الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 15 Issue 17420 - العدد Saturday - 2026/8/8 السبت أغان تحرك آهات الزعماء السياسيين من تصدير الفوضى إلى استيرادها! الآه ســـر يعيش فــي منطقة لـهـا مكمن خـاص في القلوب. يتأوه الناس في أوقات الحزن والطرب والـــشـــجـــن، ولـــكـــل آه درجـــــة تــرفــعــهــا أو تخفضها مناسبة الانفعال وقوته. «آه من لقاك في أول يوم ونظرتك لي بعينيك»، أغنية كتبها بيرم التونسي ولـحـنـهـا زكـــريـــا أحــمــد وغـنـتـهـا أم كــلــثــوم. تـشـارك الثلاثة في آه واحدة، لكنها كانت شجرة لها فروع وأوراق ونـتـح مـلـون مــن المــشــاعــر. بـيـرم التونسي شــاعــر لــه تـكـويـنـه الاجـتـمـاعـي والــلــغــوي والبيئي الفريد. صـاغ قاموسه الشعري الغنائي الخاص، وكــلــمــاتــه تـــفـــوح عـــطـــرا وشــجــنــا وعــشــقــا وحـنـيـنـا. آهته التي كتبها تحولت في لحن زكريا أحمد إلى ابـتـهـالات عاطفية، تـسـري فـي القلب كأنها نسمة غــــروب، تـهـب عـلـى عــاشــق يـتـحـرك فــي قـلـبـه نبض يــرســم لـــون الـعـيـون الــتــي أســـرتـــه. وعـنـدمـا صــارت الآه الـبـيـرمـيـة الــزكــريــة صــوتــا يـــرفـــرف فـــي وجـــدان العاشقين، تعانق الحب والشجن والأمل في العيون والأرواح والقلوب. زكريا أحمد، ملك مقام الصبا، ورســــــم بــنــغــمــاتــه الـــتـــي تــجــعــل مــــن الـــشـــجـــن آهــــات تلامس كل ما يسكن في النفوس من مشاعر تائهة. آه من الآهات كم تحمل من عواصف وهزَّات، تـــقـــول فــــي صـــمـــت وتـــفـــعـــل فــــي ســــكــــون. الـــزعـــمـــاء السياسيون الكبار في بلادنا العربية لهم علاقة مـــع شــعــيــرة الـــبـــوح الإنـــســـانـــي الـطـبـيـعـي، فــهــم لا يرفعون الغطاء عما يستطيل ويستدير ويتمدد، فـــي دخــيــلــة كـــل واحـــــد مــنــهــم مـــن مــشــاعــر الــحــزن والضيق وحتى الفرح. الغناء بكل أنواعه لا تمنعه حصون السلطة وبوابات الأمـن من الوصول إلى قــلــوب المــلــوك والـــرؤســـاء والـــــــوزراء، لـكـن للسلطة العليا ستائر سرية تحجب التعبير العلني، عن كـل مـا يجيش فـي الـنـفـوس مـن مـشـاعـر. الرئيس المــصــري الـــراحـــل جــمــال عـبـد الـنـاصـر غـــاص بعد في بحر من الحزن 1967 ) هزيمة يونيو (حزيران والـكـآبـة، وصـــار يــرى كـل مـا فـي الدنيا عـواصـف، لا تحمل ســوى الــرمــاد الأســـود الكثيف، وأنـــى له أن يستمع إلـى أم كلثوم ومحمد عبد الـوهـاب أو فريد الأطرش وغيرهم. في أمسية قاهرية جمعت الــشــاعــر عـبـد الــرحــمــن الأبــــنــــودي، والمــلــحــن بليغ حمدي، والمطرب عبد الحليم حافظ، بعد هزيمة يـونـيـو. قـــال لهما عـبـد الحليم حــافــظ: «لا بــد أن نـقـدم شيئا لـلـنـاس، ورغـــم ألــم الهزيمة علينا ألا نسكت». رد عليه الأبـنـودي: «حنقول إيه ونهبب إيـــه ونـغـنـي إيــــه، والـــنـــاس كـلـهـا تـعـيـش فــي ظـام الهزيمة؟»، قال له عبد الحليم حافظ: «أنت يا عبد الرحمن تقدر تقول لكل الناس في كل وقت». دخل الأبنودي غرفة جانبية ببيت عبد الحليم حافظ، ومعه كراسة وقلم وخرج بعد أقل من ساعة، وقد كتب قصيدة عنوانها «عدّى النهار» تقول: عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ظهر الشجر وعشان نتوه في السكة شالت من ليالينا القمر وبلدنا على الترعة بتغسل شعرها جانا نهار ما قدرش يدفع مهرها يا هل ترى الليل الحزين أبو النجوم الدبلانين أبــو الـغـنـاوي المـجـروحـن يـقـدر ينسيها الـصـبـاح أبو شمس بترش الحنين أبدا بلادنا ليل نهار بتحب موال النهار لما يعدي في الدروب ويغني قدام كل دار والليل يلف ورا السواقي زي ما يلف الزمان وعلى النغم تحلم بلدنا ببكره واللي حيجيبوا معاه. قام بليغ حمدي بتلحين الأغنية، وشاركه عبد الحليم والأبنودي في رحلة اللحن. الرئيس جمال عبد الناصر الحزين تعلق بهذه الأغنية وصـارت الرفيق الذي لا ينفك عنه، وأمر بأن تذاع في الراديو والتلفزيون مـــرات ومــــرات. كـانـت هــذه الأغـنـيـة الآه الـتـي تحركت فـي صــدر زعـيـم مكلوم، لكنها كانت زخَّة أمل تلامس الوجدان المصري الكظيم. مـلـك ليبيا الــراحــل محمد إدريــــس السنوسي كــان رجـــا صوفيا زاهــــداً، لـم يـعـرف شيئا مـن متع الــحــيــاة بــكــل أشــكــالــهــا وألـــوانـــهـــا، وهــــو لـــم يـعـرف شيئا عن الغناء. كان نصيبه منها المألوف الليبي والموشحات الأندلسية، لأنها تحمل كلمات وأنغاما مكسوة بروح المدائح والعشق الصوفي. قبل بداية عـصـر الـتـلـفـزيـون، كـــان الـــراديـــو هـــو الــجــهــاز الـــذي تجتمع حوله الأسر الليبية، وعند الساعة التاسعة والـــنـــصـــف لـــيـــاً، تـــــذاع نـــشـــرة الأخــــبــــار الـرئـيـسـيـة. قـبـل بــدايــة الـنـشــرة بــربــع ســاعــة، تــــذاع المـوشـحـات الأندلسية ويــذاع المـألـوف الليبي، لأن الملك ينتظر نـــشـــرة الأخــــبــــار الـــرئـــيـــســـيـــة الـــيـــومـــيـــة، ويـسـتـمـتـع بـالاسـتـمـاع إلـــى المــوشــحــات وهـــو ينتظر الـنـشـرة، كانت تلك هـي آهته المسائية مـن نفسه وإليها في هدوئه الصامت. فـــي الــــعــــراق هـــنـــاك نــمــط مـــن الألــــحــــان والأداء الغنائي، يُعرف بالمقام العراقي، يسود فيه الشجن المــطــرب، ويتنقل مــن آهـــة إلـــى أخـــرى أكـثـر ارتـفـاعـا وحرارة، ومن أبرز مطربيه المغني حسين الأعظمي ومحمد القبانجي ويوسف عمر ورشيد القندرجي. كـــبـــار الـــســـاســـة الـــعـــراقـــيـــن فــــي الـــعـــهـــديـــن المـلـكـي والـجـمـهـوري كــانــوا يحتفون بمغني المــقــام الـعـراقـي، ويصفقون له ويجزلون له العطاء. الآهات وما يرافقها من عُــرب غنائية تفيض شجناً، يجد فيها السياسي العراقي المثقل بالهموم كوة يناجي منها نفسه. الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة كان يـجـلـس مـــســـاء لـيـسـتـمـع لأغـــانـــي المــطــربــة الـتـونـسـيـة الكبيرة صليحة. في صوتها آهات تاريخية تونسية، يقضي معها الزعيم الذي يحمل على كاهله ثقل وطن ساعات يتحرر فيها من عواصف السياسة وهمومها. آه من الآهات، كم فيها من مناجاة وجدانية مع الذات، والآهات المرة كثيرا ما تكون لها حلاوة خاصة. كـتـب الـصـديـق مــشــاري الـــذايـــدي قـبـل أيـــام في هذه الجريدة أن من يريد فهم سلوك النظام الإيراني لا يكفي أن يحاكمه بمنطقه هو، بل عليه أن يحاول النظر إلـى العالم بعين النظام نفسه. الفكرة بدت لي مفتاحا لفهم جانب مهم من السياسة الإيرانية الحالية، لكنها قادتني أيضا إلى سـؤال آخـر: ماذا يـحـدث عندما يـخـرج هــذا العقل مـن حـــدود إيـــران، ويعاد إنتاجه في تنظيمات تـدور في فلكها، مثل «حـــزب الــلــه» الـلـبـنـانـي، أو الـحـوثـي فــي الـيـمـن، أو المجموعات الولائية فـي الـعـراق؟ هنا تبدأ القصة الحقيقية الشائكة. مـــن يـنـظـر إلــــى تــلــك المــجــمــوعــات الــتــي تسمى الأذرع قـد يظن أنـه أمــام تـجـارب مختلفة فرضتها ظروف محلية متباينة. غير أن التدقيق يكشف أن البنية الفكرية واحدة تقريباً، وكذلك طريقة العمل، وحـــتـــى الــلــغــة الــســيــاســيــة الـــتـــي تُــســتــخــدم لـتـبـريـر بقاء السلاح خـارج سلطة الـدولـة، وتعطيل الدولة الوطنية عن أداء مهماتها الطبيعية، فتبدو عاجزة ومشوّهة. فــــي لـــبـــنـــان يـــقـــال إن الــــســــاح لــــن يُـــســـلَّـــم قـبـل الانـسـحـاب الكامل مـن الـجـنـوب. وفــي اليمن يربط الحوثيون مستقبل السلاح بإخضاع البلاد كلها لـسـلـطـتـهـم. وفــــي الــــعــــراق يــتــكــرر الـــحـــديـــث عـــن أن الـجـمـاعـات المـسـلـحـة لــن تتخلى عــن سـاحـهـا قبل خـــــروج الــــقــــوات الأجـــنـــبـــيـــة... تـــبـــدو هــــذه شـــعـــارات مختلفة، لكنها تـؤدي وظيفة واحـدة، وهي تأجيل قـــيـــام الــــدولــــة إلـــــى أجـــــل غـــيـــر مـــعـــلـــوم، فــحــتــى تـلـك الــشــروط إن تحققت، فـلـن تخضع تـلـك الجماعات إلـــى الـــدولـــة الـوطـنـيـة؛ فـهـي وُجــــدت أصــــا لإلـحـاق الدولة بالمشروع الإيراني، فالهدف من وجود هذه الجماعات هو تفريغ الدولة العربية من مضمونها الـحـديـث، ورهـنـهـا لـقـوة إقليمية توظفها لتحقق أهدافها في الهيمنة. هذه الشروط ليست أهدافا نهائية بقدر ما هي وسائل لإدامة الوضع القائم. فإذا تحقق شرط ظهر غيره، وإذا اختفى خصم برز خصم جديد... لذلك فـــإن مــن يـظـن أن المشكلة مرتبطة بسبب سياسي مـؤقـت، يقرأ الظاهرة مـن خارجها، لا مـن داخلها. فالسلاح في هذه البنية ليس وسيلة، بل هو مصدر الشرعية ذاته لأن تقوم قلة في المجتمع بالسيطرة عليه بعيدا عن الدولة، ومن ينتقده يُشيطَن، ويُتهم بأقبح التهم، ويمكن أن يصفَّى، حتى لـو كــان من نفس المجموعة. لهذا لا تتعامل هذه التنظيمات مع التفاوض الــــذي تــقــوم بـــه الـــدولـــة الـوطـنـيـة بـوصـفـه طريقا لإنهاء الـصـراع، وإنما وسيلة لإدارتـــه. قد تدخل فـــي هـــدنـــة، أو تـــفـــاوض لـــزمـــن، أو تـقـبـل تـسـويـة جــزئــيــة... لكنها تـتـحـاشـى الـــوصـــول إلـــى لحظة تستعيد فـيـهـا الـــدولـــة احــتــكــار الـــقـــوة. عـنـد تلك النقطة تصبح التسوية خطرا عليها؛ لأنها تعني نـهـايـة الــــدور الـــذي أُنـشـئـت لأجــلــه، ولـيـس لديها مـــانـــع فـــي خــــوض حــــرب أهــلــيــة مـــن أجــــل تثبيت الفرقة الدائمة في المجتمع الواحد. لفترة طويلة كــان الاعـتـقـاد الـسـائـد أن القوى العسكرية في إيـران تختلف عن هذه النماذج؛ لأن «الحرس الـثـوري» جـزء من الـدولـة، وليس تنظيما يعمل خارجها. لكن التطورات الأخـيـرة تدعو إلى إعادة النظر في هذا الافتراض. فالجدل الذي أثارته تصريحات وزيــر الخارجية عباس عـراقـجـي، وما كشفه عن كواليس إدارة التفاوض وصنع القرار، ثم منع المقابلة والحد من تداولها على وسائل الإعلام الإيـرانـيـة، أعــاد طـرح ســؤال لـم يكن مطروحا بهذه القوة من قبل: من يملك القرار النهائي داخل إيران؟ الحقيقة أن العسكر (الحرس الثوري) قد أصبح جزءا مستقلاً؛ فقد أُنشئ كي يكون «حامي الثورة»، ولكن ظهرت له مصالح تتعارض مع الدولة، تصريحات الرئيس الإيراني وغيره من الشخصيات تؤكد ذلك الاتــجــاه. لـذلـك يسمع الـعـالـم الـشـيء ونقيضه بين فترة وأخــرى قادما من إيـــران! ولا يعرف أحـد على وجه الدقة خلفية تلك التصريحات. هـــــــذا الــــــســــــؤال لا يــــقــــل أهــــمــــيــــة عـــــن أي مــلــف تــفــاوضــي. فــــإذا كــانــت الـــدولـــة تــتــفــاوض، فـــي حين تـوجـد مـراكـز قــوة أخـــرى قـــادرة على تغيير المسار أو تـعـطـيـلـه، فـإنـنـا نــكــون أمــــام صــــورة مــألــوفــة في لبنان والعراق واليمن، لكنها تظهر هذه المرة داخل إيران نفسها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالنموذج الذي ساهمت طهران في ترسيخه خــارج حـدودهـا، بدأ يفرض أسئلته عليها. لـــيـــســـت الـــقـــضـــيـــة هــــنــــا المــــلــــف الـــــــنـــــــووي، ولا العقوبات، ولا تفاصيل العلاقة مع واشنطن... تلك كلها مـلـفـات مـهـمـة، لكنها تبقى انـعـكـاسـا لمشكلة أعمق. أصل الأزمة هو قيام بنية آيديولوجية ترى نـفـسـهـا أعــلــى مـــن مــؤســســات الـــدولـــة، وتـمـتـلـك من السلاح والموارد الاقتصادية ما يجعلها قادرة على فرض إرادتها، حتى عندما يكون للدولة مسار آخر. لقد استطاعت هـذه البنية أن تنشئ في أكثر مــن بـلـد مــا يمكن تسميته «الـــدولـــة المـــوازيـــة». لكن التاريخ يقول إن الدولة الموازية لا تبقى دائما خارج الـحـدود التي أنشأتها؛ فهي تحمل منطقها معها أينما ذهبت، حتى إلى الدولة التي وُلدت فيها. ربما كان أخطر ما في التجربة الإيرانية أنها صـــــدّرت نـــمـــوذج ازدواجــــيــــة الـــقـــرار إلــــى محيطها، فــإذا بها تـواجـه الـسـؤال نفسه داخــل بيتها. الـدول قــد تستطيع تـحـمُّــل الــعــقــوبــات، وتـــجـــاوز الأزمــــات الاقـتـصـاديـة، وحـتـى الصمود فـي الــحــروب. لكنها نــــادرا مــا تـنـجـو عـنـدمـا يـصـبـح الـــقـــرار مــوزعــا بين رأســن، لكل منهما شرعيته وسلاحه وحساباته. عندئذ لا يكون الخطر الحقيقي في الخصوم، بل في الانقسام الذي ينمو داخل الدولة نفسها. آخـر الـكـام: بعد أن تسكت المـدافـع، فمن أقرب الاحتمالات أن يشهد العالم نهاية المشروع! عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky