الثقافة CULTURE 17 Issue 17414 - العدد Sunday - 2026/8/2 الأحد مائة عام على ميلاد صاحب «أنشودة المطر» قصيدة «أتذكر السياب»... بين درويش والنقاد رافقني في رحلتي الطويلة منذ منتصف الستينات قرطاس بالٍ، ربطت صفحاته وغلافه الورقي الأخضر المتهرئ بخيط. وعثرت عليه، وأنا أدون ملاحظاتي عن الظاهرة الشعرية في أجزاء، يظهر أولها عن «دار الشروق» هذا العام. واستغربت أن يكون رفيقي في رحلتي بين البلدان هذا القرطاس المـتـآكـل. كـانـت مجموعة ملاحظات دوّنـتـهـا فـي منتصف الستينات على ، وكانت القصيدة 1960 هامش ديوانه «أنشودة المطر» الذي ظهر في عام .»1954 التي منحت عنوانها للديوان قد ظهرت في مجلة الآداب «يونيو كنت حينذاك وأنــا عاكف على تلك المـاحـظـات مـحـررا للصفحات الأدبية الفقيرة نسبيا في جريدة «أبناء النور» الأسبوعية بعهدة رئيس تحريرها سمير علي الدليمي، الذي زاملني في كلية التربية «دار المعلمين العالية من قبل». كانت الجريدة التي تصدر عن جمعية المكفوفين قد أقامت الذكرى » في قاعة الشعب. وعدا ما 1965 السنوية الأولى لرحيل السياب «ديسمبر قدّمه محمود العبطة المحامي، وعبد الجبار البصري، ليس هناك ما يعطي .1969 السياب حقّه. كان كتاب الدكتور إحسان عباس عنه قد ظهر عام وكـــان الكتاب بمثابة الــدراســة المثلى والإحــاطــة الجلّى لتعالق شعر السياب وحياته. ولــــم أشـــعـــر بـــالاكـــتـــفـــاء، وبـــقـــي حـــضـــور الــســيــاب مـــؤرقـــا، شـــاهـــده ذلــك الــقــرطــاس الــــذي أتـهـيـب مـــن تـقـلـيـب صـفـحـاتـه، حـتـى الــتــســاؤل فـــي معنى بعنوان «الشعر العربي: جادات 2006 حضوره. وبرغم ظهور كتابي سنة القدامة والحداثة» عن دار روتلج البريطانية - الأميركية، الذي ترجمته دار توبقال بعنوان «مسارات القصيدة الحديثة»، لم أشعر أنه استوفى حقه. كانت قصيدة محمود درويش «أتذكر السياب...» هي الأكثر إيحاء بما كان يؤرقني ويراوغني على مر العقود. كان درويـش قد وضعها في ديوانه «لا تعتذر عما فعلت». والقصيدة عـــلـــى قـــصـــرهـــا تــمــســك بــالــهــويــة الـتـي كـابـد الـسـيـاب ليمسك بها في غربته: «ليس سوى العراق». ومــــفــــتــــاح الـــقـــصـــيـــدة هــــــذا يــقــود إلـــى نـسـيـج الـقـصـيـدة السيابية الـــــتـــــي لا تـــــرتـــــوي وتــــنــــضــــج مــن دون «الفضاء الـسـومـري»، حيث جيكور وبويب، وشناشيل ابنة الـــجـــلـــبـــي، وكـــــل مــــا يـــمـــتـــزج عـنـد السياب موسيقى ولونا وصورة وجذلا يختلط فيه حزن البحارة، وبــكــاء الأطـــفـــال، وشــبــاك وفيقة. وهذا النسيج ما كان له أن يبقى نابضا وحيّا لولا غربته ومنفاه. يقول درويش مخاطبا شاعره: ّأتذكر السياب، في هذا الفضاء السومري ًتغلبت أنثى على عقم السديم وأورثتنا الأرض والمنفى معا وتــأتــي الـقـصـيـدة بـمـا يربك الحاضرة الشعرية العربية، فهي «لازمـــــــة» درويــــــش الـــتـــي يعلنها مــــرة لـيـخـفـيـهـا مـــــرات، لأنــــه يــرى أن هذا العذاب، واللون واختلاط الـــــــــحـــــــــواس، وتــــــــداخــــــــل الـــــصـــــور وحـــركـــتـــهـــا وغــــــــزارة إيـــحـــاءاتـــهـــا الـــشـــعـــوريـــة تـــتـــوالـــد فــــي أحــســن الـــقـــصـــائـــد الـــســـيـــابـــيـــة كــعــراقــيــة مــنــبــتــهــا لا يـــكـــون إلا فــــي أرض سومر: أتذكر السياب. إن الشعر يولد في العراق فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي! وعـــمـــق قــصــائــد الـــســـيـــاب الأثــــيــــرة يــغــيــب عــنــدمــا يـــكـــون الــنــقــد رهــانــا آيديولوجياً، لأن هـذه القصائد، كما يختزلها درويـــش، تقول: «إن الشعر تجربة ومنفى». لا تجد فيه قـرارك ومستقرك، ومنفاك. وكل قصيدة تولد في صاحبها منفى يتجدد باستمرار، لأن «جيشان» العواطف التي تخيل الرومانسيون يسر ظهورها شعرا سيرورة دائمة. وغاب ذلك عن نقاد ودارسين أرادوا الإحاطة بالسياب. ومنهم من بحث في حضور تي إس إليوت في شعره. وأهمل آخرون شغفه بلوركا وخلطه الشعري للأحاسيس. لكن هذه لا تعني كثيرا من دون «شعرية السياب»، أي تلك الموهبة والحساسية الشديدة إزاء جيكور وبساتين أبي الخصيب. كانت مـهـادات القصيدة السيابية هـنـاك، ولأنـهـا كذلك مـهّــدت لمـا سيدركه الرسامون والنحاتون العراقيون كجواد سليم من لـزوم الانشداد إلى تلك التربة الحاضنة. ومن المتداول حضور إليوت شعرا ونقدا في المشهد الخمسيني، وتوالي الترجمات لقصائده، ولا سيما «الأرض الخراب» و«الرباعيات». ولم تغب مقالاته، ولا سيما «التراث والموهبة الفردية» عن السياب ومجايليه. لكن هذه تعمل محفزات لتأكيد أمر وإغفال آخر. وهي تكثر صورا عند البياتي مثلاً، حتى إني وجدته الأكثر أخذا من تي إس إليوت في دواوينه اللاحقة. » قد قدمت ترجمة ودراسة DeYoung - كانت الأستاذة «تري دي يانغ لقصيدة الـسـيـاب: أنــشــودة المـطـر. وتلتها دراسـتـهـا لـه فـي كـتـاب بعنوان .)1998( » «تـوطـن الشاعر: بـدر شاكر السياب وعـــراق مـا بعد الاستعمار وأهم ما في دراسة دي يانغ في حينه هو لفت الانتباه إلى تركيب القصيدة الـذائـعـة، حيث تشغل أغنية الـبـحـارة المـهـجّــرون اضــطــرارا مـــرآة تتعاكس وتتداخل مع الصور الأخـرى، وبضمنها استدعاءات الطفولة لصورة الأم التي غيّبها الموت وأغرق ثراها المطر. كانت القصيدة شجنا ولوعةً؛ لكنها خففت مـن عــبء عـذابـهـا، بما يمكن أن يـأتـي بـه الـرعـد مـن خـطـوب وتمرد وهيجان لا ينتهي إلا بتغيير الحال واستعادة العراق. د. محسن الموسوي بدر شاكر السياب محمود درويش فيكتوريا زاريتوفسكايا: الرياضيات والشعر سر جمال لغة الضاد أثناء إعدادي لأسئلة هذا الحوار، فوجئت بابتعادك اللافت > عن الإعلام حتى أنه لا يكاد يوجد لك حوار صحافي واحد، لماذا وهل الأمر متعمد؟ - بـــشـــكـــل عــــــــام، فــــــإن ظــــهــــور الـــبـــاحـــثـــن الـــلـــغـــويـــن والمترجمين في الإعــام محدود جـداً، ومـن عـادة المترجم أن يكتفي بالبقاء خلف الكاتب والنصوص؛ إنه وسيلة، جسر يصل الثقافات ببعضها بعضاً، وعمله التقني غير مرئي للأغلبية، فالقارئ يريد أن يعرف ما كتبه الكاتب، ولا شـأن له بعملية الترجمة، والصعوبات التي تواجه المُترجم في عمله، وله الحق في ذلك. وفي ظروف قليلة يحمل المترجم على عاتقه الترويج للأدب الذي ينقل عنه، وقد حدث معي أن شاركت أحيانا في برامج تلفزيونيّة ثقافيّة في قنوات مثل «الجزيرة» و«روسـيـا الـيـوم»، فضلا في قنوات روسية للحديث عن الأدب الــعــربــي والـتـرجـمـة مــن لـغـة تــعــد نــــادرة بالنسبة للوعي الروسي العام. هــل تعتقدين أن الـظـهـور الإعــامــي يـتـعـارض مــع جدية > الباحث وصرامته؟ - لا يــــوجــــد تـــنـــاقـــض مـــبـــاشـــر بــــن الــــدقــــة الـعـلـمـيـة والـتـغـطـيـة الإعــامــيــة، ولــكــن عمليا هــنــاك خــافــا عميقا فـي الأسـالـيـب والأهــــداف والآفــــاق، البحث العلمي الجاد يتطلب الـشـك، فـي حـن تتطلب وسـائـل الإعـــام الحديثة الثقة، كما يـدوم العلم لعقود، بينما لا تـدوم الأخبار إلا لأيام أو ساعات. لا أعتقد أن الـظـهـور الإعــامــي يـتـعـارض مـع جدية بـاحـث الإنـسـانـيـات بـشـرط أن يــركّــز الــحــوار عـلـى تقديم الشخصية ضـمـن تجربتها فــي اسـتـيـعـاب ثـقـافـة الآخــر وفــهــمــهــا، وتـفـنـيـد الأنـــمـــاط الــفــكــريــة الــخــاطــئــة، بمعنى ألا يــكــون الــظــهــور الإعـــامـــي لـلـبـاحـث مـــن أجـــل مناقشة الجوانب التفصيلية في عمله، بل الـذهـاب إلـى الجوهر والغوص فيه. متى بدأت علاقتك باللغة العربية؟ > - نشأت وأنا أجهل تماما وجود عالم عربي ومحيط ثقافي عربيّ، فنظام التعليم المدرسي الروسي يتمحور حـول الثقافة الوطنية وبعض الثقافات الأوربـيـة. هكذا بــقــي الــعــالــم الـــعـــربـــي، بـلـغـتـه وأدبـــــه غــائــبــن عــنــي حتى التحاقي بالجامعة. ولشد ما كان ذهولي كبيرا حين شاهدت اسمي في قائمة طلاب اللغة العربية، فتحديد اللغة الأجنبية كان اعتباطيا في جامعتي وليس اختيارياً، وكانت مفاجأة مـا خـطـرت على بـالـي أبـــداً. لـذلـك؛ أعتقد أن العربية هي التي اختارتني وليس العكس. وإنــــــي لأتــــذكــــر جـــيـــدا لــحــظــة مــامــســتــي الـــقـــامـــوس العربي - الروسي الذي اشتريته في اليوم نفسه، فتحته على الصفحة الأولـى لحرف «أ» ولم أفهم لمـاذا لا تبتدئ كلمتا «أذربيجاني» و«أذربيجانية» بالحرف نفسه! إذ إنني لم أكن أعرف بعد اتجاه القراءة بالعربيّة. أمــا الـعـاقـة الـجـديّــة بالعربيّة فـبـدأت بعد سنة أو سنتين من ذاك، أي حين راحت مطالعتي للعربية تتلمس طريقا غير طـريـق الــدراســة وحـفـظ الــــدروس، لا مـن أجل النجاح فقط، بل للتمتع بالعبارات والتراكيب والمعاني، والتأثر جماليا وفكريا بالقراءة كما لو أنني أقرأ بلغتي الأم، فـأفـهـم الــنــكــات الـعـربـيـة وأضــحــك لـهـا وربــمــا أقــوم بابتكارها أيضاً. هل العربية لغة سهلة أم صعبة من منظور روسي بحت... > خصوصا أنك تدرّسينها لغير الناطقين بالعربية؟ - مــــوضــــوعــــيــــا، هـــــي لـــيـــســـت مـــــن الــــلــــغــــات الــســهــلــة لـــلـــدراســـة لــكــثــرة قـــواعـــدهـــا الــنــحــويــة وبـــحـــر مــفــرداتــهــا، إنـهـا للمجتهدين فـقـط. والاجـتـهـاد فيها هـو خير صفة لـلـمـسـتـعـربـن، وســــر فــرحــتــهــم، فــمــع الاجـــتـــهـــاد وتـــراكـــم الخبرة، خطوة بعد خطوة، تتضح لك هذه اللغة ويتفتح منطقها العجيب. والعربية مقترنة بالرياضيات؛ كونها نظام إشارات فــي الـنـحـو، وبـالـشـعـريـة فــي الــعــبــارات والـتـراكـيـب، فهي لمـــن يـمـيـل إلــــى الــريــاضــيــات ويـتـحـمـس لـلـشـعـر مــعــا. إن كـنـت تتعلمين الـعـربـيـة وأنــــت ضعيفة فــي الـريـاضـيـات، فـلـن تـتـذكـري وتفهمي تـصـريـف الأفــعــال، وإن لــم تحبي الشعر، لن تفهمي أن يُقال: توسع توسعاً، أو أخذ أخذاً، بــدل تـوسـع وأخـــذ فـقـط؛ لـن تتقبلي مثل هــذه الـعـبـارات، وستلغيها من عقلك ولسانك. إنـــه لـسـر دفـــن، شـــيء يشبه المـعـجـزة أن تـــروق هـذه اللغة الأجنبية لشخص ولا تـــروق لآخـــر. ومــن المـعـروف أن موهوبين كبارا مثل الكاتب الروسي ليف تولستوي والمـخـرج أنـدريـه تاركوفسكي أقبلا على دراســة العربية ولكنهما تراجعا عنها لاحقاً. لـــك اهـتـمـام نــقــدي خـــاص بـالـشـاعـر الـعُــمـانـي أبـــو مسلم > البهلاني... ما السر وراء هذا الاهتمام؟ - أتــخــصــص فـــي مـــجـــالات ومـــواضـــيـــع عــــدة بــــدءا من نظرية اللغة وحتى الأدب العربي المعاصر وأعتقد أنها تسهِم في الترجمة. لا شك أن هناك كثيرا من الاتجاهات والأسـمـاء تستحق البحث والترجمة لم نقترب منها في روسيا. فالاختيار واسع وصعب أمام المستعربين الروس. فيما يـخـص الـبـهـانـي، أعــتــرف بـأنـي وجــدتــه لُقية لـــم أتـــــوان عـــن الإمـــســـاك بــهــا. قـــــرأت عـــن حــيــاتــه وأفــعــالــه ومــحــاســنــه الــكــثــيــرة ولمـــســـت ضـــــــرورة فـــي الــكــتــابــة عنه بـالـروسـيـة، وعـــرض مثاله لـلـقـارئ الــروســي عبر أفعاله الإنسانية ونشاطه التنويري. لقد لامس عاطفتي وليس اهتمامي الفكري فقط. ، ألا تعتقدين أنك تظلمين 1920 لكن البهلاني توفي عام > الأجيال اللاحقة في الشعر العماني حين توقفت أبحاثك في هذا الحقل عند تجربة اكتملت قبل أكثر من مئة عام؟ - بـــالـــعـــكـــس؛ فـــتـــجـــربـــة الـــبـــهـــانـــي بـــاقـــيـــة لــــم تــغــب، ويمكنني القول إنه أثّر كثيرا في تحديد الهوية العمانية المــعــاصــرة ودمــــغ صــوتــه فــي أجــيــال مــن المـثـقـفـن وعــامّــة الشعب، وليس اعتباطا أن تـدرجـه منظمة «يونيسكو» ضمن الشخصيات المؤثرة عالميا لما قدمه من إرث فكري وأدبي سيبقى أثره لأجيال لاحقة. أمّا الشعراء والكتّاب العمانيون الآخرون، فلا أشك بقدراتهم الإبداعيّة، وأتمنى أن يضمهم مشروع ترجمي كبير نأمل أن يتحقق. ترجمت إلـى الروسية أكثر من عمل لنجيب محفوظ، لا > سيما روايتي «رحلة ابن فطومة» و«أولاد حارتنا»، لماذا برأيك لم ينتشر الأدب العربي في مرحلة ما بعد نجيب محفوظ في روسيا على نحو قوي؟ - لـــســـوء الـــحـــظ؛ فـــروســـيـــا لا تـــدخـــل ضــمــن الــبــلــدان الأوروبية حيث ترجمة الأدب العربي المعاصر أمر مألوف والقيام به ضــروري لمعرفة العالم المحيط، لا سيّما بعد .1988 نيل نجيب محفوظ جائزة نوبل عام الــحــالــة الـــروســـيـــة فـــي الــتــرجــمــة مـــن الــعــربــيــة تشبه محرّكا تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي، ولا نرى ما يشير إلى استعادة عمله. اليوم، نعدّه فتحا لو ترجمنا كتابا عربيا واحدا في السنة وروجنا له. شيء كئيب؛ فلا مشروع مستدام يجمع المترجمين المستعربين الروس في عمل كبير ترعاه الدولة، ولا مبادرات عربية لتقديم الأدب العربي للروس، والمبادرات الشخصيّة تصطدم بشروط وخطط دور النشر الـروسـيّــة التي لا تلتفت إلـى المشرق العربي. كـــل مـــا تـرجـمـتـه مـــؤخـــرا كـــروايـــة «فـرنـكـشـتـايـن في بغداد» لأحمد السعداوي، ورواية «سيدات القمر» لجوخة الـحـارثـي (صـــدرت فـي طبعتين) قـد تنبّهت إليهما دور النشر الروسية بعد أن تُرجما إلـى الإنجليزية وصعدا إلــى قـوائـم المسابقات الإنجليزية أو فـــازا بـهـا، لــولا هذا الصعود لما وجدتا طريقهما إلى الروسية. إلــــى جــانــب نـجـيـب مــحــفــوظ، تــرجــمــت روايــــتــــي «عــمــارة > يـعـقـوبـيـان» و«شـيـكـاغـو» لـعـاء الأســـوانـــي الـــذي يـــرى كثير من المثقفين أن أعـمـالـه تعتمد عـلـى حبكة مـشـوقـة لكنها تخلو من العمق، حسب انتقادات عدّة، كيف ترين الأمر؟ - أعتقد انـه أدب من نـوع آخـر، يتمتع بحبكة شيقة وأجــــواء محلية، كما يعطي شيئا ذا قيمة، مثل معرفة خـصـائـص الــعــاقــات الاجـتـمـاعـيـة المـصـريـة وتـحـولاتـهـا المــعــاصــرة والـــظـــروف الــتــي يـتـشـكـل فـيـهـا وعـــي الـشـبـاب ومظاهر التطرف... إلخ. قـــد يـــكـــون الأمـــــر كــمــا أشــــــرت بـالـنـسـبـة لــلــعــرب، أمّـــا هـنـا فـقـد لاقـــت روايــــة «عــمــارة يـعـقـوبـيـان» صـــدى جـيـداً؛ إذ تـــعـــرض مـــصـــر مــــن الــــداخــــل لـــأجـــانـــب، وقــــــــراءة هـــذا العمل موصّى به للمستعربين المختصين في الدراسات السياسية والاجتماعية. من هم الأدباء العرب الذين أثاروا إعجابك وتتمنين ترجمة > أعمالهم إلى الروسية؟ - ترجمت لكتّاب مصريين، وقليل من كتّاب الجزيرة العربية، وهي منطقة أدبيّة مجهولة عندنا رغم أهميتها، فــهــنــاك مــثــا أدب يُــكــتــب فـــي الــســعــوديّــة مــتــطــور ومــغــر للترجمة، على سبيل المـثـال لا الحصر روايـــة «الــحــزام» لـــلـــروائـــي أحـــمـــد أبـــــو دهــــمــــان، وروايــــــــة «مــــــوت صـغـيـر» لمحمد حسن عـلـوان، فمثل هـذه الأعـمـال التي تنسج من ميثولوجيا المنطقة وتاريخها، ممتعة للقارئ الروسي ومثرية معرفياً. لعلك لاحظت أن العقل الثقافي العربي لا يــزال، إلـى حد > مـا، متوقفا عند مرحلة الكلاسيكيات فـي الأدب الـروسـي، مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف... ما السبب برأيك وراء عدم تعرف القارئ العربي بشكل متعمق على الأجيال التالية من الأدباء الروس؟ - بـالـفـعـل الأدب الـكـاسـيـكـي يــحــوز نـصـيـب الأســـد مـن حـركـة الترجمة مـن الـروسـيـة إلــى الـعـربـيـة؛ وذلـــك لما يـنـطـوي عليه هـــذا الأدب مــن قـيـم إنـسـانـيـة خــالــدة. ومـع ذلك، فترجمة الأدب الحديث غير غائبة تماماً، بما فيها الترجمة المدعومة من معهد الترجمة بموسكو. إنها مشكلة بنيوية تنبع من عوامل عدّة، منها غياب الدعم الحكومي. فخلال الحقبة السوفياتية، كـان هناك بـرنـامـج حـكـومـي قـــوي ورصـــن لترجمة الأدب الـروسـي (والسوفياتي) إلى العربية. تولّت هذه المهمة دور نشر متخصصة أبرزها (رادوجـا والتقدم). كان هذا جزءا من استراتيجية جيوسياسية كـبـيـرة لتوسيع الـنـفـوذ في الشرق الأوســـط. كما بلغت أنشطة الترجمة ذروتـهـا في الفترة ما بين الستينات والثمانينات، عندما وفـد آلاف الـطـلـبـة مــن ســوريــا ومــصــر والـــعـــراق ولـبـنـان وفلسطين لـلـدراسـة فــي الـجـامـعـات الـسـوفـيـاتـيـة. وقـــد شـكّــلـوا كنزا ثمينا من المترجمين. يتضاءل اليوم عدد طلاب العلوم الإنسانية من الدول العربية في روسيا، وتختزل كثير من الحكومات مِنحها الدراسية على المجالات التقنية. الآن، ولكي نقيم منصة حقيقية للترجمة بين اللغتين، لا بد من تضافر الجهود بين العرب والروس، والبدء في وضع استراتيجية جادة طويلة الأمد يتولاها مختصون من كلا الجانبين. فيكتوريا زاريتوفسكايا عــلــى مـــــدار ثـــاثـــن عـــامـــا، تـمـتـد رحـــلـــة المــســتــعــربــة الــروســيــة فيكتوريا زاريتوفسكايا مع اللغة العربية. وقد بـدأت بحدث غير متوقع وخـارج عن السياق في المرحلة الجامعية، ثم شرائها أول قاموس عربي - روسـي، حيث أخـذت تنظر بدهشة لحروف غير مألوفة ستكتب ملامح مصيرها في المستقبل. ترجمت إلـى الروسية من كلاسيكيات الأدب العربي روايتين لنجيب محفوظ، هما «رحـلـة ابــن فطومة» و«أولاد حـارتـنـا»، كما ترجمت لعلاء الأسواني «عمارة يعقوبيان» و«شيكاغو»، أما من الأجيال الجديدة فنقلت «فرنكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي و«سيدات القمر» لجوخة الحارثي. وفيكتوريا زاريتوفسكايا مـعـروفـة بصرامتها الأكاديمية وجديتها اللافتة وظهورها الإعلامي النادر، فضلا عن تعمقها في أسـرار لغة الضاد وجمالياتها عبر بحوث ودراســات علمية. هنا حوار معها: المستعربة الروسية تقول إن العربية اختارتها ووقعت في غرامها القاهرة: رشا أحمد الحالة الروسية في الترجمة من العربية تشبه محرّكا تعطّل مع سقوط الاتحاد السوفياتي
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky