى فـــــي ولايـــــة ساكسونيا، يمكن أن ينسحب على بقية أرجـــاء ألمانيا الــصــاعــدة مـــن رمــــاد الـفـيـنـيـق أوراســـيـــا ولــيــس أوروبـــيـــا فحسب؟». من الواضح أن فوز ساكسونيا أزعج الكثيرين من الألمــان، والذين عـدّوا الأمـر بمثابة تكرار لنشوء وارتقاء ، والـــتـــي كـانـت 1933 و 1919 جــمــهــوريــة فــايــمــار مـــا بـــن الأســــاس الآيــديــولــوجــي لتصعيد طـــرح الـــرايـــخ الـثـالـث، وما جرّه على أوروبا والعالم، من كوارث الحرب العالمية الثانية. نــهــار الانـــتـــخـــابـــات، ارتـــفـــع صـــوت أحـــد كــبــار رجـــال الدين الألمان، غيرهارد فايغه، أسقف ماغديبورغ عاصمة ولاية ساكسونيا، بالدعوة إلى مقاومة ما وصفه بـ«الفكر القومي المـعـادي لـأجـانـب»، ومـحـذرا مـن قــوى سياسية قـال إنها تـزرع الانقسام وتؤجج المخاوف وتريد تقييد الحقوق والحريات. منطلقات الــرجــل ليست ديـنـيـة، بــل مـدنـيـة تتعلق بالمجتمع الألماني بأكمله، وما يمكن أن يصيبه من جراء الــتــشــرذم والاســتــقــطــاب داخــــل الـعـائـلـة الــــواحــــدة، وعـبـر الدروب التي جمعت الجيران والأصدقاء من قبل. هــــل مــــن يــخــشــى أن تـــكـــرر ألمـــانـــيـــا أخــــطــــاء ســابــقــة عـــاشـــتـــهـــا فــــي أزمــــنــــة «الــــفــــوهــــرر» تــــــــارة، وتـــحـــت وطــــأة الاتـــحـــاد الـسـوفـيـاتـي تــــارة أخــــرى، هــنــاك حـيـث تـتـراجـع الديمقراطيات، وتنتكس الليبراليات، وتعود الرأسمالية القهقرى؟ غــــداة فـــوز حـــزب «الـــبـــديـــل»، قـــال شـتـيـفـن كامبيتر، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لأرباب العمل، إن «ألمانيا على هذا النهج تمضي في سياقات الانغلاق الذي يسمم مكانتها الاقتصادية». يلفت النظر فـي ردود الفعل الأولــى لفوز «البديل» أمــــران، ارتــبــاك أوروبـــــي، ومـــا يشبه الـتـرحـيـب الأمـيـركـي الشعبوي لا الحكومي. الأوروبيون يتساءلون منذ ليلة الأحد جهرا وسرا عــن احــتــمــالات انـسـحـاب الــفــوز عـلـى الأحـــــزاب اليمينية المـمـاثـلـة فــي فـرنـسـا وإيـطـالـيـا بـنــوع خـــاص فــي الـقـريـب العاجل، وبقية دول القارة تالياً. أميركياً، أرسل الرجل المعجزة إيلون ماسك رسالة تهنئة لزيغموند قــال فيها: «أحسنتم»، عـارضـا صفقة تعاون لم تظهر ملامحها على السطح بعد. هل أوروبا أمام تحول جيوسياسي هيكلي؟ يمكن القطع بأن الشعبوية لم تعد تصويتا عقابياً، بل استجابة لأزمــات محورية في قلب الـدولـة الوطنية: الأزمة الاقتصادية، والثقة المؤسساتية، وإشكالية الهوية الثقافية، وجميعها تحتاج إلى قراءات معمقة. الخلاصة: زلــزال ألمانيا، لا بد له تبعات وارتـــدادات عبر الجانب الآخر من الأطلسي من جهة وفي قلب أوروبا من جهة تالية... إميل أمين عبد الله ولد محمدي OPINION الرأي 14 ساكسونيا ــ أنهالت... سقوط جدار ألمانيا الثاني حين تستعيد أفريقيا حجمها الحقيقي على الخريطة ليبيا... رقص الديكة الذبيحة قـبـل ظــهــور صـنـاعـة ذبـــح الــدواجــن آلياً، كان الناس يذبحون دواجنهم على عتبات البيوت. وفي مشاهداتي صغيراً، كــانــت الـــديـــوك أكــثــر الـــدواجـــن المـذبـوحـة انتفاضاً. وشاهدت والاندهاش يغمرني بعضها يركض هاربا بلا اتجاه من شدة البأس، ثم تهمد مسلّمة الروح. «رقـــــصـــــة الـــــديـــــك المــــــذبــــــوح» مـــجـــاز اســـتُـــعـــيـــر فــــي الـــقـــوامـــيـــس الــســيــاســيــة. الـــذيـــن لـــم يـسـعـفـهـم الـــحـــظ مـــن صــغــار الـــــســـــنّ، ولــــــم يــــشــــاهــــدوا تـــلـــك الـــرقـــصـــة بــإمــكــانــهــم حــالــيــا مــشــاهــدتــهــا تُــعــرض حـــــيّـــــة عــــلــــى ركـــــــح المـــــســـــرح الـــســـيـــاســـي الليبي، بعد توافق لجنة سياسية من حــكــومــتــي طـــرابـــلـــس وبـــنـــغـــازي (لـجـنـة ) برعاية أممية مؤخراً، على إصدار 4+4 قــــــرارات تــــم بـمـوجـبـهـا تــخــطّــي مـــا كــان مـنـصـوبـا مــن حــواجــز فــي الــطــريــق، من قِــبـل مجلسي الــنــواب والـــدولـــة، لعرقلة إجــــــراء انـــتـــخـــابـــات نــيــابــيــة ورئـــاســـيـــة. أهـــم تـلـك الــحــواجــز اثـــنـــان: الأول قــررت الــلــجــنــة الـــســـمـــاح لـلـعـسـكـريـن بــدخــول الانــــتــــخــــابــــات شـــــرط اســـتـــقـــالـــتـــهـــم بـعـد ظهور النتائج ونجاحهم. والثاني السماح لمزدوجي الجنسية بـــدخـــول الانـــتـــخـــابـــات الـــرئـــاســـيـــة شــرط تـــخـــلـــيـــهـــم عـــــن جـــنـــســـيـــاتـــهـــم الأجـــنـــبـــيـــة قــبــل تـــولـــي مــنــاصــبــهــم. بــــإزاحــــة هـذيـن الحاجزين أو تخطّيهما، بــدت الطريق مــــمــــهــــدة لـــعـــقـــد الانــــتــــخــــابــــات فـــــي مــــدة شـــهـــرا مـــن تـــاريـــخ إصــــدار 24 أقـــصـــاهـــا الـــقـــرارات. الأهـــم فـي كـل ذلــك أنّـــه لـم يعد في مقدور مجلسي النواب والدولة فعل شيء لإيقافها أو تعطيلها. وقد مُنح المجلسان من قبل البعثة الأممية مهلة شهر للموافقة على قرارات اللجنة وصياغتها قانونيا بما يتسق والاتــفــاقــات الـقـائـمـة. وفــي حـالـة انتهاء المــــــدة مــــن دون حــــــدوث مـــوافـــقـــة، يُــعـقـد مــؤتــمــر مـــوسّـــع مـــن عــــدة أطـــــراف يـهـدف المــوافــقــة عـلـى الـــقـــرارات وتـحـويـلـهـا إلـى مجلس الأمـــن الـــدولـــي لمنحها الصبغة )4+4 الشرعية الـدولـيـة. قــــرارات (لجنة عـــــدّهـــــا كـــثـــيـــر مـــــن المـــعـــلـــقـــن الــلــيــبــيــن إيجابية، كونها حسب وصفهم تمكنت مــن وضـــع الـحـصـان أمـــام الـعـربـة للمرّة دول 10 الأولـى، كما حظيت أيضا بدعم غــربــيــة، إلا أنّــهــا لــم تــحــظ بــدعــم رئيس المــــجــــلــــس الـــــرئـــــاســـــي ورئـــــيـــــس مــجــلــس الدولة. وأصدر رئيس مجلس النواب بيانا بـــدعـــم مــــشــــروط بـــتـــوافـــق الـــــقـــــرارات مـع الاتـفـاقـات الـسـابـقـة. وفــي الـوقـت نفسه نـائـب مـن المجلس 100 أصـــدر أكـثـر مـن بيانا بموافقتهم. المقصود في العنوان أعـــــــــاه «رقـــــــــص الــــــديــــــوك المـــــذبـــــوحـــــة»، الجعجعة الصادرة عن الرافضين لتلك الــــــقــــــرارات بـــحـــجـــج مــخــتــلــفــة. بـعـضـهـم يرفضونها؛ لأنّهم لم يكونوا طرفا على مناضد التفاوض، وأغلبهم يرفضونها لأن عـــقـــد الانــــتــــخــــابــــات يـــعـــنـــي حــرفــيــا نهايتهم سياسياً. أكثر الجلبة تصدر من داخل أروقة المــجــلــس الـــرئـــاســـي نــفــســه، فـــي حـــن أن العضو الثالث مـوسـى الكوني كــان من ضـمـن الـحـاضـريـن عـلـى تـوقـيـع الاتـفـاق ومن المباركين له. وهذا يعني قانونيا انتفاء الشرعية عــــــن أي قــــــــــــــرارات يـــــصـــــدرهـــــا المـــجـــلـــس الـرئـاسـي؛ لأن بنود الاتـفـاق تنص على مــوافــقــة الأعـــضـــاء الــثــاثــة (بـــالإجـــمـــاع) عــلــى أي قــــــرارات يــصــدرهــا المــجــلــس. لا أحــد بإمكانه التكهّن بـالمـسـار الـــذي من الممكن أن تأخذه الأحـداث، نتيجة غياب الـــضـــمـــانـــات، وكــــذلــــك حـــجـــم المـــعـــارضـــة لــــاتــــفــــاق مـــــن الــــجــــمــــاعــــات الإســــامــــيــــة على اخـتـافـهـا، خصوصا فـي مدينتي طـرابـلـس ومــصــراتــة. الــافــت فــي الأمـــر، أن رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الــدبــيــبــة حـــافـــظ عــلــى هــــدوئــــه، وابــتــعــد عــــــن الإدلاء بــــتــــصــــريــــحــــات إعــــامــــيــــة، مكتفيا بمشاهدة خصومه في الساحة يـتـخـبّــطـون مـثـل ديــــوك مــذبــوحــة تــؤدي رقصة أخيرة. جمعة بوكليب
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky