issue17414

مــعــروف للجميع أن اقـتـصـاد جـنـوب أوروبـــا عاين تحولا لافتا منذ أزمة الديون السيادية، خلال العقد الماضي، غير أن طفرة النمو في إسبانيا لا تزال تحطم أرقاما قياسية جديدة؛ إذ قفز ناتجها المحلي الإجمالي السنوي حديثا ليتجاوز نظيره فـــي كـــوريـــا الــجــنــوبــيــة، وتــنــضــم الـــبـــاد بــذلــك إلــى «نــــادي الـتـريـلـيـونَــي دولار». كـمـا أن نــمــوَّهــا بـات يــفــوق مــعــدلات دول مـجـمـوعـة الـسـبـع، وتـراجـعـت البطالة إلـى أدنــى مستوياتها منذ يناير (كانون . والسؤال الآن: هل ينبغي القلق؟ ففي 2008 ) الثاني نهاية المطاف، كانت المـرة الأخيرة التي بـدت فيها آفـاق البلاد مشمسة بهذا الشكل، مدفوعة بفقاعة عقارية غير مستدامة، وانفجرت حينها بتبعات دراماتيكية. وتــبــدو البهجة الإسـبـانـيـة أقـــل هـشـاشـة هـذه 2.6 المــرة. وإذا كانت إسبانيا تتوقع نموا بنسبة في المائة هذا العام، مما يضعها على قدم المساواة مع مكاسب كوريا الجنوبية، المتفائلة والمدفوعة بطفرة الـذكـاء الاصـطـنـاعـي، فــإن ذلــك لا يـعـود إلى قطاع واحــد تضخم بشكل مفرط (فـأبـرز صــادرات إسبانيا السيارات والمنتجات الغذائية الزراعية، ولـيـسـت الـتـكـنـولـوجـيـا). بــل إن المــحــرك الأســاســي هـو النمو السكاني الناتج عـن العمالة المهاجرة، خـصـوصـا أن الــبــاد تسير عـكـس الــتــيــار، مقارنة بـالـنـزعـات الـقـومـيـة المـنـاهـضـة للهجرة فــي أمـاكـن أخــــــرى، مــتــخــذة إجـــــــراءات مــثــل تــســويــة الأوضـــــاع الجماعية للمهاجرين، التي منحت تصاريح إقامة لأكثر من مليون وافد غير شرعي. وحـــســـب الأرقــــــــام، قــفــز عــــدد ســـكـــان إسـبـانـيـا مليوناً 36 مـلـيـون نـسـمـة، مـقـارنـة بــــ 50 إلـــى قــرابــة قبل نصف قــرن، فـي أكبر زيـــادة مئوية بـن الــدول الــخــمــس الـــكـــبـــرى فـــي الاتــــحــــاد الأوروبـــــــــي، حسب ويـــلـــيـــام تــشــيــســلــيــت، مــــن مــعــهــد «ريـــــــال إلـــكـــانـــو» للأبحاث. ويعني هذا المزيد من العمال، والمزيد من الإنفاق، والمزيد من العائدات الضريبية. فـي المـائـة مـن نمو الوظائف 80 ويُــعـزى نحو إلى الزيادة في المواليد 2022 في إسبانيا منذ عام الأجــــــانــــــب، حـــســـب رافــــائــــيــــل دومـــيـــنـــيـــك، الــخــبــيــر الاقــتــصــادي فــي بـنـك «بـــي بــي فــي إيــــه». أمـــا المـيـزة الأخـــرى فتكمن فـي ازدهــــار قـطـاع الـسـيـاحـة، الـذي في المائة من الاقتصاد، وحطّم أرقاما 13 يمثّل نحو قـيـاسـيـة هـــذا الــعــام مــع تـجـنّــب المـسـافـريـن منطقة الشرق الأوسط التي تمزقها الحروب. وتـسـتـمـر الأجـــــواء الإيــجــابــيــة فـــي جـــذب رواد الشواطئ، رغـم أن التأخيرات على حـدود الاتحاد الأوروبـــــــــي والمـــــوجـــــات شــــديــــدة الـــــحـــــرارة سـتـمـثّــل تـحـديـات حقيقية. والأهــــم مــن ذلـــك أن هـــذا الطلب المتزايد جرى استيعابه، دون التسبب في تضخم جـــامـــح؛ إذ تـسـاعـد شـبـكـة الــطــاقــة المـعـتـمـدة بـقـوة على الطاقات المتجددة في حماية المستهلكين، من صدمة الطاقة الناجمة عن حرب إيران. وتُــعـد كـل هـذه المعطيات إيجابية، خصوصا لمـنـطـقـة الــــيــــورو، الــتــي تــتــوق إلــــى الــنــمــو فـــي وقــت يتعطّل فيه المحرك الاقتصادي الفرنسي والألماني. ومــن الــنــادر فـي أوروبــــا أن تسمع مـن يتحدث عن الهجرة الجماعية بوصفها نعمة، لكن هذا بالفعل الوصف الـذي يطلقه بعض الإسـبـان، على التدفق الأخير للوافدين من أميركا اللاتينية. وتـــــبـــــدو مـــــزايـــــا الـــــبـــــاد كــــذلــــك أقـــــــل عـــرضـــة للمضاربة، مقارنة، على سبيل المثال، باختناقات أشباه الموصلات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، التي تغذّي اقتصاد كوريا الجنوبية، وتضاعف أســــعــــار أســــهــــم شــــركــــات الــــرقــــائــــق الإلـــكـــتـــرونـــيـــة لــديــهــا. وبــفــضــل هــــذا الــنــاتــج المــحــلــي الإجــمــالــي الـــقـــوي، أصــبــح مــن الـسـهـل عـلـى حـكـومـة الأقـلـيـة بقيادة رئـيـس الــــوزراء بـيـدرو سانشيز، مقاومة انـتـقـادات الـرئـيـس الأمـيـركـي دونــالــد تـرمـب، وإن كان تقاعس مدريد عن الإنفاق الدفاعي في حلف شـمـال الأطـلـسـي (الــنــاتــو)، وموقفها الأكـثـر لينا تجاه قبول الاستثمارات الصينية لا يروق دائما للعواصم الأوروبية الأخرى. ومـــع ذلـــك، يبقى الـــســـؤال: مــا مـــدى اسـتـدامـة هـذا الوضع على المـدى الطويل؟ اليوم، أصبحت الــضــغــوط عـلـى المــــــوارد، مـثـل الإســـكـــان، واضـحـة بــالــفــعــل، مــمــا يــشــيــر إلــــى أن كــثــافــة الـــهـــجـــرة قد تحتاج إلى التراجع. وتصف صحيفة «إلبايس»، مليون نسمة، لكن 50 إسبانيا بأنها بلد يضم مليونا فقط. كما 40 بنيته التحتية مخصصة لــ في المائة 3 أن الاستثمار العام كان دون مستوى من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي؛ أسوأ من متوسط الاتحاد الأوروبي. وتشعر كثير من الأسر الإسبانية بأنها أسوأ حالا اليوم، مما .2022 كانت عليه في عام وحتى لو لم تشهد البلاد رد فعل عنيفا على غــــرار «بــريــكــســت»، فـقـد اكـتـسـب حـــزب «فــوكــس» المــــنــــاهــــض لـــلـــهـــجـــرة مــــقــــاعــــد فـــــي الانــــتــــخــــابــــات الإقليمية، وقد يساعد ذلك في إعـادة اليمين إلى السلطة. وتتزايد الضغوط للإنفاق أكثر من أجل حل المشكلات الهيكلية، مع اقتراب انتهاء التمويل السخي الـــذي قـدمـه الاتــحــاد الأوروبـــــي. يُــذكـر أن إسبانيا كانت ثاني أكبر مستفيد منها، وأمامها لتقديم 2026 مـهـلـة تـنـتـهـي بـنـهـايـة صـيـف عـــام طلباتها النهائية للحصول على تلك الأموال. هنا تكمن ميزة اقتصاد كوريا الجنوبية. فقد تمكّنت هذه الدولة الآسيوية من رفع الإنتاجية، محققة عائدا أكبر من القوى العاملة على أساس الساعة، وسيتعي على مدريد أن تحذو حذوها فـي نهاية المــطــاف. يتحدث الــــوزراء الإســبــان عن تـــحـــول «عــمــيــق» فـــي الاقـــتـــصـــاد خــــال الــســنــوات الأخيرة، بما في ذلك ظهور شركات التكنولوجيا الناشئة فـي العاصمة الـتـي تـجـذب المستثمرين الأثــــــــريــــــــاء. لــــكــــن آنـــــــا أنـــــــــــــدرادي مـــــن «بـــلـــومـــبـــرغ إيكونوميكس» تشير إلى أن الإنتاجية الإجمالية كانت متفاوتة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الإسباني بشكل أقل إثـارة للإعجاب على أساس نـصـيـب الـــفـــرد مـــقـــارنـــة بـالـنـمـو الإجـــمـــالـــي، وهــو ما يكفي لتجاوز اليابان، ولكنه لا يــزال متأخرا بشكل ملحوظ عن كوريا. وعلى أسـاس الساعة، هـنـاك فـجـوة مستمرة مـع ألمانيا وهـولـنـدا ودول الشمال الأوروبي. وعـــــلـــــى مـــــا يـــــبـــــدو، بـــــــــدأت إســــبــــانــــيــــا تـــــدرك إمكانات الذكاء الاصطناعي في هذا الصدد، مع تخصيصها أمـــــوالا حـكـومـيـة لــاســتــحــواذ على مليون دولار في شركة «أوبـن 130 حصة بقيمة شــيــب» لـصـنـاعـة الــرقــائــق الإلــكــتــرونــيــة ومـقـرهـا برشلونة -التي يصفها المؤيدون بأنها «إنفيديا الكاتالونية»- وتتطلّع إلى توسيع مراكز البيانات بفضل انخفاض تكلفة الكهرباء فيها. إلا أن هذا لن يُحدث تغييرا جذريا بمفرده. يتطلّب تبني التكنولوجيا من قِبل الصناعات والمستهلكين قفزة نوعية لسد الفجوة المستمرة فــي الـحـجـم والابــتــكــار بــن الـشـركـات الإسبانية ونــظــيــراتــهــا الأوروبـــــيـــــة. ويـنـطـبـق الأمـــــر نفسه عـلـى الاسـتـثـمـار فــي بنية تحتية أفـضـل لجذب فـي المائة 70 المـواهـب، مـع بلوغ تكاليف السكن من الأجـور في مدريد وكاتالونيا. وربما يُمكن أن يكون قطاع السياحة بمثابة ساحة اختبار لـقـوى عـامـلـة أكـثـر كــفــاءة وإنـتـاجـيـة، ســـواء من خلال التوصيات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو تسجيل الوصول الآلي في الفنادق، أو روبوتات التنظيف. لطالما كـان أداء إسبانيا الاقتصادي مـــثـــالا عــلــى فـــكـــرة أنــــه «لا ذكـــــاء اصـــطـــنـــاعـــي، لا مــشــكــلــة». ومــــع ذلـــــك، فـــإنـــه عــلــى المـــــدى الـبـعـيـد، ستُقدّم كوريا الجنوبية نموذجا أمام الأوروبيين عليهم أن يحتذوه. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» Issue 17414 - العدد Sunday - 2026/8/2 الأحد اعــــــتــــــادت صــــحــــافــــة «فــــلــــيــــت ســـــتـــــريـــــت»، بــتــســمــيــتــه الـتـاريـخـيـة، تسمية الـصـيـف «مــوســم الــســخــافــات»؛ فمع دخــــول الــبــرلمــان عـطـلـتـه الـصـيـفـيـة، واخــتــفــاء الــــــوزراء في إجازاتهم، كان مراسلو اللوبي يغتنمون بدورهم فرصة الــراحــة، فتضطر الصحف إلــى مــلء المـسـاحـات بالغرائب التي منحت الموسم اسمه. واليوم تبدلت الحال، وشاع بين مراسلي وستمنستر تعبير: «لا راحة للأشرار». فالأعوام الأخيرة حملت في الصيف انتخابات عامة، وصـراعـات على الـزعـامـة، واسـتـقـالات لـرؤسـاء حكومات، وحروبا خارجية، وأزمات اقتصادية ودستورية. ولا يزال قدماء مراسلي اللوبي يذكرون أغسطس (آب) شهرا هادئاً، يغتنم فيه المراسل السياسي الفرصة لقضاء إجازته مع أسرته. اليوم أصبح العكس هو الصحيح. فــالــحــكــومــة لا تـــدخـــل عــطــلــة صــيــفــيــة، بـيـنـمـا يغفو الــــبــــرلمــــان، وتـــغـــيـــب فــــي نــــومــــه الــــرقــــابــــة الــــتــــي تـتـطـلـبـهـا الديمقراطية البرلمانية. العطلة البرلمانية تقليد قـديـم؛ فـالـنـواب يحتاجون إلى الراحة، كما أن أعمال دوائرهم لا تتوقف. لكن السلطة التنفيذية تعلمت، في عصر الأخبار المتصلة والتلفزيون ومواقع التواصل والمناسبات الوزارية المعدة بعناية، كيف تستغل الـفـواصـل الطويلة الـتـي تغيب خلالها المساءلة البرلمانية. كان البرلمان في الماضي هو الجمهور الأول للحكومة. يعلن الــوزراء سياساتهم في مجلس العموم، فتواجههم المـعـارضـة فـي الـحـال. وفــي شـرفـة الصحافة كــان مراسلو الـــلـــوبـــي يــســتــمــعــون، ثـــم يـــدقـــقـــون روايــــــة الــحــكــومــة عبر مصادرهم السياسية، قبل تفسير أحــداث اليوم لصحف المساء وطبعات اليوم التالي. وكانت شرفات العامة تمتلئ بمن جاءوا لسماع مناقشات تمس حياتهم. كــان الـبـرلمـان أولاً، ثـم تأتي الصحافة مـن بـعـده. أما اليوم فيبدو أن الترتيب انعكس. دخـول التلفزيون، البرلمان غيّر طبيعة العلاقة. ولم يعد السياسي يخاطب زمـــاءه فـي المجلس فحسب، بل ملايين المشاهدين. وأصبحت الصورة والعبارة المقتضبة تنافسان الحجة البرلمانية. لكن العملية لم تتوقف عند هذا الحد. فالوزراء يعلنون اليوم سياساتهم في مواقع خارج الـــبـــرلمـــان، وتــصــبــح الـخـلـفـيـة المـــخـــتـــارة بـعـنـايـة جــــزءا من الرسالة، قبل أن تنقلها الكاميرات والمقاطع القصيرة إلى الناس، وقبل أن تتاح للنواب فرصة مساءلة الوزير عند .)Despatch Box( صندوق المراسم لـم يعد رئـيـس الــــوزراء يتحدث إلــى الأمـــة عـن طريق البرلمان، بل صار، على نحو متزايد، يتحدث إلى الأمة من فوق البرلمان. ولا يـقـتـصـر ذلـــك عـلـى الـسـيـر كـيـر ســتــارمــر؛ فحتى انتقال السلطة إلــى أنـــدي بيرنهام جــرى خـــارج البرلمان، فـي دلالـــة على مــدى ابتعاد مـركـز السلطة السياسية عن المــجــلــس. لــقــد أصـــبـــح ذلــــك أســـلـــوب الــعــمــل فـــي الـسـيـاسـة الحديثة. وتعلم الـــوزراء وزعـمـاء المعارضة وقـــادة الأحـــزاب أن الجمهور الأثـمـن لـم يعد بـالـضـرورة مجلس الـعـمـوم، بل مشاهد التلفزيون، أو حامل تليفون الجيب. وأصبحت المعركة السياسية تدار من خلال زيارات معدة، وإعلانات مضبوطة، ومقاطع قصيرة، أكثر مما تدار في المناقشات البرلمانية. ولم يعد المجلس دائما هو الجمهور الأول. ولا يعني ذلـــك امـتـنـاع الـــــوزراء عــن مخاطبة الـنـاس مباشرة؛ فمن واجب الحكومات أن تشرح سياساتها. إنما السؤال هو: هل ينبغي أن يسمع البرلمان القرارات المهمة أولاً؟ وقـــد ضـــاق رئـيـس مجلس الـعـمـوم، الـسـيـر ليندسي هويل، مرارا بالوزراء، بمن فيهم رؤساء الحكومات، الذين يعلنون السياسات الكبرى خـــارج المجلس قبل عرضها على النواب. وتوبيخاته العلنية ليست دفاعا عن تقاليد وستمنستر أو عـن كـرامـة الـنـواب، بـل عـن مبدأ دستوري أساسه أن الــوزراء مسؤولون أولا أمـام البرلمان المنتخب، وأن للنواب حـق مساءلتهم ومناقشتهم قبل أن تتحول مبادرات الحكومة إلى مواد للتسويق السياسي. لـــكـــن الـــبـــرلمـــان يـــتـــحـــول تـــدريـــجـــيـــا إلـــــى جـــمـــهـــور بـن جماهير متعددة، وأحيانا لا يكون حتى أولها، خصوصا في العطلة الصيفية. فلا أسئلة لرئيس الـوزراء، واللجان الـبـرلمـانـيـة مـتـوقـفـة، وتـقـل إحــاطــات الـلـوبـي فــي داونـيـنـغ سـتـريـت إلـــى مـــرة واحــــدة أسـبـوعـيـا. وتـــواصـــل الحكومة عملها، بينما تتناقص الرقابة الديمقراطية. ولا تـنـتـهـي الــفــجــوة بـنـهـايـة الـعـطـلـة الـصـيـفـيـة؛ إذ تعقبها مؤتمرات الأحزاب، فلا تستعيد الرقابة البرلمانية إيقاعها الكامل إلا بعد أسابيع طويلة. وهذا أمر ينبغي أن يقلق الجميع، بصرف النظر عن الحزب. فالمسألة لا تقتصر على الحكومة العمالية، بل تشمل المحافظين أيـضـا؛ لأنها تحول تدريجي فـي مـيـزان القوة بين السلطة التنفيذية والبرلمان والسلطة الرابعة. وتسعى الـحـكـومـات إلـــى مـخـاطـبـة الـنـاخـبـن مــبــاشــرة، مـتـجـاوزة النقاش البرلماني، وكذلك الدور التقليدي لمراسلي اللوبي فــي تفسير مــا يــجــري داخــــل وسـتـمـنـسـتـر، لا مــجــرد نقل الرسائل الوزارية. قــد يـبـدو الاتــصــال المـبـاشـر أكـثـر ديـمـقـراطـيـة عندما يخاطب الزعيم السياسي الناس بلا وسيط. لكن الاتصال ليس هو المساءلة؛ فالكاميرا تسجل ما يختار الوزير أن يـقـولـه؛ أمــا الـبـرلمـان فيطالبه بـالإجـابـة عـن الأسـئـلـة التي يفضل تجنبها. ولا تــــقــــوى الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة عـــنـــدمـــا تــــتــــاح لـلـسـلـطـة التنفيذية فترات طويلة من الرقابة المحدودة. وقد يرحب الـــــوزراء بـحـريـة الـحـكـم بــا مـقـاطـعـة، لـكـن الـبـرلمـان وجـد تحديدا لكي يقاطعهم. وهنا تتضاعف أهمية السلطة الرابعة في مساءلة السلطة التنفيذية، كلما غابت الرقابة البرلمانية. بقي مـن مغالطات أنيس فريحة في ادعــائــه جـهـل الـعـربـي المـسـلـم بالمسيحية الـشـرقـيـة وبـالمـسـيـحـيـة الـغـربـيـة مغالطة واحدةٌ، وهي المغالطة الرَّابعة. هـــذه المـغـالـطـة هــي قـولـه إن «الـعـربـي رأى فـــي المـسـيـحـيـة الـغـربـيـة أســلــوبــا في الحكم يخالف النَّظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها، ولهذا أشاح ببصره عنها». فـــي دراســــــة أخـــــرى لــــه، نــشــرهــا بعد تـسـعـة أشــهــر مــن نــشــره لــدراســتــه «الـفـكـر الـــعـــربـــي: مــشــكــلــتــه» فـــي المــجــلــة نـفـسـهـا، مـجـلـة «الأبــــحــــاث»، حـــن عـــرض الـنـظـريـة السّنية في أسلوب الحكم، لم يقل بأنَّها قائمة على نظرية ثيوقراطية في أسلوب الحكم، لا تاريخا ولا فقهاً. النَّظرية الشيعية هي التي رأى أنَّها قائمة على النظرية الثيوقراطية حين قدم عرضا لها. فــفــي مــقــدمــة عـــرضـــه لـــهـــا، قـــــال: «هــم يــــرفــــضــــون مـــبـــدأ الانــــتــــخــــاب والإجـــــمـــــاع، ويقولون بالتعيين الإلهي». وفي خاتمة الـعـرض، قــال: «هــذا الـنَّــوع مـن الحكم هو مجسم الحكم الثيوقراطي الإلـهـي، وهو نقيض الديمقراطي. الأول يستمد الوحي مـــن الـــلـــه، والـــثـــانـــي يـسـتـمـد سـلـطـتـه من الشعب». هــــذه الــــدراســــة الأخــــــرى الـــتـــي أشـيـر إليها، هي دراسته «مفهوم الديمقراطية عــــنــــد الــــــــعــــــــرب»، المــــــنــــــشــــــورة فــــــي مــجــلــة ، شهر يونيو 2 ، العدد 4 «الأبحاث»، السنة .1951 (حزيران)، عام للحكومة الثيوقراطية أو الدينية أو الإلهية سمعة في غاية السوء في تيارات الـفـكـر الـعـربـي. وسمعتها السيئة كانت شواهدها مستمدة من تجربتها الطويلة في التاريخ المسيحي في عصوره الدينية. فعلى سبيل المـثـال، عـدد من المثقفين والـــســـيـــاســـيـــن المـــصـــريـــن، وكــــذلــــك حـــزب الوفد، اتَّهموا في أواخر الثلاثينات وفي الأربعينيات الميلادية، جماعة «الإخــوان المسلمين» - بسبب رفعها شعارات دينية فـي المـجـال السياسي - بأنَّها تسعى إلى إقــــامــــة دولــــــة ديـــنـــيـــة وحـــكـــم رجــــــال ديــــن. ومــع أن هــذه التهمة تهمة صحيحة فـإن الجماعة أنكرتها من أيام مرشدِها حسن البنا، وما زالت تنكرها إلى يومنا هذا. الـلـذان ادعـيـا مـن الإسـامـيـن السُنّة في تنظيراتهما بأن دولة الإسلام المثلى، يجب أن تكون دولة ثيوقراطية، أبو الأعلى المـــــودودي زعــيــم الـجـمـاعـة الإسـامـيـة في باكستان والهند. ادَّعــى بهذه الوجوبية قبل تأسيسه لهذه الجماعة ومع تأسيسه لها، وبعد تأسيسه لها. وســــــيــــــد قـــــطـــــب مـــــثـــــقـــــف «الإخــــــــــــــوان المـسـلـمـن» الأكــبــر، الـــذي اهــتــدَى بتنظير المـــــــــودودي الأصــــولــــي المـــتـــكـــامـــل إلـــــى حـــد استنساخِه. وهـــــــــذا ســـــبـــــب مـــــن أســـــبـــــاب إعــــجــــاب إســـــامـــــيـــــي الــــشــــيــــعــــة فـــــــي إيـــــــــــــران وفـــــي الـعـالـم الـعـربـي بهما، وذلـــك لأن النظرية الــســيــاســيــة الــشــيــعــيــة، هـــي دون مـــواربـــة نظرية ثيوقراطية صريحة. إضــافــة إلـــى المـغـالـطـات الـتـي حوتها الــخــطــاطــة الــزمــنــيــة الــقــصــيــرة الـــتـــي أرّخ فيها أنيس فريحة لجهل العرب المسلمين بالمسيحية الشرقية والمسيحية الغربية بـحـسـب زعــمــه، حـــوت أيــضــا تـضـاربـا في معلوماتها. فهو قد قـال تعليلا للجهل المزعوم: «أضف إلى هذا أن الإسلام كان ينظر إلى المـسـيـحـيـة بـكـثـيـر مــن الــتــخــوف والــحــذر، إذ لـــــم يـــســـتـــطـــع أن يــــوفــــق بـــــن تـــصـــرف المسيحيين ومبادئ المسيحية». والـحـق أنـنـي أنــا الـــذي لـم أستطع أن أوفــق مـا بـن هــذا الـقـول وقـولـه قبله: «أن المسلم ينظر إلى جميع الأديان أنها أحط درجة من الإسلام». فـمـا دام أن المـسـلـم يـنـظـر إلـــى جميع الأديــــــــان أنـــهـــا أحـــــط درجــــــة مــــن الإســــــام، فــكــيــف يــنــظــر أو يــتــعــامــل مـــع المـسـيـحـيـة بكثير من التخوف والحذر؟! الـتـضـارب الـثـانـي، كيف يعلم المسلم أن ثـمـة تناقضا بــن تـصـرف المسيحيين الــغــربــيــن وبــــن مـــبـــادئ المـسـيـحـيـة وهــو يجهل المسيحية جهلا مطبقاً؟! فــــــإن كــــــان عـــلـــى بـــيّـــنـــة مــــن أمــــــر هـــذا التناقض، فلا بد أن يكون عليما بمبادئ المسيحية. الـــجـــمـــلـــة الأخـــــيـــــرة، جــمــلــة غــامــضــة، فـهـو لــم يــحــدد فـيـهـا وجـــه الـتـنـاقـض بين تصرف المسيحيين الغربيين وبين مبادئ المسيحية. هــــــل يـــعـــنـــي بــــهــــا الـــعـــلـــمـــانـــيـــة الـــتـــي حملها معه المستعمر الغربي إلى الشرق العثماني وإلــى مصر وإلــى بـلـدان شمال أفريقيا؟ الرجل مع أنه في تفسيره للحضارة الغربية كـان إنجيليا بروتستانتيا فإنه يـأخـذ بــدراســاتــه بالعلمانية فــي تفسير التاريخ والحضارات، ولا يتبنى التفسير الــــاهــــوتــــي المـــســـيـــحـــي لـــهـــمـــا. فـــهـــو لـيـس مـن فئة الـاهـوتـيـن الــشــوام الـتـي نابذت العلمانية بصراحة ووضوح. ثـم إنَّـــه تباهى بعلمانية الــدولــة في الـغـرب بالمقارنة مـع الإســـام، الــذي ادعـى في هذه المباهاة أن الإســامَ، كل الإسـام، لـــم يـــعـــرف فـــي تـــاريـــخـــه وعــقــيــدتــه ســوى الدولة الثيوقراطية. وهو في هذا التَّباهي يوحي للقارئ - ضمنا - بأن مبدأ فصل الدين عن الدولة مبدأ مسيحي وجزء من الديانة المسيحية! هل هو على نحو غير مباشر يشير إلـــى الـــحـــروب الاســتــعــمــاريــة الــتــي شنَّها الـــغـــرب الاســتــعــمــاري عــلــى بـــلـــدان عـربـيـة عـديـدة، فتحدث بلسان جماعته الدينية الـــخـــاصـــة، جـــمـــاعـــة «الــــفــــرنــــدز» الـــتـــي مـن مـبـادئـهـا الـديـنـيـة إدانـــــة الـــحـــرب أيّــــا كـان هدفها؟ أم هـــو يــتــحــدَّث بـلـسـان المـطـلـع على تاريخ المسيحية في عصرها الأول، فهي في ذلك العصر لا تقر مبدأ الحرب؟ وهــذان الأمـــران لا يتناقضان، فإدانة الـــــحـــــرب، أيّـــــــا كـــــان هـــدفـــهـــا عـــنـــد جــمــاعــة «الــفــرنــدز»، هـي عـــودة إلــى المسيحية في تـعـالـيـمـهـا الأصـــلـــيـــة، مـسـيـحـيـة مـــا قبل الدولة. فــالــتــعــارض بـــن المـــبـــادئ المسيحية الـتـي تنبذ الـحـرب وتنفر مـن الـصـراعـات بكافة أشكالها ظهر مع بداية القرن الرابع المــيــادي، وذلــك عندما صــارت المسيحية الدين الرسمي للدولة الرومانية في عهد الإمبراطور قسطنطين. ولـــحـــل هــــذا الـــتـــعـــارض ظــهــر مـفـهـوم «الـــحـــرب الــعــادلــة» الــــذي صــاغــه الـقـديـس أوغسطين فـي كتابه «مدينة الـلـه». وزاد فــي هـــذا المـفـهـوم وأكــمــل بـلـورتـه تـومـاس الإكويني في القرن الثالث عشر في كتابه «الخلاصة اللاهوتية». ومـنـذ ذلـــك الـتـاريـخ وذلـــك الـتَّــعـارض يزداد تفاقما وتجذراً. يضعف من هذا الافتراض، أنَّه ينفي عــــن الاســـتـــعـــمـــار مـــســـمـــاه الــحــقــيــقــي، ولا يـعـتـبـره حـــربـــا تــوســعــيــةً، ويـــعـــده مـجـرد «إطلالة» على العالم العربي! وكــــــــــــان مـــنـــتـــشـــيـــا بـــــهـــــذه الإطــــــالــــــة، وكـــأنَّـــه فـــي آن، بـروتـسـتـانـتـي إنـجـلـيـزي، وكاثوليكي فرنسي، وكاثوليكي إيطالي، وكــــاثــــولــــيــــكــــي إســـــبـــــانـــــي، وكـــاثـــولـــيـــكـــي برتغالي! ... وللحديث بقية. عادل درويش علي العميم *ليونيل لورنت OPINION الرأي 14 للثيوقراطية سمعة سيئة في الفكر العربي في وستمنستر... لا راحة للأشرار كيف تفوّقت إسبانيا على كوريا الجنوبية؟

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky