issue17438

أقـــرّت الهيئة العامة ملجلس الـنـواب اللبناني مشروع القانون لتعديل 2026 ) أغسطس (آب 12 في بــعــض مــــواد وإصـــــاح وضــــع املـــصـــارف فـــي لـبـنـان وإعادة تنظيمها، وذلك لتطوير إطار هيكلة القطاع املصرفي ومعالجة األزمة املالية. لم تجر عملية شاملة ونهائية إلعــادة هيكلة القطاع املصرفي بمعناه القانوني والحديث سوى مرّة واحدة، وذلك عبر إقرار مجلس النواب اللبناني قــانــون إعــــادة هيكلة املـــصـــارف فــي أغـسـطـس (آب) ملعالجة تداعيات االنهيار املالي الذي بدأ عام 2025 ، في حني شهد التاريخ املالي اللبناني سابقًا 2019 عـمـلـيـات دمــــج وتـصـفـيـة فـــرديـــة ملـــصـــارف مـتـعـثّــرة بـشـكـل مــتــفــرّق مـــن دون أن تــشــكّــل هـيـكـلـة شـامـلـة للقطاع بأكمله. مر القطاع املصرفي في لبنان بمحطّات كبرى شكّلت عماد االقتصاد الوطني، بــدءًا من االنفتاح واالزدهــــــــار فـــي مـنـتـصـف الـــقـــرن الــعــشــريــن، مــــرورًا بأزمات هـزّت املنطقة مثل سقوط «بنك إنترا» عام ، وصـــــوال إلـــى الــهــنــدســات املــالــيــة واالنــهــيــار 1966 .2019 املالي الذي بدأ في أواخر عام إذا عدنا بالتاريخ إلى الـوراء نستطيع وصف مرحلة تطوّر النظام املصرفي في لبنان خلل املدة حتى اندالع الحرب 1943 املمتدّة من االستقلل عام بمرحلة مفصليّة تبلورت خللها 1975 األهلية عام امللمح األساسية للقتصاد الوطني اللبناني الذي اتّخذ طابعًا خدميًّا ليبراليًا منفتحًا على رأس املال الـعـربـي واألجــنــبــي وذا امـــتـــدادات عـربـيـة ودولــيــة، فــي وقـــت شـهـد تشكيل الـبـنـيـة املـؤسـسـيـة للقطاع املـــصـــرفـــي وتـــحـــوّلـــه إلــــى أحــــد األعــــمــــدة الـرئـيـسـيـة واألســاســيّــة للقتصاد الـوطـنـي، كما شـهـدت هذه الفترة تحوُّل النظام املصرفي من شبكة محدودة من املصارف إلى قطاع مصرفي متكامل. ظهرت اللبنات األولى للعمل املصرفي الحديث فــي لـبـنـان خـــال منتصف الــقــرن الـتـاسـع عـشـر مع دخـول املصارف األجنبية في العهد العثماني، ثم إصـدار الليرة عبر «بنك سوريا ولبنان». تأسست لتنظيم قطاع 1959 بعدها «جمعية املصارف» عام املـــــال، ومـــن ثـــم أُنـــشـــئ «املـــصـــرف املـــركـــزي» رسـمـيّــ . هــذا وقــد تميزت تلك 1964 وبـــدأ عمله 1963 عــام الفترة بحريّة نقديّة تامّة وسريّة ومصرفيّة جذبت رساميل ضخمة. وعــــــــودة 1989 بــــعــــد اتّـــــــفـــــــاق الـــــطـــــائـــــف عــــــــام )2019 - 1990( االسـتـقـرار، ركّــز االقتصاد في فترة على استقطاب الودائع بالعملت األجنبية بفوائد 1507.5 عالية، وتثبيت سعر صرف الليرة عند نحو ، كما 2019 حتى 1997 ليرة للدوالر الواحد منذ عام أصبحت املـصـارف املـمـوّل األسـاسـي لعجز الـدولـة والديْن العام عبر االكتتاب بسندات الخزينة، لذلك اتّبع مصرف لبنان سياسات «هندسة مالية» لجذب الدوالرات وحماية االستقرار النقدي الظاهري. ، شــحّــت الـسـيـولـة بـــالـــدوالر 2019 فـــي خــريــف وانـكـشـفـت هـشـاشـة الـنـمـوذج االقــتــصــادي املعتمد على إعـــادة توجيه املــصــارف، مما جعل املـصـارف تفرض قيودًا غير رسميّة وقاسية على السحوبات والتحويلت الخارجية (الكابيتال كونترول) بعد أن فقدت الليرة اللبنانية الجزء األكبر من قيمتها الـــســـوقـــيّـــة مـــقـــابـــل الـــــــــدوالر، ودخــــــل االقـــتـــصـــاد فـي انكماش حادّ. ولكن ما الذي تسبّب في االنهيار عام ؟2019 يعود لُب مشكلة االنهيار االقتصادي في لبنان إلـــى عــوامــل كثيرة 2019 الـــذي بـــدأ فــي خـريـف عـــام ومتعدّدة، في مقدمتها نموذج ريعي غير إنتاجي قـائـم عـلـى هـنـدسـات مصرفية وهـمـيّــة، حـيـث راكــم مصرف لبنان والدولة ديونًا ضخمة بفوائد مرتفعة لـتـمـويـل الــعــجــز. لـكـنـهـا لـــم تــكــن الــســبــب الــوحــيــد، حيث مثّلت هذه الهندسات أداة رئيسية استنزفت االحـــتـــيـــاطـــيـــات وأوجـــــــــدت فـــجـــوة مـــالـــيـــة ضــخــمــة، تــرافــقــت مـــع اعــتــمــاد مــصــرف لـبـنـان أســـعـــار فـائـدة مرتفعة تفوق الخيال لجذب الدوالرات من املصارف الــخــارجــيــة مـــن أجـــل تـمـويـل عـجـز الـــدولـــة املستمر وخدمة الديْن املتراكم وتثبيت سعر صرف الليرة، 70 مما راكـم خسائر خفيّة هائلة وفجوة تجاوزت مليار دوالر أميركي أدّت إلـى االنهيار الشامل في ظـل فساد مستشر وعجز امليزان التجاري وميزان املـدفـوعـات وغـيـاب التخطيط االقـتـصـادي الشامل واالرتـــفـــاع الــافــت لـــرأس املـــال الــخــارجــي، وتـراجـع الـــتـــحـــويـــات الـــخـــارجـــيـــة مــــن املـــغـــتـــربـــ ، وتـــراجـــع تـدفـق الـعـمـات الصعبة الـتـي كـانـت تـغـذي خزينة ، مـمـا أدّى 2011 الـــدولـــة والـبـنـك املـــركـــزي بـعـد عـــام إلـى شـح فـي السيولة ونـضـوب احتياطي الـــدوالر. كما أن ضعف آليات الرقابة الفعّالة كـان سببًا في اختلالت بنيويّة أسهمت في تعميق األزمات املالية واالقتصادية، وهكذا آلت األمور إلى ما آلت إليه من أزمات يعاني منها االقتصاد الحالي. فكانت 2019 أما تداعيات االنهيار منذ خريف مـذهـلـة فــي فـظـاعـتـهـا، حـيـث تـوقّــفـت املـــصـــارف عن تــســلــيــم الـــــودائـــــع بــالــعــمــلــة األجـــنـــبـــيـــة بــشــكــل غـيـر فــــي املـــائـــة 98 قـــانـــونـــي وفــــقــــدت الـــلـــيـــرة أكـــثـــر مــــن مـــن قـيـمـتـهـا الــســوقــيّــة وانــخــفــضــت قـيـمـة األصــــول املصرفية بشكل حــاد. وأعلنت الـدولـة تخلّفها عن مارس 7 سداد ديونها الخارجية «اليوروبوند» في مليار دوالر لـلـمـرّة األولــى 1.2 بقيمة 2020 ) (آذار في تاريخ الـبـاد، ومـا زاد الطني بلّة هو غياب أي قـطـاع إنـتـاجـي. هــذا مـن الناحية االقـتـصـاديـة، أما مــن الـنـاحـيـة االجـتـمـاعـيـة فـارتـفـعـت مــعــدالت الفقر املدقع والبطالة، مما أدّى إلى زيادة هجرة الشباب واألدمـــــغـــــة إلـــــى الــــخــــارج وانـــخـــفـــضـــت الــتــقــديــمــات االجـــتـــمـــاعـــيـــة (الـــصـــحـــيـــة والـــتـــعـــلـــيـــمـــيـــة...)، وفـــي املحصّلة جُــمِّــدَت واحتُجِزَت مـدخّــرات املودعني في غياهب املصارف. لـقـد واجــــه لـبـنـان تــراجــعــ حــــادًا فــي الـسـنـوات حتى اآلن، فمتى 2019 األخيرة منذ بداية األزمة في سيستيقظ املــســؤولــون مــن كبوتهم لـيـعـودوا إلـى رشدهم ويتّبعوا إدارة رشيدة لهذا البلد من أجل إعـــــادة ثـقـة الـلـبـنـانـيـ ووضــــع لـبـنـان عـلـى السكة الحقيقية الصحيحة؟! Issue 17438 - العدد Wednesday - 2026/8/26 األربعاء من دون أن نضع أيدينا على الــداء لن نصل إلى الدواء، ومن دون أن نعترف بأن النظام الدولي في أزمة لن ننجح في الخروج منها. لـــقـــد أريــــقــــت أطــــنــــان مــــن الـــحـــبـــر عـــلـــى الــــدراســــات واملقاالت قبل أن نفهم ما هو عالم اليوم حقًا، وإن كان، من وجهة نظري، يشبه حالة اللسلم واللحرب، وهي حالة خطيرة يعرفها من جربها في املـاضـي، وتشبه الحياة في املناطق الرمادية. عـشـيـة الـــحـــرب الـعـظـمـى، قـــرر عــالــم ذلـــك الـوقـت أن تــــكــــون هــــنــــاك مــنــظــمــة دولــــيــــة تـــصـــبـــح الـــضـــابـــط لـــلـــصـــراعـــات، والـــحـــكـــم بــــ املـــتـــنـــافـــســـ ، وتـسـتـبـق النزاعات حتى ال تصل إلـى الـصـدام، وتفرعت عنها مؤسسات أخــرى، أبرزها مجلس األمــن، يد املجتمع الدولي الضاربة. وبعد أكثر من ثمانني عامًا من نشأتها، نقف عند مـفـتـرق طـــرق حــــاد، يــكــاد يـصـل بـنـا إلـــى لـحـظـة صــدام مرعبة، تصبح معها حروب املاضي مجرد نزوة. هذا املفترق لم ينشأ على عجل، فقد نشأ نتيجة خلل متراكم فـي املعايير الـدولـيـة، وتطبيق القوانني، واحـــتـــكـــار خــمــس دول فــقــط لــحــق الــنــقــض «الــفــيــتــو»، والتصادم بني الشرق والغرب في الحرب الباردة، وعدم انتهاز فرصة التنمية من جانب الــدول التي استقلت حــديــثــ عـــن االســتــعــمــار، خــصــوصــ فـــي الـخـمـسـيـنـات والستينات. هل نكتب درسًا في التاريخ هنا؟ ال... إننا نحاول أن نـقـتـنـص الـلـحـظـة مـــن بـــراثـــن هــديــر املـــدافـــع، وأزيـــز الـطـائـرات املـسـيّــرة والـصـواريـخ الـعـابـرة، والـحـرب عن بُـــعـــد، وخـــســـارة جـبـهـات الــقــتــال الـتـقـلـيـديـة، وتـسـابـق الــــدول عـلـى االســتــحــواذ عـلـى فـضـاء االبــتــكــار، وتـعـدد وتنوع مصادر القوة الشاملة. وأي دولة أو أمة لن تستطيع الصمود في املناطق الرمادية، إال من خلل االعتماد على الذات، وتلك قصة أخرى. يمكن أن أقـول إن العالم القديم تشقق، وتكسر، وتهشم، لكنه لم ينته بعد. فالبعض يقول إنه ال يزال عـالـم القطب الــواحــد، وبعضهم اآلخـــر يـقـول إنــه عالم تعدد األقطاب من دون إعلن. ويمكن أن أقول أيضًا إنه عالم يعيش في منطقة رمادية، أو حالة اللسلم والـاحـرب، وهي في الغالب مرحلة خطيرة، وغير حاسمة، فمن ناحية تنفق فيها الـــــدول عــلــى الـــســـاح وإنـــتـــاجـــه عــلــى حـــســـاب التنمية واالقتصاد، ومن ناحية أخرى تجد هذه الدول نفسها في حالة قلق دائم، والحالتان ال يمكن أن تولدا أي نوع من السلم املستقر املطمئن، ومع العجز التام للمنظمة الدولية، وعدم االكتراث بقوانني الشرعية الدولية، فإن الواقع يصبح أكثر سيولة. وتزداد املفارقة حدة مع تصاعد اإلنفاق العسكري بـــ الـــــدول الــعــظــمــى، الـــــذي يـلـتـهـم مـــــوارد كــــان يمكن توجيهها إلــى التنمية والصحة والتعليم ومواجهة الفقر، فالعالم ال ينفق املزيد على السلح وحده، وإنما يــدفــع ثـمـن ذلـــك مــن مستقبله، وحـــ تـتـحـول أولــويــة األمــن إلــى عــبء يضغط على االقـتـصـاد واملجتمعات، فإنه يضع احتياجات التنمية في مرتبة أدنى. فـعـنـدمـا تــأتــي دولــــة مــثــل إيـــــران وتـسـيـطـر على مضيق هـرمـز، شـريـان الـطـاقـة، وأحـــد مـمـرات سلسل الـتـجـارة الـعـاملـيـة، وهـــو يخضع لـقـانـون الـبـحـار لعام ، فـإنـهـا تـقـدم مــثــاال صــارخــ عـلـى مـــدى هشاشة 1982 هذا القانون الدولي، وتقدم نموذجًا يمكن أن تقوم به دول أخرى، ترى في املمرات واملضايق البحرية غنيمة، مما يجعل العالم يتعايش ويتكيف مع حالة اللسلم واللحرب. والسؤال هنا: ملاذا وصلنا إلى هنا؟ هنا سأركز على نقطة واحـدة، نقطة عدم احترام القوانني الدولية، فمثل هل يُعقل أن تختفي من أروقة الدبلوماسية الدولية قــرارات واجبة النفاذ في الشأن ؟)338( ) و 242( ) و 194( ) و 181( الفلسطيني، مثل قرارات الــغــريــب أن هــــذه الــــقــــرارات نـــشـــأت وتـــزامـــنـــت مع نشأة األمــم املتحدة، أي أنها تعايشت معها مـن دون أن تــجــد طـريـقـهـا إلــــى الـتـنـفـيـذ، وتـــركـــيـــزي عــلــى هــذه املسألة الجوهرية تحديدًا، ألن منها تنطلق التوترات اإلقليمية والعاملية، وإليها تعود الكارثة، ومنذ السابع أثـبـتـت أنـهـا جوهر 2023 ) مــن أكـتـوبـر (تـشـريـن األول الرواية العاملية املؤملة. وباملثل، فقد اتخذت الحروب الدائرة في اإلقليم، والقوى اإلقليمية املجاورة، مثل إيران، من هذه املسألة ذريـــعـــة لـلـقـفـز عــلــى اإلقـــلـــيـــم، وصـــنــاعــة دروع حـامـيـة ملصالحها الذاتية. والـــــوقـــــائـــــع الـــحـــالـــيـــة تـــثـــبـــت أن األفــــــكــــــار، غـيـر الواقعية، أفضت إلى الحالة العاملية الراهنة، فاملطامح اإلمــــبــــراطــــوريــــة، والـــطـــمـــوحـــات املــرتــبــطــة بــمــا يسمى تــصــديــر الــــثــــورات، واســـتـــدعـــاء أنـــمـــاط إمــبــراطــوريــات سـالـفـة أو خــافــة غــائــبــة، أو إســرائــيــل الــكــبــرى، كلها أفـكـار تحوم فـي الـفـراغ، لكنها تدفع الـواقـع إلـى مزيد من الصدام. وهكذا وصلنا إلى حالة أشبه بحالة العيش في املناطق الـرمـاديـة، فـا نحن أمــام حـرب شاملة تحسم الصراع، وال نحن أمـام سلم حقيقي قـادر على إنتاج االستقرار. وبني الحالتني يقف العالم معلقًا بني نظام دولي يتآكل، وقواعد تفقد قدرتها على اإللزام، وقوى جديدة تبحث عن مكانها، وأفكار قديمة تصر على استعادة عـــالـــم لـــم يــعــد مــــوجــــودًا، وخــــرائــــط تـبـحـث عـــن مـخـرج طوارئ. والـــــســـــؤال الــــــذي يـــفـــرض نــفــســه اآلن: هــــل نـمـلـك شجاعة ابتكار نظام جديد أم سنظل نبحث عن حلول القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن املاضي؟ لم يكن أسبوع ًا يبعث على التفاؤل لفلديمير بوتني؛ ففي خضم الضربات والضربات املضادة املتبادلة بني روسيا وأوكـرانـيـا، هــددت موسكو بــأن بريطانيا «ستتكبد ثـمـن» تـزويـد خصمها بالطائرات املسيّرة، التي أتاحت له تنفيذ ضربات في عمق األراضي الروسية. إضافة إلى ذلك، أُقيل كبير االقـتـصـاديـ فــي ثـانـي أكـبـر بـنـك روســـي، بعدما قال إن روسيا ال يمكنها إحراز النصر في «حــرب اسـتـنـزاف»، وإن استمرار هـذه الحرب قد يشعل أزمة اجتماعية. وفي سياق متصل، تسبب انـتـشـار شـائـعـة مـفـادهـا أن الـحـكـومـة ستصادر مدخرات املواطنني لتمويل الصراع املستمر في تدافع الروس على البنوك للسحب من حساباتهم وإفراغها. وخــافــ لـتـوقـعـات بــوتــ ، فـــإن أوكــرانــيــا ال تخسر فــي هـــذا الــصــراع املــــروع، الـــذي دخـــل اآلن عــامــه الــخــامــس، بـــل ويـــبـــدو أنــهــا لـــن تـخـسـر في املستقبل القريب. ومن ثم، يبقى التساؤل الكبير، الـــذي يـحـتـدم الــجــدل حـولـه بــ املـراقـبـ للشأن الـروسـي، ما إذا كـان بوتني سيتراجع ويقر بأن ، وكبدت 2022 الحرب الكبرى، التي أطلقها عـام روســـيـــا مــنــذ ذلــــك الــحــ أرواح مـــا يــقــدر بنحو نصف مليون روسـي، قد فشلت، ويجب التخلي عنها. ومثلما كتب ديفيد روش، رئيس مؤسسة «كوانتوم استراتيجي»، الذي يتمتع بسجل جيد في توقعاته املتعلقة بروسيا، منذ توقعه تفكك االتحاد السوفياتي، في العدد األخير من الدورية الـصـادرة عـن «املعهد امللكي للخدمات املتحدة» املعنية بقضايا األمــن والـدفـاع: «يبدو أن قيادة بوتني تدخل منطقة رمادية تتفاقم فيها مواطن الـضـعـف؛ فـالـضـغـوط االقـتـصـاديـة مـرتـفـعـة، في وقت تتصاعد الضغوط التي تمارسها النخبة، فـيـمـا تـتـسـع بـاسـتـمـرار الــفــجــوات بــ الـــروايـــات الرسمية بشأن األوضاع العسكرية واالقتصادية واالجتماعية وبـ الحقائق القائمة على أرض الواقع». غــيــر أن روش يــســتــطــرد بــعــد ذلـــــك، قـــائـــاً: «روسـيـا لـم تـدخـل بعد مرحلة االنـهـيـار». ومنذ بـدايـة هــذا الــصــراع، الـــذي يمثل لبوتني كابوسًا اختاره بنفسه، بقدر ما تمثل حرب إيران للرئيس األمـــيـــركـــي دونـــالـــد تـــرمـــب، تــوقــع عــــدد كـبـيـر من املحللني املرموقني هزيمة روسيا الوشيكة. ولن أحرج هؤالء الخبراء بذكر أسمائهم هنا، لكنني لم أصدق توقعاتهم قط. مـــن جــهــتــي، أمــضــيــت وقـــتـــ داخـــــل روســـيـــا، وأجريت في سنوات سابقة مقابلت مع كثير من الــروس، وأعـي جيدًا مدى كراهية الـروس للغرب واسـتـيـائـهـم مــنــه. وفـــي مـقـابـلـة أجــريــت مـعـه في يونيو (حـزيـران)، أعـاد بوتني طـرح فكرة كررها ، مفادها أن أوكرانيا 2022 مـرات كثيرة منذ عام ليست سـوى دمية في يد الـغـرب، وأنها تستغل هــــذا الــــصــــراع لـتـحـقـيـق الــطــمـــوح الــكــبــيــر لحلف شـــمـــال األطـــلـــســـي (الــــنــــاتــــو) املــتــمــثــل فــــي سـحـق روسيا وإذاللها. الـــافـــت أن أعــــــدادًا كــبــيــرة مـــن الـــــروس تجد هـذه الـروايـة القائمة على صـورة الضحية قابلة للتصديق. ومع أن قليلني منهم يناصرون بوتني أو حـــربـــه، فـــإن معظمهم يـعـتـبـر أوكـــرانـــيـــا جـــزءًا أصيل من روسيا. في الـواقـع، يكشف مجمل التاريخ الروسي وجـــــود اســـتـــعـــداد لــــدى الــــــروس لـتـحـمـل املــشــاق بـصـابـة يـصـعـب عـلـيـنـا اسـتـيـعـابـهـا. وفـــي هـذا السياق، أعلن بوتني في يوليو (تموز): «يستحيل كسر إرادة الشعب الـروسـي». ومـن نابليون إلى هتلر، تمتد قائمة طويلة من األشـخـاص، الذين تكبدوا أمواال (وأرواحًا) بعدما راهنوا على عكس ذلك. ومــع ذلـــك، فــإن هــذا ال يعني تجاهل الـواقـع الـذي يواجهه بوتني؛ فأوكرانيا اليوم في وضع أفـضـل مما كـانـت عليه فـي أي وقــت منذ خريف . ورغم محاوالته التقليل من شأن األمر، 2022 عام فإن الضربات األوكرانية باملسيّرات بعيدة املدى، التي عطلت ما يُقدَّر بنحو ثلث طاقة تكرير النفط الـــروســـيـــة، وألـــحـــقـــت أضـــــــرارًا جـسـيـمـة بـمـخـازن شركة «وايلدبيريِز» الضخمة، ال يمكن تجاهلها. مــــن جـــهـــتـــه، يـــزعـــم بـــوتـــ أن قــــواتــــه تــحــرز تقدمًا مطردًا على امـتـداد الجبهة البالغ طولها ميل. كما عمد األوكرانيون إلى توسيع 800 نحو نـــطـــاق «مــنــطــقــة الـــقـــتـــل»، الـــتـــي تــســتــهــدف فيها مسيّراتهم الجنود الــروس املتهورين بما يكفي ملحاولة التقدم في مناطق مكشوفة، لترتفع بذلك 30 خسائر الجانب الروسي إلى ما يُقدَّر بقرابة ألـف جندي شهريًا، مقابل معدل تعويض يبلغ ألفًا فقط. 27 2025 ) ومع أن ترمب أوقـف في مـارس (آذار إمدادات األسلحة املجانية األميركية إلى أوكرانيا، وقطع املساعدات املالية عنها في يوليو (تموز)، فــــإن األوروبــــيــــ ســـــدوا هــــذه الـــفـــجـــوة. وال تـــزال الـواليـات املتحدة تقدم معلومات استخباراتية استراتيجية وتكتيكية بالغة األهمية. عـلـى الصعيد االقــتــصــادي، ثـمـة ثــغــرات في منظومة العقوبات املفروضة على روسـيـا. ومع ذلــــك، تـبـقـى قــــادرة عـلـى إلــحــاق أضــــرار بـروسـيـا. وبحسب التوقعات، ال يتجاوز نمو الناتج املحلي ٪. وكان من املتوقع 0.4 نسبة 2026 اإلجمالي عام مليار دوالر 48.5 أن يبلغ عجز املــوازنــة الـعـامـة 73 على مدار العام بأكمله، لكنه ارتفع بشدة إلى مليار دوالر خلل األشهر الستة األولى فقط. فـــي املـــائـــة من 40 جـــديـــر بـــالـــذكـــر أن قـــرابـــة ٪ من 8 إجـمـالـي املـــوازنـــة الــعــامــة، أي مــا يــعــادل الناتج املحلي اإلجمالي، يوجه إلى الدفاع واألمن الوطني ـ ضعف ما كان عليه قبل الحرب. امللحظ أن األلـــم بــدأ يصل إلــى جـيـوب الـــروس العاديني، الــــذيــــن قــــد يـــواجـــهـــون قـــريـــبـــ جـــولـــة جــــديــــدة مـن التجنيد اإلجباري. وهذه املـرة، ستُغلق الحدود ملنع موجة جديدة من فـرار الراغبني في التهرب من الخدمة العسكرية. ورغـــــم مـــا ســـبـــق، ال يـمـكـن إنـــكـــار أن بعض الـــعـــوامـــل بـــــدأت تـمـيـل لــصــالــح بـــوتـــ ؛ فـمـنـذ أن بـــدأ تــرمــب حــربــه مـــع إيـــــران، انــحــســرت إمـــــدادات صــواريــخ «بـاتـريـوت» األميركية لـلـدفـاع الجوي إلـــــى أوكــــرانــــيــــا، مــــا خــلــف عــــواقــــب وخــيــمـــة عـلـى مـدنـهـا. بـالـتـزامـن مــع ذلــــك، تــزيــد روســيــا إنـتـاج القنابل االنــزالقــيــة، الـتـي يُــرجـح أن يستخدمها بــوتــ الســتــهــداف مـنـشـآت الــطــاقــة األوكـــرانـــيـــة، هـذا الشتاء. كما تلحق موسكو بالفعل أضــرارًا بصادرات الحبوب األوكرانية، من خلل الهجمات على أوديسا وعلى حركة امللحة بالبحر األسود. ويـــــبـــــدو مـــــن املـــــرجـــــح أن تــــصــــعّــــد روســــيــــا هــجــمــاتــهــا الــهــجــيــنــة فــــي «املـــنـــطـــقـــة الـــرمـــاديـــة» ضـد أوروبــــا، بـــدءًا مـن إربـــاك املــطــارات بهجمات مسيرة، وصـــوال إلـى شـن هجمات محتملة على الـبـنـيـة الـتـحـتـيـة املـــوجـــودة تـحـت سـطـح الـبـحـر. من ناحيته، يعتقد بوتني أن تضامن أوروبـا مع أوكرانيا ودعمها، قد يتصدع إذا وجـدت القارة الــعــجــوز نـفـسـهـا تــدفــع ثـمـنـ لــهــذا الـــدعـــم. يـأتـي ذلك في وقت ترغب أحزاب يمينية قوية عدة في الـــقـــارة، خـاصـة «حـــزب الـبـديـل مــن أجـــل أملـانـيـا»، فـي التوصل إلـى تهدئة مـع روسـيـا، وتـبـدو غير مبالية تجاه تحميل أوكرانيا ثمن ذلك. ومــع أن الـــروح الوطنية األوكــرانــيــة ال تـزال قوية، فإن أوكرانيا لم تعد تحظى بدعم موثوق من الواليات املتحدة، ما يجعل بوتني واثقًا من أن كل االحتماالت ال تزال مفتوحة أمامه. وإذا واصل ترمب حماسه الحالي تجاه كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشمالية، التي تعد موردًا رئيسًا للذخائر إلى روسيا؛ وإذا لم تحصل أوكرانيا على مزيد من صواريخ «باتريوت»؛ وإذا أدى تغير مفاجئ فـــي مــوقــف الــرئــيــس األمـــيـــركـــي إلــــى قــطــع جميع أشكال الدعم عن أوكرانيا ـ وهو أمر ممكن تمامًا ـ فقد تصبح صورة الحرب قاتمة أمام كييف. وتـقـديـري أن روش، مـن مؤسسة «كوانتوم استراتيجي» محق حني كتب أن «انقلبًا تنفذه النخبة داخـل الكرملني من املرجح أن يـؤدي إلى نظام أكثر، ال أقـل، تطرفًا». بعبارة أخــرى، حتى حـــال تـحـقـق االحــتــمــال الـبـعـيـد لـلـغـايـة بـوصـول زعـيـم روســـي جـديـد إلــى ســدة الـحـكـم، ليس ثمة دليل على أنه سيبدي تعاطفًا أكبر مع الحرية أو مع الغرب. وتـــشـــيـــر جــمــيــع األدلـــــــة الـــتـــي يــحــمــلــهــا لـنـا التاريخ الحديث إلى أن إسقاط األنظمة الفردية أمر بالغ الصعوبة، خاصة عندما تكون محكومة بالبطش، الـــذي يشكل جـــزءًا مـن طبيعة بوتني. وربـــمـــا يـــســـاور الــكــرمــلــ الــقــلــق مـــن انــتــخــابــات مجلس الــدومــا الـوشـيـكـة، مـا يتجلى فـي حظره الــــحــــزب الـــســـيـــاســـي الــــوحــــيــــد املـــــعـــــارض لــحــرب أوكــــرانــــيــــا، لـــكـــن قــبــضــة الـــرئـــيـــس عـــلـــى مـقـالـيـد السلطة ال تـزال تبدو قوية. وال توجد أي إشارة إلـى تراجع بوتني عن مطالبه القصوى للسلم. ولـــذلـــك، ولـــأســـف، فــــإن الــتــوقــع األكـــثـــر احــتــمــاال بشأن روسيا وأوكرانيا هو استمرار الوضع على ما هو عليه. * باالتفاق مع «بلومبرغ» جمال الكشكي ماكس *هاستينغز سعاد كريم OPINION الرأي 14 المراهنة على قدرة روسيا على تحمّل المعاناة! الخرائط تبحث عن مخرج طوارئ هيكلة القطاع المصرفي في لبنان

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==