الثقافة CULTURE 18 Issue 17450 - العدد Monday - 2026/9/7 الاثنين نحتاج جامعات ومراكز بحث ومنابر تشجع العبور بين التخصصات أين اختفى المثقف الكبير؟ لا تـعـانـي الـثـقـافـة الـعـربـيـة مــن قلة الـكـتّــاب ولا مـن نـــدرة الباحثين. بـل لعل عـــــدد المـــؤلـــفـــن والأكـــاديـــمـــيـــن والمـــنـــابـــر الـثـقـافـيـة يـــفـــوق مـــا عــرفــتــه. الـجـامـعـات تـــتـــوســـع، والـــكـــتـــب تــتــكــاثــر، والمــنــصــات تــتــيــح لـــكـــل صـــاحـــب رأي أن يـــصـــل إلـــى جمهور واســـع. يظل ســؤال ملح يفرض نفسه: لماذا نفتقد حضور المثقف الكبير؟ والمــقــصــود بـالمـثـقـف الـكـبـيـر ليس الـكـاتـب الأشــهــر، ولا الأكــاديــمــي الأشــد تــــخــــصــــصــــا، ولا صـــــاحـــــب الــــحــــضــــور الإعــــــامــــــي الأوســــــــــــع، بـــــل الــشــخــصــيــة الـتـي تـتـجـاوز حـــدود مجالها لتصبح مرجعا فكرياً. إنه المثقف الذي لا يكتفي بالتعليق على الوقائع، بل يمتلك رؤية تــتــيــح لــــه تـــفـــســـيـــرهـــا، وربــــــط بـعـضـهـا ببعض، ووضعها داخل سياق التاريخ والمجتمع والثقافة. عـــرفـــت الـــثـــقـــافـــة الـــعـــربـــيـــة نـــمـــاذج بــــــارزة. اخـتـلـف هــــؤلاء فـــي المـرجـعـيـات والمــــواقــــف والمـــنـــاهـــج، لـكـنـهـم اشــتــركــوا فـــي ســمــة أســـاســـيـــة؛ أن لـــكـــل مــشــروعــا كبيرا يتجاوز الكتاب الـواحـد والمقالة الــــــــــــــــواحــــــــــــــــدة. لــــم يـــكـــونـــوا منتجين لـــــــــلـــــــــنـــــــــصـــــــــوص، بـــــــــــــــل أصــــــــــحــــــــــاب أســـــــئـــــــلـــــــة كـــــبـــــرى حـــــــــــول الــــنــــهــــضــــة والتراث والحداثة والعقل والتاريخ والهوية. لـــــــــــــــــــــم يـــــــكـــــــن الــــــــــقــــــــــارئ يـــــعـــــود إلـــيـــهـــم بـــحـــثـــا عـن رأي فــــــي قــضــيــة طــــــارئــــــة، بـــــل لأنـــه يــــــــريــــــــد أن يــــــرى القضية من داخل منظومة فكرية متماسكة. كانت كتبهم تــتــراكــم عـبـر الــعــقــود لـتـشـكّــل مـشـروعـا واضـــح المـعـالـم، وكـانـت مواقفهم، حين يختلف الناس معها، تنطلق من تصور محدد للعالم. نشأت سلطة ثقافية لم يـــكـــن مـــصـــدرهـــا الـــشـــهـــرة وحــــدهــــا، بـل الاستمرار والعمق والقدرة على التأثير في طريقة طرح الأسئلة. أمــــــا الـــــيـــــوم فـــقـــد تـــغـــيـــرت طـبـيـعـة المــشــهــد الـــثـــقـــافـــي. أصـــبـــح الـتـخـصـص الأكـــاديـــمـــي أكـــثـــر دقــــة وتــشــعــبــا، وهــو مـــكـــســـب مـــعـــرفـــي مــــهــــم، لـــكـــنـــه أضـــعـــف نـــــمـــــوذج المـــثـــقـــف المــــوســــوعــــي الــكــبــيــر صـــاحـــب الــــرؤيــــة الـــعـــامـــة. نــجــد بـاحـثـا ممتازا في جزئية محددة من التاريخ أو الــفــلــســفــة أو عــلــم الاجـــتـــمـــاع، لكنه يـظـل مــحــصــورا داخــــل تـخـصـصـه. لقد ازداد عــدد الـخـبـراء، لكن الخبير ليس بالضرورة مثقفا بالمعنى الواسع. فالخبير يزوّدنا بتفاصيل دقيقة عــن مــوضــوع، أمـــا المـثـقـف فيسعى إلـى وصل هذه التفاصيل بصورة أكبر. ووظـــيـــفـــتـــه لـــيـــســـت أن يــــعــــرف كـل شـيء، فهذا لم يكن ممكنا في أي زمن، بــل أن يمتلك الــقــدرة عـلـى الــركــض بين الـــحـــقـــول، واكـــتـــشـــاف الــــروابــــط الخفية بينها، وتحويل المـعـارف المتفرقة إلى رؤية تساعد الناس في فهم عصرهم. تـــغـــيـــرت وســــائــــل إنــــتــــاج الـــشـــهـــرة الـثـقـافـيـة. كـــان المـثـقـف يـبـنـي حـضـوره ببطء؛ كتاب يتبعه كتاب، ومقال يثير نقاشاً، وسجالات تمتد أعواماً. وكانت السلطة الرمزية تحتاج إلى وقت طويل حــتــى تـتـشـكـل. أمــــا فـــي زمــــن المـنـصـات الرقمية، فقد أصبحت الشهرة أســرع، لـكـنـهـا أكـــثـــر هــشــاشــة. يـمـكـن لاســــم أن يتصدر المشهد خـال أيـــام، ثـم يختفي بـــالـــســـرعـــة نـــفـــســـهـــا، فــــي فــــضــــاء تـقـنـي يستهلك الأسـمـاء والأفــكــار بـا توقف، كما يفعل مع كل شيء آخر. والمـنـصـات لا تكافئ دائـمـا الفكرة الأعمق، بل تكافئ غالبا الفكرة الأسرع انـــتـــشـــاراً؛ فــالــعــبــارة الـقـصـيـرة الــحــادة أقـدر على التداول من الحجة الطويلة، والموقف المثير أكثر جذبا من التحليل المـــركـــب. وهـــكـــذا، اتــســعــت المــســافــة بين الشهرة الفكرية والقيمة الفكرية. وقد يكون الشخص حاضرا في كل مكان من دون أن يترك وراءه فكرة واحــدة قابلة للبقاء. كــــمــــا أدت ســــرعــــة الأحــــــــــــداث إلــــى تــحــويــل بــعــض المــثــقــفــن مـــن أصــحــاب مـشـاريـع إلــى معلقين يـومـيـن. يلاحق الكاتب الخبر السياسي والاجتماعي والــــثــــقــــافــــي، ويـــــبـــــدي رأيـــــــه فـــــي كـــــل مـا يــحــدث، حـتـى يـصـبـح إنـتـاجـه سلسلة من الاستجابات المتعاقبة. لكنه، وهو يـــاحـــق الــتــفــاصــيــل، قـــد يـفـقـد الـــســـؤال الأكــــبــــر الــــــذي يــمــنــح كـــتـــابـــتـــه مـعـنـاهـا واستمرارها. فـالمـثـقـف الـكـبـيـر لا تـتـحـدد قيمته بكثرة مواقفه، بـل بقدرته على ابتكار ســـؤال أو مـفـهـوم يـظـل صـالـحـا بـعـد أن ينتهي الـحـدث الـــذي اسـتـدعـاه. الخبر يـمـوت سـريـعـا، أمــا الـفـكـرة فقد تعيش للأبد. وما أبقى أسماء كبار المفكرين لم يكن قدرتهم على التعليق على أحداث عـــصـــرهـــم فـــحـــســـب، بــــل إنــــهــــم أنـــتـــجـــوا أدوات فكرية اسـتُــخـدمـت لفهم أحــداث جاءت بعدهم أيضاً. وهــــنــــا نـصـل إلـــــــــــــــــــــــى جـــــــــوهـــــــــر المـــــــســـــــألـــــــة؛ أزمــــــــة المـــــثـــــقـــــف الـــكـــبـــيـــر هـــــــــــــي، إلـــــــــــــى حــــد بـــــــــعـــــــــيـــــــــد، أزمـــــــــــــة المــشــروع الـفـكـري. فـــالمـــشـــروع يعني وجــــــــــــــــــود ســـــــــــؤال مــــــــركــــــــزي يـــــرافـــــق الــــكــــاتــــب ســـنـــوات طـويـلـة، وتتجمع كــــتــــبــــه ومــــقــــالاتــــه حـــــولـــــه. أمــــــا حـن يـصـبـح كـــل كـتـاب مـــــــنـــــــفـــــــصـــــــا عــــن الآخـــــر، وكـــل مـقـالـة اسـتـجـابـة لمناسبة طارئة، فقد يكون الإنتاج غزيرا من دون أن يـتـحـول إلـــى بـنـاء مـتـمـاسـك. وربـمـا ينبغي الاعتراف أيضا بأن العالَم الذي صنع المثقف الكبير بصورته القديمة قد تغير. لم يعد هناك مركز ثقافي واحد، ولا جـمـهـور مــوحــد. الـسـلـطـة المعرفية موزعة بين الجامعات ووسائل الإعلام والمنصات ومـراكـز البحث، والجمهور نـفـسـه انــقــســم إلــــى جــمــاعــات صـغـيـرة، لكل منها اهتماماته ومراجعه. ولهذا، أصبح ظهور شخصية واحــدة تفرض حضورها على المجال الثقافي كله أكثر صعوبة مما كان عليه في الماضي. لـكـن هـــذا لا يـعـنـي أن الـحـاجـة إلـى المثقف الكبير قد انتهت، بل ربما ازدادت؛ فمشكلتنا لا تكمن في نقص المعلومات، وإنـمـا فـي فائضها وتضخمها. ولهذا نـحـتـاج إلـــى مــن يميز المـهـم مــن الـعـابـر، ويـــربـــط بـــن مـــا يـــبـــدو مــتــفــرقــا، ويـمـنـح الفوضى شكلا يمكن فهمه. المـــثـــقـــف الـــكـــبـــيـــر لـــيـــس مـــــن يـمـلـك جوابا عن كل ســؤال، ولا من يظهر في كـل مناسبة، ولا مـن يفتعل الاستفزاز طـلـبـا لـلـشـهـرة، بــل مــن يجعلنا نطرح أسـئـلـة لــم نـكـن نـعـرف كـيـف نصوغها، ويــمــنــحــنــا مــفــاهــيــم جـــديـــدة نــــرى بها واقعا كـان أمامنا دائـمـا، لكننا لم نكن نراه بالطريقة نفسها. ولــــعــــل اســــتــــعــــادة حــــضــــور المــثــقــف الـكـبـيـر لا تــكــون بـالـحـنـن إلـــى صـورتـه القديمة، بل بـإعـادة بناء الـشـروط التي تسمح بظهور صاحب المشروع الفكري. نحتاج إلـى كاتب يتحرر، قـدر الإمكان، مـــن ضــغــط الــتــعــلــيــق الـــيـــومـــي، ويـمـنـح نفسه وقتا لملاحقة سؤال مركزي يتطور عبر كتبه ومقالاته. ونحتاج كذلك إلى جـامـعـات ومــراكــز بحث ومـنـابـر ثقافية تـــشـــجـــع الــــعــــبــــور بـــــن الـــتـــخـــصـــصـــات، وتــفــســح المـــجـــال لـــأفـــكـــار الـــتـــي تـحـتـاج إلــى زمــن حتى تنضج؛ فالمثقف الكبير لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تصنعه أيـضـا بيئة تحمي اسـتـقـالـه، وتمنحه فرصة التراكم والاستمرار. كاتب سعودي * *خالد الغنامي التاريخ الاستعماري لبلاده الروائي التشادي استحضر في حوار مع روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية رغـــم حــداثــة تجربته كـأحـد كـتـاب التسعينات من أدبـــاء تـشـاد الـذيـن يكتبون باللغة العربية، فــإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية الـــتـــي تـسـتـحـضـر صــفــحــات مــجــهــولــة مـــن واقـــــع تــاريــخ أفـريـقـيـا فــي علاقتها بـالـغـرب وبمحيطها الـعـربـي في الوقت نفسه. صـدرت له أخيرا «ثلاثية أنجمينا» التي تستكمل تجربة لافتة استهلها بـ«زمن الملل» التي فازت بجائزة «غـــســـان كــنــفــانــي لـلـتـمـيـز الأدبــــــــي»، ثـــم تـــوالـــت أعــمــالــه ومنها «ارتدادات الذاكرة» و«التاريخ السري المعلن لآدم وحواء»... هنا حوار معه: فــــي روايــــتــــك الأحـــــــدث «ثـــاثـــيـــة أنــجــمــيــنــا» لمــــــاذا تــبــدو > الشخصية الرئيسية مشدودة إلى قدر العودة إلى موطن رأسها بعد سنوات من التحقق في فرنسا رغـم أنها تعلم أنها تغامر بترك الرفاهية والعودة إلى الأزمات؟ - الـحـنـن إلـــى الــوطــن هــو الـــذي دفـعـه إلـــى الـعـودة لبلاده، هذا ما يبدو لأول وهلة وما تدّعيه الشخصية، لـكـن الحقيقة أنـــه قـــرر الــعــودة بـعـد أن شـعـر بـأنـه ليس فرنسيا كما اعتقد طوال حياته. اليمين المتطرف صعّد خطابه المناهض ضد المهاجرين وشعر صاحب الجذور الـتـشـاديـة بــأنــه لا ينتمي إلـــى هـــذا المـــكـــان، إضــافــة إلـى سقوطه في براثن الاكتئاب بعد أن خسر حبيبته التي انضمت لليمين ورأت أخيرا أنه أسمر. صحيح أن بــركــاي قـــرر الــعــودة إلـــى الأزمــــات لكنه لم يكن يــدري، ولهذا رجته أمـه بعدم الذهاب في بداية الـــروايـــة، لكنها عـــودة حتمية مـثـل عـودتـنـا إلـــى البيت دائما حتى حين يكون البيت برميلا من المشاكل. تبدو صورة العاصمة التشادية في الرواية وكأنها أرض > منذورة للحرب والتوتر والخوف والخيبة وانكسار الأحلام... ألم تكن قاسيا إلى حد ما في تبني تلك الرؤية؟ - لــــم أكـــــن قـــاســـيـــا، بــــل كـــنـــت واقــــعــــيــــا. هــــي أرض مـــنـــذورة لـلـحـرب حــقــا، وعـشـنـا فـيـهـا حــروبــا أهـلـيـة بلا تــوقــف، وخـسـرنـا أحـبـابـا وأصـــدقـــاء؛ أعـتـقـد أن الـشـرط الأول للكتابة هو قول الحقيقة. الصورة التي رسمتها لمدينتي تبدو قاسية لكنها حقيقية. هــل يـمـكـن الـنـظـر لــلــروايــة فــي إطــــار رصـــد الـعـاقـة بين > الشرق والغرب ولكن من منظور أفريقي شديد الخصوصية؟ - يمكن ذلك، وهذه أمور يراها النقاد ويشعر بها القراء. حين قررت كتابة «ثلاثية أنجمينا» أردت كتابة مدينتي أنجمينا وسعيت لتأريخها بوصفها مكانا شهد أحداثا جسيمة أثرت على الملايين وشكلت الحياة السياسية في البلد بأكمله. ربما يجد فيها المــرء هذه المقاربة لكنها رواية عن تشاد والتشاديين، وفي الوقت نـفـسـه تـعـبـر عــن الــحــيــاة والمــشــاكــل والـقـضـايـا فــي دول الـسـاحـل وبـعـض الــــدول الـعـربـيـة، إلا أنـنـي لــم أفـكـر في الغرب أبدا في أثناء الكتابة. ما الهاجس الأساسي الذي يعد المحرك الفعلي لأعمالك > الإبداعية؟ - هي هواجس عديدة لكن على رأسها فكرة الموت، هاجس أناني لكنه قلق وجـــودي؛ تخيفني فكرة الموت والــذهــاب بكل هــذه الـحـكـايـات، ولـــذا أكـتـب كـي لا أمـوت بـكـل هـــذه الــقــضــايــا، هـــذا مـــا أقـــولـــه مـــع نـفـسـي، بـيـد أن أعـمـالـي تـقـول إن هاجسي هـو الإنــســان الـتـشـادي وهو يعبر التاريخ المثقل بالحروب والانقلابات والتحولات الـسـيـاسـيـة، ويــحــاول رغـــم ذلـــك أن يـحـافـظ عـلـى ذاكـرتـه وكرامته وقدرته على الحلم. تشغلني مدينة أنجمينا، الابتعاد عنها، والمنفى، والهوية، وتأثير قرارات السلطة على حياة الناس، وما تفعله الأحــداث الكبرى بحياة الأفــراد العاديين. أحـاول فـــي روايـــاتـــي أن أكــتــب تــشــاد مـــن الـــداخـــل، لا بوصفها هامشا بعيداً، بل بوصفها فضاء إنسانيا كاملاً، مليئا بالتناقضات والأسئلة. تكتب عــن أفـريـقـيـا باللغة الـعـربـيـة... كـيـف تـــرى الأمــر > خصوصا حين يجد البعض صعوبة في تصنيف تجربتك أو العثور على مدخل مناسب للتعامل معها نقدياً؟ - أنــــا أفـــريـــقـــي يـكـتـب بــالــلــغــة الــعــربــيــة لــكــن الأمـــر ليس بهذه البساطة؛ أكتب باللغة العربية عن قضايا ومـــواضـــيـــع دولـــــة أفـــريـــقـــيـــة؛ لــكــن هــــذه المــشــكــلــة ليست جـــديـــدة وعـــانـــى مـنـهـا مـعـظـم الــكــتــاب الأفــــارقــــة، فنحن كتبنا بالفرنسية والسواحلية والإنجليزية والعربية والإسبانية والبرتغالية. لـكـنـي لا أجـــد أي صـعـوبـة فــي تصنيف تجربتي؛ فـالـعـبـرة بلغة الـكـتـابـة ولـيـس بـعِــرق الـكـاتـب. مــا أكتبه يثري الأدب العربي ويعبر عن تنوعه، كما أن تشاد دولة لها حدود مع دولتين عربيتين هما ليبيا والسودان. وأعــتــقــد أن تــشــاد لـــو انـضـمـت إلـــى جـامـعـة الـــدول الــعــربــيــة لاعـــتـــبـــرت كــاتــبــا عــربــيــا رغــــم أنــــه مـــجـــرد قـــرار سـيـاسـي. فـي الحقيقة تـشـاد أكـثـر عـروبـة مـن دول هي تُعد الآن عربية، وذلك لوجود كبير للمكون العربي فيها واعـتـبـارهـا اللغة العربية لغة وطنية بنص الدستور ومعمول بها منذ الاستقلال. هل تعاني بوصفك أديبا من أزمة هوية بشكل أو بآخر؟ > - شخصياً، لا أعـانـي مـن أزمـــة هـويـة لكني أعالج أسـئـلـة الــهــويــة فـــي أعــمــالــي وأعـــــود إلـيـهـا مــــــراراً؛ لأنـنـا فــي تــشــاد لـديـنـا أزمــــة هــويــة. مــثــا فــي روايـــتـــي الأولـــى «زمـن الملل» تقول إحـدى شخصياتها: «أنـا أفريقي في عيني العربي، وعربي في عيني الأفريقي»، فنحن بين بـــن. لـسـنـا عــربــا كـفـايـة ولـسـنـا أفـــارقـــة بـمـا يـكـفـي، لكن هـــذه معضلة يـعـانـي منها معظم سـكـان دول الشريط الساحلي. أعتقد أن سؤال الهوية ظل يرافقني منذ وقت مبكر. أنا تشادي، أنتمي إلى فضاء أفروعربي شديد التنوع، وأكتب بالعربية، وأتحرك ثقافيا بين أكثر من عالم، لذلك كان طبيعيا أن أسأل نفسي أحياناً: أين أقف بالضبط؟ لـكـن مــع الــوقــت، لــم أعـــد أتـعـامـل مــع الأمـــر بوصفه أزمـــة، بـل بوصفه جـــزءا مـن تكويني. هــذا الـتـعـدد، وما فيه من تناقضات وأسئلة، هو نفسه الذي منحني كثيرا مـن مـوضـوعـاتـي وشخصياتي. ربـمـا أنــا لا أبـحـث عن هوية واحـدة مغلقة بقدر ما أحـاول أن أفهم كيف يمكن لـإنـسـان أن يحمل داخــلــه أكـثـر مــن انــتــمــاء، وأكــثــر من ذاكرة، وأكثر من صوت. فازت روايتك «زمن الملل» بجائزة «غسان كنفاني للتميز > الأدبــــي»، والـعـمـل يتمتع بـوصـف مسهب لحياة الــفــراغ والعبث واللامبالاة لبطل تشادي... هل نحن هنا بـإزاء حالة استثنائية أم رصد لحالة عامة؟ - لا أعتقد أنها حالة عامة لكل الشعب التشادي، بقدر ما هي رصد لمرحلة محددة ولجيل بعينه. الرواية تــتــحــدث، فـــي جــانــب كـبـيـر مــنــهــا، عـــن ســـنـــوات مـــا بعد التخرج في الجامعة، ومن الطبيعي أن يعتمد الروائي في أعماله الأولى على حياته وعالمه وما اختبره بنفسه. لـكـن الـتـجـربـة لــم تـكـن فــرديــة تـمـامـا؛ كــانــت تصف حالة جيل كامل تقريباً، جيلنا نحن مواليد التسعينات. في تلك السنوات عاشت البلاد أزمة اقتصادية قاسية، دفعت مئات الآلاف مـن الشباب إلــى البطالة، وانسدت الآفــاق، وغــادرت شركات كثيرة، وازداد الفقر، وانهارت الطبقة الوسطى... تخيلي جيلا كاملا عاش جزءا كبيرا من عشريناته وهو يشعر بالعجز. فــــازت كــذلــك روايـــتـــك «ارتـــــــدادات الـــذاكـــرة» الــتــي ترصد > حقبة الاستعمار الفرنسي لتشاد، بجائزة «التميز الأدبي» التي تمنحها وزارة الثقافة التشادية...تُرى ما الـذي يخطر على بال المثقف التشادي حين «ترتد ذاكرته» إلى تلك الحقبة؟ - عـدت فـي هـذا العمل إلـى أحـــداث تاريخية مهمة شهدتها بــادي وأثــرت في البلاد والعباد، لكنها بدت مـــع الـــوقـــت كـأنـهـا تـنـسـحـب إلـــى هــامــش الــــذاكــــرة. كنت أشعر بأن بعض ما حدث أكبر من أن يُترك للنسيان؛ لأن سقوط مملكة مثل انهيار دولة، وهذه الأشياء لا تحدث بسبب عامل خارجي وحــده، بل لا بد دائما من شقوق داخلية، ومن أخطاء وسقطات تمهد للسقوط. لذلك، لم أكن أريد أن أكتب عن الاستعمار الفرنسي باعتباره قوة جاءت من الخارج فقط، بل أردت أن أنظر أيضا إلـى ما كـان يحدث داخـل المجتمع والـدولـة آنـذاك، إلـى الـصـراعـات، والهشاشة، والانقسامات التي تجعل لحظة الانـهـيـار ممكنة. الـتـاريـخ فــي نـظـري لا يصنعه طرف واحد، ولا يمكن فهمه إذا اكتفينا بتوزيع الأدوار بين ضحية وجــاد. وحـن ترتد ذاكــرة المثقف التشادي إلى تلك الحقبة، فهي لا تعود إلى ماض مغلق، بل إلى شيء لا تزال ظلاله معنا. بعض آثار تلك المرحلة بقي في السياسة، وفي الثقافة، وفي علاقتنا بالسلطة وبالآخر، وربما حتى في طريقتنا في فهم أنفسنا. لهذا كانت «ارتدادات الذاكرة» بالنسبة إلي محاولة لاســـتـــعـــادة جــــزء مـــن ذاكـــــرة تـــشـــاد، لا مـــن أجــــل تمجيد الماضي أو البكاء عليه، بل من أجل النظر إليه بوضوح أكبر؛ لأن الأمم التي تنسى الطريقة التي سقطت بها قد تكرر السقوط نفسه بأسماء جديدة. دراســـتـــك لـلـقـانـون وعـمـلـك بـالـسـلـك الــقــضــائــي... كيف > انعكسا على تجربتك الإبداعية؟ - أنا قانوني هرب من الصرامة إلى رحابة الأدب، واستفدت من دراستي له أشياء كثيرة خاصة في خلق الـشـخـصـيـات؛ فــالــقــانــون يـعـلّــمـنـا أن نــشــك، وأن نحلل ونقارن ونبحث عن التفاصيل، وأن الحقيقة لها أوجه عديدة. كل هذه الأشياء يستفيد منها المرء دون وعي. كما قرّبني العمل القضائي من الناس في لحظات شديدة الحساسية، تتجلى فيها الخصومة، والخوف، والـنـدم، والشعور بالظلم، والطمع، والانكسار. وتترك هــذه الـتـجـارب الإنسانية أثـــرا عميقا فـي الـكـاتـب، حتى عندما لا ينقلها مباشرة إلى أعماله الروائية. أخـيـراً... تقول إنـك بوصفك روائـيـا من تشاد لا تمتلك > رفاهية تبنّي مقولة «الفن للفن» وفي الوقت نفسه تقول ينبغي ألا يكون الإبداع بيانا سياسياً... كيف تحل تلك المعادلة الصعبة؟ - أعتقد أننا في تشاد لدينا الكثير من المواضيع والقضايا التي تستحق الكتابة، بلادنا حديثة، وُلـدت قـبـل سـتـن سـنـة فـقـط لـكـنـهـا غـنـيـة مـــن نـاحـيـة الـثـقـافـة والأحـــــــــداث والــــتــــاريــــخ الـــســـيـــاســـي الــعــنــيــف والــقــضــايــا الــشــائــكــة الـــتـــي تـسـتـحـق المــعــالــجــة وطـــــرح الـــتـــســـاؤلات حولها. ومـن ذلـك المنطلق، أردد بأنني مبدئيا لا أملك تـرف اللعب بالكلمات بقدر ما لــدي أشياء مهمة يجب قولها وتساؤلات ملحّة ينبغي طرحها. لكني لا أفرض هذا على غيري بل حتى علي شخصياً، كتبت قصصا من أجل متعة الكتابة فقط. في المقابل، أؤمـن أنه لا ينبغي تحويل الأدب إلى كيس مليء بالأفكار الأيديولوجية أو السعي لتصفية الحسابات السياسية، كما أنني ضد أن يعمل الأدب فـي صـالـح السلطة؛ أيــا كــان شكل هذه السلطة. القاهرة: رشا أحمد روزي جدي «لم أكن قاسياً، بل كنت واقعياً. تشاد أرض منذورة للحرب حقاً»
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky