issue17419

من الطبيعي السخط والغضب على الـعـدوّ، إذا كان مثل إسرائيل التي ال تعرف في السنوات األخيرة غير القتل والتخريب وسد األفق أمام إمكانات السلم. لـكـن هـنـاك أمــريــن صـــارا شــديــدي اإللـــحـــاح، وإن بـدا أنهما مختلفان. أولهما: الترجُّح بني املعلومات والــــرأي. واألمـــر الـثـانـي: امليليشيات وسالحها الـذي صــــار ضـــــررًا عــلــى اإلنــــســــان والــــعــــمــــران. فـــي الــتــنــازع بــ املـعـلـومـات والـــــرأي املـ حـظـة أن وســائــل اإلعـــ م واالتصال تُورد عن الحدث الواحد عشرات املعلومات خـ ل دقـائـق. ثـم يأتي محللون فيعيدون تـكـرار تلك املعلومات دونما الـخـروج باستنتاج واضــح أو رأي للتغيير، ربما باستثناء القول أحيانًا إن الضربات ستزداد مثالً. وأبرز الحاالت في هذا السياق العدوان اإليــــرانــــي عــلــى الـــــدول الــعــربــيــة؛ فـبـاسـتـثـنـاء قــلــة من املـــراقـــبـــ ، وهــــم فـــي الــغــالــب مـــن غــيــر الـــعـــرب، يُـــعـــدّد املتحدثون والكاتبون الـوقـائـع، وإذا زادوا على ذلك شيئًا فيكون بتوقُّع األسوأ. وحجتهم في هذا التحفظ أن الرأي فيما ينبغي فعله هو من شأن الدول، وليس مــن شـــأن األفـــــراد. وقـــد قـــال أحـــدهـــم: «لـقـد قـلـت شيئًا فقيل لي: بالش فلسفة، نحن أعلم بما نفعل فأنتم ال تملكون املعلومات الكافية»! املـــعـــلـــومـــات ال تـــتـــنـــاول الـــحـــدث فــقــط وأضــــــراره املباشرة، بل وتتناول القدرات وإمكانات الرد. ولذلك ال عـذر لنا نحن العرب في التحفظ أو الحيادية، ألن رأيــ بهذا االتـجـاه أو ذاك، إن كـان مـدروسـ فلن يثير اعتراض أحد، سواء أُخذ به أو لم يؤخذ. إن املـعـروف أن العرب جميعًا ما كانوا يريدون الـحـرب بـ أمـيـركـا وإيــــران. وفــي إرادة تـرمـب إطـ ق هـجـوم كبير أخـيـرًا بـدت الـــدول العربية واإلسالمية، وفــي طليعتها الـسـعـوديـة، مـعـارضـة لـذلـك، وتفضّل الـــلـــجـــوء لـــلـــتـــفـــاوض، وذلــــــك لـــثـــ ثـــة أســــبــــاب: األول: العدوانية اإليرانية في الرد واستهداف العرب بالذات. والسبب الثاني الدمار الذي يصيب املنشآت واإلنسان في إيران والدول األخرى. والسبب الثالث: عودة إيران الستخدام امليليشيات في اختراق أمن الدول العربية. واإلعـــــــراض عـــن تـسـعـيـر الـــنـــزاعـــات مـــع شـــركـــاء، مـثـل تـرمـب وإســرائــيــل، تختلط خـطـواتـهـا بـاالبـتـزاز والصفقات أمـر جيد، وتـوجُّــه له أبعاد استراتيجية. إنـمـا فـي هــذا الـسـيـاق يستحق املـوضـوع الكبير هذا الـتـفـكـيـر الــــشــــورَوي والــجــمــاعــي لــــدى املـتـخـصـصـ واملهتمني؛ فاملطلوب اآلن تطوير سياسات جماعية ال تــقــتــصــر عـــلـــى مــــحــــاوالت اتــــقــــاء الـــشـــر مــــن جــانــب الـــخـــصـــوم أو مـــن جـــانـــب الـــحـــلـــفـــاء، وهــــي ســيــاســات تستفيد من التجارب الطويلة مع أميركا ومع إيران، كما تستفيد من القوى الناعمة لـدول الخليج؛ فدول الـخـلـيـج ال تمتلك نـفـوذ امــتــ ك الـطـاقـة وحــســب، بل ونفوذ التحالفات االستراتيجية، وملكية املؤسسات بالدواخل العربية واإلسالمية وفي العالم، وأن نحو األربعني مليونًا من شعوب العالم يعملون فيها. إن التفكير الـــضـــروري والـعـاجـل فــي هـــذه املـسـائـل كلها يكون مفيدًا جـدًا إذا جـرى آلمــاد متطاولة. وفـي هذه الحالة ال فرق بني العامل املسؤول، واآلخر الباحث في مؤسسات الرأي والتفكير وتأمل البدائل. األمــــــر اآلخــــــر هــــو ســـــ ح املــيــلــيــشــيــات فــــي غـــزة والـعـراق ولبنان. فـي هـذه املـواقـع الثالثة، وربـمـا في غــيــرهــا، يــجــري الـعـمـل عـلـى نـــزع ســـ ح امليليشيات إلنـقـاذ الـــدول والـكـيـانـات. امليليشيا اخــتــراق يصعب الخروج منه سـواء أكـان سالحًا أو نفوذًا سياسيًا أو مؤسسات مستولى عليها. في اتفاق ترمب الشامل بغزة جرت املوافقة على نزع سالح «حماس» والكتائب األخرى. لكن «حماس» عادت فرفضت حتى ينسحب اإلسرائيليون من غزة، واإلسـرائـيـلـيـون يـقـولـون: نـــزع ســـ ح «حــمــاس» قبل االنسحاب! وليس تأييدًا لدعاوى إسرائيل، لكن ماذا يفيد سالح «حماس» بعد املذبحة واإلبادة؟ وهل من الخير للقطاع أن تبقى «حماس» نفسها؟ هذا التنظيم مسؤول جزئيًا عن حرب اإلبـادة، وكما جاء في األثر: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»! «حماس» نفسها ينبغي بعد الهزيمة أن تتنحى عن املشهد، لكن هذا هو طبع امليليشيات، سواء ادعت العقائدية أو كانت تنظيمًا سياسيًا خسر في املعركة! أمــا امليليشيات الـعـراقـيـة الـتـي ال عمل لها منذ إال السلب والنهب واالسـتـيـ ء، الـتـي عاد 2018 عــام اإليرانيون الستخدامها ضد دول الجوار، وليس هذا أول اعتداءاتها؛ فقد قتل ونهب عشرات األلوف منهم !2024 في سوريا األسد، قبل أن يهربوا عام وهؤالء ضد الدولة رغم أنهم يتقاضون مرتبات منها. ومـا عــادوا مفيدين أبـدًا بعد سقوط «داعــش». لــكــن الـــســـ ح جــلــب لــهــم مـــــاال ونــــفــــوذًا، واآلن كلفهم «الحرس الثوري» بالعدوان! الحكومة العراقية تريد إزالتهم فهل تستطيع؟ واملشكلة الثالثة مع «حـزب الله» الـذي يتشاجر مـع الحكومة اللبنانية الـتـي تـريـد نــزع سـ حـه؛ فقد تحرَّش آخر مرة بإسرائيل، فاحتلت وخرَّبت عشرات البلدات ومئات القرى وشــردت السكان. هم يعيِّرون الحكومة بأنها تتفاوض مع إسرائيل بعد هزيمتهم: فمع مَــن ينبغي أن تـتـفـاوض؟ ومــا الـحـاجـة لسالحه الـــذي تـحـطّــم معظمه، ومـــا عـــاد يصلح للتحرير وال للتبرير. إما الدول وإما امليليشيات التي تعمل عند إيران، ومـنـهـا الــحــوثــي بـالـيـمـن أيــضــ . وال بــد مــن إنهائها عاجال حتى ال تبتدع معركة جديدة للبقاء. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel مواجهة العدوان والدولة أو الميليشيا! OPINION الرأي 13 Issue 17419 - العدد Friday - 2026/8/7 اجلمعة رضوان السيد إن شئنا التوغُّل فيما يعتري الشرق األوسط اآلن من بلبلة فكرية وشعورية ترافق هذه املرحلة شـديـدة االهــتــزاز، فلن نجد أكـثـر تعبيرًا عنها من الحالة اللبنانية. لسببني أساسيني: األوّل احتواء املـــكـــان الــلــبــنــانــي عــلــى قــــدر كــبــيــر مـــن الــجــمــاعــات املتباينة اآلراء واملـشـاعـر إلــى حــد بعيد. والثاني حريّة الــرأي املكرّسة في لبنان منذ عقود طويلة، التي زادها تشعّبًا وجموحًا ظهور وسائل التواصل االجتماعي وغزوها الفضاء الخاص والعام. ويعمد املتطرّفون مـن كـل الجهات إلـى إذكـاء نار التعصّب والتهجّم والتجريح، بال رادع، تنفيسًا الحتقان نفوسهم وهيجانها، وسعيًا لكسب القدر األقصى من املؤيدين واملتضامنني، ليس في لبنان فحسب، بل في أنحاء املنطقة أيضًا؛ حيث تنتشر على أوسع نطاق املواقف املتضاربة نفسها. مــع ذلـــك، الـــصـــورة كـثـيـرة الـــوضـــوح ملــن يملك عـامـ (منذ 77 عينني نـاظـرتـ وعــقــ راجــحــ . إن انـقـ ب حسني الـزعـيـم العسكري فـي سـوريـا عام حتى اآلن) من الطريقة نفسها في استعمال 1949 شـعـار «تـحـريـر فـلـسـطـ »، إن لـتـبـريـر االنـقـ بـات العسكرية املتوالية في مرحلة أولى، أو في مرحلة ثانية الستغالل فسحة الحريّات اللبنانية الفريدة في املنطقة، للدعوة إلى محاربة إسرائيل من جنوب البلد الصغير من دون سواه، في غياب بالد العرب مليون نسمة التي تضمّها، قادت 500 الشاسعة والـ إلـى كــوارث عظمى، خصوصًا في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها، التي اجتاحها االستبداد والـــقـــمـــع والــــفــــســــاد وســــرقــــة الـــحـــاكـــمـــ الــــثــــروات الوطنية، وتفشي الـحـروب األهلية، وتعقيم قوى املجتمع الــحــيّــة، إلـــى مــأســاة غـــزة، وقبلها تدمير لـــبـــنـــان، ونـــقـــلـــه مــــن وضـــعـــيـــة «ســـويـــســـرا الـــشـــرق» إلـــى قـعـر الــهــاويــة. ذلـــك كـلـه تـحـت شــعــار «تـحـريـر عــامــ ، لم 77 فـلـسـطـ »، بـيـنـمـا، عـلـى مـــدى هـــذه الـــــ تخسر إسرائيل شبرًا من األراضي، بل زادت توسّعًا وازدهارًا وقوّة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية. أال يستدعي هــذا االنـهـيـار التاريخي املـهـول، ولــو على األقـــل، وقـفـة تـأمّــل ومـراجـعـة ونـقـد ذاتـي واحدة من قبل صانعيه؟ كــــ ، إطـــ قـــ . عــلــى الــعــكــس مـــن ذلــــك، يستمر املـــشـــروع اإليـــرانـــي، ومــعــه مــنــاصــروه مــن «إخــــوان مـــســـلـــمـــ » وبــــقــــايــــا بـــعـــثـــيـــ ســــــوريــــــ وبـــقـــايـــا شيوعيني وماركسيني وسـوريـ قوميني، وقـوى سياسية لبنانية من طوائف عدّة ذهبت بعيدًا في تعاملها مع الهيمنتني البعثية السورية واإليرانية عـلـى لـبـنـان، يستمر فــي تـبـريـر مـاضـيـه وحـاضـره بــشــدة كــــأن شـيـئـ لـــم يــكــن، فـــي حــالــة مـــن الـجـمـود الفكري والشعوري املطبق. وأكثر من ذلك، ال تتردّد هـــذه الــقــوى فــي مهاجمة مــن يـنـتـقـدون مساراتها وما أدّت إليه، وفي وصفهم باملتصهينني وسوى ذلـــك مــن نــعــوت. وال تـــتـــردّد هـــذه الــقــوى أيــضــ في وصف املشروع اللبناني، صانع «سويسرا الشرق» (وهو اإلنجاز التاريخي الوحيد في هذه األرجاء) باليميني واالنــعــزالــي والــرجــعــي، وكـــأن الجماعة اإليرانية والجماعة اإلخوانية والجماعة البعثية األســـديـــة وحــلــفــاءهــا فـــي لــبــنــان هـــم رمــــز الـيـسـار الـتـقـدّمـي واإلنــســانــي، وعــنــوان الـحـريـات واحـتـرام الحياة البشرية في املنطقة والعالم. وإذا ذهبنا أبعد من ذلك في رحلة التوغّل بهذا االضطراب، نصل إلى حاالت مدهشة في تناقضها وهَـــوَســـهـــا، فـــي بــلــد عـــانـــى مـــا عـــانـــاه مـــن األزمـــــات والــــحــــروب والــــويــــ ت عــلــى مــــدى نــصــف قــــرن (مــن 1976 الــدخــول العسكري الــســوري إلــى لبنان عــام حتى اليوم)، في ظل الهيمنتني األسدية واإليرانية. نجد العنف اللفظي الحاد في بيئة املحور اإليراني، نـتـيـجـة االنــتــقــال املــتــســارع مـــن وضـعـيـة مـواطـنـي الدرجة األولى إلى وضعية النزوح. وبدال من أن يتّجه هذا العنف نحو إسرائيل، يـصـب جــام غضبه على أطـــراف الـداخــل اللبناني. كـذلـك الـجـمـاعـات اللبنانية األخـــرى املتحالفة مع املــحــور اإليـــرانـــي، الـتـي تخشى فــقــدان االمـتــيـازات املـــاديـــة واملـــعـــنـــويـــة، الـــتـــي أوالهــــــا إيـــاهـــا تـأيـيـدهـا الطويل للوجود السوري أو اإليراني في لبنان، أو االثنني معًا، كما تخشى املحاسبة، تتحدّث بلغة شــديــدة الــتــوتّــر والـــحـــدّة. وهــنــاك الــذيــن ينطلقون مــن عـدائـهـم أو تـأيـيـدهـم ملـخـتـار الـقـريـة أو رئيس بـلـديـتـهـا، لــصــوغ مـوقـفـهـم الـسـيـاسـي والـعـاطـفـي النهائي من كل ما يجري في املنطقة. وهناك «أعداء» نمط العيش اللبناني الـذيـن، على الرغم من ذلك، ال يـقـوون على مفارقة لبنان يومًا واحـــدًا لخوض تــجــربــة الــعــيــش الـبـعـثـيـة الـــســـوريـــة أو الخمينية اإليرانية في موطنيها. وهناك أخيرًا الذين يكنّون «عـــداءً» ال هـــوادة فيه للغرب، خصوصًا األميركي منه، بينما جل آمالهم إرسال أوالدهـم للدراسة أو العمل في الواليات املتحدة أو أوروبـا، وطموحهم الكبير الحصول على جنسية تلك البلدان... ولله في خلقه شؤون. رحلة في عمق االضطراب أنطوان الدّويهي أال يستدعي االنهيار التاريخي المهول وقفة تأمّل ومراجعة واحدة؟ ال بد من إنهاء الميليشيات عاجال حتى ال تبتدع معركة جديدة للبقاء

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==