issue17432

OPINION الرأي 12 Issue 17432 - العدد Thursday - 2026/8/20 الخميس وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com التَّخلف حالة ثقافية... دور الدين العودة إلى الإنسان لإنقاذ الآلة حول «العقار» الذي يمرض ولا يموت! السؤال الأبــرز الـذي طرحه عالم الاجتماع الشَّهير ماكس فيبر هو: لماذا تنجح جماعات معينة وتحقق قفزات اقتصادية أكثر من غيرها؟! الـخـاصـة المـعـروفـة الـتـي انتهى إليها فيبر تـؤكـد وجــود علاقة قوية بين الدين والإنجاز الاقتصادي. فحص سجلات في مدينة بادن الألمانية ولاحظ التالي: البروتستانت أكثر إنجازا من الكاثوليك، واليهود أكثر إنـجـازا من البروتستانت. قادته هذه المقارنات إلى أن الدين يلعب دورا عميقا في دفع جماعات معينة إلى النجاح وتعطيل جماعات أخرى. ما يقصده فيبر هو القيم والمُثل التي يحض عليها دين معين، وليس العقيدة الإيمانية ذاتـهـا. قيم مثل العمل الجاد والادخار والأمانة والعقلانية والتقشف. كل هذه القيم تحرّض الـجـمـاعـات الـتـي تعتنقها على الازدهــــار، وتـؤمـن بـــأن عـامـات النجاح هي دليل على رضوان الله عليها. دفـعـت هــذه القيم إلــى مـا عُـــرف لاحـقـا بالرأسمالية، التي تـقـوم على الادخـــار ومـن ثـم الاستثمار حتى يتراكم رأس المـال وتتشكَّل الثروة. الكاثوليك، من جهة أخرى، ذهبوا في اتجاه آخر. كـــان تركيزهم على الـعـالـم الآخـــر يجعلهم أقـــل قـــدرة على التنافس الاقـتـصـادي فـي الـحـيـاة الـدنـيـا. تـبـنّــوا قيما مختلفة عـــن الـبـروتـسـتـانـت والـــيـــهـــود. الـنـقـطـة الأخـــــرى هـــي أن الـعـاقـة الأبـويـة بـن رجــال الـديـن والعامة جعلت الـنـاس خاضعين لهم ولا يخرجون عن تعاليمهم، وهذا على العكس من البروتستانت الذين تمتَّعوا بالحرية والعلاقة المباشرة مع الله؛ الأمــر الذي أضعف سلطة رجــال الدين عليهم. من مزايا الـخـروج عن هذه السلطة الكهنوتية تعلم الـقـراءة والكتابة؛ الأمــر الــذي زاد من معارفهم ومهاراتهم. الكاثوليك، فـي المقابل، كـانـوا فـي حاجة إلـى رجــال ديـن ليقرأوا لهم كتابَهم المـقـدس. كـان هناك وسيط بين العبد وربـه. قبل أن تنهض النمور الآسيوية، تحدث فيبر عـن القيم والـــعـــادات السلوكية الـتـي دفعتها إلــى الــركــود. هذه القيم المستمدة من الأديــان الشرقية مثَّلت عائقا أمـام التنمية. لقد جعلت الإنسان مستلب الإرادة وواقعا تحت تأثير قوى أكبر منه هي من تقرر مصيره. إضافة إلى التقاليد القوية المتمثلة في الطاعة العمياء للآباء والخضوع للتقاليد والـولاء العائلي المفرط؛ الأمر الذي جعل التغيير شديد الصعوبة. وفيبر لا يتحدّث عن أن هناك أديانا أفضل من أخـرى، أو أن هـنـاك عـقـائـد صحيحة وعـقـائـد خـاطـئـة. مـا يشرحه هـو أن القيم لدى البروتستانت تحتوي على تعاليم تساعد أكثر على الازدهار الاقتصادي، وتغرس في البنية الذهنية والنفسية منذ الطفولة مبادئ تغوص عميقا لتشكّل سلوك الشخص وتجعله ميالا للنجاح أكثر من غيره. هـــذه الــقــيــم مــثــل: الـعـمـل المــتــواصــل، والانــضــبــاط الــذاتــي، والادخــار بدل الاستهلاك، واحترام الوقت، والتعليم والقراءة، واعتبار النجاح المهني واجبا أخلاقياً، كلها دفعت إلـى تراكم رأس المال ومن ثم الثورة الصناعية. من جهة آسيا، قبل أن تزدهرَ، غرقت في التعاليم الأبوية والاحـتـرام المبالغ فيه للتقاليد والـعـادات وإحساس الفرد بأنَّه مقيَّد ومسيّر، فأفضى ذلك إلى تراجعها. عـالـم النفس ديفيد ماكليلاند يطرح الــســؤال الأهـــم: لمـاذا تتطوّر بعض الدول أسرع من غيرها؟ الإجــــــابــــــة عـــــن هــــــذا الـــــســـــؤال تـــكـــمـــن فـــــي داخــــــــل الإنــــســــان والمجتمعات نفسها، وليس خارجها. القوى التي تنتج التنمية وتقود إلـى النجاح وتحفّز على التغيير هي دوافــع عميقة في النفس البشرية، قبل أن تكون في المصانع والموارد الطبيعية. يعتقد ماكليلاند أن التنمية تحدث عندما ينتج المجتمع عددا أكبر من الأشخاص الذين يملكون ما سمَّاه «الحاجة إلى الإنـــجـــاز». وهـــم الأشـــخـــاص الــذيــن يـسـعـون بــقــوة إلـــى الـنـجـاح الشخصي، ويضعون أهـدافـا واضـحـة، ويتحمَّلون المسؤولية، ويـفـضّــلـون الإنــجــاز عـلـى الـــراحـــة، ويـبـحـثـون عــن الـتـحـدي. في المجتمعات الـتـي يـزيـد فيها هــذا النمط مـن الشخصية، تكون أقرب إلى التفوق على غيرها. حـلـل مـاكـلـيـانـد قـصـص الأطـــفـــال فــي نـحـو ثــاثــن دولــــةً، ووجـــد أن الـقـصـص الـتـي تـمـجّــد الاجـتـهـاد والـنـجـاح والمــبــادرة والاعـتـمـاد على النفس ترتبط لاحقا بمعدلات نمو اقتصادي أعلى. أي أن غرس مثل هذه الثقافة في الصغر يشبه غرس البذور التي ستتفتح لاحقا عبر نجاحات اقتصادية ومجتمعية. مــــن أشـــهـــر الأفــــكــــار الـــتـــي طـــرحـــهـــا مــــا تــتــعــلَّــق بــالــتــربــيــة وأهميتها القصوى. يـرى أن السنوات بين الخامسة والثانية عشرة من العمر حاسمة في تكوين دافع الإنجاز وحافز النجاح. ويــــرى أن أفـــضـــل الـقـيـم والــــعــــادات الــتــي تـسـاعـد فـــي هـذه المرحلة العمرية تكمن في التالي: معايير مرتفعة للطفل ولكن معقولة في الوقت ذاته، وتشجيع الطفل على الاستقلال، وتدخّل أبوي محدود وليس خانقاً، وإظهار الفخر بإنجازات الطفل. الطفل يحتاج إلى أن تضع له معايير عالية، ولكن ليست خانقة، وتعلّمه أن يعتمد على نفسه، وأن يتدخَّل الأب بشكل مـحـدود وليس بطريقة تمسخ شخصيته، والافـتـخـار بالطفل ولـيـس تحطيمه. الــــدَّلال المـفـرط أمـــر مـضـرّ، مثله مثل التَّسلط المفرط. ويقدّم نصيحة مهمة للحكومات، حيث يقول: «لا تـنـظـروا إلــى الخطط الاقـتـصـاديـة، بـل إلــى تأثير هذه الخطط في قيم النَّاس ودوافعهم وسلوكهم؛ لأن هذه العوامل هي التي تحدد نجاح التنمية والنجاح على المدى الطويل». الوقائع الدامغة تكذّب وعــود إيلون ماسك الخنفشارية، التي يكررها على مسامعنا، بأننا سنصبح مجرد مخلوقات تتنزه على سطح الكوكب بلا حاجة لعمل ولا جهد ولا مال، وأن الروبوتات الماهرة ستحل مكاننا، في غضون سنوات، وتقوم بكل مهماتنا، بينما نعيش بلا وظيفة ولا غاية. التخبط يسود سوق العمل، لأن التوقعات أمـر، والنتائج تـأتـي بـشـيء آخـــر. بـعـد تـسـريـح عــشــرات آلاف المـوظـفـن، طمعا فـــي اســتــبــدال الآلات بــهــم، تـجـد الــشــركــات الــكــبــرى نـفـسـهـا في ورطـــــة، وقـــد خــســرت الــــكــــادرات الــتــي تـعـبـت فـــي تـأهـيـلـهـا، ولـم تنجح الروبوتات في سد الفراغ، واضطرت لأن تعيد التوظيف والهيكلة وتستقطب مواهب جديدة. هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي لن يقلل عدد الوظائف، لكن الحماسة الزائدة، والتباهي المبالغ فيه في الاستغناء عن خدمات البشر، والتسرع في الطرد، كل ذلك أحدث فجوة ستكون إعادة ردمها مكلفة ومربكة، اقتصاديا وإنسانياً. ألف موظف 140 شركات التكنولوجيا الأميركية سرحت وحده، رغبة في التوفير. «إكس» 2026 في النصف الأول من عام في المائة من موظفيها، لكن تبين أن الذكاء الاصطناعي 80 أقالت يـقـوم بـجـزء غـيـر مكتمل مــن الـعـمـل أو أنـــه سـريـع جـــداً، بحيث يحتاج باستمرار إلى مَن يراقب ويضبط نتائج عمله، وهو ما يحتاج إلى مهارات بشرية. الـــشـــركـــات لـــم تـــعـــط نـفـسـهـا الـــوقـــت الـــكـــافـــي لــتــجــريــب ما يستطيعه الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي، واسـتـعـجـلـت الاعــتــمــاد عليه، فخسرت كفاءة مَن سرحتهم، وثقة مَن أبقتهم، واستدعت غضب زبائنها الـذيـن تـذمـروا مـن أخـطـاء مـتـكـررة، ومعاملة آلية غير مثمرة، وتعقيدات مستجدة. بالنتيجة نصف هذه المؤسسات تعيد التوظيف تحت عناوين ومسميات جديدة كي لا يرتبط سلوكها بإخفاق أو خفة في القرارات. وعلى عكس المــدارس في دول أوروبية عديدة مثل فنلندا وإيــطــالــيــا الــتــي اعــتــرفــت بـخـطـأ اسـتـعـجـالـهـا فـــي الـــركـــون إلــى الشاشات، وتعود إلى القلم والورقة، معترفة جهراً، ودافعة ثمن التخلي عـن الـطـرق التقليدية، قبل اختبار الأسـالـيـب اللوحية الإلـكـتـرونـيـة، فـــإن الـشـركـات الـكـبـرى تــــداري أخـطـاءهـا بصمت وتـسـتـر. لا أحـــد يــريـد أن يـعـتـرف بـــأن طـــرد عــشــرات الآلاف من الموظفين والـرهـان على الآلـة لبناء المستقبل، كـان مجرد أحلام لم تتحقق بالسرعة المبتغاة. بعد إقـالات جماعية، «آي بي إم» و«فــورد» تعودان لاستقطاب مواهب ماهرة شابة، في وظائف تم تغيير مسمياتها، بينما بقيت المهمات هي نفسها. اليابان من بين الأذكى في المصالحة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. لا يفوت الزائر للبلاد أن الاعتماد على الآلة كثيف وكـاسـح فـي كـل المـجـالات، فـي وسـائـل النقل، والـبـنـوك، وأصغر المـهـمـات المـنـزلـيـة، لكن الإنــســان حـاضـر بـقـوة هـو الآخـــر. بقرب الجهاز الـــذي تشتري منه بطاقة السفر، أو تستخدمه لعبور نقطة التفتيش، ستجد دائما موظفا لطيفا جاهزا لمساعدتك. وإن ذهــبــت لـتـبـديـل الـعـمـلـة، يـقـف بـقـربـك شـخـص يـعـيـنـك، إن تعثرت معاملتك. بينما في القطارات ومحطات الأنفاق والمتاجر الأوروبية، وكلها أقل مكننة وذكاء من مثيلتها اليابانية، تقف وسـط الـزحـام، مـن دون مخلوق قــادر على إكـمـال مساعدتك إن خذلك الجهاز. ثمة اعتراف بأن الانعكاسات الاقتصادية لغياب الإنـسـان فـي أمـاكـن العمل بـاتـت ملموسة، والإجـــــراءات حثيثة لإعــــادة وصـــل مــا انـقـطـع، لـكـن التكاليف المـالـيـة ليست بقليلة، كما الصدمات المهنية لدى الموظفين وأربـاب العمل معاً. ربحت اليابان الرهان حين استخدمت الروبوتات في المستشفيات ودور رعاية المسنين، لمساعدة الممرضين والعاملين والتخفيف عنهم في مهماتهم الصعبة نفسيا وعاطفياً، لا لاستبدالهم وتركهم للفاقة. هكذا منحت اليابان الخدمات الآلية بُعدها الإنساني الأخلاقي، بدل استخدامها كوسيلة للطعن بالعاملين الكادحين والاستغناء الفج عن خدماتهم، بحجة أن مـدة صلاحيتهم قد انـتـهـت، أو أن مـهـاراتـهـم تنتمي إلـــى الــقــرن المـــاضـــي. ونجحت الصين جزئيا في اختبار حفظ التوازن، وخوض تجربة الأتمتة رغـــم مـصـانـعـهـا الآلـــيـــة كـلـيـا، إلا أنــهــا أبــقــت عـلـى الإنـــســـان في التوصيل والخدمات والرعاية، وهـي تقوم بمراجعات سريعة في كل مجال يبدو فيه أن الآلة تطغى وتفيض. فـي أميركا ليست وحـدهـا «ميتا» و«كــارنــا» و«أمــــازون» هي التي طردت موظفيها وتجد أنها تسرعت، بل متاجر «وول مــارت» و«تـارغـت» وغيرهما، تخلت عن الكاشير الآلــي، وظنت أن الاستغناء عنه ضرورة، وها هي ترجع إلى مهارات البشر. نـــحـــن فــــي مـــرحـــلـــة الاســـتـــفـــاقـــة مــــن نـــشـــوة وعــــــود الـــذكـــاء الاصطناعي لفهم قدراته وإمكاناته، والطرق المثلى للاستفادة منه، بـدل الغرق في دعـايـات ترويجية تعد ولا تفي، وتتحدث عما لم تتأكد منه بعد. صـــاحـــب «نـــــوبـــــل» فــــي الـــريـــاضـــيـــات ســـيـــر روجــــــر بـــنـــروز يحتج لأن تسمية «الذكاء الاصطناعي» مراوغة، ومنحته لدى مستخدميه وجها ليس له في الأصـل. فالذكاء الحقيقي يتسم بالعمق والــوعــي. أمــا الـقـوة الحاسوبية الضخمة للروبوتات التي أسكرت البشر، فهي ليست ذكــاء بالمعنى الإنساني الذي نـعـرفـه ونـخـبـره كــل يــــوم. هــي أجــهــزة تـفـهـم الــقــوانــن، وتطبق المـــعـــادلات وتــولــد الــنــصــوص، وتـنـفـذ الأوامـــــر، لكنها لا تمتلك الإدراك والحساسية. لذا فهي أنظمة لا تستحق مفردة «ذكاء»، ويقترح بـدلا من ذلك أن يطلق عليها: «البراعة الاصطناعية». وهو ما يعطي مستخدمها القدرة على التعامل معها كـأداة لا كصديق أو شريك كامل الإنسانية. قـــرأت قـبـل مـــدة، كـتـاب «الـثـقـافـات وقـــيـــم الـــتـــقـــدم» الـــــذي حـــــرره لـــورانـــس هــاريــزون وصـمـويـل هنتنغتون. أراد المــــــحــــــرران الإجـــــابـــــة عــــن ســـــــؤال حـــرج فــــي نـــقـــاشـــات الــتــنــمــيــة: هــــل لـلـثـقـافـة الــــعــــامــــة دور مــــؤثــــر فـــــي إنـــــجـــــاح -أو إعاقة- مشاريع التحديث الاقتصادي والاجتماعي؟ كانت نظرية التنمية الكلاسيكية تتبنى اتجاها معاكساً، خلاصته أن الــثــقــافــات الـتـقـلـيـديـة لـــن تـصـمـد أمـــام تـيـار التحديث الـقـادم على مـن قطار التنمية الاقتصادية. ولكن تجارب التنمية في كثير من المـجـتـمـعـات غـيـر الـصـنـاعـيـة، أظـهـرت أن هـذه الـرؤيـة لـم تكن صائبة تماماً، رغـــــم الـــقـــبـــول الإجـــمـــالـــي بـــــأن الـــحـــراك الاقــــتــــصــــادي يــــــؤدي قــطــعــا لــتــحــولات ثقافية واجتماعية. بــــعــــبــــارة أخـــــــــرى، فــــــإن أي ثــقــافــة موروثة لن تنجو من التغيير، إذا بدأ الاقتصاد الوطني فـي التحول. ولكن هـذا لا يجيب عـن الـسـؤال الـجـدِّي: هل ستنجح التنمية المستدامة إذا تعرضت لتحدي الثقافة العامة التقليدية؟ بات هذا السؤال أكثر إلحاحا في السنوات الأخيرة، لا سيما بعد إخفاق كثير من التجارب التنموية، جزئيا أو كلياً. بـــــــن المـــــســـــاهـــــمـــــن فـــــــي الــــكــــتــــاب مـــاريـــانـــو غـــرونـــدونـــا. وهــــو صـحـافـي وبــاحــث مــن الأرجــنــتــن. ولـفـت نظري تحليله لمفهوم «الثروة» في نوعين من المجتمعات: المجتمعات التي تسودها ثقافة تـعـارض التغيير، والمجتمعات التي تسودها ثقافة ترحب بالتغيير. يــقــول غــرونــدونــا إن الــنــوع الأول من المجتمعات ينظر للأصول المادية المتوفرة فعلا كتجسيد حقيقي للثروة. أمــــا الـــنـــوع الـــثـــانـــي، فـــيـــرى أن الـــثـــروة الحقيقية هي تلك التي لم توجد بعد. وتطبيقا لهذه الرؤية، فإن المجتمعات الـتـقـلـيـديـة تـنـظـر لــــأرض ومـــا تـجـود بــه ومـــا يـرتـبـط بـهـا، كـجـوهـر لـلـثـروة. هـذا الفهم شائع جـدا في الاقتصادات الزراعية. وحــــتــــى لـــــو تـــحـــولـــت لـــاقـــتـــصـــاد الـحـديـث، فستبقى الأرض والمـتـاجـرة بــــهــــا رمـــــــــزا أعـــــلـــــى لـــــلـــــثـــــراء. المـــجـــتـــمـــع التقليدي يؤمن حقا بمقولة إن «العقار يـمـرض؛ لكنه لا يــمــوت». ولـعـل كثيرا منا قد سمع هذه العبارة أو مثيلتها. وهي تعبير عن ربط الثقافة التقليدية بين العقار والثروة. أمــــا المـجـتـمـعـات المــتــقــدمــة، فـتـرى الثروة الحقيقية كامنة في الابتكارات الـــــواعـــــدة، لا ســيــمــا تــلــك الـــتـــي تــحــوِّل المعرفة إلى ثروة مادية. أي ما نسميه اقـتـصـاد المـعـرفـة، ســـواء كـانـت بحوثا وأعــــمــــالا إبـــداعـــيـــة، أو كـــانـــت تـقـنـيـات تــحــوِّل المــــادة المـيـتـة إلـــى مـنـتَــج مفيد، مـــثـــل كــــل الأجـــــهـــــزة الـــتـــي نـسـتـعـمـلـهـا اليوم. بــــشــــكــــل عــــــــــام، فــــــــإن المـــجـــتـــمـــعـــات المــــقــــاومــــة لــلــتــغــيــيــر تـــنـــظـــر لمـــــا جـــربـــه أســـــافـــــهـــــا كــــمــــخــــزن لــــلــــقــــيــــم، بــيــنــمــا المجتمعات التي تؤمن بالتغيير تفكر دائما في إبداع أشياء لم تجر تجربتها من قبل. دعنا الآن ننظر في تطبيق واقعي لـهـذه الــرؤيــة فـي عالمنا المـعـاصـر. لقد شخصا في 20 أجريت بحثا عن أغنى ،2000 ، و 1976 : أعوام، هي 3 العالم، في . خـال هـذه الأعـــوام كلها ظهر 2024 و شــــخــــصــــان فــــقــــط صـــنـــعـــا ثـــروتـــيـــهـــمـــا مــن الـــعـــقـــارات. أمـــا الـبـقـيـة، فــي جميع الـفـتـرات، فالفضل فـي ثرواتهم يرجع لـلـصـنـاعـة والمــعــلــومــاتــيــة والــخــدمــات الـــتـــقـــنـــيـــة والـــهـــنـــدســـيـــة. بـــلـــغـــت ثــــروة ،2000 مـلـيـار دولار فــي 406.5 هـــؤلاء تـــريـــلـــيـــون فـي 2.37 وتـــضـــاعـــفـــت إلـــــى .2024 ربما يسأل أحد القراء عن نصيب العرب من هذه الثروات، والجواب أنه 20 لا يــوجــد أي عــربــي عــلــى قــائــمــة الـــــ الأغــنــى خـــال تـلـك الــفــتــرات كـلـهـا؛ لأن أغـــنـــيـــاء الــــعــــرب يـــؤمـــنـــون بــمــقــولــة إن «العقار يمرض ولا يموت» ولذا ركَّزوا استثمارهم على الأرض وتفريعاتها. بــيــنــمــا ذهـــــب الآخــــــــرون بـــالـــثـــروة الحقيقية الـتـي تـأتـي مـن طَـــرْق أبــواب الغيب وكشف حجابه، بسلطان العلم والبحث في الأنفس والآفاق، وتسخير الطبيعة. إنني أسوق هذا الحديث طمعا في إقـنـاع أصدقائي الشباب، للنظر حقا في مصادر الـثـروة الحديثة؛ لا سيما المعارف القابلة للتحويل إلى ثروات. إن تاريخ الإنسان المعاصر يشهد بــــأن المــــعــــارف الـــجـــديـــدة والابـــتـــكـــارات المـــســـتـــنـــدة إلـــــى الـــعـــلـــم، هــــي الـــصـــانـــع الأعـــظـــم لــلــثــروات والـــنـــجـــاح، حـتـى لو أصـــر الــكــهــول أمــثــالــي عـلـى أن الـعـقـار هو الرمز الحقيقي للثروة. إنه مجرد وهــم، ومــا أكثر أوهـامـنـا التي ينبغي للأجيال الجديدة أن تلقيها في البحر أو تذروها في الريح. توفيق السيف ممدوح المهيني سوسن الأبطح

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky