issue17434

ومـــن جــديــد يــراجــع المـفـكّــر الـيـابـانـي الأصــــل الأمـيـركـي الجنسية فرنسيس فوكوياما، قراءته للتاريخ ومواقفه من مسيرته، بعد أن حــاول ذات مــرة فـي أوائـــل التسعينات من الـقـرن المـاضـي، مـصـادرة حركته عبر صيحته الشهيرة عن النهايات. في الأول من مايو (أيار) المنصرم، وخلال لقاء مع شبكة «ســي جـي تـي إن» الصينية، تحت عـنـوان «صـعـود الصين يتحدى أطــروحــة نهاية الــتــاريــخ»، قـــدَّم فـوكـويـامـا منظورا جديدا لمشهد التاريخ من خلال ما يجري في هذه البلاد. اعتبر فوكوياما أن الصينيين يرسمون الـيـوم معالم ومـامـح لنظرية سياسية جــديــدة، ضمن مــســارات التطور الطبيعي للبشرية، وذلك بعد أن شقت الصين طريقا تنمويا مدفوعا بآليات شبه سوقية ودمــج التقنيات الحديثة مع قـــــدرة ابــتــكــاريــة فــاقــت الــتــوقــعــات، وفــــي حــــال قــدرتــهــا على الاحـتـفـاظ بالزخم الـحـالـي، فــإن نموذجها قـد يـقـدم دروســا مفيدة. لاحقا وفي أوائل يونيو (حزيران) الماضي، وفي مقابلة مـــع صـحـيـفـة «فــرانــكــفــورتــر ألـجـمـايـنـه تــســايــتــونــغ»، اعتبر فوكوياما أن التوقعات التي أطلقها قبل أربعة عقود بحق الصين يثبت خطؤها اليوم. مـرتـان فـي أقــل مـن شهرين يـؤكـد أحــد أقـــوى المدافعين عن «الديمقراطية الليبرالية الغربية»، على نجاعة النموذج الصيني، مـا يدعو للتساؤل: هـل عالم السياسة الأميركي الشهير يتطلع ولو على استحياء لعقد مقاربة آيديولوجية بين النموذج الصيني والديمقراطية الغربية؟ شـــــيء مــــا جـــــرت بــــه المــــقــــاديــــر، عـــلـــى صــعــيــد الــتــجــربــة الـصـيـنـيـة، بـــدأ دون شــك فــي سـلـب لــب فــوكــويــامــا، إلـــى حد التشكيك المُقنّع في النموذج الليبرالي، والذي طالما صدح به. لــم ينكر فـوكـويـامـا إعـجـابـه بـمـا فعله الـصـيـنـيـون من إنشاء نظام مثير للإعجاب، بينما الأكثر إثارة طرحه احتمال أن يـكـون مـثـل هـــذا الــنــمــوذج «بــديــا حقيقيا للديمقراطية الغربية»، يوما ما. نـــعـــم، لـــم يــتــراجــع فــوكــويــامــا بــعــد عـــن إيــمــانــه المـطـلـق بالثنائية الـتـقـلـيـديـة، تـلـك الـتـي تفضل الـديـمـقـراطـيـة على الاستبداد، لكنه بحال من الأحــوال يفتح الباب واسعا أمام قــبــول عــالمــي لــطــرح آيــديــولــوجــي آخــــر، ربــمــا يــكــون بمثابة الـطـريـق الـثـالـث، والــــذي جـهـدت الـبـشـريـة مــؤخــرا بـشـدة في الوصول إليه، بعد إخفاقات الشيوعية التي سحقت ومحقت الإنــســانــيــة مـــن جــهــة، والــرأســمــالــيــة الــتــي ســلَّــعــت الإنــســان المعاصر من ناحية مقابلة، ومـا بين هـذه وتلك، يبدو جليا أن قـراءة فوكوياما الأولـى لنهاية التاريخ، لم تعد في مقام المشكوك فيها فحسب، بل باتت أقرب إلى «البطة الميتة منها إلى العرجاء». الأكــثــر إثــــارة فــي مــواقــف فـوكـويـامـا الأحـــــدث، هــو أنها لــم تـعـد تمثله هــو فـقـط، فـهـنـاك الـعـديـد مــن الـنـخـب الغربية الفكرية، والتي مثّل الرجل رايتها الخفاقة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، بات الواقع الصيني يجبرها بشكل متزايد على إعادة النظر في عجلة الدوران وظل التاريخ الذي لا يتوقف. كـتـب جــونــاس نـــاهـــام، الـخـبـيـر الاقــتــصــادي الـــبـــارز في مجلس المستشارين فـي البيت الأبــيــض، فلم يـــوار أو يــدار تقديره «لقدرة البيئة السياسية الصينية على قيادة التغير السريع من أعلى الهرم إلى أسفله». تصريحات فوكوياما تأخذنا فـي طـريـق الحديث عن «الــقــوة الـنـاعـمـة الـصـيـنـيـة»، وكـيـف تكسب بـكـن الأصــدقــاء ومــن ثـم الحلفاء، وتـؤثـر تباعا فـي مـسـارات الأمــم ومـــدارات الشعوب، باستعارة عنوان كتاب الأميركي الأكثر حضورا حتى اليوم «ديل كارنيغي». الكلام هنا ليس إنشائيا بل إحصائياً، فبحسب مؤسسة غالوب في أبريل (نيسان) من هذا العام، أظهر استطلاع رأي ألف شخص مشارك، أن 130 دولة ونحو 130 شمل أكثر من فـي المائة، 36 نسبة التأييد للقيادة الصينية عالميا بلغت متجاوزة بذلك أي نسب لقوى عالمية أخرى. لــــم تـــكـــن «غـــــالـــــوب» وحــــدهــــا الـــتـــي تـــوصـــلـــت إلـــــى هـــذه النتيجة، بل شاركتها مؤسسات أخـرى مثل معهد يوسف إســـحـــاق فـــي ســنــغــافــورة، وشـــركـــة إبـــيـــســـوس، و«مــورنــيــنــغ كــونــســات»، وهــــذا لـيـس مــن قـبـيـل الــصــدفــة، بــل هــو صـدى تاريخي لفهم العالم المتجدد للصين. حين يذكر فوكوياما، يكون المـرادف الطبيعي الحاضر على الألسنة تعبير «نهاية التاريخ». هنا من المهم التنبيه على عــدم الـوقـوع فـي مـجـالات التفسير السطحي والشائع للأطروحة. فـوكـايـامـا لـم يكن يقصد الـقـول إن الــحــروب والأزمـــات سـتـنـتـهـي، وإن «يــوتــوبــيــا» ستنشأ وتـرتـقـي عـلـى الأرض، وإنما كان يتناول احتمال أن تكون الديمقراطية الليبرالية واقـــتـــصـــاد الـــســـوق آخــــر صــيــغــة كـــبـــرى لــلــتــطــور الـسـيـاسـي الإنساني. الخلاصة... التاريخ ليس مسارا واحــداً، والـواقـع أكثر تعقيدا من النموذج التفسيري الذي ساد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والحقيقة المؤكدة: أن التاريخ لم ينته بل يسلك مسارا لم يتوقعه الغرب. عـالـم السياسة إدوارد بانفيلد طـــرح مـفـهـوم «النزعة العائلية اللاأخلاقية»، ويقصد به عجز النَّاس عن العمل معا من أجل المصلحة العامة. تركيز الفرد يكون على مصالحه الـشـخـصـيـة أو عـائـلـتـه أو قـبـيـلـتـه، وأي شــــيء خـــــارج هــذه العلاقات لا يعنيه. مفهوم المصلحة العامة خارج عن تفكيره ولا يقع ضمن اهتماماته. تأثير ثقافة «النزعة العائلية اللاأخلاقية» مدمّر على تطور المجتمعات، لأن الجميع يعمل فقط لتعظيم المكاسب المادية للعائلة القريبة، حتى بطرق غير شرعية أحياناً. يقول بانفيلد إن مثل هذه الثقافة تنتج ما يلي: «لا أحد يـخـدم مصلحة الجماعة إلا إذا خــدم مصلحتَه الشخصية أولاً. يتم تجاهل القانون عندما لا يوجد خوف من العقاب. تنتشر الــرشــوة والمـحـسـوبـيـة عـنـدمـا يـكـون الإفــــات منهما ممكنا ً». مـا يقصده الـكـاتـب أن المجتمعات الـتـي تهيمن عليها الـشـكـوك والأحـــقـــاد والـحـسـد والمـصـلـحـة العائلية الضيقة، تجد صعوبة في بناء العمل الجماعي، فتتعثَّر التنمية حتى لو توافرت المــوارد. لا توجد أي أسباب خارجية تدفع الفرد للتصرف على هــذا الـنـحـو. إنَّــهــا، مــرة أخـــرى، الثقافة التي تشكّل تفكيره وسلوكه. الفقر ليس بسبب قلَّة الموارد أو الاستعمار، ولكن بسبب هيمنة المصالح الضيقة وغـيـاب أي شـعـور عــام بالمصلحة العامة للوطن الأكبر. مـــن جـــانـــبـــه، يُـــحـــمّـــل الــصــحــافــي الــفــنــزويــلــي كـــارلـــوس رانـــخـــيـــل الأســـاطـــيـــر الــثــقــافــيــة الـــتـــي ســيــطــرت عــلــى أمـيـركـا الــاتــيــنــيــة، مـــســـؤولـــيـــة هـيـمـنـة ذهــنــيــة الــتــخــلــف. مـــن هــذه الأسـاطـيـر فـكـرة «المــتــوحّــش الـنـبـيـل»، وهـــي صـــورة الهندي قبل وصول الأوروبيين، وتصويره كأنَّه يعيش حياة مثالية أشبه بالنعيم قبل أن يدمّرها الاستعمار الأوروبي. الأســــطــــورة الـثـقـافـيـة الأخـــــرى هـــي أســـطـــورة «الـــثـــوري النبيل»، وهــي صــورة شخصية الثائر المـاركـسـي اللينيني الـذي يحمل على كاهله إنجاز مهمة بطولية؛ وهـي تطهير أميركا اللاتينية من التَّأثير الاستغلالي والفاسد لأوروبـا والولايات المتحدة الأميركية! المشكلة الكبرى التي يعزو إليها فشل أميركا اللاتينية هي الإيمان اليقيني لدى قطاعات ثقافية وسياسية وشعبية بأن أميركا «الإمبريالية» هي خلف تخلّف أميركا اللاتينية. ويهاجم الكاتب بشدة الثقافة الإسبانية التي هيمنت على أميركا اللاتينية، ويتهمُها بزرع قيم ثقافية مناهضة للتقدم والنجاح، إذا قورنت بكندا والـولايـات المتحدة التي سيطرت عليهما الثقافة الإنجليزية أو الأنغلوسكسونية بشكل عام. يـــقـــول الـــكـــاتـــب: «إن مـــن ســــوء حـــظ أمـــيـــركـــا الـاتـيـنـيـة أنَّها استعمرت من قبل إسبانيا في مرحلة تاريخية بدأت فيها إسبانيا تـرفـض روح الـحـداثـة الـصـاعـدة، وتـقـف ضد العقلانية والتجريبية وحـريـة الفكر، أي ضـد الأســس التي قامت عليها الثورة الصناعية والليبرالية الحديثة والتنمية الرأسمالية». مـن القيم السلبية التي نقلتها الثقافة الإسبانية في ذلك الوقت إلى أميركا اللاتينية: النفور من العمل، والميل إلى العنف، وغياب التعاون الاجتماعي، والنزعة السلطوية وفقا لقول الكاتب. ولا يـتـوقـف الــكــاتــب عــن نـقـد الهيمنة الإسـبـانـيـة على أميركا اللاتينية، ويـقـول إن تقاليد الاحـتـكـار والامـتـيـازات والقيود المفروضة على النشاط الاقـتـصـادي الحر مـا زالـت راسخة في المجتمعات ذات الأصل الإسباني. الكنيسة الكاثوليكية لعبت دورا سلبيا ومــضــرا في الـثـقـافـة الـاتـيـنـيـة، بحيث لــم تـشـجّــع عـلـى الـسـلـوك العملي والانــضــبــاط والادخـــــار والالـــتـــزام والمـسـؤولـيـة الاجتماعية، وذلـــك عـلـى الـعـكـس مــن الـثـقـافـة البروتستانتية الـتـي أثــرت عميقا في ثقافة المجتمعات بأميركا الشمالية. ويرى أنَّه لو غزا الإسبان أميركا الشمالية، فمن المرجّح أن تكون الولايات المتحدة وكندا دولتين متعثرتين. من حسن حظهما أن العكس هـو الـــذي حـــدث. هــذا دلـيـل آخــر على أن الـثـقـافـة تلعب دورا مـحـوريّــا فــي مصير المـجـتـمـعـات، ولكن الاعتراف بذلك جارح للكبرياء، والأسهل هو إلقاء اللوم على الأشرار في الخارج! قـــال لـصـاحـبـه وهــمــا يـتـابـعـان مشهد الـشـرق الأوســـط على الـشـاشـة: لــدي شعور بــــأن المــــشــــروع الإيــــرانــــي فـــي المــنــطــقــة دخــل مــرحــلــة انــــحــــدار، وربـــمـــا لـــم يــعــد الــتــراجــع تــدريــجــيــا كــمــا كـــــان، بـــل أصـــبـــح أقـــــرب إلــى الانــكــســار. ســألــه صـاحـبـه: ومـــا دلـيـلـك؟ ثم أضـــاف: إن أخطر أشـكـال التحليل هـو عدم تقدير قوة الخصم! قـــال: أعـلـم ذلـــك، ولـلـوصـول إلــى جـواب عقلاني، علينا أن نعود قليلا إلــى الـــوراء. المشروع الإيراني بلغ ذروة تمدده في العقد الــثــانــي مـــن هــــذا الـــقـــرن. فـــي تــلــك الــســنــوات كـــانـــت طـــهـــران حــــاضــــرة، مـــبـــاشـــرة أو عبر حــلــفــائــهــا، فـــي مــســاحــة واســـعـــة تــمــتــد من الــعــراق وســوريــا ولـبـنـان إلــى الـيـمـن. وجـاء مـــع الـــولايـــات 2015 الاتــــفــــاق الــــنــــووي عــــام المتحدة الــذي سمي «خطة العمل الشاملة » لـيـعـطـي 1 5« والمـــشـــتـــركـــة» والمـــشـــهـــور بـــــــ إيـــران، فـي نظر قادتها وحلفائها، اعترافا بدورها الإقليمي، وفرصة لالتقاط الأنفاس اقتصاديا وسياسياً. كــــان حــســن نــصــرالــلــه يــومــهــا الــاعــب الأقـــوى فـي لبنان. امتلك «حــزب الـلـه» المـال والسلاح والتنظيم والإعلام، وأصبح قادرا على التأثير فـي الــقــرار اللبناني، بالرضا أحيانا وبالخشية أحيانا أخــرى. ولـم يبق نــشــاطــه داخــــل الـــحـــدود الـلـبـنـانـيـة. دخـلـت قـواتـه الـحـرب فـي سـوريـا إلــى جـانـب نظام بشار الأسد، وشارك في تدريب مجموعات مـرتـبـطـة بــالمــشــروع الإيـــرانـــي فـــي أكــثــر من ساحة عربية. فــــي ســـــوريـــــا، بــــــدأ الـــتـــدخـــل الإيــــرانــــي ، ثـــم أصــبــح بـحـلـول 2011 يـتـسـع مــنــذ عــــام حقيقة عسكرية وسياسية لا يمكن 2015 تجاهلها. عـبـد الـلـهـيـان فــي كـتـابـه «صبح الشام» تحدث عن تفاهمات غير معلنة بين إيــــران وأمــيــركــا، سـمـحـت لــطــهــران بهامش واســــــع مــــن الـــحـــركـــة مـــقـــابـــل ضـــبـــط مـلـفـات أخرى، وفي مقدمتها الملف النووي. وسواء صحت تلك الروايات أم لا، فالنتيجة أمامنا: إيـــران أصبحت فـي تلك الـسـنـوات صاحبة .2015 نفوذ كبير في دمشق، خاصة بعد أمـا الـعـراق، فكان الجائزة الأهـــم. بعد سقوط نظام صــدام حسين تـمـددت طهران داخـــل الـنـسـيـج الـسـيـاسـي الــعــراقــي بـدرجـة تقدم 2010 غير مسبوقة. ولعل انتخابات مـــثـــالا واضـــحـــا: فـــــازت قــائــمــة إيـــــاد عـــاوي بأكبر عــدد مـن المـقـاعـد، لكن نـــوري المالكي بـقـي فــي رئــاســة الـحـكـومـة بـعـد مـفـاوضـات وضغوط، وكـان لإيــران فيها الــرأي الأخير. العراق بالنسبة لطهران لم يكن جارا فقط، بـــل كــــان أيـــضـــا مـــمـــرا إلــــى ســـوريـــا ولــبــنــان، وسوقا اقتصادية، ومنفذا مهماً. وفـــــي الـــيـــمـــن اكـــتـــمـــل الــــقــــوس تــقــريــبــا. 2014 سـيـطـرة الـحـوثـيـن عـلـى صـنـعـاء فــي منحت إيـران ورقـة بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهكذا بـــدت شبكة الـنـفـوذ الإيـــرانـــي فــي لحظة ما مــمــتــدة مـــن جـــنـــوب الـــجـــزيـــرة الــعــربــيــة إلــى شــــرق الــبــحــر المـــتـــوســـط. لـــم يــكــن غــريــبــا أن يتحدث بعض المسؤولين الإيرانيين آنـذاك بلغة المنتصر. اليوم تبدلت الصورة. خـرجـت سـوريـا مـن المـعـادلـة الإيـرانـيـة ، وانــقــطــع طــريــق مـهـم كـــان يصل 2024 فــي طهران بـ«حزب الله». وتلقى الحزب ضربات ثقيلة أفقدته عـددا كبيرا من قياداته، وفي مـقـدمـتـهـم حــســن نــصــرالــلــه. كــمــا تـراجـعـت قــدرتــه عـلـى الـحـركـة الإقـلـيـمـيـة، وأصبحنا أمام واقع لبناني مختلف وضغوط داخلية وخـــارجـــيـــة مـــتـــزايـــدة لــحــصــر الـــســـاح بيد الــدولــة، مما شجع الـدولـة على فتح مسار تفاوضي خاص بها. وفـــي الـيـمـن لـــم يـعـد الــحــوثــي يتحرك فـي البيئة نفسها التي أتـاحـت لـه التوسع السابق. خطوط الإمـــداد أصبحت أصعب، والـــبـــحـــر الأحــــمــــر أكـــثـــر ازدحـــــامـــــا بــالــقــوى والتحالفات المناهضة له، والدولة الشرعية فــي الـيـمـن أكـثـر اســتــعــدادا مـمـا كـانـت عليه فـي الـسـنـوات الأولـــى للحرب. وقـدرتـه على التحكم في المشهد اليمني أو استخدام باب المندب ورقة ضغط مطلقة لم تعد كما كانت. تــبــقــى الـــــعـــــراق، وهـــنـــا تــكــمــن الــعــقــدة الأهـــــم. طـــهـــران تــعــرف أن خـــســـارة نـفـوذهـا فــي الـــعـــراق تـعـنـي قـطـع أهـــم حـلـقـة متبقية فـــي مــشــروعــهــا الـــعـــربـــي. لـــذلـــك تـتـمـسـك به بشدة. وقد أرسلت قاليباف لإبقاء الحلقة، لـكـن الـــعـــراق نـفـسـه يـتـغـيـر. لـــم تـعـد الــقــدرة الإيرانية على فرض الأسماء والخيارات في قمة السلطة كما كانت، وتصاعد الحديث الــرســمــي الــعــراقــي عـــن حـصـر الـــســـاح بيد الدولة، وإنهاء ظاهرة القوى المسلحة التي تــعـمــل خـــــارج مــؤســســاتــهــا. كــمــا أصـبـحـت التكلفة الـسـيـاسـيـة والاقــتــصــاديــة للعلاقة غير المتوازنة مع إيــران أكثر وضوحا أمام العراقيين. وهــــنــــا تـــظـــهـــر مــشــكــلــة أعــــمــــق تـــواجـــه طهران. فالمشروع الـذي بُني طـوال سنوات عــلــى ضــعــف الــــــدول الــعــربــيــة، وجــــد نفسه أمـام دول بـدأت تستعيد شيئا من قدرتها، ومجتمعات دفعت أثمانا باهظة من صراع الـــــوكـــــاء، ولـــــم تـــعـــد تــنــظــر إلـــــى الـــشـــعـــارات الـقـديـمـة بـالـحـمـاسـة نفسها. الـنـفـوذ الــذي كان يبدو مكسبا أصبح في بعض الأماكن عــبــئــا. يـــضـــاف إلــــى ذلــــك أن إيــــــران نفسها دفــعــت فـــي المـــواجـــهـــات الـعـسـكـريـة الأخــيــرة ثمنا كبيرا من قدراتها ومواردها وهيبتها. كما أن الاعتداءات التي طالت دول الخليج وســــعــــت دائـــــــــرة الـــقـــلـــق مـــنـــهـــا، وأضـــعـــفـــت قـــدرتـــهـــا عـــلـــى تـــقـــديـــم نــفــســهــا بــاعــتــبــارهــا قـــوة اســتــقــرار إقـلـيـمـيـة. هـــل يـعـنـي ذلـــك أن المشروع الإيراني انتهى؟ بالتأكيد لا. إيران دولـة لها مصالح وشبكات ما زالـت فاعلة. والـخـطـأ هــو الاعــتــقــاد أن ضعفها الـحـالـي يعني اختفاء نفوذها غـداً. لكن الفارق بين الأمس واليوم واضح: كانت طهران قبل عقد تتقدم وتفتح ساحات جديدة، أما الآن فهي تحاول المحافظة على ما بقي منها. ذلك هو التحول الأهـم. الإمبراطوريات الصغيرة لا تسقط دائـمـا بضربة واحــــدة. أحـيـانـا تبدأ بـــخـــســـارة الأطــــــــراف، ثـــم طــــرق الإمــــــــداد، ثم الحلفاء، ثم القدرة على فرض الإرادة. آخـر الـكـام: والـسـؤال لم يعد: إلـى أين ستتمدد إيران؟ بل: كم تستطيع أن تحتفظ مما تمددت إليه؟ OPINION الرأي 14 Issue 17434 - العدد Saturday - 2026/8/22 السبت التَّخلف حالة ثقافية... النَّزعة العائلية اللاأخلاقية فوكوياما... مسار جديد لتاريخ لا ينتهي تراجع المشروع الإيراني وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com محمد الرميحي الفقر ليس بسبب قلَّة الموارد بل بسبب غياب الشعور بالمصلحة العامة ممدوح المهيني فوكوياما يفتح الباب واسعا أمام قبول عالمي لطرح آيديولوجي آخر إميل أمين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky