issue17421

مـــــرة أخـــــــرى، يــنــتــهــز رئـــيـــس الـــــــــوزراء أنــــدي بيرنهام عطلة البرلمان الصيفية لفرقعة إعلامية بـــالـــدعـــوة إلــــى دســـتـــور مــكــتــوب. وبـيـنـمـا يشكو مـــن مــركــزيــة الـسـلـطـة فـــي وسـتـمـنـسـتـر، مطالبا بصلاحيات أوسع للأقاليم، يتجه أسلوب حكمه إلـى نمط أقـرب إلـى الرئاسي منه إلـى البرلماني؛ إذ تتركز السلطة فـي يـد رئيس الــــوزراء، وتعلن الــســيــاســات مــبــاشــرة لـجـمـهـور الــتــلــفــزيــون قبل مساءلة النواب للحكومة. والاقــــــتــــــراح لـــيـــس جـــــديـــــداً. نـــاقـــشـــتـــه لــجــان بـرلمـانـيـة وأكـاديـمـيـون وسـيـاسـيـون مــــراراً، لكنه يصطدم بحقيقة أسـاسـيـة: بريطانيا لا تنتظر دستورا مكتوباً. فلديها دستور بالفعل؛ تطور عبر القرون من التشريعات والقانون العام والأعـراف والسوابق والممارسة السياسية. فـ«الماغنا كارتا» لم تخترع ، بل أقـرت حقوقا 1215 الحريات الإنجليزية عام وقيودا على السلطة تمتد جذورها إلى ما قبلها. كما تـطـورت المـؤسـسـات التمثيلية مـن مجالس محلية سبقت البرلمان بصورته الحديثة. وما يبدو للمنظّرين افتقارا إلى الانتظام هو من مصادر قوة النظام. فالآلة التي عملت بكفاءة أجيالا لا تفكك لمجرد وصول مهندس جديد. وإذا ظهر خلل، يمكن إصلاحه. وســــبــــقــــت بــــيــــرنــــهــــام تـــــجـــــارب تــــونــــي بــلــيــر فـــــي تــــعــــديــــات دســــتــــوريــــة وصـــفـــهـــا مـــنـــتـــقـــدون بــ«الـتـخـريـب الـــدســـتـــوري». فـقـد امـــتـــدت مخالب «التحديث الدستوري» إلى مؤسسات ومناصب سبقت رئاسة الحكومة نفسها بقرون. منها اللورد المستشار، وهـو مؤسسة بقدر ما هو منصب، يعود إلى قرون قبل نشوء رئاسة الحكومة الحديثة. فروبرت وولبول، أول رئيس وزراء فعلياً، كان رسميا «اللورد الأول للخزانة». لكن دعـــاة التحديث عـامـلـوا مـؤسـسـات تراكمت وظائفها عبر القرون كشوائب في مخطط إداري، ليكتشفوا أن إلـغـاء المؤسسة لا يلغي وظائفها الدستورية. والمـــنـــطـــق نــفــســه نـــقـــل الـــوظـــيـــفـــة الـقـضـائـيـة )، أي لجنة Law Lords( » لــــ«الـــلـــوردات الــقــضــاة الاسـتـئـنـاف فـي مجلس الـــلـــوردات، إلــى المحكمة .2005 العليا للمملكة المتحدة عام كــــــان وجـــــــود أعــــلــــى قــــضــــاة الــــبــــاد بــجــانــب المؤسسة التشريعية في وستمنستر يبدو شاذا فـــي كـتـب الــنــظــريــات الــدســتــوريــة. لـكـن الحقيقة البسيطة: النظام كان يعمل. واســـتـــقـــال الـــقـــضـــاء اخـــتـــبـــرتـــه الــــبــــاد عـبـر الــــقــــرون؛ فــلــم يــتــصــور أحــــد أن وجـــــود الـسـلـطـة التنفيذية على الجانب الآخر من ردهة واحدة في وستمنستر يعني تدخلها في سير العدالة. وبــــــــدا إنـــــشـــــاء المـــحـــكـــمـــة الـــعـــلـــيـــا لــلــمــمــلــكــة المتحدة، مظهرياً، فصلا أوضـح بين السلطتين، وأقــرب إلـى نظم الدساتير المكتوبة، وخصوصا الجمهوريات. وظـــهـــر الاخـــتـــبـــار فـــي مـــعـــارك «بــريــكــســت». فـــســـيـــدة الأعــــمــــال جــيــنــا مــيــلــلــر، مــــن مـنـاهـضـي الــخــروج مـن الاتــحــاد الأوروبـــــي، طعنت فـي حق بلا موافقة البرلمان. 50 الحكومة في تفعيل المادة وكـسـبـت الـحـكـم الأول أمــــام المـحـكـمـة الـعـلـيـا في إنـجـلـتـرا وويـــلـــز، فـوصـفـت الـصـحـافـة الشعبية الـقـضـاة الـثـاثـة بــــ«أعـــداء الــشــعــب»، قـبـل انتقال القضية إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة. كـــــان الــــــلــــــوردات الـــقـــضـــاة جــــــزءا مــــن الــبــنــاء البرلماني التاريخي، يتمتعون بهيبة رسختها القرون. أما المحكمة المنفصلة فسهل تصويرها كقوة دستورية في مواجهة البرلمان. وهــنــا نــعــود إلـــى بـيـرنـهـام، الــــذي يستشهد بــالــقــانــون الأســـاســـي الألمـــانـــي نــمــوذجــا لـتـوزيـع السلطات وتحقيق التوازن بين مناطق الدولة. لــكــن الـــقـــانـــون الأســــاســــي الألمــــانــــي ولــــد عــام بعد هزيمة عسكرية وانهيار ديكتاتورية 1949 واحــتــال، وللفيدرالية الألمـانـيـة جــذور تاريخية تختلف عن تركيبة المملكة المتحدة. ثـــم أســئــلــة بـــا إجــــابــــة: مـــن ســيــكــتــبــه؟ وأي الأعراف يصبح قانوناً؟ وما السلطات المحصنة؟ وهـــــل يــســتــطــيــع بــــرلمــــان مــقــبــل تـــعـــديـــلـــهـــا؟ وهـــل تـسـتـطـيـع المـــحـــاكـــم إبـــطـــال قـــانـــون أقـــــره مجلس الــعــمــوم؟ وفــــوق ذلــــك: مـــن يــقــرر مـعـنـى الـكـلـمـات عـنـدمـا يـخـتـلـف الــبــرلمــان والــحــكــومــة والــقــضــاء؟ فالدستور المكتوب لا يفسر نفسه. وكـــلـــمـــا تـــحـــولـــت الـــقـــضـــايـــا الــســيــاســيــة إلـــى نصوص دستورية، انتقل الفصل فيها أكثر من السياسي المنتخب إلـى القاضي. وهـذا لا يخرج السياسة من النزاع الدستوري؛ بل ينقل ساحته. وقـــوة الـدسـتـور البريطاني فـي قـدرتـه على التطور. فعندما تكشف التجربة ثغرة، يصلحها الـــبـــرلمـــان. وكـــمـــا لا يـــخـــرج مـــشـــروع قـــانـــون مهم بالصورة نفسها التي دخل بها، تطور الدستور بالمناقشة والتعديل جيلا بعد جيل. بــعــد الـــحـــرب حــمــل المــعــمــاريــون الـــجـــدد كــرة الـهـدم إلــى مباني الـقـرنـن السابقين باعتبارها مـــن مـخـلـفـات المـــاضـــي، وأقــــامــــوا مـكـانـهـا عــمــارة «حــديــثــة» مــن الـخـمـسـيـنـات والـسـتـيـنـات. وبـعـد عقود كــان كثير منها يتداعى أو ينتظر الهدم، بينما بقيت المباني الفيكتورية قائمة ومسكونة. وعندما دمرت القنابل النازية قاعة مجلس العموم، أصر ونستون تشرشل على إعادة بنائها على هيئتها السابقة، رغم عدم اتساع مقاعدها لجميع النواب. فقد أدرك أن شكل المؤسسة نفسه جزء من طريقة عملها. فـالـتـحـديـث لــيــس مـــرادفـــا لــاســتــمــرار، كما أن التجديد الدستوري ليس بالضرورة تقدماً. وإذا كـــان بـيـرنـهـام مـحـقـا فـــي مــركــزيــة الـسـلـطـة، يستطيع البرلمان نقلها ومنح المؤسسات المحلية صـاحـيـات أوســـع. هــذا هـو الـتـطـور الـدسـتـوري: إصــاح مـا يحتاج إلـى إصـــاح، والبناء على ما ثبت نجاحه. أما استخدام كرة الهدم في بناء تراكم عبر القرون، وافتراض أن جيلا واحدا من السياسيين يــســتــطــيــع تــصــمــيــم بـــديـــل أفـــضـــل عـــلـــى الــــــورق، فتراجع ديمقراطي، لا تقدم. Issue 17421 - العدد Sunday - 2026/8/9 الأحد أكـــثـــر مــــن تـــحـــالـــف دولــــــي يــتــشــكــل الآن للتصدي للأعمال التي تمارسها الميليشيات فـــي المـنـطـقـة بــتــهــديــدهــا الأمـــــن والاســـتـــقـــرار والاعـــتـــداء على المـاحـة الـدولـيـة. وكلما زاد عـدد الــدول التي ستنضم لهذه التحالفات، وكــلــمــا تـــم الـتـنـسـيـق بـــن تــلــك الــتــحــالــفــات، أصبح الضغط على هذه الميليشيات كبيراً، وإن لـــم تـــرتـــدع المـــجـــمـــوعـــات والمـيـلـيـشـيـات الإيـرانـيـة، فـإن التحالفات الدولية تكون قد أدت مــا عليها، إذ لا يمكن لأي مجموعات خــارجــة عــن الــدولــة أن تـأخـذ شعبها ومعه جميع دول العالم رهـائـن، وتُــحـدد التهديد إلــــــى الأبـــــــــد، كـــمـــا لا يـــمـــكـــن حـــمـــايـــة الـــعـــالـــم مـــن خــطــر تــلــك الــجــمــاعــات ولا بـــد مـــن كبح الـــفـــوضـــى.بــالــتــحــالــف الـــثـــاثـــي الـــــذي تم الاتـفـاق عليه في مكة، تكون قد تشكلت جبهة أخرى للتصدي لعمليات الابتزاز التي تمارسها هـذه المجموعات، وهكذا يمكن للعالم أن يـتـصـدى لــابــتــزاز. فلم تعد مواجهة التنظيمات المسلحة خيارا فرديا لأية دولة، بل لا بد من عمل جماعي لحماية سـاسـل الإمــــداد، وفـتـح المـمـرات الدولية والسعي إلى السلام والأمن. لـــــذا، لـــم تــعــد مــســؤولــيــة إنـــهـــاء هــذا الابـــــتـــــزاز حـــكـــرا عـــلـــى دولــــــة واحــــــــدة، بـل أصبح مسؤولية دولية. وبـالـنـظـر إلـــى المــفــاوضــات الـجـاريـة اليوم مع إيران فما هي إلا لشراء الوقت، وقـد يستغرق الأمــر وقتا طـويـاً، ولكنه لن يكون كالسابق، فكثير من الدول ترى أن التأخير قد طال، وأن هذا أمر لم يعد يـحـتـمـل. فـشـعـوب الأرض تـعـانـي جـــرّاء هذا الابتزاز. لذا فإن استجابة هذه الدول مـن أجــل وضــع حـد لـهـذا الـعـمـل ستكون بالتأكيد إيجابية؛ لأن اقتصادها تضرر بسبب هذه الحماقات المستمرة. اســــتــــغــــرق الأمـــــــر وقــــتــــا مـــنـــذ بـــدايـــة الــحــرب الإيــرانــيــة الأمـيـركـيـة، والــتــي من خـــالـــهـــا كــــــان الــــــعــــــدوان الإيــــــرانــــــي عـلـى دول الـخـلـيـج، وتــهــديــد المـــمـــرات المـائـيـة. إنما أدرك الجميع الآن أن تأخير العمل الـجـمـاعـي يــزيــد مــن حـــدة الأزمــــة وخطر الميليشيات، وتفاقم الأزمات الدولية. إذن لا بد من العمل المشترك والسريع لإقناع إيـران بأن سلوكها هذا يـؤذي الاقتصاد العالمي. لا تـقـاس قــوة التكتلات الإقليمية بقدرتها على حماية أعضائها فحسب، بل بقدرتها أيضا على تشكيل جوارها، وتحويل مصادر التهديد فيه إلى شبكات من المصالح المشتركة. ولعل تجربة ألمانيا واليابان تقدم مثالا تاريخيا مهماً؛ فقد كانتا في النصف الأول من القرن العشرين من أبرز مصادر التهديد للنظام الدولي، غير أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية اتجهت إلـى إعــادة بناء مؤسساتهما وإدماجهما في منظومات اقتصادية وأمنية أوســـع، فأصبحت ألمانيا ركـنـا أساسيا فـي المنظومة الأوروبــيــة، وارتبطت اليابان بالمنظومة الاقتصادية والأمنية الغربية، وتحولتا من قوتين صداميتين إلى دولتين ارتبطت مصالحهما بالتعاون والـسـلـم والأمــــن الــدولــيــن، كـمـا أسـهـمـت جـاذبـيـة الـعـضـويـة فــي الاتـحـاد الأوروبــــي لاحقا فـي دفــع عــدد مـن دول وســط وشــرق أوروبـــا إلــى إصـاح مـؤسـسـاتـهـا الـسـيـاسـيـة والاقــتــصــاديــة، وتـكـيـيـف سـلـوكـهـا مــع المعايير الأوروبية. ولا تقوم المقارنة هنا على مماثلة العراق واليمن بألمانيا واليابان أو بدول شرق أوروبا من حيث طبيعة النظام أو المسؤولية التاريخية، وإنما على استخلاص درس مؤسسي مفاده أن احتواء مصادر التهديد يصبح أكثر استدامة عندما يقترن بإعادة بناء الدولة، وتقديم حوافز مشروطة لـانـدمـاج فــي منظومة إقليمية تدفعها إلـــى تـعـديـل سـلـوكـهـا، وتجعل الاستقرار والتعاون جزءا من مصالحها الوطنية، ويجعل سلوك الدولتين أكثر قابلية للتوقّع، ويرفع درجـة اليقين بشأن توجهاتهما. والمقصود هنا ليس استنساخ النموذج الديمقراطي للاتحاد الأوروبي، بل استعادة سيادة الدولة، من خلال احتكارها الشرعي لوسائل العنف والسلاح. والـيـوم، تـواجـه دول الخليج معضلة مشابهة نسبياً، وإن اختلف الـظـرف التاريخي والبيئة الجيوسياسية؛ فقد وسعت إيـــران تهديدها للمنظومة الخليجية عـبـر جــمــاعــات مسلحة تـعـمـل خــــارج المـؤسـسـات الـرسـمـيـة فـــي الـــعـــراق والــيــمــن، وتـمـتـلـك هـــذه الــجــمــاعــات أحــيــانــا قـــدرات تتجاوز قدرة الدولة على الضبط الأمني، ومن ثم أصبح استقرار الخليج مرتبطا بإعادة بناء الدولة في هذين البلدين، وحصر القوة المسلحة داخل مؤسساتهما الشرعية. وتكشف التطورات العسكرية الأخيرة أن الــردع، مهما بلغت قوته، يستطيع تعطيل قــــدرة فـصـيـل مـسـلـح أو رفـــع تكلفة هـجـمـاتـه، لـكـنـه لا يستطيع وحده بناء دولة تحتكر القوة، أو إعادة تشكيل البيئة التي تنتج الجماعات المسلحة. ومـن هنا، تبرز الحاجة إلـى استراتيجية خليجية تجمع بين الردع الأمني، والإدماج الاقتصادي والمؤسسي، بحيث يسهم تفكيك السلاح الموازي، والحد من النفوذ الإيراني في إعادة بناء الدولة. وفي هذا السياق، يمتلك مجلس التعاون الخليجي مـوارد واسعة، وأسـواقـا كبيرة، وصناديق سيادية تريليونية، وبنية تحتية متقدمة، تؤهله لطرح مشروع إدمــاج متدرج يربط الحوافز باستعادة الدولتين سيادتهما. ومثل تجربة الاتحاد الأوروبي في توظيف جاذبية الاندماج لتعديل سـلـوك الـــدول الـراغـبـة فـي الاقــتــراب مـنـه، يمكن أن تـبـدأ الحوافز بالشراكة التجارية، والربط الكهربائي، والمزايا الجمركية، والاستثمارات، ثــم تـتـطـور نـحـو الانـــدمـــاج فــي الــســوق الـخـلـيـجـيـة، وصــيــغ مــتــدرجــة من العضوية، وفق جاهزية الدولتين والتوافق الخليجي. وفي المقابل، تعلق هذه المزايا، أو تقلص عند استمرار السلاح الموازي، أو التمويل الخارجي للفصائل، أو استخدام أراضي الدولة للإضرار بدول الخليج. وانــــطــــاقــــا مـــــن هــــــذا الــــتــــصــــور، يـــمـــثـــل الــــجــــنــــوب الــــعــــراقــــي مـــجـــالا جيوستراتيجيا مناسبا لبدء هـذا المـسـار؛ فالبصرة وميسان والنجف ترتبط بامتدادات اجتماعية وعشائرية مع الجزيرة العربية، كما تجاور أجزاء من جنوب العراق السعودية. وتعاني المنطقة من نفوذ الجماعات المسلحة، وأزمـات الكهرباء، والفقر، والبطالة، وتـردّي الخدمات. ويمكن لـلـمـجـلـس دعــــم الـــربـــط الــكــهــربــائــي، وتــطــويــر المـــوانـــئ والمـــنـــافـــذ الــبــريــة، وتنويع مسارات صادرات النفط والسلع، وتوفير فرص عمل محلية عبر الاستثمار في الطاقة، والصناعة، والنقل، والخدمات الأساسية. وينطبق ذلــك أيضا على الأنـبـار التي تشكل قـرابـة ثلث مساحة الــعــراق، وترتبط بحدود مباشرة وعلاقات عشائرية تاريخية مع السعودية ودول الخليج، وتحتاج إلى تطوير بنيتها التحتية، وربطها بالأسواق الخليجية. غير أن نجاح هذا المسار يظل مشروطا بانتقال العراق إلى مرحلة مـا بعد الفصائل المسلحة، واسـتـعـادة الــدولــة وحـــدة قــرارهــا السياسي والعسكري. ويعزز واقعية هـذا المسار اتجاه مقتدى الصدر إلـى إلحاق «ســرايــا الــســام» بـالـدولـة الـعـراقـيـة، والـــشـــروع فــي تسليم سـاحـهـا إلـى القوات الرسمية. وهـذا يعني أن المـزايـا الخليجية ليست (منحا مجانية)، بل أدوات مـشـروطـة بتوحيد الـقـيـادة السياسية والعسكرية، وحـصـر الـسـاح في الجيش والـشـرطـة، وإنـهـاء وجـــود التشكيلات المسلحة المــوازيــة للدولة، ودمــــج عـنـاصـرهـا المـنـضـبـطـة فـــي المــؤســســات الــرســمــيــة، والابـــتـــعـــاد عن الـخـيـارات الإيـرانـيـة التي تحول الـعـراق إلــى ساحة مواجهة مـع محيطه العربي. وكما تبين دراسات الخيار العقلاني، يجب جعل عوائد التعاون أعــلــى مــن عــوائــد الانــشــقــاق، فـيـكـافـأ الـفـاعـل المــتــعــاون، ويـتـحـمـل الـفـاعـل المنشق تكلفة خياراته، فيقابل الالتزام المؤسسي توسيع الحوافز، ويؤدي التراجع إلى تعليقها أو تقليصها. وفي المقابل، يختلف اليمن عن العراق في طبيعة أزمته وبنية دولته؛ فالعراق، رغم اختراق مؤسساته وازدواجية القوة فيه، لا يزال يمتلك دولة موحدة، ودستوراً، وموارد، ومؤسسات عاملة. أما اليمن فيعاني انقسام السلطة، وتفكك المؤسسات، وتعدد القوى المحلية، وسيطرة الحوثيين على مساحات من البلاد؛ ولذلك لا يكفي نقل الأدوات العراقية إليه، بل يتطلب احـتـواؤه مسارا يبدأ بتوحيد مؤسسات الـدولـة، ودعـم التسوية السياسية، وبناء سلطة وطنية قادرة على بسط سيادتها. ومع هذا الاختلاف، يمتلك اليمن مقومات اندماج قوية مع محيطه الخليجي، لا سيما السعودية، التي يعيش فيها ما يقارب مليوني يمني. في المائة من التحويلات 90 وبحسب تقديرات البنك الدولي، تأتي نحو 29 في المائة من السعودية و 61 المالية إلـى اليمن من دول الخليج، منها في المائة من بقية دول المجلس؛ ما يجعل هذه التحويلات مصدرا حيويا لدخل الأسـر واستقرار الاقتصاد اليمني، كما اندمجت أجيال من الأسر والـعـمـالـة اليمنية فـي المجتمع الـسـعـودي، ويـتـحـدر عــدد لا بــأس بـه من رجال الأعمال السعوديين من أصول يمنية، بما رسخ روابط عميقة بين البلدين. وتتضافر هذه الروابط مع التداخل الثقافي والقَبلي، والفرص الاســتــثــمــاريــة فـــي المـــوانـــئ، والمــعــابــر الـلـوجـسـتـيـة، والـــطـــاقـــة، والـــزراعـــة، والسياحة، والتعدين، والثروة السمكية. ومـــن ثـــم، يمكن بـنـاء يـمـن مــا بـعـد الـحـوثـي المـسـلـح بـربـط الـحـوافـز الخليجية بالتقدم فـي توحيد الــدولــة، واسـتـعـادة سـيـادتـهـا، فتتوسع فرص الاستثمار، وتُولَّد فرص العمل داخل الاقتصاد اليمني، وتتنامى المــزايــا الجمركية وأشــكــال الانـــدمـــاج الاقــتــصــادي وصــــولا إلـــى صـيـغ من العضوية، كلما تقدمت الدولة في توحيد مؤسساتها واحتكار السلاح، بينما تخفض المزايا أو تعلق عند الإخلال بوحدتها أو السماح بالتدخل الـخـارجـي. وتـوجـه الاسـتـثـمـارات بـدايـة إلــى المـنـاطـق المستقرة والمـوانـئ والبنية الأساسية، بما يمنح المواطنين مكاسب ملموسة من خيار الدولة والسلام. وفي حقيقة الأمر، لم ينحز المواطن العراقي أو اليمني إلى الشعارات الآيديولوجية لذاتها غالباً؛ فقد تسبب تدهور الاقتصاد، وفساد النخب، وانــســداد الـبـدائـل السياسية فـي دفــع شـرائـح اجتماعية نحو جماعات مسلحة مــا دون الـــدولـــة. وحـــن يـتـوافـر بـديـل مـؤسـسـي يـوفـر الـكـهـربـاء، والعمل، والتعليم، والعلاج، والحياة الكريمة، ويخفض الفقر، والبطالة، تتراجع قدرة الشعارات الآيديولوجية على التعبئة والتجنيد السياسيين. وهنا تتفوق دول الخليج على إيران بما يمتلكه مجلس التعاون من إطـار مؤسسي جماعي، وأدوات تحفيزية فعالة، وقبول دولــي، وقـدرات تنموية واستثمارية، فضلا عن روابطه الاجتماعية، والثقافية، واللغوية بالعراق، واليمن. ويتيح ذلك إعـادة ربط البلدين بمحيطهما الطبيعي، وبــالأســواق الخليجية ومنها بالاقتصاد العالمي، وجــذب الاستثمارات الأجنبية، وتحسين البنية التحتية، وتـولـيـد فــرص عمل منتجة داخـل العراق واليمن، بما يحد من البطالة، والهجرة، والاعتماد على الجماعات المسلحة، وتوسيع حركة التجارة، ودعم الاستقرار. والأهــــم مــن كــل ذلـــك، أن نـجـاح هـــذا المـــشـــروع يتطلب قـــدرا أكـبـر من التماسك والتوافق بين دول المجلس حول هدفه الاستراتيجي، كما يمكن أن يشكل بدوره فرصة لتعزيز التقارب بينها؛ فالخلافات الداخلية قابلة للتسوية، وهــي مألوفة حتى داخـــل أكـثـر التكتلات رسـوخـا، فقد حافظ الاتحاد الأوروبي على تماسكه وقدرته على الصمود رغم انسحاب المملكة المتحدة منه، بما تمثله من ثقل اقتصادي وسياسي وعسكري، بما يؤكد أن قـوة التكتلات لا تستلزم غياب الخلافات، وإنما الـقـدرة على إدارتها ومنعها من تعطيل المصالح المشتركة. كما تـجـاوز مجلس الـتـعـاون أزمـــات كبيرة بفضل حكمة قـيـاداتـه، وإدراكها وحدة المصير، والتاريخ المشترك. ومع امتداد التهديد الإيراني إلى دول الخليج كافة، يصبح التماسك الخليجي شرطا لتفعيل منطق الفعل الجماعي، وتعزيز الأمن المشترك. وعندئذ يغدو بناء عراق ما بعد الـحـشـد الـفـصـائـلـي، ويـمـن مــا بـعـد الـحـوثـي المـسـلـح، واسـتـعـادتـهـمـا إلـى محيطهما الطبيعي، جــزءا من مشروع خليجي أوســع للحد من النفوذ الإيـــرانـــي، وإنــهــاء حـالـة اخــتــراق الــدولــة بـالـسـاح المـــــوازي، ودعـــم الـدولـة الوطنية، واستعادة سيادتها. وبذلك، تتحول سياسة الاحتواء إلى أداة لتوسيع دائرة المتعاونين ومكافأتهم، ودفع المنشقين إلى الهامش بوصفهم أقلية معزولة ومحرومة من مزايا الاندماج الخليجي. سوسن الشاعر عبد الغني الكندي عادل درويش OPINION الرأي 14 كيف يستعيد الخليج العراق واليمن من إيران؟ ضرورة ً كبح الفوضى وستمنستر... حين يصبح الإصلاح هدما

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky