«الــــيَــــمْــــنَــــنَــــة: الأزمــــــــة الـــيـــمـــنـــيـــة» بــتــفــاصــيــلــهــا المـــعـــقـــدة والمتشابكة لم تنته بعد، لكنها ستنتهي حتماً، ما لم يُضيِّع فرص إنهائها من يزايد بمعاناة اليمنيين من دون أن يعنيه تحقيق السلام. ولـــوطـــأة المــعــانــاة وفــــرط المـــزايـــدة بــهــا، يتعجل الـنـاس الـنـهـايـة. لهم كـل الـحـق فـي التعجل؛ لـكـن لـلـظـروف أحكاما تــفــرض مـــراعـــاة مـجـريـات الـــصـــراع المـحـلـي، ومــــدى ارتـبـاطـه بتأثيرات إقليمية، وأبعاد دولية، إلى أن ظهر «قيحٌ» يحاول تعكير «البحر الأحمر». وبُــغــيــة مــنــع تـــمـــدد آثـــــار هــــذا «الـــقـــيـــح»، يــتــابــع الـعـالـم المـواجـهـات بـن الــقــوات المسلحة والميليشيا الحوثية غرب الــيــمــن، وبــعــض مـنـاطـق أخـــــرى، حـيـث يـتـقـاصـف الــطــرفــان، ويـــتـــبـــادلان المُـــســـيّـــرة بـــالمُـــســـيّـــرة، والـــــصـــــاروخ بـــالـــصـــاروخ. تـصـدرت هــذه المـواجـهـات ألـويـة المـقـاومـة الوطنية بالقوات المسلحة في الساحل الغربي، وأعقبتها تعزيزات بقية القوات الفاعلة بتوجيه من مجلس القيادة الرئاسي. هذه المواجهات تجددت بعد هدنة دامت أربع سنين من ، تخللتها 2026 ) حتى أغسطس (آب 2022 ) أبـريـل (نـيـسـان خـروقـات الميليشيات، وتعطيل المصالح العامة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، فضلا عما تفرضه من إجراءات جائرة ضد المواطنين في مناطق سيطرتهم غير الشرعية. ما كان لعاقل أن يرجو اشتعال النزاع المسلح من جديد، وعـــودة الحديث عـن ضحايا يمنيين هنا وهـنـاك؛ لكن هذا ديدن من لا يريد استقرار البلاد. ومـثـلـمـا فــرضــت الــــظــــروف فـــي الأمـــــس عــلــى الـسـلـطـات اليمنية التأني، فإنها اليوم تقتضي أداء واجب الردع... فمن لم يرض بالسلم يرضى بغيره. كم توسل العقلاء السبل المثلى لإنهاء «اليَمْنَنَة»؛ ومُدَّت يد السلام إلى الحوثيين مباشرة وعبر الوسطاء غير مرة، ووُضــعــت خـريـطـة الـطـريـق الأمـمـيـة الـتـي بللتها الميليشيا ؛ لـكـن الــســام شـــاق على 2023 بـمـيـاه الـبـحـر الأحــمــر نـهـايـة ميليشيا ألِفت الحرب، والتصعيد، أكان عن قصد من داخل القفار، أم بتوجيه من وراء البحار. ورغم التصعيد الأخير، والجاهزية المُعلَنة في «الضفة الـشـرعـيـة»، فــإن يـد الـسـام مــمــدودةٌ، وبـــاب المصالحة يبقى مواربا لمن يريد إنهاء معاناة اليمنيين، ولا يأنف الانضواء تحت ظل دولة ترعى جميع المواطنين. مَــــن «يــحــكــي انــتــفــاخــا صـــولـــة الأســــــــدِ»، ويــنــكــر وجـــود الآخرين، ويـزدري حق المواطنين في الحياة الحرة الكريمة، عـلـيـه ألا يــظــن أن الـــبـــاطـــل مـسـتـمـر إلــــى الأبــــــد، أو أن طـاقـة الاحتمال لا تنفد. صـحـيـح أن: «واحـــتـــمـــال الأذى ورؤيـــــة جـــانـــيـــه... غـــذاء تَضوي بها الأجسامُ». لــكــن الـــعـــزائـــم تَـــقـــوى عــلــى إنـــهـــاء الأذى الــــذي يـتـجـاوز الـــحـــدود... لأن لـــأذى عــواقــب، وللباطل جـولـة، والـحـسـم له أوان. والشاهد أراضي وجبال غرب تعز، وجنوب الحديدة، وما حققت وتحقق وستحقق ألوية وقوات المقاومة الوطنية، والتهامية، ودرع الوطن، والعمالقة التابعة للقوات المسلحة اليمنية مـن تـقـدم يحبط تسلل الميليشيا. إذ لـم يعد هناك «خـط أحمر» يتم تـجـاوزه، بل «بحر أحمر» يفرض حمايته يمنيا أولاً. ولأن لكل ميدان أهله: «وللحروب رجال يُعرَفون بها... وللدواوين حُسّاب وكُتّابُ». تـرى أيضا أن للبناء والإعـمـار وإرســـاء أسـس السلام_ لـلـيـمـن نـــســـاء ورجـــــالا يـسـعـون فـــي سـبـيـلـه، ويـنـشـطـون في مشاريعهم، وبرامجهم، ومؤسساتهم، ودوائرهم الحكومية، وغـــيـــر الـــحـــكـــومـــيـــة، ويـــجـــابـــهـــون غــــوايــــة الأزمـــــــــات، وضــــال الحروب. لئن حاولت الميليشيا تضييع اليمن، وإقحامه في حرب لا ناقة له فيها، ولا علاقة، وإحــراق جسور الصداقة مع من يفيد كل اليمنيين، فثمة من يحفظ اليمن، ويعينه، ويأخذ بيده، ويسعى في إنهاء «اليَمْنَنَة» فاعلا غير منفعل، وغير متواكل، ولا يُضيع الله أجـر من يحفظ اليمن، وينهي ألمه، ومعاناته. لـــيـــس الانــــقــــســــام بـــــن الـــلـــبـــنـــانـــيـــن بــــشــــأن مــســائــل تفصيليّة أو هامشيّة في الحياة الوطنيّة، بل هو بشأن خـيـارات استراتيجيّة: كيف نـحـرّر الأرض مـن الاحـتـال الإسرائيلي، الذي يرى البعض أننا استجلبناه لأنفسنا مــــجــــدداً؟ كـــيـــف نـــنـــفّـــذ قــــــرار حـــصـــر الــــســــاح بـــيـــد الـــدولـــة الـلـبـنـانـيّــة؟ مــا مستقبل الـعـاقـات اللبنانيّة - الـسـوريّــة خصوصا بعد سقوط نظام الأســد في ديسمبر (كانون ؟ كيف تُعاد ودائـع المودعين بعد مرور نحو 2024 ) الأول سنوات على أكبر أزمة انهيار مالي؟... وسوى ذلك من 6 الأسئلة المصيريّة والمركزيّة التي قلّما استطاع أحد تقديم إجابات حاسمة عنها. وإذا كان اللبنانيون قد استبشروا خيرا باستعادة عجلة عمل المـؤسـسـات الـدسـتـوريّــة مـع انـتـخـاب العماد جـــوزيـــف عــــون لــرئــاســة الــجــمــهــوريّــة فـــي يــنــايــر (كــانــون ، بـعـد أن كـــان التعطيل هــو سـمـة المـوقـف 2025 ) الــثــانــي لسنوات متلاحقة، مما أدّى إلـى تأخير اتخاذ كثير من القرارات وتعثرها، فإن طبيعة التركيبة اللبنانيّة المعقدة تشي بأنه حتى سير المؤسسات يتطلب قدرا من التفاهم الــوطــنــي بـالـحـد الأدنـــــى، مـــن دون أن يـعـنـي ذلـــك مطلقا القبول بفكرة التعطيل أو تبريرها. صحيح أن مـوازيـن الـقـوى تغيّرت، وأن آلية اتخاذ القرارات صارت أعلى انسيابية في مكان معيّ، وهذا أمر مطلوب لتسيير عجلة الحكم والدولة، لكن هذا لا يعني أن القدرة على تطبيقها تتسم بالانسيابيّة نفسها. ثمّة قــــرارات كـبـيـرة اتُّـــخـــذت، خـصـوصـا بـشـأن حـصـر الـسـاح بــيــد الــــدولــــة، وجـــعـــل بـــيـــروت مــديــنــة مـــنـــزوعـــة الـــســـاح، وهـي قــرارات محقة من حيث مفهوم قيام الدولة وبسط سيطرتها على كامل أراضيها كما هو معمول به في كل دول العالم، إلا إن وضعها موضع التنفيذ لا يبدو يسيرا على ضوء التعنت الداخلي المدفوع بدعم خارجي. بــطــبــيــعــة الـــــحـــــال، لـــيـــس المــــقــــصــــود بــــهــــذه المـــســـألـــة التأشير إلى إعادة استنباط الصيغ السابقة مما سُمّيت «الديمقراطيّة التوافقيّة» التي من المفترض أن تكون من أرقــى أشـكـال الديمقراطيّات التي تقطع الطريق على أن تشعر أي فئة بالغبن والتهميش، شرط عدم استغلالها الـتـعـطـيـل وشــــل عـمـل المــؤســســات أســــوة بـمـا كـــان حصل في لبنان خلال السنوات التي تلت الانسحاب العسكري ، وسيطرة «حزب الله» على القرار 2005 السوري في عام السياسي اللبناني. إن الاستغلال السياسي الذي حصل لهذه السمة «التوافقيّة» عطّل عمليّا الحياة الديمقراطيّة اللبنانيّة، وأدخلها نزاعات كادت تلامس الحرب الأهليّة للعاصمة بيروت مثالاً). 2008 (غزوة مايو/ أيار لقد ضــاق اللبنانيون ذرعـــا بـهـذه المـمـارسـات التي بــعــثــرت إمـــكـــانـــيّـــة حـــــدوث تـــقـــدّم حـقـيـقـي عــلــى مـسـتـوى تـطـويـر ديـمـقـراطـيـتـهـم الــهــشّــة وهـــي تـعـانـي مـــن الـلـوثـة الطائفيّة والمذهبيّة التي تُستحضَر عند كل استحقاق أو منعطف، وأدخلتهم حروبا لا تنتهي أفقدتهم إنجازهم عندما انسحب الجيش 2000 التاريخي الذي تحقق سنة الإسرائيلي من الأراضــي اللبنانيّة المحتلة من دون قيد أو شرط ومن دون توقيع معاهدة سلام أو حتى اتفاقيّة ترتيبات أمنيّة. ولـكـن مــع كــل ذلـــك، ومـــع أحـقـيّــة المـشـاعـر اللبنانيّة التي تريد «الخلاص»، فلا مفر من الصمود، فالخلاص لا يمكن أن يـكـون بـــأي ثـمـن وكيفما اتــفــق. ثـمـة مـبـادئ ومسلمات وطنيّة لا يمكن القفز فوقها أو إشاحة النظر عنها، وهـي تتصل بتحرير الأرض المحتلة التي تشكل فـــي المـــائـــة مـــن مــســاحــة لــبــنــان، وتــضــم مـــا يـزيـد 6 نــحــو ألف مواطن لبناني، 200 قرية هُجّر منها نحو 60 على فضلا عن الحاجة إلى وقف الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان التي لا يمكن اختصارها فـي تلة «علي الطاهر» الاستراتيجيّة. ومـــع بـــروز معضلة «تـسـلـيـم الــســاح أم الانـسـحـاب أولاً»، فسوف تمر سنوات قبل أن يستعيد لبنان استقراره التام، وسيبقى يسير على شفا الانفجار الداخلي الذي تغذيه الانقسامات بشأن الخيارات الاستراتيجيّة التي أشرنا إليها في الأسطر الأولــى من هـذا المقال، وسيدفع الـجـنـوبـيـون الـلـبـنـانـيـون أثــمــانــا مـضـاعـفـة لــخــيــارات لم يشاركوا في صياغتها، وهو تسديد متكرر لفواتير تُدفع منذ زمن بعيد. الأهم أن يعي اللبنانيون أن موازين القوى تغيّرت، وأنه إذا كان المطلوب من أطـراف معيّنة ألا تواصل حالة إنكار هذه المتغيرات، وألا تنفذ أجندات خارجيّة لا علاقة لها بالمصلحة الـوطـنـيّــة اللبنانيّة، فالمطلوب كـذلـك من أطــــراف أخـــرى ألا تستقوي بـعـدو خــارجــي للانقضاض على جهة داخليّة مهما بلغت مستويات الخلاف معها؛ لأن ذلــــك مـــن شــأنــه نــقــل الـــصـــراع إلــــى الـــداخـــل الـلـبـنـانـي والتمهيد لنزاعات أهليّة لا تنتهي ولا طائل منها؛ لا بل ستكون تكرارا ممجوجا وقاتلا لتجارب سابقة لم تجف دماؤها بعد. تـــــحـــــكـــــم الــــــــســــــــجــــــــال بـــــــــن طـــــرفـــــن مختلفين مقدّمات مشتركة ينطلق منها المـــتـــســـاجـــان ويـــبـــنـــيـــان عــلــيــهــا قـــبـــل أن يفترقا. وفي الحالة التي نحن بصددها، يــكــون وجــــود الــبــلــد وحـــاضـــره بـــن تلك المــقــدّمــات الـضـمـنـيّــة. هـكـذا يــدافــع طـرف عـــن اتّـــجـــاه ســيــاســي واقـــتـــصـــاديّ، وعـن تحالفات إقليمية أو دوليّة، يُفترض أن يتبنّاها ذاك البلد الـقـائـم ضمن حـدود مسلّم بها، فيما يدافع الطرف الآخر عن اتّجاه وتحالفات مغايرة... هـــذا كـــام بــديــهــي بـطـبـيـعـة الــحــال، إلا أن غــايــة الـتـذكـيـر بـبـديـهـيّــتـه تبيان مـــدى «الـابـديـهـيّــة» فــي أوضــــاع المـشـرق العربيّ، حيث ينطلق السجال من انعدام المقدّمات المشتركة، أو في أحسن الأحوال مـــن ضـعـفـهـا وهـشـاشـتـهـا. وحـــتّـــى حين تـحـظـى تـلـك المــقــدّمــات بــنــوع مــن الإقــــرار الـلـفـظـيّ، يـتـبـن أن الـسـجـال ينطلق من مــقــدّمــات أخــــرى ضـمـنـيّــة وغــيــر مُــفـصَــح عنها، أو أن المقدّمات المتّفق لفظيّا عليها تـمـلـك تـعـريـفـن يــكــاد واحــدهــمــا لا يمت بصلة إلى الآخر. فـفـي لــبــنــان، مــثــا لا حــصــراً، هناك من يقول بـ»عروبة لبنان» مُسندا إليها وعـــيـــا يـــتـــصـــدّره الــــصــــراع مـــع إســرائــيــل والالــــتــــزام بــشــروطــه، فـيـمـا بـــات آخـــرون يقولون أيضا بـ»عروبة لبنان» قاصدين بها العلاقات الاقتصاديّة العربيّة التي يــرونــهــا شــرطــا لـبـحـبـوحـتـه وازدهــــــاره. وفي العراق، يعلن العراقيّون جميعا أن الــعــراق أولـويّــتـهـم، لكنّهم لا يلبثون أن يفترقوا حـن يــحــدّدون مـن هـم أصـدقـاء العراق ومن هم أعداؤه. ومـــــن عــــامــــات الاخـــــتـــــاف الــشــامــل عــلــى المـــقـــدّمـــات هــــذا الانــــزيــــاح المـتـعـاظـم الـــذي تعكسه الـسـجـالات نحو الـتـاريـخ، لا بــوصــفــه حــركــة ووجـــهـــة، بـــل بـوصـفـه ماضيا زمنيّا مُختَرَعاً. فبحسب كثيرين، تـقـيـم فـــي المـــاضـــي أصــــول الأشـــيـــاء الـتـي تحكم الــتــطــوّرات الـاحـقـة، وهــي أصـول يراها عتاة الهويّاتيّين ثابتة وماهويّة لا تتغيّر. فمَن حكم عليه الماضي بسِمات مـــا، لا يـمـكـنـه فـــي الــحــاضــر، نـاهـيـك عن المـسـتـقـبـل، أن يــغــدو شـيـئـا آخــــر. وهـكـذا يـمـسـي الانـــزيـــاح إلـــى الــتــاريــخ تـأصـيـا لـلـخـاف حـــول الـحـاضـر يُــكـسـبـه جـــذورا وهيكلا عظميّاً. فــالــتــاريــخ الـــــذي اســتــخــدمــه معظم الــــحــــركــــات الـــقـــومـــيّـــة، ابــــتــــداء بــالــحــركــة القوميّة الألمانيّة، بوصفه أبـرز مقوّمات وحــــدة الأمّـــــة والــشــعــب، هـــو نـفـسـه الـــذي يُــســتــخــدم الـــيـــوم بــرهــانــا عــلــى اخــتــاف غـيـر قــابــل لأن يُـــــرأب داخــــل هــذيــن الأمّـــة والــــشــــعــــب. وعــــنــــد الـــتـــجـــمـــيـــع كـــمـــا عـنـد الـــتـــجـــزيء، يــضــاف الـكـثـيـر مـــن الـتـاريـخ المُختَرَع إلى القليل من التاريخ الفعليّ، مـرّة للتدليل على حتميّة الـوحـدة ومـرّة للتدليل على حتميّة الانفصال. و»مـؤرّخـونـا»، بـالأصـل، لـم تجتمع الــحــقــبــتــان والـــوجـــهـــتـــان فــيــهــم. ذاك أن أولـــئـــك الـــذيـــن رأوا فـــي الـــتـــاريـــخ أســاســا لــلــوحــدة كـــانـــوا قــومــيّــن عـــربـــا، أبـــرزهـــم ســـــاطـــــع الـــــحـــــصـــــري ومــــيــــشــــيــــل عـــفـــلـــق، بينما المنشغلون بالجماعات ذهب جل اهتمامهم إلـى جماعاتهم ومـا يُفترض أنّـــه تـاريـخـهـا. هـكـذا هـــب دعـــاة الـتـاريـخ الأوّل فــي وجـهـة تـخـتـرع سلفا مشتركا يُــفـتـرض أن يـتـعـرّف فيه البشر الأحـيـاء إلــى أنفسهم ويعملون على استعادته. لـــكـــنّـــهـــم هـــــبّـــــوا بـــعـــيـــدا مـــــن واقـــــــع الــبــلــد الـقـائـم، مهمومين بمفهوم آيديولوجي هـــو الـــوحـــدة الـــعـــربـــيّـــة. وبــــدورهــــم أعـلـن دعـــــاة الـــتـــاريـــخ الــثــانــي أن الــبــلــد الـقـائـم غـــالـــة رقـــيـــقـــة مــصــطــنــعــة تــقــيــم تـحـتـهـا مشاريع بلدان متوثّبة للقيام، مُظهّرين صفحات الحروب وصفحات التمايز بين الـجـمـاعـات يـــوم لــم تـكـن شـعـوبـا وأمـمـا، ومُــــقــــدّمــــن الانــــفــــصــــال كــــأنّــــه اســـتـــعـــادة للتاريخ الصائب. وفــــي الــــحــــالات جـمـيـعـا فـــــإن تــاريــخ الفصل والتجزئة كثيرا ما يتجانس مع مــا تنتجه «الـــصـــحـــوات»، أكــانــت ديـنـيّــة أم طـــائـــفـــيّـــة أم إثــــنــــيّــــة، وهــــــذه صــاحــيــة ومستنفَرة منذ عقود، كما يحض أحيانا على إعادة نظر بالأسماء، بحيث تتنافس «كـــوبـــانـــي» و»عــــن عـــــرب»، و»قـامـشـلـي» و»قـــامـــشـــلـــو»، و»جـــبـــل بـــاشـــان» و»جــبــل الــــــــدروز» و»جـــبـــل الـــــعـــــرب»... وبـالـطـبـع تستيقظ الأرقـــام والنسب المئويّة، وهي لـم تنم مـــرّة، فتُوغل الجماعات الأقـلّــيّــة، خـــصـــوصـــا المـــســـيـــحـــيّـــن، فــــي حــســابــات الانخفاض المريع الذي شهدته أعدادهم، على مدى قرن، في بلدان المشرق جميعاً. وهـــذا مـا يجعل مسألة «الـــذاكـــرة»، التي يكثر التنويه بها في أزمنة تُمحى فيها المعالم كزمننا، مسألة أشــد تعقيدا من الشكل الذي غالبا ما تُطرح به. والذاكرة ليست واحـدا موحّدا متّفقا عليه بمعزل عــن الـــصـــراع، بــل هــي مُلحقة بــه تنقسم تبعا لانقسامه، إن لم يكن حيال وصف المحو والخراب فحيال تأويل الموصوف. وهــنــا يـكـمـن الانـــســـداد الـكـبـيـر الــذي يجعل الحرب الأهليّة طريقة حياة لا حياة خارجها. فنحن انسحبنا، وننسحب، من الدولة إمّا لنُمركز التاريخ حول ما قبلها الـــذي لا عـــودة إلـيـه، أو لنُمركزه حــول ما بعدها الذي لا سبيل إليه. وإذ يغدو الـصـراع، في جانب كبير مـــنـــه، صـــراعـــا عــلــى ذاك الـــتـــاريـــخ، يفقد الـكـثـيـر مـــن الآراء الــســيــاســيّــة وجـاهـتـه وفــائــدتــه. فـمـا نـفـع أيّــــة حقيقة كتوكيد حصر السلاح في أيدي الدول، أو توكيد وحـشـيّــة الـسـلـوك الإسـرائـيـلـيّ، ومــا نفع تـــكـــرار تـلـك الـحـقـائـق مـلـيـون مـــــرّة، حين يـكـون نفيها قـد تصلّب وصـــار وظيفيّا فـــي تــعــزيــز إحــــدى الـــروايـــتـــن لـلـتـاريـخ؟ ذاك أنّـــــــه مــــا دام الــــخــــاف الــــقــــاطــــع فـي الماضي مطلوبا لتقوية الخلاف القاطع فـي الـحـاضـر، صــار الـخـاف الـقـاطـع في الـــحـــاضـــر مــطــلــوبــا بـــوصـــفـــه، بــــن أمــــور أخـرى، ما يرفع صدقيّة الخلاف القاطع في الماضي. هــــنــــا نــــقــــف نـــــحـــــن، أمــــامــــنــــا الــــبــــاب الموصد الذي لا يفتح إلا على نزاع نرعاه ونُديمه. OPINION الرأي 12 Issue 17452 - العدد Wednesday - 2026/9/9 الأربعاء لبنان... أزمات متداخلة تؤجل الاستقرار «اليَمْنَنَة» هكذا تنتهي لماذا كل هذا «التاريخ»؟ وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة ستمر سنوات قبل أن يستعيد لبنان استقراره التام رامي الريّس إن حاولت الميليشيا تضييع اليمن فثمة من يحفظ اليمن لطفي فؤاد نعمان
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky