issue17418

لم تبدأ أزمة سبتة عند السياج الحدودي، وال عندما انـدفـع آالف املهاجرين نحو البحر ومعبر يوليو (تـمـوز) املاضي. 31 و 30 تـراخـال في يومي لقد بدأت قبل ذلك بأسابيع على شاشات الهواتف، داخل مجموعات مغلقة، ومن خالل مقاطع قصيرة حــمــلــت وعــــــودًا بــالــعــبــور ومـــعـــلـــومـــات عـــن الــطــرق واملواعيد ووسائل النقل ونقاط التجمع. هــذا هـو االستنتاج األهـــم فـي التحقيق الـذي نـشـرتـه صحيفة «ال راثـــــون» اإلسـبـانـيـة، اسـتـنـادًا إلـى دراســة من نحو سبعني صفحة أعدّها املحلل اإلســبــانــي املـتـخـصـص فـــي األمــــن واالســتــخــبــارات واإلرهاب الدولي تشيما خيل، بطلب من مؤسسات إسبانية. فقد تتبع التحقيق النشاط املسجل بني يونيو (حزيران) املاضي واألول من أغسطس (آب) الحالي عبر «فيسبوك» و«تيك توك» و«إنستغرام» و«إكس» ومجموعات «واتساب»، ووثق ما وصفه بمنظومة رقمية عابرة للحدود أسهمت في التعبئة وتداول املعلومات والتنسيق امليداني. وفــــقــــا لــــهــــذه املـــعـــطـــيـــات، حـــقـــقـــت املـــحـــتـــويـــات املـــتـــداولـــة أكـــثـــر مـــن أحــــد عــشــر مــلــيــون أثــــر رقـمـي محتمل، يشمل املشاهدات والتعليقات والتفاعالت وأعــضــاء املـجـمـوعـات. وكــانــت املـنـصـات املفتوحة تــــؤدي وظـيـفـة الــدعــايــة والــحــشــد، بـيـنـمـا تحولت بـعـض مـجـمـوعـات «واتـــســـاب» إلـــى مــا يشبه غرفا صــغـيـــرة لـلــعـمـلـيــات الــلــوجــســتــيــة، تـــتـــبـــادل فـيـهـا املـعـلـومـات حـــول وســائــل الـنـقـل وســاعــات التحرك ومسارات الوصول إلى محيط حاجز تراخال. وعلى مستوى املسؤولية الخارجية، يرصد الـــتـــقـــريـــر مـــجـــمـــوعـــات عـــلـــى «واتـــــــســـــــاب» أدارهــــــــا مستخدمون ألرقام تحمل املفتاح الدولي للجزائر، وحــســابــات نـشـطـت مـنـه إلـــى جــانــب حــســابــات في تونس وفرنسا والواليات املتحدة واملغرب. ويقول إن بعض تلك املجموعات لم تكتف بتداول خطاب عـــام عــن الـهـجـرة، بــل نـشـرت مـعـلـومـات عملية عن الطرق واملواصالت واملواعيد ونقاط التجمع. الـتـعـامـل املـهـنـي مــع هـــذه املـعـلـومـات يقتضي التمييز بني رصد نشاط رقمي صادر من الجزائر أو أي دولـــة أخـــرى وبـــ إثــبــات مـسـؤولـيـة أطـــراف مـحـددة فـي هــذه الــــدول. فاملفتاح الــدولــي للهاتف يحدد بلد تسجيل الشريحة، لكنه ال يكشف وحده هـويـة مستخدمها أو الـجـهـة الـتـي تـديـر نشاطه. كما أن الحساب الذي يبدو ناشطا من دولة معينة قــد يـكـون فــي يــد فـــرد أو شبكة تـهـريـب أو جماعة ســيــاســيــة، وقــــد يُــــــدار عــبــر وســـائـــل تـقـنـيـة تخفي موقعه الحقيقي. والــتــقــريــر نـفـسـه يـتـحـفـظ عــنــد هــــذه الـنـقـطـة؛ فـــهـــو ال يــنــســب قــــيــــادة الــحــمــلـــة بــــصــــورة نـهـائـيـة إلـــى حـكـومـة أو جــهــاز رســـمـــي، وال يـثـبـت الـهـويـة املدنية لعدد من مديري الحسابات واملجموعات. وهــذه ليست مالحظة هامشية، ألن توجيه اتهام مباشر إلى دولة يتطلب أدلة تقنية وقضائية أكثر صالبة، تشمل بيانات تسجيل الحسابات، ومواقع تــشــغــيــلــهــا، ومــــصــــادر تــمــويــلــهــا، والـــــروابـــــط بـ مديريها، وطبيعة التعليمات التي تلقوها. فــــي أي حـــــــال، تـــصـــاعـــدت الــتــعــبــئــة الــرقــمــيــة للمهاجرين بعد نشر قرار املحكمة العليا اإلسبانية الـــذي أكـــد عـــدم جـــواز اإلعــــادة الـفـوريـة لألشخاص الــذيــن يــحــاولــون دخــــول سـبـتـة ومـلـيـلـيـة سـبـاحـة. هنا تحولت قاعدة قانونية دقيقة، تتصل بحقوق املـهـاجـريـن وإجـــــراءات التعامل معهم، إلــى رسالة مبسطة ومضللة مفادها أن طـريـق البحر أصبح مفتوحا. وبني النص القضائي والرسالة املنتشرة على الهاتف نشأت مساحة واسعة للتالعب بآمال آالف الشباب. لــكـــن إرجـــــــاع أزمــــــة ســبــتــة كــلــهــا إلـــــى الــتــدخــل الـــخـــارجـــي ســـيـــكـــون بـــــــدوره اخـــــتـــــزاال غـــيـــر مـقـنـع. فالحملة الرقمية، مهما بلغت قوتها، لم تصنع من العدم الفقر والبطالة واليأس والرغبة في الهجرة. كما أنـهـا ال تعفي السلطات املغربية واإلسبانية مــن مـراجـعـة الـثـغـرات األمـنـيـة وســـوء تقدير حجم الـــتـــعـــبـــئـــة، وال تــســتــبــعــد دور شـــبـــكـــات الــتــهــريــب واألطــــراف املحلية الـتـي ربـمـا وجـــدت فـي اإلشـاعـة فرصة لتحقيق أرباح أو تصفية حسابات. الـقـضـيـة إذن لـيـسـت اخـــتـــيـــارًا بـــ تفسيرين مــتــعــارضــ : أزمـــــة اجـتـمـاعـيـة عــفــويــة أو مـؤامـرة خـــارجـــيـــة كـــامـــلـــة. األرجـــــــح أنـــنـــا أمــــــام تــــداخــــل بـ أسباب اجتماعية حقيقية وشبكات تهريب وثغرة قانونية جرى تحريف معناها، ثم منظومة رقمية عابرة للحدود عملت على تضخيم هذه العناصر وتحويلها إلى حركة جماعية متزامنة. والضحايا في النهاية ليسوا حراس الحدود وال الـحـكـومـات وحـــدهـــا، بــل املــهــاجــرون أنفسهم. فـالـشـاب الــــذي يُــدفــع إلـــى الـبـحـر بــنــاء عـلـى مقطع مــجــهــول املـــصـــدر أو وعــــد كــــاذب لــيــس جــنــديــا في مـــعـــركـــة ســـيـــاســـيـــة، بـــــل إنـــــســـــان جــــــرى اســـتـــغـــ ل يأسه وتحويله إلـى أداة. وقـد خلفت األزمـــة قتلى ومـفـقـوديـن ومـشـهـدًا إنـسـانـيـا قـاسـيـا، بينما بقي املــحــرضــون خـلـف الــشــاشــات بـعـيـديـن عـــن الخطر واملحاسبة... وينبغي إلسبانيا واملغرب االنتقال من حراسة السياج وحده إلى مراقبة املجال املعلوماتي املحيط به، عبر آلية مشتركة لإلنذار املبكر تتابع املحتوى مـــتـــعـــدد الــــلــــغــــات، وتـــصـــحـــح ســـريـــعـــا الــــتــــأويــــ ت املـــغـــلـــوطـــة لــــلــــقــــرارات الـــقـــانـــونـــيـــة، وتـــحـــفـــظ األدلـــــة الرقمية، وتتواصل مع املنصات إليقاف الحسابات التي تنشر تعليمات تعرّض حياة الناس للخطر. وال تستطيع شركات التكنولوجيا االختباء وراء حيادها عندما تتحول خدماتها مـن فضاء لـلـتـعـبـيـر إلــــى بــنــيــة لـلـتـنـسـيـق املـــيـــدانـــي. فـحـريـة الـتـعـبـيـر ال تـشـمـل نـشـر خــرائــط الــعــبــور الـخـطـرة، وتحديد نقاط التجمع، وإغراء الشباب بمعلومات مضللة يمكن أن تقودهم إلى املوت. إن أخــطــر مـــا تـكـشـفـه أزمــــة سـبـتـة هـــو انـتـقـال خــ فــات املــغــرب الـعـربـي مــن الـبـيـانـات السياسية والحدود املغلقة إلى الهواتف والخوارزميات. لقد دخـلـت املنطقة زمـنـا ال تـبـدأ فيه األزمـــات عند الحدود، بل داخل غرفة دردشة. وما جرى في سبتة إنذار بأن حماية السيادة لم تعد تعني فقط نشر الجنود وأجـهـزة املراقبة، وإنما أيضا كشف التدخل الخارجي، وحماية الشباب من التضليل، ومـنـع تحويل الفقر والـيـأس والـرغـبـة فـي الهجرة إلى ذخيرة في صراع سياسي. Issue 17418 - العدد Thursday - 2026/8/6 اخلميس لـكـل حـــدث عـمـقـه، وسـطـحـه؛ وآيـــة ذلـــك أن الـحـروب بوصفها من الذروات القصوى القادرة على تغيير حركة الــتــاريــخ هــي الــتــي صــاغــت كــل شـــيء عـلـى الـنـحـو الــذي نعيشه، وسنعيشه إلى األبد. ومـــا كــانــت الــحــرب نــــزوة عـاطـفـيّــة تـخـضـع ملعايير املـحـبّــة، أو الكراهية، فهي ليست ضمن أنـمـاط الرغبة، وال من طموحات املستقرّين، بل تتداعى قـــرارات شَنِّها على غرار التقاء أعواد الكبريت، لتبدأ املالحم الصغرى، أو الــكــبــرى، ثـــم تـتـجـه األمـــــور نـحـو آفـــــاق تُـــعـــرف حـــدود أثرها باملعنى العمومي، وإنما نتائجها الدقيقة تبقى مؤجلة لحني تفتّق املشهد عن حيويّة تفاوضية، أو غلبة عسكرية، أو تجدد األحالف اإلقليمية، والعاملية. وما نشهده اآلن في هذه الحرب املتشابكة واألدوار اإلقـــلـــيـــمـــيـــة ال يــخــتــلــف كـــثـــيـــرًا عــــن تـــلـــك الـــــحـــــروب الــتــي خضناها مباشرة بالتدخل العسكري، أو غير املباشر؛ بالدعم اللوجستي، بما فيه املادي، والسياسي. لكن مع حوْمة النقاش وحيْرة املحللني الكثر على املـنـصـات واملـنـابـر تستبني لـنـا مـ حـظـتـان أساسيتان برأيي: أوالهــمــا: إن التحليل املـكـثّــف طغى عليه التفسير األداتـــي للحرب، ولـم يتجاوزه إلـى ما هو بعد؛ من هنا أقـتـرح أن نستعير مـن الفيلسوف الفرنسي جيل دلـوز مـفـهـومـه «عــمـــق، وســـطـــح» وهـــو ال يـعـتـنـي بـالـسـيـاسـة، ومــا طــرح املفهوم ألجــل بـعـد سياسي، ولكنني أرى به مـــدخـــ للتفكير األشـــمـــل، فــالــحــرب هـــي سـطـح وقـشـرة ألمــر عميق، يصح ذلـك حتى على الـحـروب القديمة في الــشــرق، والـــغـــرب، بينما لــو فككنا الـعـمـق لعثرنا على دمامل التاريخ املتفسّخة تدفع باتجاه االعتداء املستمر، وتكراره، وبل التربية على معاودات النزال، والقتال من أجل القتال. ثانيتهما: صحيح أن السطح شـــارح بــارع ومفيد لفهمنا اليومي، ولكن االقتصار عليه في تفسير أي حرب يجعل النظرية التحليلية أكـثـر نقصانا، ليس ســرًا أن الحروب مع العراق، والقلق الذي عاشه اإلقليم معه منذ قـرن تقريبا ليس هدفه الشق العسكري فحسب، وإنما أيـضـا الـجـوانـب األخــــرى، لـذلـك أثـنّــي على قــول األسـتـاذ محمد الرميحي في مقالة له نشرت بهذه الجريدة تحت ... ذاكــــرة ال يـجـوز أن تشيخ» 1990 عـــنـــوان: «أغـسـطـس ومــمــا قــالــه لــ جــيــال الـــجـــديـــدة: «الـــقـــيـــادة الــعــراقــيــة في ذلـك الـوقـت أخـذهـا الصلف والـغـرور إلـى حسابات ثبت سريعا أنـهـا كـانـت كـارثـيـة. لـم يكن أحــد مـن أهــل الحكم في العراق وقتها، كما قرأنا الحقا في مذكراتهم، قادرًا على أن يناقش ما يتخذه صدام من قرارات، تلك صفات الـديـكـتـاتـوريـة، فـقـام بـغـزو بـلـد جـــار، ومـسـالـم، وشعب لم يتأخر عن نصرة القضايا العربية، وأعتقد أن األمر يمكن أن يصبح حقيقة سياسية يقبل بها اآلخـرون مع مرور الوقت. ورافق هذا شن حرب إعالمية شعواء ضد الكويت ودول الخليج كانت شرسة، وظاملة». يـنـايـر (كــانــون الـثـانـي) املــاضــي كـتـب عماد 31 فــي الـديـن الـجـبـوري فـي جــريــدة: «إنـدبـنـدنـت عـربـيـة» مــادة حول «توينبي عندما يكتب عن العرب واإلسالم» يشرح ذلك بقوله: «يدحض توينبي (نظرية البيئة) التي تنص على أن للبيئة أثرها وتأثيرها في تكوين الحضارات، فالجو واملــاء واملكان الجغرافي تعتبر األركــان األسـاس والــدافــع الحقيقي لطبيعة التغيرات الـحـضـاريـة». يرد تـويـنـبـي قـــائـــ ً: «حــقــا إن ظــــروف الـبـيـئـة املـتـشـابـهـة في واديــــي الـنـيـل والــرافــديــن أتــاحــا مجتمعات وحــضــارات مــتــشــابــهــة، لـــكـــن كـــيـــف نــفــســر عـــــدم وجــــــود مـجـتـمـعـات وحـــــضـــــارات مــتــشــابــهــة فــــي وديـــــــان أخـــــــرى، مـــثـــل وادي ريوغراندي، ونهر كولورادو». يمكن اعتبار التنافي الصامت بني جهات العروبة -كــل ضمن انطالقه وتاريخه الـخـاص- جــزءًا مـن العمق الـــذي أشـــرت إلـيـه، وهــو عمق مملوء بالنفي، أو إعـ ن التفوّق سرًا أو علنا، وهذا الذي علينا االنتباه له ساعة التعليق على االشتباكات الدوريّة التي تحمل على دول الخليج الكثير مـن األطــمــاع، والـفـوقـيّــة أحـيـانـا، وبرغم محاوالت حكماء الخليج أن ينهوا هذا الجرح التاريخي، غير أن اآلثـار الذاكريّة سرعان ما تتفوّق على خطابات التنمية، والعقل. الـخـ صـة؛ إن التجديد فـي نمط التحليل للحدَث الجديد -أيا كان- بات ضروريا، وذلك بغية الخروج من دوّامـــة التكرار. نعم؛ إن تعبئة الفراغات بكالم عمومي تُــخـرج املـتـابـع كما دخــل مـن دون إشـعـال جـــذوة ســؤال، أو نـــحـــت مــــشــــروع جـــــــواب، وهــــــذه مـــســـؤولـــيـــة املـحـلـلـ االستراتيجيني الذين لم يقصّروا بالظهور، والحضور، ولـــكـــن ال بــــد مــــن تـــغـــذيـــة الــــقــــول بـــمـــســـتـــوى مــــن الـــوعـــي بـاملـجـتـمـع، والـــتـــاريـــخ، وثــقــل املـــــوروث الــقــديــم، هـــذا هو التحدّي الحالي؛ أن نفهم الحدث بعمقه وسطحه معا. عندما استعاد الجيش السوداني والقوات املشتركة منطقة جبرة الشيخ في كردفان أواخر الشهر املاضي، لم يكن أكثر املشاهد تأثيرًا هو حجم الـدمـار العسكري، بل ما حـل باملستشفى الـــرئـــيـــســـي فــــي املـــنـــطـــقـــة. فـــقـــد خـــــرج املـسـتـشـفـى تـــمـــامـــا عــــن الـــخـــدمـــة، بـــعـــد أن تــــعــــرّض ألعـــمـــال التدمير والنهب والتخريب التي لم تسلم منها غـــرف العمليات وال عـنـابـر األطــفــال وال املـرافـق الـحـيـويـة. وتـحـولـت مـنـشـأة، يـفـتـرض أن تكون مـــــ ذًا لــلــمــرضــى، إلــــى ثــكــنــة عــســكــريــة ومــخــزن للسالح، قبل أن تُترك خرابا ليُحرم آالف املدنيني من أبسط حقوقهم في الرعاية الصحية. لـــم يـكـن هـــذا املـشـهـد اســتــثــنــاءً، بـــل امــتــداد لنمط تـكـرر فـي مناطق عـديـدة دخلتها «قــوات الـــدعـــم الـــســـريـــع» خــــ ل الـــحـــرب. فــمــا زالــــت آثـــار الـــدمـــار مـاثـلـة فــي الــخــرطــوم والــجــزيــرة وأجـــزاء واســعــة مــن دارفــــور وكـــردفـــان؛ حـيـث استهدفت املـــرافـــق الــخــدمــيــة والــبــنــى الـتـحـتـيـة واألســـــواق واملـنـازل، لتتجاوز آثـار الحرب ساحات القتال، وتمتد إلى حياة املدنيني ومستقبل املجتمعات. يصعب النظر إلــى هــذه الـوقـائـع بوصفها أضرارًا جانبية للحرب، فهي تتسق مع ما يُعرف بسياسة «األرض املحروقة»، وهي استراتيجية تقوم على تدمير املـوارد واملنشآت ملنع الخصم من االستفادة منها. غير أن هذه االستراتيجية تفقد أي مبرر عسكري عندما تُوجَّه ضد املدنيني ومصادر حياتهم، إذ تتحول من تكتيك حربي إلــى وسيلة للعقاب الجماعي والـتـرهـيـب، وقد ترقى، حسب ظـروف كل حالة، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد اإلنسانية. ولذلك، ال يقتصر أثر هذا النمط من التدمير عـــلـــى املـــبـــانـــي، بــــل يــمــتــد إلـــــى املــجــتــمــع نـفـسـه. فعندما تُحرق املنازل، وتُنهب األسـواق، وتُدمَّر املستشفيات واملــدارس، ال يصبح الهدف مجرد السيطرة على منطقة، وإنما جعلها غير قابلة للحياة، ودفع سكانها إلى النزوح القسري، بما يفتح الـبـاب أمــام تغييرات ديموغرافية طويلة األمـــــد. وقــــد شــهــد الــــســــودان، ال سـيـمـا دارفـــــور، نـمـاذج مـؤملـة لـهـذا الـنـوع مـن املـمـارسـات؛ حيث ارتبط إحــراق القرى بتهجير جماعات سكانية كاملة. إلـــــى جـــانـــب ذلــــــك، تــــــؤدي ســـيـــاســـة األرض املــــحــــروقــــة وظـــيـــفـــة نــفــســيــة ال تـــقـــل أهـــمـــيـــة عـن وظــيــفــتــهــا الـــعـــســـكـــريـــة. فـــالـــغـــايـــة لـــيـــســـت فـقـط الــســيــطــرة عــلــى األرض، وإنـــمـــا الــســيــطــرة على اإلرادة. فعندما تنتشر صـــور الــقــرى املحترقة واملــســتــشــفــيــات املــــدمــــرة واألســـــــــواق املــنــهــوبــة، يصبح الخوف نفسه سالحا. ويغادر املدنيون مــنــاطــقــهــم قـــبـــل وصــــــول املـــهـــاجـــمـــ ، فـيـتـحـقـق الــهــدف مــن دون قـتـال يُــذكــر، ألن الــرعــب يسبق القوة املسلحة. كما تترك هذه السياسة آثـارًا بعيدة املدى على النسيج االجتماعي، فإعادة إعمار املباني قـــد تـــكـــون مــمــكــنــة، لــكــن إعــــــادة بـــنـــاء الــثــقــة بني املجتمعات أكثر صعوبة. ومع استمرار النزوح والتهجير القسري، وتعطل الخدمات، وانهيار الــــنــــشــــاط االقـــــتـــــصـــــادي، تــتــعــمــق االنـــقـــســـامـــات االجـــتـــمـــاعـــيـــة، ويـــصـــبـــح الـــتـــعـــافـــي أكـــثـــر تـكـلـفـة وتعقيدًا. وال يــقــف أثــــر هــــذه الــســيــاســة عــنــد تـمـزيـق الــنــســيــج االجـــتـــمـــاعـــي، بــــل يــمــتــد إلـــــى تـعـطـيـل فـرص التعافي بعد انتهاء الحرب. فحني تُدمَّر املستشفيات واملدارس وشبكات املياه والكهرباء واألســـــــواق واملــــصــــارف، تـصـبـح عـــــودة الـسـكـان إلى مناطقهم محفوفة بالصعوبات، حتى بعد تـوقـف العمليات الـعـسـكـريـة. فـغـيـاب الـخـدمـات األساسية وسُــبُــل كسب الـــرزق يؤخر استئناف الـحـيـاة الطبيعية، ويطيل أمــد الــنــزوح، ويزيد تكلفة إعـــادة اإلعــمــار، لتظل آثـــار الـحـرب ماثلة لسنوات بعد أن تصمت املدافع، ويصبح التعافي نفسه من ضحايا سياسة األرض املحروقة. ويــــحــــظــــر الـــــقـــــانـــــون الـــــــدولـــــــي اإلنــــســــانــــي استهداف األعـيـان املدنية أو تدميرها مـن دون ضـــرورة عسكرية، كما تحظر اتفاقيات جنيف والــبــروتــوكــوالت املـلـحـقـة بـهـا تـجـويـع املـدنـيـ وتـدمـيـر مــصــادر حـيـاتـهـم. وتــؤكــد آلــيــات األمــم املتحدة أن االنتهاكات الجسيمة لهذه القواعد قـــد تـشـكـل جـــرائـــم حـــــرب، بـيـنـمـا قـــد تـــرقـــى، إذا ارتـــبـــطـــت بـــاســـتـــهـــداف جـــمـــاعـــة مــــحــــددة بـقـصـد تدميرها كليا أو جزئيا، إلى جرائم أشد خطورة وفقا للقانون الدولي. وفــــي هــــذا الـــســـيـــاق، وثـــقـــت تـــقـــاريـــر أمـمـيـة ومـنـظـمـات دولــيــة مستقلة انـتـهـاكـات جسيمة نُـــســـبـــت إلـــــى «قـــــــوات الــــدعــــم الــــســــريــــع»، شـمـلـت الـقـتـل والـتـعـذيـب والـعـنـف الجنسي والتهجير الــقــســري واالضـــطـــهـــاد عـلـى أســـس عــرقــيــة. كما خلصت الواليات املتحدة إلى أن الهجمات التي استهدفت قبيلة املساليت في غرب دارفور ارتقت إلى مستوى اإلبادة الجماعية، في حني وصفت األمـم املتحدة ما جرى في الفاشر بأنه «وصمة عار على ضمير اإلنسانية». لكن، حتى من منظور سياسي بحت، فإن ســيــاســة األرض املـــحـــروقـــة تـحـمـل فـــي داخـلـهـا بـذور فشلها. فالقوة قد تفرض سيطرة مؤقتة عــلــى األرض، لـكـنـهـا ال تــكــســب والء الــســكــان. وعلى العكس، فإن تدمير املنازل واملستشفيات واألســــــــواق وتـــجـــويـــع املـــدنـــيـــ يـــرســـخ مـشـاعـر الـــعـــداء، ويــقــوض أي إمـكـانـيـة لـبـنـاء شـرعـيـة أو قبول اجتماعي. ومـا يُهدم في أيـام يحتاج إلى سنوات طويلة إلعادة بنائه، أما الثقة التي تُفقد بفعل هذه الجرائم فقد ال تعود أبدًا. ولـــهـــذا، فـــإن أخــطــر مــا فــي سـيـاسـة األرض املحروقة ليس حجم الدمار الذي تخلّفه، بل األثر الذي تتركه في مستقبل املجتمع والدولة. فهي ال تكتفي بتخريب الحاضر، وإنما ترهن املستقبل لدورات جديدة من الكراهية واالنقسام، وتجعل السالم أكثر بُعدًا، حتى بعد أن تصمت املدافع. فالتدمير قد يكون سهالً، أما إعادة بناء اإلنسان والثقة والوطن فهي املهمة األصعب. التدمير قد يكون سهال أما إعادة بناء اإلنسان والثقة والوطن فهي المهمة األصعب التجديد في نمط التحليل للحدَث الجديد أيا كان بات ضرورياً... وذلك بغية الخروج من دوّامة التكرار فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني عبد هللا ولد محمدي OPINION الرأي 14 ما وراء سياسة األرض المحروقة تشخيص الحرب بين «العمق والسطح» سبتة... الحدود التي اخترقتها الهواتف قبل المهاجرين دخلت المنطقة زمنا ال تبدأ فيه األزمات عند الحدود بل داخل غرفة دردشة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==