Issue 17450 - العدد Monday - 2026/9/7 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي ترند خوارزميات «السوشيال ميديا» تُعيد تشكيل واقع السياسة ليست المفارقة في صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» أن حــزبــا تـصـفـه المـــؤســـســـات الألمـــانـــيـــة الــرســمــيــة بـــ«الــتــطــرُّف اليميني» استطاع أن يُوسع حضوره الانتخابي والسياسي، وإنما في أن الوسيط الــذي مكَّنه من ذلـك لم يكن بالضرورة المؤسسة السياسية أو الإعلامية التقليدية؛ بل الفضاء الذي ظن كثيرون أنه مجرد ساحة لـ«التواصل الاجتماعي». هنا يكمن أحـد أهـم تـحـولات السياسة المُــعـاصـرة؛ حيث لم تعد الأحـزاب تحتاج دائما إلى أن تمر عبر بوابات الإعلام المؤسسي لكي تصل إلى الجمهور؛ إذ يكفي أحيانا أن تمتلك خطابا قابلا للانتشار، وأن تجد منصات تُكافئ هذا الخطاب. وحـن قـال مـاركـوس شميت، مسؤول الاتـصـال في حزب «البديل»، إن حزبه ما كان لينمو بهذه السرعة لولا «فيسبوك»، ، فإنه لم يبُح 2021 عشية الانتخابات البرلمانية الألمانية، في بسر خــاف بقدر مـا كـان يعترف بمعادلة باتت جوهرية في السياسة المعاصرة. ومفاد تلك المعادلة أن المنابر الرقمية لم تعد أداة مـسـانـدة للخطاب الـشـعـبـوي؛ بـل غـــدَت الـرحـم التي يولد منها هذا الخطاب، ويكتسب عبره شرعيته الجماهيرية. وحــــن ردَّد دونـــالـــد تـــرمـــب المــقــولــة ذاتـــهـــا عـــن «تــويــتــر» («إكـس» حالياً) وأثره في حمله إلى سدة الرئاسة الأميركية، ، تـقـاطـعـت الـتـجـربـتـان الأمــيــركــيــة والألمـــانـــيـــة عند 2016 عـــام حقيقة واحــدة؛ مفادها أن الشعبوية اليمينية، من واشنطن إلــى بـرلـن، وجــدت فـي الـخـوارزمـيـات حليفا أكثر فاعلية من أي حــزب تقليدي أو بنية سياسية، وأكـثـر إخـاصـا لها من الإعلام المؤسسي، الذي طالما وصفها بـ«التطرُّف»، وحاصرها بجدران العزل السياسي والأخلاقي. وهــــذا الــتــمــاهــي بـــن المــنــصــات والـــخـــطـــاب الــشــعــبــوي لم يكن نتاج مصادفة تقنية؛ بل حدث إثر توافق بنيوي عميق. فالخوارزميات مصممة لمكافأة الإثارة والاستقطاب لا التعقيد والاعـتـدال، وهـي بذلك تصطف بطبيعتها إلـى جانب خطاب يُبسِّط الأزمات المُعقدة إلى ثنائيات حادة: نحن وهم، الشعب والنخبة، الوطن والدخلاء. وبينما تحتاج الأحزاب التقليدية إلـــــى وســــائــــل إعــــــام وســـيـــطـــة «تـــفـــلـــتـــر» خــطــابــهــا وتُــخــضــعــه لـــضـــوابـــط مــهــنــيــة، تـــخـــتـــرق الــشــعــبــويــة هـــــذا الـــحـــاجـــز كـلـيـا، فتخاطب الناخب مباشرة؛ بلا رقيب ولا تحرير ولا مساءلة، وتُحول كل مستخدم إلى ناقل طوعي لرسالتها، عبر المشاركة والتعليق والانفعال. هـــكـــذا اســـتـــطـــاع حـــــزب «الــــبــــديــــل» أن يــبــنــي -بـــعـــيـــدا عـن الصحافة الألمـانـيـة المؤسسية التي ناهضت خطابه بثبات- قاعدة جماهيرية موازية، تتلقى خطابه وعواطفه السياسية من غرف صدى رقمية مُغلقة، لا تصلها فيها الحجَّة المضادة إلا مُشوَّهة، أو غائبة كلياً. والزلزال الذي يتحدث عنه الإعلام الألماني اليوم، مع تقدُّم «البديل» الواضح في استطلاعات انتخابات ولاية سكسونياأنـهـالـت، ليس ســوى الـثـمـرة الناضجة لـهـذا المـسـار الطويل. فما بدأ قبل سنوات كحضور هامشي على الأطــراف الرقمية للنقاش العام، تحوَّل اليوم إلى قوة قادرة على حصد أغلبية برلمانية كاملة في ولاية ألمانية، لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، متجاوزة بذلك «جــدار الـعـزل» الــذي أقامته الأحــزاب الرئيسة حول الحزب «اليميني المتطرف». والمفارقة أن هذا الصعود يحدث بينما يستمر التصنيف الرسمي لفروع الحزب على أنها كيانات «متطرفة يقيناً» من قبل «جـهـاز حماية الــدســتــور»، وهــو تصنيف لـم يعد كافيا وحـــده لـوقـف الـزحـف الانـتـخـابـي، حـن يملك الخصم منصَّة اتصال مباشرة بالناخب لا تحتاج إذنا من أحد. وهنا يدق ناقوس الخطر الحقيقي بقوة؛ فحين تتحول الـــشـــبـــكـــات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة إلـــــى المــــصــــدر الأســــاســــي لـلـمـعـلـومـة الـــســـيـــاســـيـــة، يــصــبــح الـــفـــضـــاء الــــعــــام أســـيـــر مــنــطــق الـلـحـظـة والانفعال، وتفقد الديمقراطية آلياتها التقليدية في تصحيح المسار عبر النقاش العقلاني والوساطة الإعلامية المسؤولة. والأخطر أن هذا النمط لا يقتصر على ألمانيا ولا الولايات المتحدة؛ بل يتكرَّر من فرنسا إلـى إيطاليا إلـى دول أوروبية أخرى، في نُسخ محلية متعددة من الظاهرة ذاتها، بما يهدِّد الـنـسـيـج الـديـمـقـراطـي الأوروبـــــي بــرُمَّــتــه، ويـفـتـح الــبــاب أمــام تطبيع تـدريـجـي لخطابات كـانـت إلــى الأمـــس الـقـريـب خـارج الإجماع الوطني التقليدي. غــيــر أن مـــواجـــهـــة هــــذا الاخــــتــــراق لا تـــكـــون بــالــحــظــر ولا التجاهل، فكلاهما أثبت عـجـزه؛ بـل تستوجب استراتيجية مُركَّبة، تتضمن تشريعات صارمة تُلزم المنصَّات بالشفافية الكاملة حـيـال خـوارزمـيـات الـتـرويـج والإعــانــات السياسية، ومحو أمية رقمية حقيقيا عبر المناهج التعليمية، لتحصين الناخبين من التضليل، وإعلاما مؤسَّسيا يعيد ابتكار لغته وقنوات وصوله بدل الاكتفاء بإدانة الخصم من بعيد، وأحزابا تقليدية تـنـزل إلـــى حـيـث يعيش الـنـاخـب فعليا بـــدل انتظار عودته إلى صناديقها العتيقة. فالمعركة لم تعد تُخاض في ميادين السياسة وحدها؛ بل في كل شاشة هاتف، وإدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو استعادة التوازن المفقود. وإذا كانت الديمقراطية قد بنت مؤسسات لحراسة السلطة السياسية، فإنها مطالبة اليوم ببناء قواعد لحراسة البيئة التي تتشكل فيها إرادة الناخب قبل أن يصل إلى صندوق الاقتراع. من «ستارز آند سترايبس» إلى «الخزانة» ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تـحـريـرهـا ومــراســلــة فـيـهـا الــــــوزارة الــتــي تمولها، ليس نزاعا وظيفيا مألوفا في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الـــحـــرب الأمـــيـــركـــيـــة) أمـــــام ســـــؤال يـــتـــجـــاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟ تـــزداد دلالـــة القضية لــدى تزامنها مـع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين مـــن اجــتــمــاعــات لـــــوزارة الـــخـــزانـــة، وتـــجـــدد دعـــاوى الـرئـيـس دونـــالـــد تـرمـب عـلـى مـؤسـسـات إعـامـيـة، فــضــا عـــن تـغـيـيـرات واســـعـــة فـــي قـــيـــادة المـؤسـسـة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير مـــنـــتـــقـــديـــهـــا مـــــن إخـــــضـــــاع الإعـــــــــام والمــــؤســــســــات لاختبارات الــولاء، بـات الخلاف يـدور حـول الجهة الــتــي تــرســم حــــدود الـخـبـر المـسـتـقـل عـنـدمـا تـكـون الحكومة مــمــوّلا للصحيفة، ومــصــدرا للمعلومة، وموضوعا للتغطية في الوقت نفسه. استقلال على المحك بـــدأت القضية عندما أخـطـرت وزارة الحرب نـــاشـــر «ســـتـــارز آنــــد ســتــرايــبــس» مـــاكـــس لــيــديــرر، ورئـــيـــس تـحـريـرهـا إريــــك ســـافـــن، والمـــراســـلـــة لارا أغـسـطـس (آب) 21 كـــورتـــي، بـإنـهـاء خـدمـاتـهـم فــي المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان». وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عــــن اســـتـــقـــال الــصــحــيــفــة، ورفــــــض لـــيـــديـــرر طـلـبـا بــإقــالــتــهــمــا. ورد الـــثـــاثـــة بـــرفـــع دعـــــوى اتــحــاديــة اتـــهـــمـــوا فــيــهــا الــــــــــوزارة بـــالانـــتـــقـــام مــنــهــم بـسـبـب كــامــهــم، وبــســبــب تـغـطـيـة أوضـــــاع الـــبـــحـــارة على حـامـلـة الــطــائــرات «يـــو إس إس أبـــراهـــام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً. ومـنـح تـدخـل القضاء القضية بـعـدا يتجاوز نزاعا وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة سـبـتـمـبـر (أيــــلــــول) الـــحـــالـــي. وقـضـت 4 عـــقـــدت فـــي المـحـكـمـة بـالـسـمـاح مــؤقّــتــا بـالمـضـي فـــي الإقـــــالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كــــام كـــورتـــنـــي وســـافـــن مـــع الــشــبــكــة جــــاء ضمن واجــبــاتــهــمــا الــوظــيــفــيــة، لا بـصـفـتـهـمـا مــواطــنــن يـــحـــظـــون بـــحـــمـــايـــة الـــتـــعـــديـــل الــــدســــتــــوري الأول. ومــع ذلــك لـم يحسم الحكم أصــل الــدعــوى المتعلق باستقلالية الصحيفة. خصوصية النزاع خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خـاصـة عــاديــة ولا نـشـرة عـاقـات عــامــة عـسـكـريـة. بــل هـــي مــمــوّلــة جـزئـيـا مــن وزارة الـحـرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخـبـار من دون إدارة أو رقـابـة، وعلى عدم حجب الأخـبـار السلبية عـمـداً. ولـهـذا أثـــارت خطة «الـتـحـديـث» الـتـي بــدأهــا «الـبـنـتـاغـون» هـــذا الـعـام اعـتـراضـات واسـعـة: فلقد قـيّــدت استخدام وكـالات الأنــــبــــاء، وربـــطـــت المــحــتــوى بـمـقـتـضـيـات «الــنــظــام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاســــتــــقــــال، ثــــم عُــــــن ضـــابـــط فــــي الـــخـــدمـــة نـائـبـا لــلــنــاشــر. وتـــدّعـــي الـــــــوزارة أن عــلــى الـصـحـيـفـة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سـرّيـة أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضر بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلـى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية. من «البنتاغون»... إلى الخزانة لا تـقـف المــســألــة عـنـد الـصـحـيـفـة الـعـسـكـريـة. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بـــمـــا فــيــهــا وســــائــــل مـــحـــافـــظـــة، لأنـــهـــا قــــد تـــعـــرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية. وفـــي مــــارس (آذار) قـضـت مـحـكـمـة اتـحـاديـة بـــأن أجــــزاء مــن الـسـيـاسـة تنتهك الـتـعـديـلـن الأول والـــخـــامـــس، لــكــن الــــــــوزارة أصــــــدرت قـــواعـــد بـديـلـة شـمـلـت تقييد الــحــركــة واشـــتـــراط المــرافــقــة. ثــم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله. وهكذا انتقل الخلاف من سـؤال حـول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظل الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلــى وزارة الـخـزانـة الـتـي رفـضـت اعتماد مراسلين مـن صحيفتي «نـيـويـورك تايمز» و«وول ستريت جـــورنـــال» وقــنــاة «بـلـومـبـرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نـورث كارولينا. وأفــادت الخزانة بأن نحو دولـــــة حــصــلــوا عــلــى وصـــول 12 إعـــامـــي مـــن 300 واســــــع، وأن الـتـغـطـيـة يـنـبـغـي أن تــلــتــزم الــوقــائــع لا أن تــطــارد الـنـقـرات والإثـــــارة. كـذلـك ذكّـــر الـوزيـر سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيرا محددا لاختيار المــراســلــن المُــســتــبــعَــديــن، مـــا أبــقــى الـشُّــبـهـة قائمة لـدى المـؤسّــسـات الـثـاث، لا سيما مـع وجــود حرب وعـقـوبـات وتـضـخّــم وأســــواق ســنــدات عـلـى جــدول الاجتماع. مــن جـانـب آخـــر، حـــدّث تـرمـب دعـــوى تشهير يـطـالـب فـيـهـا «نـــيـــويـــورك تــايــمــز» ودار «بـنـغـويـن مليار دولار، مضيفا 15 رانـــدوم هـــاوس» للنشر بـــ تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُــذكـر أنـه سبق للمحكمة رفـــــــض الـــصـــيـــغـــة الأولــــــــــى لإفـــــراطـــــهـــــا فـــــي الــــطــــول والاسـتـطـراد، قبل إعـــادة تقديمها؛ فـي حـن تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «ســــوء الــنّــيــة الـفـعـلـي» المــطــلــوب قــانــونــا. ولـلـعـلـم، الــــدعــــاوى حــــق مــتــاح لأي مـــتـــضـــرِّر، لــكــن كـثـرتـهـا، مـقـتـرنـة بـقـيـود الـــوصـــول، هــي مــا يــدفــع منظّمات الـصـحـافـة إلـــى الـتـحـذيـر مــن أثـــر «تـرهـيـبـي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض. اختبار حياد المؤسسة فـــي أي حـــــال، تـكـتـسـب مــعــركــة الإعــــــام هــذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع فـــي قـــيـــادة المـــؤسّـــســـة الــعــســكــريــة. ووفـــــق إحــصــاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غـادر أو أُقيل ما جنرالا وأميرالا ومسؤولا مدنيا منذ 20 لا يقل عن تـولّــي بيت هيغسيث وزارة الــدفــاع، أي مـا يعادل فــي المــائــة مــن أفــــراد الــقــيــادة. وجــــاءت استقالة 10 أغسطس، بعد 31 وزير الجيش دان دريسكول يوم إقالة رئيس أركـان الجيش الجنرال رانـدي جورج، لـتـعـمّــق الأســئــلــة حـــول مــســار الـتـحـديـث والــقــيــادة خلال الحرب. ويــــرى مـنـتـقـدون ديـمـقـراطـيـون ومــســؤولــون ســـابـــقـــون أن الإقــــــــالات تُـــضـــعِـــف الـــخـــبـــرة وتـــقـــرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزيــــر الــدفــاع قـانـونـا سلطة تغيير كـبـار الــقــادة، وتقول الـوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس لـــه»، وإنـهـا تعيد التركيز على الـجـاهـزيـة و«روح المـــــحـــــارب». أيـــضـــا، لا تـثـبـت الــتــغــيــيــرات، بـمـجـرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملا من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن فـي الأثـــر التراكمي وفــي نقص الــتــفــســيــرات الــعــلــنــيــة. ذلــــك أنــــه كــلّــمــا اتـــســـع إطـــار الإقــــالات وضـاقـت قـنـوات الـصـحـافـة، صــار أصعب عـلـى الـجـمـهـور والـكـونـغـرس التمييز بـن إصـاح مهني وإعـادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تـعـيـن شـخـصـيـات إعـامـيـة مُــتـمـاهـيـة مــع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومـهـاجـمـة مـنـتـقـديـه، تــعــزّز الانـطـبـاع بـــأن المسألة تتعلّق بـإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب. بناء عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور فــي جـوهـرهـا حـــول امــتــيــازات المــراســلــن، بــل حـول عـاقـة السلطة بالمعلومة فـي زمــن حـــرب. فـــالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسـرار ومحاسبة المــوظــفــن، لـكـن هـــذه الـسـلـطـة تُــصـبـح مــوضِــع شـك عــنــدمــا تـغـيـب المــعــايــيــر المُـــتـــســـاويـــة والــتــفــســيــرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر مـا تحدد قـــرارات «البنتاغون»، مـا إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجا لصحافة مستقلّة داخـــل مـؤسّــسـة عسكرية، أم تـتـحـوّل إلى عـــامـــة عــلــى أن إعــــــادة تـشـكـيـل واشـــنـــطـــن شملت أيضا تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ. مبنى «البنتاغون» مقر وزارة الحرب الأميركية (آب) واشنطن: إيلي يوسف لارا كورتي (بوليتيكو) ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس) إريك سلافين (ستارز آند سترايبس) مؤسسات تطوّع محتواها الخبري للاستفادة من الذكاء الاصطناعي باشرت مؤسسات إعلامية في إعادة تنسيق مـحـتـواهـا، مـا يسمح لأدوات الــذكــاء الاصطناعي بــــقــــراءتــــه، وتـــرشـــيـــحـــه فــــي إجـــابـــاتـــهـــا عــــن أسـئـلـة المستخدمين، وهـو اتجاه عـدّه خبراء مؤشرا على تـــحـــوّل فـــي ســـوق الإعـــــام الــرقــمــي فـرضـتـه قـواعـد الـــــســـــوق، وزيـــــــــادة الاعــــتــــمــــاد عـــلـــى أدوات الـــذكـــاء الاصطناعي. وبحسب تقرير نـشـره مـوقـع «دي جـي داي» الأسبوع الماضي، فإن مؤسسة «يو إس إيه توداي» الأمــيــركــيــة بـــــدأت فـــعـــا فـــي اخــتــبــار طُـــــرق جــديــدة لـتـنـسـيـق المـــحـــتـــوى، ولــتــمــكــن مـــحـــرّكـــات الـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي مـــن قــــراءتــــه فـــي خـــطـــوة «تـسـتـهـدف تـــعـــزيـــز فــــــرص (يــــــو إس إيــــــه تــــــــــوداي) فـــــي إبــــــرام اتـفـاقـات لترخيص محتواها لــدى شـركـات الذكاء الاصـطـنـاعـي». ونقل المـوقـع عـن مايك ريــد، رئيس مجلس الإدارة، والرئيس التنفيذي لـ«يو إس إيه تـــوداي»، قوله إن «المؤسسة باتت مطالبة بإنتاج وتنسيق المحتوى للبشر والآلات معاً». للعلم، «يو إس إيه توداي» ليست وحدها في هذا الاتجاه، بل بدأت مؤسسات أخرى مثل «تايم» و«ذا إيكونوميست» بإنتاج محتوى يسهل على محركات الذكاء الاصطناعي قراءته. وفـي تعليق لــ«الـشـرق الأوســـط» اعتبرت مي عبد الغني، الباحثة في الإعـام الرقمي، وأستاذة الإعـــــام بـجـامـعـة بــنــغــازي الـلـيـبـيـة، إعـــــادة هيكلة المحتوى الرقمي المـوجّــه إلـى الآلـة «تـحـولا فرضته التحوّلات البنيوية في سلوكيات البحث، وسوق النشر الرقمي». وأوضـــــــــحـــــــــت أن «الــــــتــــــعــــــامــــــل مــــــــع الــــــذكــــــاء الاصطناعي لم يعُد يقتصر على الصراع القانوني حـــول المـلـكـيـة الـفـكـريـة، بــل امــتــد إلـــى بــنــاء نـمـوذج عمل تقني وتـجـاري متكامل، وقـائـم على تحويل المحتوى إلى أصل معرفي مُصمم خصيصا للذكاء الاصطناعي». وأضـــافـــت أن «المـــؤســـســـات الإعــامــيــة تسعى الآن إلى ضمان ظهور محتواها في أنظمة البحث الـــذكـــي، ونـــمـــاذج الـــذكـــاء الاصـــطـــنـــاعـــي، وتـسـهـيـل قــــراءتــــه عــبــر الأجــــهــــزة المــخــتــلــفــة، وزيـــــــادة تـفـاعـل الـجـمـهـور، وإعــــادة اسـتـغـال الأرشــيــف الصحافي لإنـتـاج محتوى متجدد يـعـزز المـوثـوقـيـة، وفـرص تــحــقــيــق الــــعــــائــــدات المــــــاديــــــة... وبـــالـــتـــالـــي، فــهــذه الاسـتـراتـيـجـيـة تـسـاعـد المــؤســســات الإعــامــيــة في تنويع أرباحها عبر بيع بياناتها لشركات التقنية، وتقليل الاعتماد على الإعلانات التقليدية، وأيضا تحمي حقوقها الفكرية، وترسخ مكانتها كمصدر موثوق، مع ظهور اسم العلامة التجارية مباشرة في إجابات محركات الذكاء الاصطناعي». مع هـذا تـرى مي عبد الغني أن «ذلـك سيكبّد المــؤسّــســات الإعـامـيـة تكاليف بـاهـظـة، ويضعها أمـــــام تـــحـــدّيـــات تـقـنـيـة لــتــعــديــل بـنـيـتـهـا، وتـحـمّــل تقلبات الخوارزميات، مع تراجع الزيارات المباشرة لمـــواقـــعـــهـــا، لاكـــتـــفـــاء المـــســـتـــخـــدم بـــإجـــابـــات الـــذكـــاء الاصطناعي»، مشددة على أن «هذا التحول يهدّد بتعميق الفجوة بين المؤسسات الكبرى والصحافة المحلية». ومــــن ثــــم، تـــابـــعـــت: «إن مـسـتـقـبـل الـصـحـافـة يتشكّل عبر معادلة تـوازن بين احتياجات القارئ ومـتـطـلـبـات الآلـــــة وفــــق نـــمـــوذج ثــنــائــي الـطـبـقـات: الطبقة الأولى تتعلق بالإنتاج التحريري البشري، وتـــركّـــز عـلـى الـقـيـمـة المُــضــافــة الــتــي يـعـجـز الــذكــاء الاصطناعي عن تقديمها، كالتحقيقات الميدانية، والــتــحــلــيــات الــعــمــيــقــة، والـــــحـــــوارات الــحــصــريــة، والــتــجــارب الإنـسـانـيـة، أمـــا الطبقة الـثـانـيـة فإنها تتعلّق بالتوزيع، والتهيئة البرمجية؛ حيث تتولّى الـــخـــوارزمـــيـــات آلــيــا تـفـكـيـك المـــقـــال، وتـحـويـلـه إلـى صيَغ رقمية، ومعالجة بياناته الوصفية، لتسهيل استهلاكه عبر برمجيات الذكاء الاصطناعي». القاهرة: فتحية الدخاخني النص الكامل على الموقع الإلكتروني #
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky