issue17434

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel «إن التاريخ لا يمنحنا إجابات يقينية، بل يضعنا في أحضان التساؤلات التي تبني حاضرنا». العربي اليعقوبي. السنين تنسج أرديتَها، وتبني قـاع حصونها على الأرض، ولها في العقول بصمات شاهقة، تماثل ما يعلو من البناء على سـطـح الأرض، ولــهــا وهــــاد وحُـــفَـــر وثـــقـــوب ونـــتـــوءات. الـعـمـر في مسيرة الـحـيـاة، لـه مـخـزن فسيح، تتكدس فيه الـذكـريـات بكل ما فيها من حلاوات ومـرارات. يتآكل كثير منها بفعل رياح الأحداث، وتصير أطلالا مهشمة فقدت كثيرا من ملامحها، وللتاريخ أطلال، يقف عندها العقل والحواس، كما وقف السابقون على ذكرى أحبَّة ومــنــازل رحـلـوا عنها، وتـآكـل مـا كــان فيها. الـتـاريـخ مـــاض رحـل، وبقيت منه أشياء كُتبت على الورق، أو جُسِّدت بالحجر في تماثيل أو في كتابات حُفرت على الصخور. نابليون بونابرت، وهو أحد من تحرَّك بقوة على مسار الحياة، وكتب عن التاريخ وكتب التاريخ عنه قـــال: «الـتـاريـخ هـو مـجـرد أساطير متفق عليها». الأسـطـورة يصنعها خيال البشر، يستعينون بها أحيانا على نوائب الحياة، وفي كثير من الأحيان، يصارعون بها مكر التاريخ. في مسار التدافع بين القوى الإقليمية والعالمية، يصنع القادة السياسيون والعسكريون من التاريخ مبررات لحملات الهيمنة. أدولف هتلر شحذ أسطورة هوية اللغة الألمانية ليشعل بها حربا عالمية، وليغادر وهم المجد والتاريخ منتحرا في قبوه المظلم. أما حليفه الإيـطـالـي الديكتاتور موسوليني، فقد استدعى التاريخ الروماني القديم، ليبني على أطلاله إمبراطورية رومانية أبادتها السنين، وفعل به مكر التاريخ فعله، ليُعلَّق من قدميه على حبال المقاومين الإيطاليين للفاشية. الماضي بكل ما فيه أنتجه الإنسان، في زمن رحل بكل ما فيه، إلا ما انتخله البشر من اختراعات وأفكار وفلسفات، لها فعل في زمــن يعيشه، أو يستعاد كـذكـرى تـقـدم عـبـرة لمـن يخوضون واقـع الحياة. الأوروبيون عندما أرادوا الاحتفال بذكرى معركة ووترلو، بين جيش نابليون بونابرت وجيش التحالف 1815 التي جرت سنة الأوروبي، بقيادة بريطانيا، لم تجر مبارزات كلامية، تلعلع بعظمة المنتصر، وتقصف المهزوم باللعنات، إنما تم عرض بقايا الأسلحة التي استعملت في تلك الحرب الأوروبية، وساهمت بقوة في تغيير تشكيل أوروبا، وحركتها على مسار النهوض والتقدم. من يرشّون على أطــال المـاضـي، شيئا من الماكياج لتجميل ما أفسده الدهر، إنـمـا يـسـتـلّــون مــن قـبـور المــاضــي أوهـــامـــا، يـحـوّلـونـهـا إلـــى أطـــال، يـقـف عـنـدهـا الـــحـــائـــرون الــضــعــفــاء، ويـلـهـثـون بـشـجـن الـحـنـن أو حتى البكاء. تلك حالة من السبات التي تضع الأقفال على العقول، وتجعل من التخلف عقيدة مزمنة. الشعوب التي أزاحت الأقفال عن قلوبها، نهضت وتقدمت. قال الشاعر أحمد شوقي: ِ يا رب هبَّت شعوب من منيتها واستيقظت أمم من رقدة العدم ِيسمون للمجد فوق الدهر مقتحمين ويرتقون بِأَسمى همة وشيم أمير الشعراء شوقي، عاش في مرحلة متحركة، غَرَبت فيها شمس الإمبراطورية العثمانية التي حكمت منطقة الشرق قرونا طــويــلــة، واسـتـيـقـظـت الأمــــم الأوروبــــيــــة وفـــرضـــت سـيـطـرتـهـا على المنطقة الإسلامية العربية. كانت تلك الأبيات صوتا لشاهد عقل وعيان على زمن تستيقظ فيه أمـم، في حين تغط أمـم متخلفة في رقدة العدم. التخلف عدم والتقدم يقظة، تصنع القوة. كان العرب يحنّطون الزمن، ويقفون عند بقايا أطلاله، عندما اخترقه الأوروبيون، من عصر النهضة إلى التنوير ثم إلى الحداثة، ولـم يجعلوا مـن أي حقبة متحفا يعيشون بـن جـدرانـه. الإغريق الذين هم في أرض اليونان اليوم، تصدروا ثورة العقل الإنساني، وقــدمــوا للدنيا الفلسفة الـتـي حـركـت عبقرية التفكير، والإلــيــاذة والأوديــســا أسـطـورتـان لامستا الخيال البشري ردحـــا مـن الـزمـن، وقادهم الإسكندر الأكبر، في رحلة قوة حكمت الشرق. غـــزت فلسفتهم الــشــرق والـــغـــرب، وتـرجـمـهـا الأوروبـــيـــون إلـى اللغة اللاتينية، واستضاء بها العرب في العصر العباسي، وفتحت أبوابا رحبة جديدة للعقل الإنساني، لكن اليونانيين اليوم، وهم داخـــل كـيـان الاتــحــاد الأوروبــــي الـفـيـدرالـي، تفصلهم مـسـافـات عن شركائهم في الاتحاد الأوروبـــي، لكنَّهم لا يتغنون اليوم بأمجاد ما حققه أجـدادهـم من فلسفة وعلم في السنين الغابرة. إسبانيا والــبــرتــغــال اكـتـشـفـتـا عـــوالـــم جـــديـــدة واســتــعــمــرتــاهــا، فـــي أمـيـركـا وأفريقيا وآسيا. وبريطانيا وفرنسا أقامتا إمبراطوريتين لـم تغرب عنهما الــشــمــس، لـكـن عـجـلـة الـــزمـــن تــبــدع حـركـتـهـا دون تـــوقـــف. غـربـت شـمـوس وأشــرقــت أخـــرى، ومــا كــان كبيرا صـغُــر وكـبـرت كيانات أخــــرى. الــعــرب كـــان لـهـم قـبـل هـــذه الــقــوى الأوروبـــيـــة قـــوة نوعية أبدعتها العقيدة والإرادة والعقل والعلم، وأسّــسـوا إمبراطورية امـتـدّت فـي آسيا وأوروبـــا وأفريقيا، وصنعوا حـضـارة ساهمت في التطور الإنساني. اليوم هناك من يعدون أنفسهم من المفكرين والمؤرخين العرب ويقولون: لقد كانت لنا يوما إمبراطورية، لها قدم في أوروبا وأخرى في الصين، وامتدت سطوتها من غانا إلى فرغانة، وعلينا اليوم أن نعمل على إعادة ذلك الزمن السحيق. لقد جهل أو تجاهل هؤلاء شروط النهضة، كما قال مالك بن نبي، تلك التي تحققت في زمـن رحـل، والـشـروط التي فرضها زمـن جديد، ولكن للأطلال دائما جموع من الحائرين، يقفون ويبكون حول منازلها، ومتاحف يسكنون فيها وينامون في ربقة العدم. للتاريخ أطلال يقف عليها الحائرون مــع أن الــرئــيــس الأمــيــركــي كــــرَّر مــــرارا تـــوعـــدَه بتدمير إيران، إلا أنَّه عندما تحدَّث به وزيرُه للخزانة سكوت بيسنت تفاعلت القيادات الإيرانية بغضب أكبر. المفاوض والجنرال رئــيــس الـــبـــرلمـــان، قــالــيــبــاف، عــبَّــر عـــن غـضـبـه، وأعـــلـــن أنَّــهـم سيعدّون خططا جديدة لمواجهة هذه التهديدات. قاليباف قـال كلاما في غاية الوضوح والأهمية، ويبدو أنَّــه يوجّهُه للمرشد الأعلى والقادة العسكريين المتحمسين للحرب، قال: «بغض النظر عن مقدار قوتنا العسكرية، فـإذا كـان الناس جائعين، ونعاني من الشّح المالي والنمو الاقتصادي، فلن نتحمل». بعد العجز عن فرض حل عسكري على إيران قد يكون وزيـر الخزانة أكثر وزراء ترمب وأسلحته نجاحاً. فالوزير بيسنت يمسك بمفاتيح حركة المال، وكلامه ليس مستهلكا إعلاميا بعد. تبدو تصريحاته قد كُتبت في البيت الأبيض؛ إذ لــم يـكـتـف بالتهديد بـإيـقـاع الـعـقـوبـات، بــل تــوعَّــد كذلك بـإسـقـاط الـنـظـام الإيـــرانـــي. تــرمــب تــوقَّــف عــن تـهـديـد كيان الـنـظـام. والأرجـــح أن مـا قـالـه وزيـــر الـخـزانـة جــزء مـن حملة ضغط منسقة، وستتطلَّب الخطوات العقابية زمنا طويلا حتى يظهر تأثيرها، وهـــذا لا ينفي أهميتها؛ فالضغوط الاقتصادية هي التي دفعت إلى المظاهرات الأولى الواسعة ، وتـلـتـهـا سـلـسـلـة احــتــجــاجــات، وقـــــادت في 2009 فـــي عــــام الأخير إلى التفاوض مع إدارة أوباما. أيضا للعقوبات المـشـددة تأثيرات لا يستهان بها في الــحــرب الـنـفـسـيـة. مــع أنَّـــه لــم يـصـدر مــن داخـــل إيـــــران كثير مـن الاعـتـراضـات ضـد إصـــرار الـقـيـادة على الـحـرب، لكن ها هــي مـعـظـم الاعــتــراضــات والــشــكــوى الـداخـلـيـة تـتـحـدَّث عن التداعيات المعيشية والاقتصادية على المجتمع الإيـرانـي. كان أولها تحذير الرئيس الحالي بزشكيان من تأثير الحرب على الأحوال المعيشية، وآخرها كان ظهور الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي الذي انتقد سياسة التفاوض نفسها، وهاجم التَّصلب فيها، مخاطرا باتهامه في ولائه. تــوعَّــد وزيـــر الـخــزانـة بـــأن إدارة تـرمـب سـتـفـرض على إيــــران «أعــظــم عـزلـة اقـتـصـاديـة منسقة فــي الــتــاريــخ». ليس واضحا بعد ماهية هذه الإجراءات، والعمر الافتراضي حتى تحقّق أهدافها، وما هي الدول المشاركة. ومن دون تفاصيل حولها سيُنظر إليها ضمن الحرب النفسية، للتأثير على المفاوض الإيراني للقبول بالشروط الأميركية. من ناحية أخرى، التهديد الجديد يربك الاستراتيجيين الإيرانيين الذين بنوا مفاوضتهم على محاصرة ترمب في الـزاويـة قبل الانتخابات، طامعين في المزيد من التنازلات. ومـــن أجـــل اسـتـبـاق نـوفـمـبـر (تـشـريـن الــثــانــي) شــنَّــت إيـــران حـمـلـة عـسـكـريـة عـلـى الـــــدول الـخـلـيـجـيـة المـنـتـجـة، ومــمــرات الملاحة، على أمل رفع سعر البترول، وبالتالي ارتفاع أسعار الطاقة والمعيشة في الولايات المتحدة، لتهديد وضع ترمب الانتخابي. هـذا يجعلنا أمــام حربين؛ سـاح إيــران النفطي، والآن ســــاح الـــعـــقـــوبـــات الاقـــتـــصـــاديـــة الأمـــيـــركـــي. الــــســــؤال ليس عـن فاعلية الـعـقـوبـات؛ فهي بالتأكيد قـــادرة على الإضـــرار بــطــهــران، إنــمــا الــــذي فــي المـــيـــزان هــو الـــوقـــت. مــا هــي جدية إدارة تـرمـب واسـتـعـدادهـا لتبنيه كاستراتيجية حقيقية لا مجرد تهديدات كلامية؟ وهـل هـذا يعني أن إدارة ترمب تخلَّت عن خطتها التي تقوم على استباق انتخابات نوفمبر التشريعية بحل سياسي؟ الإيرانيون يعتبرون «النافذة الزمنية» ورقــة الضغط الرابحة، ويقصفون كـل هـدف يتحرك على أمـل رفـع أسعار الــوقــود أمـيـركـيـا، وتـهـديـد تـرمـب بـالـهـزيـمـة. وعـنـدمـا أعلن وزير الخزانة عن خطة عزل إيران وتحطيم اقتصادها، فهو ربَّــمــا يـوحـي بـــأن الإدارة أصـبـحـت مـسـتـعـدة لـتـحـدي لعبة الوقت الإيرانية. بـقـيـت عــشــرة أســـابـــيـــع عــلــى الانـــتـــخـــابـــات، والــــقــــراءات الــحــالــيــة لا تــوحــي بــــأن تــرمــب سـيـخـسـر فـــي الانــتــخــابــات، وأسعار النفط لا تزال تحت المائة دولار، إنَّما الوقت المتبقي يــبــدو دهـــــراً، وهــــو نــظــريــا يـلـعـب لــصــالــح إيـــــران حــتــى يــوم الانتخابات، لكن بعد ذلك ستنقلب المعادلة ضدها. حتى يستمر ترمب في السير على هذا الحبل المشدود الـطـويـل كـــل هـــذا الـــزمـــن، يـحـتـاج إلـــى اســتــمــرار جــهــوده في إخراج كميات كبيرة عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، الذي قد يجدّد المواجهات العسكرية العنيفة. فالنَّشاط العسكري الأخير مكَّن من فتح الممر العماني لناقلات النفط، وإصرار الـسـعـوديـة عـلـى المــخــاطــرة والـتـصـديـر عـبـر الـبـحـر الأحـمـر يـحـقـق المـــعـــادلـــة الــســيــاســيــة المــطــلــوبــة. لمـــــاذا هـــي مـطـلـوبـة خـلـيـجـيـا؟ الــســبــب واضــــــح؛ ضــعــف مـــفـــاوضـــي تـــرمـــب أمـــام الإيرانيين لاعتبارات أن سوق البترول قد تقود في الأخير إلــى تسليم مضيق هـرمـز لـإيـرانـيـن، ومـنـح ميليشياتهم رخـصـة للعمل ضــد دول المـنـطـقـة. هـنـا الـخـاسـر مــن اللعبة الإيرانية هو دول الخليج بالدرجة الأولى. تهديدات وزير الخزانة... نفسية أم حقيقية؟ OPINION الرأي 15 Issue 17434 - العدد Saturday - 2026/8/22 السبت للأطلال دائما جموع من الحائرين يقفون ويبكون حول منازلها عبد الرحمن شلقم عبد الرحمن الراشد التهديد الجديد يربك الاستراتيجيين الإيرانيين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky