issue17435

الثقافة CULTURE 17 Issue 17435 - العدد Sunday - 2026/8/23 الأحد ابن خلدون... وذكراه منذ المرة الأولـى التي قرأت فيها عن ابن خلدون، قبل أكثر من نصف قرن، وأنا أفكر في الكتابة عن هذا المفكر العربي العظيم، لكن في كل مرة أحجم وأنصرف. لأن الكتابة عن ابن خلدون، وهي بالنسبة لي لن تكون أكـثـر مــن مـقـالـة أو بـضـع مــقــالات أشـيـر فيها إشــــارات سـريـعـة إلـــى بعض جوانب عبقريته- الكتابة عنه سباحة في محيط أو مغامرة تبدأ ولا تكاد تنتهي. وكيف ينتهي الحديث عن رجل عرف ما عرفه ابن خلدون قبل أن يعرفه غيره من البشر؟ فإذا أردت الآن بعد ستة قرون من رحيله أن أكتب عنه فعلي أن أتعرف على هذا العالم الذي أحاط به، أي أن أقرأ تراثه الحافل بكل جوانبه، وأن أقرأ فضلا عن ذلك ما كتبه الذين سبقوا لقراءة أعماله وهم أجيال، ولغات، وثقافات، ومذاهب. أخيراً، قلت لنفسي: أكتب عن هذه التجربة الفكرية الصعبة، عن هذه السيرة التي لم تستطع لحد الآن أن تقترب منها، رغم النداء الذي يزداد كل يوم إلحاحا وإغراء وأنت تبدو كأنك تفر! غير أني بدأت المقالة وسوف أكملها. ولا أعِد نفسي ولا أعِد أحدا ما لا أستطيع الوفاء به. لا أستطيع في هذه المقالة ولا في غيرها أن أحيط بتراث ابن خلدون، ولا أستطيع أن أكشف عن المواهب والفضائل والطاقات التي منحته هذه العبقرية الخارقة، ومكّنته من الوصول إلى علم لم يكن له وجود حين بدأ سعيه إليه، وإنما أظهره ابن خلدون بهذا السعي وجعله موجودا ومتاحا لمـن يريد أن يعرف كيف أصبح البشر بـشـراً؟ كيف تحولوا مـن أفـــراد إلى جماعات، وكيف تحولت الجماعات إلـى مجتمعات، وكيف خرجت هذه المجتمعات مـن عـصـورهـا الـبـدائـيـة وأصـبـحـت بـــادا ومــدنــا، وكـيـف صار التاريخ عمرانا لا يعرف فقط بما وقع فيه من أحـداث تنسب للزمن الذي وقعت فيه، وإنما يعرف بالأسباب والتجارب والقوانين التي حولته إلى شعوب وأوطــان وثقافات وحـضـارات. وبــدلا من أن يكون السؤال الوحيد المطروح في تاريخ الإنسان هو متى حدث؟ أضاف له ابن خلدون سؤالا آخر بالغ الأهمية هو: كيف حدث؟ *** الإجابة في السؤال الأول تقدمها الذاكرة فتستحضر الأيام والشهور والأعـوام. وبهذه الإجابة وحدها يصبح تاريخ الإنساني تكرارا وتراكماً، ويكون العلم حفظا ونقلا وترديدا وإعادة، وتكون الحياة الإنسانية طريقا يبدأ وينتهي دون أن يحرك فيه الإنسان ساكناً، أما الإجابة في سؤال ابن خلدون فيقدمها العقل والمنطق والذاكرة، والرغبة في المعرفة والاكتشاف، والنظر في النهضة والسقوط، وفي الغنى والفقر، والعلم والجهل، والتقدم والتراجع، والنصر والهزيمة، في الإنتاج المادي، وفي النشاط الفكري، وفي السياسة والاقتصاد، وفي العلاقة بين هذه المجالات كلها وتأثير كل منها في غيره. وحـن يتمكن الإنسان من الإحاطة بالأسباب والعوامل والعلل التي تتحقق بها الحوادث وتصير عنده خبرات وعبرا يصبح قادرا على التوقع وقـــراءة المستقبل والمـشـاركـة فـي صنعه، ويصير التاريخ تنبؤا وتـطـوراً. وبـهـذا العلم، علم الاجـتـمـاع والـعـمـران انتقل البشر مـن ظلمات العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، وعرفوا معنى الماضي ومعنى الحاضر، واكتشفوا قوانين التطور والارتقاء. *** وأنا هنا لست شاهدا يمكن أن يتهم بالتحيز، ولست أعبّر عما عرفته بنفسي مما قرأته لابن خلدون، وإنما أنقل ما قاله الآخرون مستفيدا بما قـدمـه بعض الـكـتـاب المـصـريـن الـذيـن نـقـرأ لهم مـا كتبوه عـن ابــن خلدون وما نقلوه عن الأجانب الذين درسـوا أعماله فنجد أن الأوروبـيـن خاصة يعرفون الحكيم العربي أكثر بكثير مما نعرفه. وهـذا أمر طبيعي؛ لأنهم يتقدمون فيزدادون اقترابا منه، ونحن نبتعد عنه فنكاد ننساه! وابـــن خـلـدون مـعـروف فـي أوروبــــا منذ نـهـايـات الـقـرن الـسـابـع عشر. ومقدمته التي شرح فيها أفكاره تُرجمت بنصها العربي في أواسط القرن التاسع عشر. والمجال لا يتسع لأنقل ما يكفي مما قاله أمثال سلفستر دي ساسي الفرنسي، وفـون هامار النمساوي وغيرهما ممن وقفوا أمـام ابن خلدون مبهورين بما وجـدوا في تراثه من حقائق علمية لم يعرفوها إلا بعد ابن خلدون بعصور طويلة. نظريات فلسفية واجتماعية واقتصادية رددها ميكافيلي، وفيكو، ومونتسكيو، وآدم سميث، وأوغست كونت بعد ابن خلدون بقرون عدة. وهم يلخصون حديثهم عنه فيقولون إن الإيطاليين أرادوا أن يجعلوا من فيكو أول عالم اجتماع في أوروبا، وها نحن نرى عالما مسلما يدرس الظواهر الاجتماعية منذ قرون عديدة، ويصل في دراسته إلى النتائج التي شكَّلت علم الاجتماع. وهذا قليل جدا من كثير جدا يجب أن نعرفه عن ابن خلدون الذي لم نعد نتذكره، فهل آن لنا أن نحيي ذكراه؟ إننا حين ننصفه ننصف أنفسنا، والوقت مناسب في هذه الأيام. فبعد سـت سـنـوات مـن الـيـوم تحل الــذكــرى المـئـويـة السابعة لمـيـاده. وبيننا وبينها وقت نستطيع فيه أن نعد العدة لإحيائها بالصورة التي تليق بهذا العبقري العربي وبـتـراثـه العظيم وحياته الحافلة بالمدهش المـثـيـر؛ لأنـهـا لـم تكن حياته وحـــده، وإنـمـا كـانـت حـيـاة الـبـاد الـتـي تنقل فيها مشرقا ومغرباً، والأحداث التي شارك في صنعها. وباستطاعتنا في السطور التالية أن نشير إشارات سريعة إلى هذه الحياة التي لا تتسع لها المجلدات. ولا شــك فــي أن ابـــن خــلــدون كـــان يـعـرف ذلـــك عــن نفسه فكتب سيرته الذاتية التي أنهى بها مؤلفه العظيم في التاريخ وتفسيره، مبتدئا في هذه السيرة بالحديث عن أجــداده العرب الذين استوطنوا الأندلس وشاركوا في حياته السياسية ثم رحلوا إلـى تونس، حيث ولـد ابـن خلدون ونشأ وانخرط في الحياة الثقافية والسياسية في مدن المغرب والأندلس، وكان هـو وعائلته طرفا مشاركا ومـؤثـرا فـي الـصـراعـات السياسية التي دارت فـي ذلـك العصر الــذي فقدنا فيه الكثير، حتى قـرر أن يتفرغ للعلم فرحل إلى مصر، حيث قضى الشطر الأخير من حياته، نحو ربع قرن، منصرفا للتأليف والتدريس والقضاء. وسـوف نعود للحديث عن هذا الرجل إحياء لذكراه التي لا يصح أن تكون مجرد مناسبة، وإنما يجب أن تظل حاضرة على الدوام. أحمد عبد المعطي حجازي كتاب جديد للمؤرّخ هواري تواتي يبرز دور حسن الوزّان «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب نـجـح الـكـاتـب الـلـبـنـانـي أمـــن مـعـلـوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلا عـابـرا للحدود ورحّــالــة كبيرا كـــان شــاهــدا عـلـى سـقـوط غـرنـاطـة وتقلّبات المتوسط. غير أنّــه لم يسع إلـى كتابة سيرة تاريخية وثائقية بالمعنى الصارم؛ فقد أخذ من حياة الـوزّان عناصرها الكبرى، ثم أعاد بناءها داخل عمل أدبي. الــيــوم تكتمل الـــصـــورة بــصــدور كـتـاب جــديــد فـــي نـحـو ثـاثـمـائـة صـفـحـة، عـنـوانـه «يـــوحـــنـــا لـــيـــون الأفـــريـــقـــي: إنـــســـانـــي عـربـي فــي الـنـهـضـة الأوروبــــيــــة»، لـصـاحـبـه المــــؤرّخ والأنثروبولوجي الجزائري هـواري تواتي، مـديـر دراســــات فـي «المــدرســة العليا للعلوم الاجــتــمــاعــيــة» بـــبـــاريـــس وعـــضـــو أكــاديــمــيــة أوروبا. والكتاب ليس سيرة ولا عملا روائياً، بل هو ثمرة بحث دام سنوات من أجل إبراز الـــــدور الــفــكــري لـحـسـن الــــــوزان المـــعـــروف في أوروبا بليون الأفريقي بوصفه وسيطا بين التراث العربي والفضاء الأوروبي. وُلــــــد الـــحـــســـن بــــن مــحــمــد الـــــــــوزّان عـلـى الأرجـــــــــح قــــــرب غــــرنــــاطــــة فـــــي أواخـــــــــر الـــقـــرن الخامس عشر، ثـم حملته أسـرتـه إلــى فاس . هناك تلقّى 1492 بعد سقوط المدينة سنة علومه فـي مـدارسـهـا، فتعلّم الفقه وأصــول الــديــن، وتــــذوق الـتـاريـخ والـشـعـر. وفـــي سـن مـــبـــكـــرة، بـــــدأ رحـــــــات دبـــلـــومـــاســـيـــة حـمـلـتـه إلــــى الـــريـــف والـــســـوس وأطــــــراف الــصــحــراء، ثــم إلـــى تــونــس والــقــاهــرة والقسطنطينية. ، بـيـنـمـا كــــان عـــائـــدا مـــن مــهــمّــة، 1518 وفــــي اعترض سفينتَه قرصان صقلّي من فرسان الـقـديـس يـوحـنـا، فاقتيد إلــى رومـــا وحُبس فـي قلعة سانت أنجلو. ومـا جـرى بعد ذلك هـو مـوضـوع كـتـاب هـــواري تــواتــي. فالبابا لم يعرض أسيره على الــزوّار كأعجوبة، بل منحه راتـبـا ومـهـمّــة: أن يعلّم العربية، وأن يُستشار في اللغة والفقه وشؤون المتوسط. يـشـرح الـبـاحـث أن رومـــا الـتـي نــزل بها الــــوزّان لـم تكن مـديـنـة بــابــاوات فحسب، بل كانت ورشة محمومة يُعاد فيها رسم صورة الــعــالــم. كـــان فـيـهـا الــكــارديــنــال إيـجـيـديـو دا فيتربو، المولع باللغات الشرقية، الذي طلب مـن ضيفه الأسـيـر أن يعلّمه الـعـربـيـة ليقرأ القرآن في لغته الأصلية. وفيها كـان الأمير ألبرتو بيو دا كـاربـي يبني مكتبة شرقية، ،)1549 – 1474( إضافة إلى أنجلو كولوتشي العالِم الإيطالي وأمين أسرار البابا، وجامع المخطوطات والآثار. فـي هــذا الــوســط، وجــد الــــوزّان موقعه. في دار الكاردينال بفيتربو 1525 فأقام سنة بـصـفـتـه مــعــلّــمــا لــــه، وراجــــــع هـــنـــاك تــرجــمــة لاتـيـنـيـة لــلــقــرآن الــكــريــم، وعــلّــم الـعـربـيـة في بـولـونـيـا، ونـسـخ نـصـوصـا عـربـيـة لمكتبات الأمـــــــــــــراء، وجـــــالـــــس المــــتــــرجــــمــــن والأطـــــبـــــاء والشعراء. ومــن هنا يـبـدأ الانــقــاب الـــذي يقترحه الــكــتــاب. فـالـثـقـافـة الــعــامــة، عــربــيــة كــانــت أم أوروبــــيــــة، اخــتــزلــت حـسـن الــــــوزّان فـــي عمله الشهير «وصـف أفريقيا»، ذلك الكتاب الذي وظل قرونا مرجع أوروبا 1526 أنجزه سنة الــوحــيــد عـــن المـــغـــرب وأفـــريـــقـــيـــا. أمــــا تــواتــي فينقل مـركـز الـثـقـل إلـــى ثـاثـة أعــمــال أخــرى أقل شهرة لكنها أبعد أثراً: مجموعة تراجم، ومعجم، ورسالة في العَروض. حـــن وصــــل الــــــــوزّان إلــــى رومــــــا، كـانـت جامعات أوروبـــا تـــدرّس ابــن سينا والـــرازي وابـــــن رشــــد مــنــذ ثـــاثـــة قـــــرون، وهــــي تجهل عنهم كل شيء تقريباً. لم يكن في المكتبات اللاتينية سيرة واحــدة لأي من هــؤلاء. كان طالب الطب في بادوفا أو مونبلييه يحفظ «القانون» ويجهل متى عاش صاحبه وأين. ومــا تـداولـتـه أوروبـــا عنهم لـم يكن أكثر من حـكـايـات متناقَلة: أنّــهـم عـاشـوا جميعا في الأندلس في زمن واحـد، وأن ابن رشد «دس السم لابن سينا بدافع الحسد». ويتوقّف تواتي عند هذه الثغرة ليشرح سببها. فالعرب حـن نقلوا علوم اليونان، نقلوا معها سِيَر أصحابها وقوائم كتبهم: «الــتــاريــخ الـفـلـسـفـي» لــفــرفــوريــوس، وسـيـرة أرسـطـو المنسوبة إلــى بطليموس، ورسـالـة جالينوس فـي ترتيب مـؤلـفـاتـه. لقد عرفوا مَـــن يـــقـــرأون، وأقـــامـــوا عـلـى هـــذه المـعـرفـة فنّا كاملا في الكتابة. أمـا الترجمة من العربية إلــــى الـاتـيـنـيـة فـــأخـــذت الــنــصــوص وتــركــت أصحابها في الظلّ. في هذا الظل كتب الوزّان مؤلفه «بعض الرجال المشاهير عند العرب .1527 والعبرانيين»، في روما سنة وهـــو أوّل عـمـل أوروبـــــي يــقــول لـلـقـارئ اللاتيني بوضوح: هذه الكتب التي بين يديك لها مؤلفون، ولهم مــدن وأسـاتـذة ومــدارس وتواريخ. فيها الفارابي والغزالي وابن رشد وابن سينا، وإلى جانبهم أعلام يهود. ولم يكن أثر هذا العمل عابراً، فقد ظل مرجعا لا ينازع حتى منتصف القرن التاسع عشر. بل إن «الموسوعة» التي أشرف عليها ديــدرو ودالمبير، وهـي أشهر عمل فكري في عصر الأنــوار الفرنسي ورمــزه الأكبر، نقلت عـن كتاب الـــوزّان أكثر مـن نصف مـا أوردتــه عـن أفريقيا، وأدرجـــت تراجمه ووصـفـه كما وردت، مـــن غـيـر تـغـيـيـر يُـــذكـــر. ثــاثــة قـــرون كـــانـــت أوروبـــــــــا تــــــروي فــيــهــا تــــاريــــخ الــعــقــل العربي بكلمات رجـــل مـن فـــاس، مـن غير أن تـذكـر اسـمـه فـي الـغـالـب، كما يشير الباحث الجزائري. أطــــــرف مــــا فــــي الـــكـــتـــاب بـــابـــه الـــخـــاص بــــــ«رســـــالـــــة الــــــــعَــــــــروض». فـــقـــد كــــــان أنــجــلــو كولوتشي من أوائل من درسوا بنية اللغات الـرومـانـسـيـة وأوزان الـشـعـر فــي الـعـامّــيـات الإيــــطــــالــــيــــة، يـــجـــمـــع مــــخــــطــــوطــــات شــــعــــراء بـروفـانـس وصـقـلّــيـة ويــقــارن بينها، باحثا عن جواب لسؤال شغل أدباء عصره: من أين جاءت القافية إلى الشعر الأوروبي؟ فالشعر الـــاتـــيـــنـــي الـــقـــديـــم لــــم يـــعـــرفـــهـــا، ثــــم ظــهــرت فـجـأة عند الـتـروبـادور. فهل أخـذهـا شعراء بـــروفـــانـــس عـــن الأنـــدلـــســـيـــن، جــيــرانــهــم من وراء البرانس؟ كان الجواب يقتضي معرفة بـــالـــعَـــروض الــعــربــي مـــن الــــداخــــل: بـالـبـحـور والـــزحـــافـــات والـــعـــلـــل، وبـــالـــفـــرق بـــن الـــــروي والقافية. وهـي معرفة لم تكن متاحة لأحد في إيطاليا، فوجدها كولوتشي عند الوافد الجديد. ومن هذا اللقاء وُلد واحد من أوائل نـصـوص الــــوزّان اللاتينية: «رســالــة فـي فن العَروض العربي»، وصلتنا في نسخة نقلها .1527 ناسخ إيطالي سنة وفي بولونيا، في يناير (كانون الثاني) ، فرغ الــوزّان من معجم عربي – عبري 1524 – لاتيني وضعه لصديقه الطبيب والمترجم اليهودي يعقوب مانتينو. ويشير الباحث إلى أن العمل، وإن كان مشتركاً، فـإن الـوزّان هو من حمل عبأه الأكبر: نحو خمسة آلاف وخمسمائة مـــادة عربية بقلمه، لا يقابلها مــن قـلـم شـريـكـه ســـوى مــائــة وسـبـعـن مــادة عبرية ومائتين وثـاثـن لاتينية. وقــد بقي هذا المعجم مخطوطا في مكتبة الإسكوريال، على يد المستشرق 1664 ولم يُطبع إلا سنة الــســويــســري يـــوهـــان هـايـنـريـش هوتينغر؛ أي أن الاسـتـشـراق الأوروبــــي انتفع بمادّته قرنا ونصف قرن قبل أن ينسب الفضل إلى واضعه. يـرى هــواري تواتي أن ليون الأفريقي لـــم يــكــن مـــجـــرّد جــغــرافــي نــقــل إلــــى أوروبــــا أخــــبــــار أفـــريـــقـــيـــا، بــــل كــــــان مــثــقــفــا عــربــيــا اضطلع بدور محوري في نقل المعارف بين الحضارتين العربية والأوروبــيــة، وهـو ما يدعو إلـى النظر إلـى النهضة لا بوصفها ظــاهــرة أوروبـــيـــة خــالــصــة، بــل بـاعـتـبـارهـا فضاء تفاعلت فيه روافد حضارية متعدّدة. فالفكر الإنساني لم يكن حكرا على أوروبا، بــل نـشـأ مــن تـفـاعـل حــضــاري واســـع أسهم فــيــه مـــفـــكّـــرون عـــــرب. وفــــي الأخــــيــــر، يـدعـو الـكـاتـب إلـــى إعــــادة الاعـــتـــراف بـهـذا الـتـراث الـــــذي واصـــلـــت أوروبـــــــا اســـتـــثـــمـــاره بينما تراجعت الثقافة العربية عن بعضه. هواري تواتي غلاف الكتاب باريس: أنيسة مخالدي كانت أوروبا تروي لثلاثة قرون تاريخ العقل العربي بكلماترجل من فاس من غير أن تذكر اسمه في الغالب الشاعر السعودي إبراهيم زولي يجول بين «ذاكرة الورق وإغواء المنصات» «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي لـلـشـاعـر الـــســـعـــودي، إبـــراهـــيـــم زولــــي، صـــدر مـــؤخـــرا كــتــاب «أبـــنـــاء قــوقــل وأحــفــاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عـــن مــجــمــوعــة «مـــتـــون لـلـنـشـر والـــتـــوزيـــع» بالقاهرة. ويعتبر المؤلف أن كتابه الجديد ليس مـرثـيـة لـــلـــورق، ولا لائــحــة اتـــهـــام للشاشة، ولا خطابا متوترا يندب زمانا انقضى ثم يتعامل معه كأنه الفردوس المفقود، بل يرى أن الأزمـنـة لا تعود، والتاريخ لا يسير إلى الوراء، والحياة لا تنتظر الحالمين بالرجوع كـــي تـسـتـأنـف حـركـتـهـا. «مـــا يـعـنـيـنـي هنا لــيــس الــــدفــــاع عـــن مـــــاض ضـــد حـــاضـــر، ولا الانـــتـــصـــار لــجــيــل عــلــى آخـــــر، بـــل مــحــاولــة الـنـظـر فـيـمـا جـــرى لــنــا، نـحـن الــذيــن عبرنا مـــن ضـــفـــة إلــــى أخــــــرى، أو وجـــدنـــا أنـفـسـنـا عـــالـــقـــن بــــن ضـــفـــتـــن: ضـــفـــة كـــــان لـلـكـتـاب فــيــهــا زمـــنُـــه الــــخــــاص، ولـــلـــقـــراءة طـقـسُــهـا، وللكلمة مهابتها، وضفة صار العالم فيها يُستهلك من خلال شاشة، وتُختصر الخبرة الإنسانية في تمرير سريع، وتُقاس القيمة بكم الظهور لا بعمق الأثر». وفـــي مـقـدمـة الــكــتــاب يـضـيـف المــؤلــف: «القضية، في جوهرها، ليست قضية أدوات فـحـسـب. لـيـسـت المــســألــة أن الــشــاشــة حـلّــت محل الورق، أو أن المكتبة انزوت قليلا أمام المنصات. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تمس بنية الإدراك نفسها، شكل الانتباه، إيقاع الـزمـن، صلة الإنـسـان بلغته، علاقته بأسرته، طريقته في بناء صورته عن نفسه، ومفهومه للمعرفة، والنجاح، والظهور». ويقول أيضاً: «هنا لا نتحدث عن جهاز جـــديـــد دخــــل حــيــاتــنــا، بـــل عـــن بـيـئـة كـامـلـة أخــذت تعيد ترتيب الـحـواس والأولــويــات، وتعيد كتابة اليومي على نحو يكاد يبدو طبيعياً، بل بديهياً، حتى لكأن ما حدث كان قدرا لا تاريخاً، وطبيعة لا صناعة بشرية». وبحسب الكاتب، فإن فكرة هذا الكتاب، تنبع، من أن «أخطر ما في الثقافة الحديثة ليس مـا تقوله بـصـوت عـــالٍ، بـل مـا تمرره هـمـسـا، عـبـر الـــصـــورة، والــتــكــرار، والإيــقــاع اليومي، والعادة التي لا نشك فيها». ويستشهد بما كتبه رولان بــارت، في كـتـابـه الـشـهـيـر «أســـطـــوريـــات»، حـــن صـاغ هذه الفكرة بعبارة كثيفة قائلا إن الأسطورة «تحوّل التاريخ إلى طبيعة»؛ أي إنها تجعل مـا هـو مـصـنـوع، وتـاريـخـي، وقـابـل للنقد، يـبـدو كـأنـه أمـــر طبيعي لا يُــسـأل عـن أصله ولا عـن مصلحته. وهـو يـرى أن «مـا تفعله المــنــصــات الـــيـــوم، فـــي كـثـيـر مـــن وجــوهــهــا، قريب من هذا السحر الناعم: إنها لا تفرض رؤيتها علينا بالعصا، بل تجعلنا نألفها حتى نظنها هي العالم نفسه». وبـالـنـسـبـة لــعــنــوان الــكــتــاب، فـالمـؤلـف يـــرى أنـــه لا يـقـسـم الــعــالــم بــقــدر مـــا يكشف صدعه، ويقول: «(حين اخترت عنوان أبناء قــوقــل وأحـــفـــاد المـتـنـبـي) لـــم أكـــن أبــحــث عن مفارقة لفظية جذابة فحسب، ولا عن مقابلة بـاغـيـة بــن رمـــز رقـمـي وآخـــر تــراثــي. كنت أبحث عن استعارتين تلتقطان تحوّلا عميقا فـــي الإنـــســـان الــعــربــي المـــعـــاصـــر». فـــ(أبــنــاء قـوقـل) ليسوا فئة عمرية مـحـددة، وليسوا المراهقين وحدهم، ولا الشباب وحدهم، بل هـم كـل الـذيـن أخـذتـهـم المـنـصـات إلــى داخـل نمط جديد من الوعي: وعي سريع، متشظٍّ، يتغذى على التدفق، ويعيش تحت سطوة الإشـــعـــار، ويـجـد نفسه فــي مــرايــا الآخـريـن أكـثـر مـمـا يـجـدهـا فــي عـزلـتـه الـخـاصـة. هم أبــنــاء عـالـم لا يـذهـب فـيـه المـــرء إلـــى المعرفة كما كان يذهب إلى مكتبة، بل تنهال عليه المـعـرفـة، أو مـا يشبهها، فـي هيئة مقاطع، وملخصات، وصــور، واقتباسات مبتورة، ورأي يـجـاور نـكـتـةً، وخـبـر يـجـاور إعـانـا، وفضيحة تعلو فوق كتاب». لــكــن مـــــاذا بـــشـــأن «أحــــفــــاد المــتــنــبــي»؟، يـــضـــيـــف: هــــــؤلاء «لـــيـــســـوا حــــراســــا لمـتـحـف اللغة، ولا جماعة تعيش خارج التاريخ، ولا كائنات ورقية ترفض الزمن لأنها تخشاه. إنـــهـــم أبـــنـــاء تــكــويــن آخـــــر: تــكــويــن صـاغـتـه الـــــقـــــراءة الـــبـــطـــيـــئـــة، والإنـــــصـــــات الـــطـــويـــل، ومشقة البحث عن الكتاب، وفتنة الانتظار، والرهبة التي كانت ترافق إرسال النص إلى صحيفة أو مجلة ثــم تـرقـب الـــرد بـعـد أيــام أو أسابيع. إنهم أبناء زمـن لم تكن المعرفة فيه فــوريــة، ولـذلـك كـانـت أعـمـق أثـــرا وأشـد رسوخاً؛ زمن كان على القارئ فيه أن يذهب إلـــى الـكـتـاب، لا أن يهبط عليه الـكـتـاب في شظايا متناثرة وسط ضجيج لا ينتهي». الدمام: ميرزا الخويلدي النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky