ثمّة ذاكـرة لا تنسى شيئاً، وأخـرى لا تتذكّر إلا ما تشتهي، وبينهما تنشأ واحدة من أكثر ظواهر السياسة حضورا وأقلّها اعـتـرافـا بنفسها: إنـهـا ازدواجـــيـــة الـــذاكـــرة، ففي الـحـيـاة الـعـامّــة، ليس النسيان دائما خللا في الذاكرة، ولا التذكّر دليلا على يقظة الـوعـي؛ قد يتذكّر المــرء الحدث لأنَّــه يسند روايـتـه، وينساه لأنَّه يـهـدّدهـا، وعندئذ تكف الـذاكـرة عـن أن تكون مستودعا محايدا للوقائع، لتصير أداة لإعادة ترتيب الماضي على مقاس الحاضر، وهي ليست ظاهرة طارئة ولا حكرا على أحد؛ إنّها من أقدم أدوات السلطة وأنعمها ملمساً، لأنّــهـا لا تُــصـادر الحقيقة، بـل تكتفي بترتيبها. والــعــقــل المـــؤدلـــج بـــــارع فـــي الــتــصــرّف بــالــزمــن؛ يستحضر موقفا مضى عليه نصف قـرن وكأنه وقـع البارحة إن كـان يُدين خصمه، ويعجز عن تذكّر ما قاله هو قبل سنوات قليلة إن صار قوله محرجاً، فالتحالفات تتبدّل، والشعارات تُستبدل، وينتقل أصحابها من القضية إلى نقيضها، ثم تتكفّل الذاكرة الانتقائية بمد الجسر الـذي يجعل الأمـس منسجما مع اليوم، وهنا تكمن المـفـارقـة: السياسي لا يحتاج، فـي الغالب، إلــى تـزويـر التاريخ؛ يكفيه أن ينتقي منه، والانـتـقـاء أخطر مـن الـكـذب الصريح، لأن الكذب يُكشف بمقابلة الرواية بالواقع، أمّا الانتقاء فيبني حجّته من وقائع صحيحة تماماً، لكنه يُضيء بعضها ويُطفئ بعضها الآخر، فيخرج بصورة ناقصة تبدو كاملة، وبنصف حقيقة أشد فتكا من الباطل كلّه. ولــعــل الـسـيـاسـة الإيــرانــيــة أوضــــح نــمــوذج مـعـاصـر لهذه الازدواجـــيـــة، فـطـهـران تـرفـع فــي خطابها مـبـدأ الـسـيـادة ورفــض التدخّل، وتعد أي وجـود عسكري أجنبي قرب حدودها تهديدا لأمنها القوميّ، وهو موقف مفهوم في منطق الــدول، لكن المبدأ يفقد إطلاقه حين يصبح قابلا للتبديل حسب الجهة والجغرافيا؛ فإذا تعلّق الأمر بخصومها، كانت السيادة خطّا أحمر لا يُناقَش، وإذا تعلّق بنفوذها أُعيدت صياغة التدخّل نفسه تحت عناوين المقاومة، والأمن المشترك، ووحدة الساحات، والدفاع عن المحور. ولا تقف الازدواجية عند حدود الخطاب، فقد حذّرت طهران دولا خليجية من الانخراط في الضغوط الاقتصادية الأميركية، وذهبت تصريحاتها إلى التلويح باستهداف مصالح الجوار إن شـاركـت فيها؛ وهــي فـي الـوقـت ذاتــه تتحدّث عـن احـتـرام سيادة الدول، في حين يقترن اسمها بقوى مسلّحة داخل العراق تقصف جـــزءا مهما منه فـي إقليم كـردسـتـان، حتى بـاتـت بـغـداد تواجه ضـغـوطـا مـتـصـاعـدة كــي لا تـتـحـوّل أرضــهــا مـنـصّــة لاسـتـهـداف جيرانها، أو إقليمها الذي تعتبره أميركا وحلفاؤها خطا أحمر. أمّــا أوضـح تجل لهذه المعادلة فتكشف عنه العلاقة بإقليم كردستان، فالإقليم الذي قُصفت عاصمته بالصواريخ الباليستية أكثر من مرّة بذريعة أنّه يؤوي ما يهدّد الأمن الإيراني، هو نفسه المُطالَب، بموجب تفاهمات أمنية، بنزع سلاح المعارضة الكردية الإيرانية وإبعادها عن الشريط الحدوديّ، أي أن وجود جماعات مسلّحة على أرض الجار مـرفـوض حين تكون خصما لطهران، ومشروع حين تكون حليفا لها «الميليشيات في العراق و(حزب الله) في لبنان والحوثيين في اليمن»، القاعدة واحــدة، والحكم يتبدّل بتبدّل صاحب البندقية. وليست إيران استثناء في هذا الباب بقدر ما هي نموذجه الأكثر انتظاما ووضوحاً، فكثير من يمسك دفترين: دفترا لمظالمه يقرأه بصوت عال في كل محفل، ودفترا لما اقترفته يداه يبقى في الأدراج، ولهذا تتشابه الخطابات وتتناقض السرديات، ويغدو الحديث عن القانون الدولي وحسن الجوار لغة تُشهر في وجه الخصوم، لا معيارا تُقاس به الأفعال، وهنا ليس المقصود إنكار حـق دولــة في حماية أمنها أو في نسج تحالفاتها؛ المسألة أدق من ذلـك: هل يبقى المبدأ الـذي نطالب به الآخرين ملزما لنا حين تنقلب الظروف؟ هذا هو الحد الفاصل بين الواقعية والانتقائية، فالواقعية تعترف بـأن للدول مصالح، وأنّها قد تناور وتساوم وتبدّل حلفاءها، أمّــا الازدواجـيـة فتضع للآخرين قواعد لا ترى نفسها معنيّة بها، وعندها تتحوّل الذاكرة من أداة لفهم التاريخ إلى أداة لتبرير المواقف. والمجتمعات التي تعيش على ذاكـرة مزدوجة لا تتعلّم من تاريخها، بـل تعيد إنتاجه، فالتاريخ عندها ليس مـدرسـة، بل مخزن ذخيرة؛ يُفتح كلّما احتاجت المعركة إلى شاهد، ويُوصّد كلّما أطلّت واقعة لا تخدم الـروايـة، ولذلك لا تبدأ المصالحة مع التاريخ بالاتفاق على رواية واحدة، فذلك متعذّر، بل بقبول فكرة بسيطة وعسيرة معاً؛ أن الماضي لا يتغيّر بتغيّر مواقفنا منه، وما يدفع الثمن في النهاية ليس المؤرّخ ولا الخصم، بل الأجيال التي تُسلَّم إليها رواية مبتورة فتحسبها ميراثاً، ثم يُطلب منها أن تدافع عنها بوصفها هويّة. لنا أن نختلف في تفسير الحدث، وفـي تقدير دوافـعـه ونتائجه، لكن ليس لنا أن نطالب الآخرين بتذكّر ما يناسبنا، ثم نمنح أنفسنا رخصة النسيان حين تثقل الحقيقة. فالذاكرة السياسية الناضجة ليست تلك التي تحفظ كل شيء، بل تلك التي تقوى على تذكّر ما تكره تذكّره، والدولة التي تريد مستقبلا مستقرّا تحتاج إلى ذاكرة لا تنتقم ولا تضلل؛ ذاكـــرة تعترف بالوقائع أيّــا كـان أصحابها، وبـالأخـطـاء أيّــا كان مرتكبوها، وبالضحايا أيّا كانت هويّاتهم. فـــإذا صـــارت الـــذاكـــرة ملكا لـآيـديـولـوجـيـا، فـقـدت الحقيقة حقّها في الوجود ما لم تستأذن أصحاب الـروايـة، وهنا تكتمل المــفــارقــة الــكــبــرى: عــقــول تُــصــاب بـــذاكـــرة سـمـكـيّــة كـلّــمـا نُــظــر في ماضيها، وتستحيل أرشيفا كاملا لا تسقط منه فاصلة كلّما نُظر في ماضي خصومها، وليس هذا ضعفا في الذاكرة بقدر ما هو ضعف في النزاهة تجاهها، فالسياسة تغيّر المواقف، والمصالح تغيّر التحالفات، والزمن يغيّر الكثير؛ وحدها الحقيقة لا ينبغي أن تتغيّر بتغيّرها. يجِد الموحّدون الدروز أنفسهم، اليوم، في كل أماكن عيشهم سـجـنـاء وضــــع لـــم يـسـعـوا إلـــيـــه، بـــل فـرضـتـه عـلـيـهـم مُــابـسـات التاريخ، وتعقيدات الجغرافيا، وسفالة أجهزة الاستخبارات... وتوحّش التكنولوجيا المتطوّرة. الـــــدروز، تلك الطائفة القليلة الــعــدد، الـثـريّــة الــتــراث، تجد نفسها راهنا ضحية تغيير الخرائط، وتساقط الهويات، وعربدة الاحتلال المستقوي بتفويض مُطلق من القوة الكونية الوحيدة في العالم. وعـنـدمـا يحكم بنيامين نتنياهو أكـثـر مــن نـصـف سكان العالم عبر «اللوبيات» الإسرائيلية، الناشطة والمنتشرة تحت مختلف الأسـمـاء في كبريات مراكز الـقـرار العالمي، يتبي مدى خـطـورة الـحـصـار الثقافي والـسـيـاسـي والـحـربـي والاقـتـصـادي الـــذي يــطــوّق طـائـفـة صـغـيـرة، بـالـكـاد يـتـجـاوز حجمها المليون نسمة، لكن قَدَرها قضى بأن تقف قلقة، مترنحة على كل الفوالق الـسـيـاسـيـة الــزلــزالــيــة فـــي المـــشـــرق الـــعـــربـــي... أن تـقـف مطعونة بعروبتها وإسلامها ووطنيتها وولائها لأرضـهـا... وهي التي دافعت عنها بالدم منذ نحو ألف سنة، من ثغور الشمال السوري إبّــان العد التنازلي لانهيار الحكم العباسي، إلـى سواحل بلاد الشام وفلسطين أيام حروب الفرنجة (الحروب الصليبية). وهي تـحـاول - مـا أمكنها - الصمود حتى يومنا هـذا الــذي تستبيح فيه إسرائيل، وغير إسرائيل، المنطقة... وسط حالة عجز عربي لا تشابهها إلا المِحن الكبرى، مثل سقوط بغداد بأيدي هولاكو، واستباحة دمشق على يد تيمورلنك. الـيـوم تقف تلك الطائفة المسلمة الصغيرة، الـخـارجـة من قـلـب الـتـشـيّــع الـفـاطـمـي الإسـمـاعـيـلـي، مـخـوَّنـة ومـــكـــفَّـــرة... لكي يسهل إلغاؤها، واقتلاع أهلها، وتزوير هويّتها. وهذا التزوير الــســرطــانــي المُـــتـــســـارع الإيــــقــــاع، لـــه وجـــهـــان قــبــيــحــان: أحـدهـمـا مكشوف، والثاني مستتر. وفي هذا الواقع، وجه لافت من وجوه الموحّدين الدروز يتّصل بـ«باطنية» توحيدهم منذ أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. والـــحـــقـــيـــقـــة أنــــــه عـــبـــر تــــاريــــخ الإســــــــــام، وُجـــــــد الاخــــتــــاف فـــي الـتـفـاسـيـر والــــســــرد. وأيـــضـــا ظــهــر الــتــنــاقــض فـــي المـصـالـح والأولويات، عبر المسيرة المُبهرة للدين الحنيف... التي انطلقت من مكة المكرمة والمدينة المنورة لتُنشر في عموم الشرق الأوسط، فمختلف أرجاء العالم. والـحـال، أن البيئة الحجازية الأولــى بمكوّناتها المحدودة في فجر الإسلام، اتّسعت في دمشق الأموية، وبغداد العباسية، والـقـاهـرة الـفـاطـمـيـة... لتغدو الــدولــة الإسـامـيـة مجتمعا غني التنوّع، يمتد من الصين شرقا إلى إسبانيا غرباً، ويعج بالأديان والثقافات واللغات والقوميات والحركات الفلسفية والفكرية... وحتماً، المصالح الاقتصادية الكبرى. قبل نحو ألــف سنة عــاش نفر مـن رعـايـا الـدولـة الفاطمية انقساما فقهيا آخر في تاريخ التشيّع، بعد الانقسام الأكبر الذي حصل إثر وفاة الإمام جعفر الصادق... ونتج عنه ظهور مذهبَي الشيعة الاثني عشرية والشيعة الإسماعيلية. فـي هــذا الانـقـسـام، الـــذي حــدث على أثــر وفـــاة – أو اختفاء م)، انــشــق الــذيــن أصبحوا 1021( – الخليفة الـحـاكـم بـأمـر الـلـه «موحّدين دروزاً» عن الشيعة الإسماعيلية، لرفضهم الاعتراف بـإمـامـة الخليفة الـظـاهـر لإعــــزاز ديـــن الــلــه، ابـــن الـحـاكـم. وكانت النتيجة القضاء على وجود هؤلاء في مصر، وإغلاق باب الدعوة على الذين كانوا قد التحقوا بها - قبل وفــاة الحاكم - في بلاد الـشـام وفلسطين، وتـحـديـدا شـمـال غـربـي سـوريـا (حـلـب وجبل الـسـمّــاق/ الجبل الأعــلــى)، ودمـشـق ومحيطها (وادي العجم)، ومرتفعات جبل الشيخ في جنوب غربي سـوريـا، ووادي التيم (مــنــحــدرات غــربــي جـبـل الـشـيـخ) وجــنــوب جـبـل لـبـنـان، وجـبـال الجليل وساحل عكا في فلسطين. ولاحقا نما الوجود الدرزي في جبل العرب (حوران) وشمال الأردن. خلال الألف سنة الماضية، طبعاً، سقطت دول ووُلـدت دول - بل إمبراطوريات - وتغيّرت الهويات والولاءات. ومثلما جاءت جيوش الاحتلال والهيمنة من الشرق (الترك والفرس) في بدايات تلك الحقبة، طغى النفوذ الغربي خلال القرون الثلاثة الأخيرة، بدءا من أوروبا وانتهاء بالولايات المتحدة، التي ورثت الصعود الأوروبي. ومعروف أن الصعود الأوروبي - ولا سيما البريطاني - في المشرق العربي، أورث المنطقة «إعلان بلفور»، وبالتالي إسرائيل، ولم ينته إلا بتسلّم واشنطن الزّمام بعد «حـرب السويس» عام .1956 أسماء كيانات المشرق العربي ومناطقه المتعدّدة، بطبيعة الحال، لم تولد من الوجود العربي، ولا الفتح الإسلامي، بل هي كنعانية وآرامية وآشورية وبابلية، وحتما ليست عبرانية، لكي تبرّر احـتـالات إسـرائـيـل... إسرائيل المُنهمِكة حاليا ليس فقط بنسف كل الماضي الذي لم تكن جزءا منه، بل باختراع مستقبل يجعل منها وصيّة على المشرق العربي وشعوبه. ومع هذا، نرى إسرائيل، سواء عبر «احتلالاتها» - السياسية والفعلية - أو تقنيتها المتطوّرة - ومنها الذكاء الاصطناعي - أو «موظّفيها» وجواسيسها، تعمل بلا هـوادة على تزوير الماضي ومسح الحاضر، تمهيدا لـ«فبركة» مستقبل يناسب أطماعها وسرديّتها، ويبرّر وجودها. لـقـد بتنا نسمع أســمــاء كنعانية وآرامـــيـــة قـديـمـة سابقة لــلــوجــود الـــيـــهـــودي، تُــنـبـش مـــن بــاطــن الــتــاريــخ الــقــديــم، ويُــعــاد تلميعها وبيعها للجهلة والببغاوات والأغبياء – والعُملاء أيضا – على طريق «اخــتــراع» القناعات والثقافات المـــزوّرة البديلة... وحقاً، في عصور الانحطاط، ليس ثمّة ما هو أسهل من التزوير إلا شــــراء الـضـمـائـر، وتشجيع الانــبــهــار والانـــبـــطـــاح، وتصوير الخُنوع على أنه حِكمة، والاستسلام على أنه بُعد نظر، والخيانة على أنها «براغماتية» سياسية تستشرف المستقبل! دل الــتــعــامــل الإســـرائـــيـــلـــي مـــع طــائــرات الأطــفــال الــورقــيّــة فــي غـــزّة إلـــى حـالـة ارتـيـاب مــتــقــدّمــة، تـــأخـــذ شـــكـــا اضـــطـــهـــاديّـــا، وتــرفــع اســتــعــدادات الانـهـيـار الـعـصـبـيّ. فــأن تُعامَل تلك اللُعَب كما لو أنّها مُسيّرات معادية فهذا يشبه أن نرى في كل حركة استهدافاً، وفي كل تهامُس بين اثنين مؤامرة، وفي كل مَن يصدف أن يــمــشــي بــضــع خـــطـــوات وراءنـــــــا مــشــروع مراقبة وتنصّت. لكن «قناعة» إسرائيل هذه، المبنيّة على ارتياب اضطهاديّ، تدفعها إلى ردود قـــصـــوى، تــتــفــاوت بـــن أقــصــى العنف وأقـصـى الـشـك بـوجـود نـوايـا بغيضة، وذلـك على رقعة جغرافيّة بالغة الاتّساع. وقـــــد يـــكـــون مـــفـــهـــومـــا، خـــصـــوصـــا بـعـد «طـوفـان الأقــصــى»، أن يكون هاجس الدولة العبريّة الأمني أعلى منه في أي بلد، سيّما إذا أضـفـنـا علاقتها الـتـاريـخـيّــة بمحيطها، وذاكــــرة الـهـولـوكـوسـت والــبــوغــرومــات. لكن النتيجة التي خلصت إليها حكومة نتنياهو تـــتـــعـــدّى كـــــل حـــســـاب عـــقـــانـــي وتـــفـــيـــض عـن جـمـيـع مُــمـكـنـات الـسـيـاسـة والـدبـلـومـاسـيّــة. فــــغــــزّة والــــضــــفّــــة الـــغـــربـــيّـــة وجــــنــــوب لــبــنــان وجنوب سوريّا أراض معادية تُعالَج بالقتل والـــحـــرق والإذلال، عـلـى تــفــاوت فــي الــدرجــة بـــن حـــالـــة وأخـــــــرى. ومـــصـــر والأردن ليسا أهلا للثقة ومصدرا للاطمئنان. ودول أخرى موارد تهديد محتمل، إن لم يكن اليوم فغداً. وأوروبا الغربيّة وكندا والحزب الديمقراطي فــــي أمـــيـــركـــا تـــنـــطـــوي عـــلـــى بـــيـــئـــات خــطــيــرة معادية، ومعهم الطلاّب المتضامنون مع غزّة، والمـحـاكـم الـدولـيّــة والـفـنّــانـون والـريـاضـيّــون الذين طالبوا بالمحاسبة على ما يُرتكب من جرائم. حتّى صداقة الصديق دونالد ترمب ولفيفه يمكن أن توضع على المحكّ. وغــالــبــا مـــا يُــحـشـد كــثــيــرون مـــن هـــؤلاء الــــخــــصــــوم فــــــي تـــســـمـــيـــة واحـــــــــــدة تـــتـــأرجـــح بـــن الإســـامـــيّـــة والـــشـــيـــوعـــيّـــة، أو ربّـــمـــا في إســـامـــيّـــة شــيــوعــيّــة مـــن طـــــراز غـــريـــب، فيما تُـــــــرَد كــــل مـــعـــارضـــة تـــواجـــه أفـــعـــال إســرائــيــل إلــى الـاسـامـيّــة. وهـــذا أردأ مـا تنتجه ثقافة ســــيــــاســــيّــــة تـــهـــبـــط بـــــالأفـــــكـــــار إلـــــــى دعـــائـــيـــة يوميّة مغلّفة بـإلإنـشـاء المُــتـذاكـي، كما تهين ضحايا اللاساميّة بالمعنى الذي أهانت فيه الستالينيّة ضحايا الـفـاشـيّــة، حـن وصفت كل من يعارضونها بأنّهم فاشيّون. لـــكـــن هــــل يُـــعـــقَـــل أن يُـــكـــلَّـــف طـــــــرفٌ، هـو مرشّح متقدّم للانهيار العصبيّ، بتصويب مسار العالم وعقلنة أفعاله؟ أو أن تكون كل تلك الأطراف المتّهَمَة، أو المشكوك فيها، على خطأ مطلق، ووحدها إسرائيل على صواب مطلق؟ وحتّى لو افترضنا ذلك، وهو بالطبع مستحيل، فهل يكون الحل بحرب تلي حربا إلى ما لا نهاية؟ فسلوك كهذا تسكنه عاهة عميقة غالبا مـا كانت تُنسب إلـى أطـــراف عربيّة، مفادها عــدم مراجعة النفس وأفعالها والــهــربُ، في المـقـابـل، إلــى الــتــذرّع بـالمـؤامـرة. ولئن درجـت الرواية العربيّة السائدة على اقتراح المقاومة بعد المـقـاومـة، والـصـمـود بعد الـصـمـود، ردّا على تلك المــؤامــرة، فــإن الــروايــة الإسرائيليّة الـــراهـــنـــة لا تــقــتــرح إل الـــحـــرب بــعــد الــحــرب، والسعي تاليا إلــى رفــع الميزانيّة العسكريّة ملياراً 60 إلـى 2023 مليار دولار فـي 20 مـن لهذا العام. بيد أن مركزيّة المـؤامـرة في هـذا الوعي تـجـعـل لـغـة نـتـنـيـاهـو الـسـيـاسـيّــة أقــــرب إلـى لاســـامـــيّـــة مـقـلـوبـة يــضــاعــف الـــحـــض عليها أزمة شخصيّة قانونيّة وصعوبات انتخابيّة جـــدّيّـــة: فـبـدل أن يـكـون الـيـهـود مـصـدر خطر وتـآمـر على الـعـالـم، كما تـزعـم تلك الخرافة، يــغــدو الــيــهــود هــدفــا لـخـطـر الــعــالــم وتــآمــره، كـمـا تــزعــم خـــرافـــة نـتـنـيـاهـو وصــحــبــه. وإذا جــاز الاسـتـشـهـاد ثـانـيـة بالستالينيّة، صح أن الأخــــيــــرة بـــنـــت عـــلـــى الــــهــــوس بــالــحــصــار والمـؤامـرة فكرة «الاشتراكيّة في بلد واحـد»، وتـتـفـرّد الـيـوم إسـرائـيـل، ومعها إيـــران، هما المهجوستان بـالمـؤامـرة والـحـصـار، فـي بناء نظام لا يعيش إل «في بلد واحد». أمّــا المـؤامـرة فـا تكف عـن الاشتغال إل حين يظهر على سطح الكرة الأرضيّة رئيس فطِن كرئيس كولومبيا الجديد لا إسبرييا الــــــذي يـــتـــبـــرّع بــهــضــبــة الـــــجـــــولان الـــســـوريّـــة لإســرائــيــل. وعــمــا بـمـعـيـار كــهــذا، يــغــدو كـل مَــن يـقـول مـا هـو أقـــل مـن ذلـــك، حـتّــى لـو كان منصور عبّاس، مجرّد ذئب في ثوب حمل. غـــيـــر أن هــــــذه الـــــدعـــــوة إلــــــى الـــتـــطـــابـــق الالتحاقي ليست من السياسة ولا من الواقع. فهي مونولوغ القوي الذي يفترض أن سواه بـــا حـــقـــوق ومـــصـــالـــح ورغــــبــــات وهـــواجـــس، وأن صدقيّتهم لا تُــقـاس إل بـمـدى تلبيتهم مـــصـــالـــح إســـرائـــيـــل بــالــطــريــقــة الـــتـــي يـــراهـــا نتنياهو. والـحـال أن كـافّــة زعـمـاء الـدولـة العبريّة مـــنـــذ بـــــن غــــــوريــــــون، بـــاســـتـــثـــنـــاء نــتــنــيــاهــو وحــــــــده، مــــا كــــانــــوا لــيــتــجــاهــلــوا الـــتـــحـــوّلات الكبرى التي أحدثتها إسرائيل في المنطقة، والاســـتـــفـــادة الـسـيـاسـيّــة مـنـهـا، وعــلــى رأس التحوّلات تلك إضعاف إيـران وميليشياتها الـــرثّـــة. فـفـي هـــذه الــتــطــوّرات انــضــوت فرصة تـاريـخـيّــة لـإسـرائـيـلـيّــن، ولـعـمـوم المنطقة، تـنـدرج دولتهم بموجبها فـي نـظـام إقليمي مـسـتـقـر فـيـمـا يـــعـــاد الاعـــتـــبـــار لمـــســـارات حــل المشكلة الفلسطينيّة. بيد أن الـذيـن عطّلوا فـرصـة كـهـذه فـي التسعينات، مكمّلين عمل الخمينيّين والأسديّين وأضرابهم، لن يمحوا بيُسراهم ما سبق أن خطّوه بيُمناهم. وليس عديم الدلالة أن مشروع «الحرس الـــــــثـــــــوريّ» ومــــــشــــــروع نـــتـــنـــيـــاهـــو ووحــــــوش الاســتــيــطــان مــســكــونــان بــجــرعــات مــاضــويّــة وأســــطــــوريّــــة تـــدفـــعـــان الـــعـــالـــم إلـــــى حــقــبــات ظُـــن أنّــهـا طُــويـت بمشاريعها الإمـبـراطـوريّــة والاســـتـــعـــمـــاريّـــة، وتــــحــــاولان بـــالـــقـــوّة الـفـظّــة إجـــهـــاض كـــل احــتــمــال مـسـتـقـبـلـيّ. فمعهما، لــلــحــرب وحـــدهـــا مــســتــقــبــل، ولا يُــفــتــح بــاب لأمــــل صـغـيـر إل بـسـقـوطـهـمـا مـجـتـمـعـن أو منفصلين. OPINION الرأي 12 Issue 17442 - العدد Sunday - 2026/8/30 الأحد عصر اختراع الهويات... لتسهيل تزوير التاريخ إيران وازدواجية الذاكرة السياسية إسرائيل بين المؤامرة المفتوحة والمستقبل المغلق! وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة إياد أبو شقرا كفاح محمود
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky