issue17431

الثقافة CULTURE 18 Issue 17431 - العدد Wednesday - 2026/8/19 الأربعاء واقع في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء قصر الحلابات يحتل قصر الحلابات موقعا خاصا في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وســــــط الــــبــــاديــــة الأردنــــــيــــــة، وتـــكـــمـــن هـــذه الـخـصـوصـيـة فــي الـسـجـال المــتــجــدّد حـول تـاريـخ بنائه ومـراحـل تكوينه. خــرج هذا المـــوقـــع الأثـــــري مـــن الـظـلـمـة إلـــى الـــنـــور في مطلع القرن المـاضـي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بـــعـــد عــــقــــود مــــن الــــزمــــن تــــعــــرض خــالــهــا لإهمال كبير، وانكب عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري. يـــقـــع قـــصـــر الـــحـــابـــات فــــي مـنـتـصـف 12 الطريق بين عمّان والـزرقـاء، على بعد كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديما فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مـسـاحـة واســـعـــة، تــضــم مـسـجـدا صـغـيـراً، وخزانا كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات مـحـفـورة فـي الـصـخـر. يحمل هــذا المجمع الاســـم الـــذي عُـــرف بــه محلياً، وهـــو الاســم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولــى من القرن الـعـشـريـن؛ إذ رأى الـبـعـض أن هـــذا الاســم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخـــر أن هـــذه التسمية تشير إلـــى خربة مــهــجــورة كــانــت الــنــســاء تـقـصـدهـا لحلب الماعز والأبقار. كانت هـذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لـم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأمـــيـــركـــي هــــــوارد كـــروســـبـــي بـتـلـر لـلـمـرة على رأس 1904 ) الأولى في فبراير (شباط بـعـثـة مـــن جــامــعــة بــرنــســتــون الأمــيــركــيــة، ،1909 ) وقـصـدهـا ثـانـيـة فــي مـــارس (آذار وأنجز مخطّطا توثيقيا للموقع، كما نشر نـقـوشـا كـتـابـيـة مــحــفــورة عـلـى صــخــوره، واســتــنــد الـعـلـمـاء عـلـى هـــذه الــوثــائــق في تــحــديــد مـــراحـــل بــنــائــه المـــتـــعـــدّدة. تـتـمـثّــل هـــذه الـنـقـوش فــي ثـــاث كـتـابـات اعـتُــمـدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر . النقش 213 «قصرا جديداً» شُيّد في عام الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمـــبـــراطـــور يـوسـتـيـنـيـانـوس، وإلــــى عـام بـالـتـحـديـد، ويـشـيـر إلـــى بـنـاء حصن 529 فــي المــوقــع. أمـــا الـنـقـش الـثـالـث، فيوناني كذلك، وهـو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراسـاتـهـا أنـهـا تنقل مـرسـومـا وُضـــع في عهد الإمبراطور أنسطاس الـذي حكم من ، وقـــد أثـــــارت هـذه 518 إلـــى عـــام 491 عـــام الكتابة نقاشا واسعاً، ورأى البعض أنها دخــيــلــة عــلــى الــقــصــر، ولا تــمــت إلــيــه بــأي شكل في الأصـل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبـــن الــبــنــاء، واعـتـبــر أنــهــا تشكّل مصدرا من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه. اتّــــفــــق الـــبـــحـــاثـــة عـــلـــى تـــحـــديـــد ثـــاث مـــراحـــل لــبــنــاء هــــذا الــقــصــر، واعــتــمــد هــذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعـــلـــى مــخــطــط الـــبـــنـــاء وطـــــــرازه مـــن جهة أخـــــرى. فـــي المــرحــلــة الأولـــــى، شُـــيّـــد الـبـنـاء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجا لمراقبة «طريق ترايانا نـوفـا». فـي المرحلة الثانية، أُحـيـط المبنى بـــســـور خـــارجـــي تـــحـــده أبــــــراج مــربّــعــة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الـحـجـارة الكلسية والـحـجـارة البازلتية، وبــقــي عــامــرا فــي الـــقـــرون الـتـالـيـة. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخـيـرة مـن تـاريـخ البناء الـقـديـم الـــذي تــحــوّل إلـــى حـصـن هُــجـر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كـبـيـرة مـنـه. أعـيـد بـنـاء هــذا المــوقــع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كـتـا حـجـريـة كلسية وبـازلـتـيـة كـانــت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعا تعود إلــــى مـــرســـوم أنـــســـطـــاس، وحـــافـــظـــوا على الأبــــــراج المــربــعــة والـتـقـسـيـمـات الـداخـلـيـة المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قـاعـة مـركـزيـة، تحيط بها غــرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كـروسـبـي بتلر هـــذا الـبـنـاء إلـــى هـشـام بن عبد المـلـك، الخليفة الـــذي شـيّــد مـا يُعرف بـــــ«حــــمّــــام الــــــصــــــرح»، وهــــــو حــــمّــــام يـضـم مـلـحـقـات عـــــدة، أُقـــيـــم فـــي مـنـطـقـة سهلية تـعـود إلـــى مـديـنـة الـــزرقـــاء، ويُــعــرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي. ، زار عـــــالـــــم الآثـــــــار 1978 فــــــي عـــــــام البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير الــقــراءة الأولـــى. فـي الـعـام الـتـالـي، شرعت دائـرة الآثـار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مـديـنـة لــيــون الـفـرنـسـيـة، واســتــمــرت هـذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني . بـــدوره، قدّم 1984 غــازي بيشه حتى عـام غـــــازي بــيــشــه خــــال حـــمـــات المـــســـح الـتـي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ 1993 المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية الـتـي شكّلت أسـاســا لـتـأريـخ مـراحــل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها. فـــي الــــواقــــع، خــــرج الــبــحــاثــة فـــي هــذه الــحــقــبــة بــــــرأي يـــقـــول بـــــأن هـــــذه الــنــقــوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بـعـد نـقـلـهـا إلـــيـــه. وأظـــهـــرت الــــدراســــات أن البناء شُيّد كحصن في أيـام البيزنطيين، وهــو بـنـاء محلّي يـعـود على الأرجـــح إلى قبائل الغساسنة الـتـي اسـتـقـرّت فـي بلاد الـــشـــام، وكــانــت لمـلـوكـهـا ديـــار «بـالـيـرمـوك والــــجــــولان وغــيــرهــمــا، مـــن غُـــوطَـــة دمـشـق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الـــشـــام»، كـمـا ذكـــر المــســعــودي فــي «مـــروج الـــــذهـــــب». فــــي الــحــقــبــة الأمــــويــــة المـــبـــكـــرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تـشـيـيـده مــن جــديــد مــع تــعــديــات جـذريـة فــي تـكـويـنـه، غـيـر أنـــه حــافــظ عـلـى أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحد زواياه أربعة أبراج. تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح قطعة 150 ، وحـــــوى نــحــو 2008 فـــي عــــام أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الـجـص، والتيجان الـرخـامـيـة، ومجموعة مـــن ألــــــواح الـفـسـيـفـسـاء المـــجـــتـــزأة، وبـقـايـا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المـــحـــوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خـرجـت مــن الـقـصـور الأمــويــة الـكـبـرى. في المـــقـــابـــل، تـــبـــرز الأرضــــيــــات الـفـسـيـفـسـائـيـة وتـتـمـيّــز بـتـنـوّع تقاسيمها، وتـشـكّــل هـذه الألـــواح مــادة أساسية لـدراسـة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي. قصر الحلابات في محافظة الزرقاء محمود الزيباوي صراع في الريف الإيطالي فـــي روايـــتـــهـــا «غـــــدا غـــــداً» الـــصـــادرة عــن «دار الــعــربــي» بــالــقــاهــرة، وتـرجـمـة عــا مـحـمـود، تــرســم الـكـاتـبـة الإيـطـالـيـة فــرانــشــيــســكــا جــانــونــيــه صـــــورة مــؤثــرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق مــــن قـــلـــب ريـــــف «ســـالـــنـــتـــو» فــــي أواخـــــر خمسينات الــقــرن الـعـشـريـن بإيطاليا، حـــيـــث يــعــيــش الــشــقــيــقــان «لـــوريـــنـــســـو» و«أنــــيــــيــــزيــــه» داخــــــل عــالمــهــمــا الـصـغـيـر الـذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون. يتجلى المـصـنـع الـــذي أسـسـه الجد والمـــمـــتـــلـــئ بـــرائـــحـــة الـــــزيـــــوت الــعــطــريــة والــــزهــــور رمـــــزا لـــاســـتـــمـــراريـــة والأمـــــان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبـــن الـحـلـم الـعـائـلـي والـحـيـاة اليومية البسيطة، لكن حـن يقرر والـدهـمـا بيع المـصـنـع فـجـأة ينقلب الـــتـــوازن العائلي رأسا على عقب. يغادر «لورينسو» البيت مدفوعا بـالـغـضـب والـــرغـــبـــة فـــي اســـتـــعـــادة إرثـــه الــــضــــائــــع فـــــي حـــــن تـــبـــقـــى «أنــــيــــيــــزيــــه» الـهـادئـة لـتـواجـه التغير وحـدهـا وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان فـي طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات. وفـــــــي خـــلـــفـــيـــة الأحـــــــــــــداث، تـــتـــحـــول إيـــطـــالـــيـــا مــــن بـــلـــد ريــــفــــي تـــقـــلـــيـــدي إلـــى وطـــــن جـــديـــد تــنــبــض شـــــوارعـــــه بـــالأمـــل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلا عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات. الـــــافـــــت، أن المـــؤلـــفـــة فــرانــشــيــســكــا جــانــونــيــه تـــعـــود أصـــولـــهـــا إلــــى منطقة «ســـالـــنـــتـــو» فــــي جـــنـــوب إيـــطـــالـــيـــا، كـمـا درســـــت عـــلـــوم الاتــــصــــالات ودرســــــت في المركز التجريبي للتصوير السينمائي. من أجواء الرواية نقرأ: «كــــانــــت غــــرفــــة لـــوريـــنـــســـو بـسـيـطـة وشبه خالية، الآثـار الباقية من وجوده انحصرت في عـدة ملصقات سينمائية مــعــلــقــة عـــلـــى الـــــجـــــدران كــلــهــا لأفــــــام لـم يشاهدها «مــاركــو» مـن قـبـل، مـع حامل لــلــرســم وأنـــابـــيـــب ألــــــوان قــديــمــة وفُــــرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق مـــوضـــوعـــة عـــلـــى المـــكـــتـــب بــــرزت بضع رسـومـات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فـانـتـبـه إلـــى أن كــل الـرسـومـات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل. تـفـرَّس الـشـاب فـي ملامحها قليلا وسـأل نفسه: هـذه الفتاة تشبه شخصا أعرفه، أظـن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولا التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى علي أن أذهــب الآن، حــان موعد تـنـاول أدويـتـي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً. حالما بقى ماركو وحيدا أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عـبـر الـطـريـق الـتـرابـيـة مــع صـوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...». وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق ، واصل سيره وبعد فترة 1920 منذ عام وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المــصــنــع بـيـنـمـا كــــان فــابــرتــســيــو يـتـابـع غـنـاءه: «مــا لا أمـلـكـه... هـو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي». تـــوقـــف مــــاركــــو ورفــــــع بـــصـــره نـحـو مبنى المـصـنـع المــهــجــور، تـأمـل الـواجـهـة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الـــذي تسلق جـدرانـهـا حتى أخفى جـزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير. القاهرة: «الشرق الأوسط» الروائي المصري ابتعد عن صخب العاصمة وصنع عالمه الخاص رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر» غـيَّــب المـــوت أول مـن أمــس (الاثـنـن) الـكـاتـب الـــروائـــي المــصــري رضـــا البهات عـــامـــا، بــعــد مـعـانـاة 71 عـــن عــمــر نـــاهـــز طـــويـــلـــة مـــــع المـــــــــرض. وبـــرحـــيـــلـــه تـفـقـد الثقافة المصرية واحدا من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهدا في الأضواء، حــــيــــث عـــــــاش فـــــي مـــديـــنـــتـــه المــــنــــصــــورة بعيدا عن صخب العاصمة ولم ينشغل بــــصــــراعــــات أدبــــائــــهــــا، أو يـــنـــخـــرط فـي خـافـاتـهـم ومـعـاركـهـم الـجـانـبـيـة؛ بحثا عن مجد شخصي. ولــم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكـــــــتـــــــور عـــــيـــــد صــــــالــــــح عـــــبـــــر صــفــحــتــه بموقع «فيسبوك» بقوله: «مـر بحياتنا كـالمـائـكـة وأصــحــاب الــــرؤى الـنـورانـيـن الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يـــوســـف بـــأنـــه «واحــــــد مـــن أنـــبـــل وأجــمــل كُــتـابـنـا، فلم يـزاحـم أحـــدا وكـــان وجــوده مفرطا في الرقة والعذوبة». ونـعـتـتـه الـكـاتـبـة غــــادة كــمــال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الـذي كان وسيظل حـاضـرا فـي كـل حــرف كتبته»، ومــــن جــهــتــه عــــد الـــكـــاتـــب إبـــراهـــيـــم عبد المـجـيـد أنــنــا «إزاء خـبـر مـفـجـع للغاية؛ فــالــبــهــات لـــم يــغــب أبـــــدا عـــن بـــالـــه وكـــان يخطط مـنـذ فـتـرة طـويـلـة لــرؤيــتــه، لكن دون جدوى». وُلِــــــــد رضــــــا الـــبـــهـــات فــــي مــحــافــظــة ، وتــــــخــــــرج فــي 1955 الــــدقــــهــــلــــيــــة عــــــــام كـــلـــيـــة الــــطــــب بـــجـــامـــعـــة المـــــنـــــصـــــورة، ثـم عــمــل طــبــيــبــا، فـــي حـــن واصـــــل الـكـتـابـة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقـد انعكست خبرته المهنية فــــي مــــشــــروعــــه الأدبــــــــي صـــانـــعـــة عــاقــة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها فـي فهم البشر ومـراقـبـة تفاصيل حياتهم. ولـم يكن يـرى إقامته في المنصورة ابتعادا عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريبا من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عـاش فيه وعمل، وأن يـسـتـمـد مـــادتـــه مـــن الـــواقـــع المــحــيــط بــه. وتُعد البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر روايـة «بشاير اليوسفي» الصادرة ، والــــتــــي تـــنـــاولـــت تـــحـــولات 1992 عـــــام المـجـتـمـع المـــصـــري، ولا سـيـمـا تــأثــيــرات الــهــجــرة لــلــخــارج بـحـثـا عــن فـــرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية. كـانـت «بـشـايـر اليوسفي» أكـثـر من مـجـرد بــدايــة روائـــيـــة؛ فـقـد وضـعـت منذ الـبـدايـة عـــددا مـن القضايا الـتـي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشـــارة مبكرة إلــى الـتـغـيـرات التي طرأت على المجتمع. بعدها أصدر مجموعته القصصية ، ثــم روايـــة 1995 «طــقــوس بـشـريـة» عـــام ، قبل أن يصدر 2004 «شمعة البحر» عام روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» . وتــشــكــل هــــذه الأعـــمـــال معا 2014 عــــام جانبا أساسيا من مشروعه الأدبي الذي ظـل يـتـابـع مـن خـالـه تـحـولات المجتمع المـــصـــري والـــريـــف والمــديــنــة والـصـحـافـة والسياسة والعلاقات الإنسانية. فــي «شـمـعـة الـبـحـر» انـتـقـل البهات إلـــــــى الـــــريـــــف المــــــصــــــري، مـــســـتـــفـــيـــدا مــن خبرته المباشرة بـه، حيث خـدم بالفعل فـي الـقـرى، واستلهم شخصية «الشيخ جـــال» الـتـي لها أصــل واقــعــي؛ إذ عرف رجلا عاش أكثر من تسعين عاما وحضر عزاءه. أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فـــمـــثـــلـــت مـــحـــطـــة بــــــــــارزة فـــــي تـــجـــربـــتـــه، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم مــتــعــددة تـشـمـل الــصــحــافــة والـسـيـاسـة والــــســــجــــن والـــــعـــــاقـــــات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، وتـــقـــدم شـخـصـيـة مـثـقـف يـعـيـش وســط تـنـاقـضـات المـجـتـمـع وأسـئـلـتـه المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية. وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كــشــف الــبــهــات عـــن أن عـمـلـه فـــي الـقـسـم الـثـقـافـي بــإحــدى الـصـحـف أمــــدّه بخبرة مــبــاشــرة بـعـالـم الـصـحـافـة، كـمـا أكـــد أن الــكــاتــب لا يستطيع دائـــمـــا الـتـحـكـم في المــــســــارات الـــتـــي تـــأخـــذهـــا أعـــمـــالـــه، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة. مــــــن هـــــنـــــا، كـــــانـــــت عـــــاقـــــة الـــبـــهـــات بــالــواقــع إحـــدى الـسـمـات الأســاســيــة في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت لــه الـكـتـابـة تـحـويـل هـــذه الــخــبــرات عالما روائـــيـــا وقـصـصـيـا. كـمـا اتــخــذ مــن عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومـرضـه؛ ولهذا ظـهـرت أجــــواء المستشفيات والـعـيـادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خــبــرتــه المـهـنـيـة فـــي بـــنـــاء عـــالـــم فــنــي له طابع إنساني. ومـــــن أبــــــرز أعـــمـــالـــه الأخـــــــرى «لـيـلـة لــلــغــنــا»، و«اخــــتــــار ألا يــــمــــوت»، إضــافــة إلــــى مــجــمــوعــة مـــن كــتــب الأطــــفــــال مـثـل: «جــــوز ولــــوز وبـــــوز» و«حــكــايــة السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي». وعـلـى رغـــم ذلـــك، يـظـل مــن السمات الـافـتـة فـي تجربته الأدبــيــة أنــه لـم يكن غــزيــر الإنـــتـــاج أو يـتـلـهـف عــلــى الـنـشـر، حيث سبق أن بــرر تلك السمة بطبيعة ظـروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش مـــن الـــثـــقـــافـــة، ويــكــتــب بـــبـــطء، ورغـــــم أن روايـــتـــه الأولــــى حـظـيـت بـاهـتـمـام نقدي وجماهيري واســع، لكنه لم يتعامل مع الـكـتـابـة بـوصـفـهـا وظـيـفـة تـفـرض عليه الإنتاج المتواصل. القاهرة: رشا أحمد رضا البهات من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلا في النشر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky