ال يوجد في بريطانيا أكثر إثارة من مباريات الــــــدوري اإلنــجــلــيــزي إال مـــا يــجــري فـــي ساحتها السياسية من أحداث، وقديمًا قال هارولد ويلسون رئيس الوزراء األسبق في الستينات إن «أسبوعًا واحدًا وقت طويل في السياسة». وقد مر أكثر من أسبوع منذ مقابلة أنـدي بيرنهام رئيس الـوزراء 20 الجديد للملك تشارلز في قصر بكنغهام في يوليو (تموز) الحالي ليتحدث بعدها ملنتظريه، الــذيــن استقبلوه بـالـحـفـاوة املـعـتـادة بالشاغلني داونينغ ستريت. وكانت 10 الجدد ملقر الحكم في في انتظار رئيس الحكومة السابع -منذ استقالة ديفيد كاميرون بعد استفتاء «بريكست»، وخروج بريطانيا من االتحاد األوروبي- قائمة طويلة من األولويات لخصها مقال في مجلة «بروسبيكت» كــتــبــه رافــــــي غــــورومــــورثــــي، الـــرئـــيـــس الــتــنــفــيــذي ملــؤســســة «نــيــســتــا» الــحــكــومــيــة املـتـخـصـصـة في االبتكار، وحل املشكالت االجتماعية. شملت الـقـائـمـة مــجــاالت مـتـنـوعـة ومتوقعة منها دفع النمو، واالستثمار، وتحفيز املشروعات الـــرائـــدة عـالـيـة التنافسية، ومـسـانـدة األقـــل قــدرة منها للحاق بـالـركـب، ودعـــم املــهــارات، والتعامل مـــع أزمــــة تـكـلـفـة الـسـكـن بــالــتــعــاون مـــع الـسـلـطـات املحلية، فضال عن التعامل مع تحديات الطاقة، والسيادة الرقمية، وضبط املوازنة العامة، وإجراء اإلصالحات الضريبية لتوفير اإليـرادات املطلوبة لإلنفاق على هذه األولويات. ومـا يلفت النظر هو قـول بيرنهام: «سننقل السلطة مـن مقر الحكم فـي ويستمنستر إلــى كل (رمز بريدي) لفعل املزيد. وبذلك سنبني اقتصادًا جــــديــــدًا، حـــيـــث ســنــعــيــد أســـاســـيـــات الـــحـــيـــاة إلـــى سيطرة عامة أقـوى». وهو ما كرره وزير الخزانة الجديد جون هيلي بحديثه الذي تضمن أولويات العمل، بما فـي ذلــك «النمو فـي كـل رمــز بـريـدي». ولنطلق على هذا «اقتصاد الرمز البريدي». وعامليًا، يشير التقرير الصادر هذا الشهر عن األمــم املتحدة ألحــدث مستجدات أهـــداف التنمية املستدامة السبعة عشر -ومـنـهـا الـهـدف الـحـادي عـشـر املـعـنـي بتنمية املـــدن واملـجـتـمـعـات- إلـــى أن هـــنـــاك عـــجـــزًا واضـــحـــ عـــن مــ حــقــة آثـــــار تـغـيـرات املناخ، واتساع فجوة البنية األساسية التقليدية، والتكنولوجية، وعجز السكن، والضغوط املفرطة على مـرافـق املــيــاه، ومــصــادر الـطـاقـة، والـخـدمـات الـعـامـة الـرئـيـسـة، خـاصـة فيما يتعلق بالتعليم، والـرعـايـة الصحية. ويشير التقرير -مستخدمًا طريقة استعراض البيانات كإشارات املرور- إلى أن خمسة من األهداف العشرة الفرعية ال بيان عنها، وال إحصاء لها يغطي التجمعات السكنية حول العالم، بما في ذلـك نظم النقل العامة، واالنتقال الحضري املستدام، واإلرث الثقافي، والطبيعي، واملـــســـاحـــات الـــعـــامـــة، والــــحــــدائــــق، واملـــتـــنـــزهـــات، والعمارة، والبنايات املستدامة. وإن كانت هناك إشارات خضراء لتحسن نسبي في سياسات إدارة الـكـوارث، والتخطيط العمراني، ونوعية الهواء، وإدارة املخلفات، ورُصد تحسن أقل في الخسائر التي يتكبدها البشر ومقوماتهم جـراء الكوارث، مع ركود في اإلسكان، والخدمات األساسية. واقترحت نائبة األمـ العام لألمم املتحدة، مُــعــجــ ت 4 الـــســـيـــدة أمـــيـــنـــة مـــحـــمـــد، مــــســــارًا مــــن لتحقيق تلك األهداف املتباطئة، واملكبوحة. يبدأ املسار باعتماد نظام متعدد املستويات للحوكمة يتضمن أولـــويـــات املـسـتـوى املـحـلـي مــن الـبـدايـة، ويـــســـانـــده املـــســـتـــوى الـــوطـــنـــي مـــن خــــ ل تنسيق السياسات، والدعم املؤسسي؛ وأن تُدعم العمليات الــتــنــفــيــذيــة بــالــتــمــويــل املـــطـــلـــوب اســـتـــنـــادًا إلطـــار تمويل التنمية الـــذي تـم إقــــراره فـي إشبيلية في ، وأهم مصادر التمويل على اإلطالق 2025 يوليو كما نعلم هي املوازنات العامة املحلية، والوطنية؛ وأن تُساند هذه الجهود بمشاركة وتنسيق أكبر من املنظمة األممية؛ وأخيرًا، وهو األهم، أن يُدرك عمليًا أن أولوية توطني التنمية هي البشر. وفــــي كـــتـــاب عـــن الـتـنـمـيـة املــســتــدامــة وأدوار الحكومات واالستثمارات الخاصة، اشتركت في تأليفه وصدر عن دار النشر «بالغريف ماكميالن»، اتـضـح بــاألدلــة حـيـويـة تـوطـ التنمية لتحقيق أهـــدافـــهـــا، خــاصــة فـيـمـا يـتـعـلـق بـمـكـافـحـة الـفـقـر، وإتاحة فرص عمل الئقة، وتوفير الخدمات العامة الــرئــيــســة، خــاصــة الـتـعـلـيـم، والـــرعـــايـــة الـصـحـيـة، والـنـظـافـة، واملـــواصـــ ت. يـأتـي ذلـــك باالستعانة بـمـنـظـومـة بــيــانــات مــحــدثــة، وحــوكــمــة منضبطة تتعاون فيها السلطة التنفيذية املحلية مع جهات الــرقــابــة عـلـيـهـا ومــؤســســات املـجـتـمـع املـــدنـــي في تحديد األولــويــات، مـع تحفيز الـحـلـول، واألفـكـار الــعــمــلــيــة، والــــدفــــع بــــاملــــبــــادرات، واالســـتـــثـــمـــارات الخاصة. وإذا كانت هذه االقتراحات متطلبة في تاريخ ، فإنها 2023 صدور الطبعة األولى من الكتاب عام الـــيـــوم أكــثــر حــرجــ فـــي االحـــتـــيـــاج إلــيــهــا، خـاصـة مـــع الـــتـــراجـــع الـــحـــاد غــيــر املــســبــوق فـــي مـنـظـومـة املــســاعــدات اإلنـمـائـيـة الــدولــيــة، والــضــغــوط التي تواجهها العديد من املـوازنـات العامة للدول إثر تفاقم أزمات الديون. ولقد مكنت املسوح امليدانية وآليات التحول الرقمي وتطبيقاته من التعرف بشكل أكثر دقة عـــلـــى أوضـــــــاع املـــعـــيـــشـــة، وتــبــايــنــهــا بــــ األفـــقـــر واألغنى، وما بينهما من متوسطي الدخل؛ كما يمكن التيقن مـنـه عـنـد فـحـص حـالـة قـاطـنـي كل رمز بريدي. فليست أوضاع ساكني بيفرلي هيلز ) الــذي كان 90210( األميركية -برمزها البريدي عنوانًا ملسلسل تلفزيوني شهير في التسعينات- كـأوضـاع املناطق األقـل دخـ في مينيسوتا، أو األفقر في بنسلفانيا. وليست الخدمات الصحية فـــي ويـسـتـمـنـسـتـر الـــراقـــيـــة فـــي لـــنـــدن كـــحـــال ما اشتكت منه سـيـدة مسنة تسكن خارجها قالت في حوار مع برنامج «صباح الخير يا بريطانيا» أن عـلـيـهـا أن تـنـتـظـر مــوعــد مـعـمـل تـحـلـيـل الـــدم لـــثـــ ثـــة شــــهــــور، وأســـابـــيـــع أخــــــرى حـــتـــى يــصــدر تقرير املعمل. فما هو حال من يعيشون في بلدان نامية أقل دخال من بريطانيا، ويعد فيها الرمز البريدي مستحدثًا، وغير مألوف، إال في أحياء ومدن بعينها أكثر رفاهًا وحظًا. إنـــــه إذن املـــيـــل األول، حـــيـــث تـــتـــم األفــــعــــال، ويعرف عموم الناس أولوياتهم، بما يلزمه ذلك مــن أن يُــمـكـنـوا مــن مـقـدراتـهـم بـتـوطـ التنمية ابــــتــــداءً، ولـــيـــس املـــيـــل األخــــيــــر، حــيــث تـكـثـر عنه أحــــاديــــث تـتـعـهـد فــيــهــا جـــهـــات مـحـلـيـة ودولـــيـــة بإيصال عوائد التنمية وممكناتها إليهم، وقليال ما تفعل. الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani األمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17410 - العدد Wednesday - 2026/7/29 األربعاء محمود محيي الدين لعنة الميليشيات فــي الـبـحـث عــن أصـــول مــا يعانيه الــعــرب اآلن مــن مــآســي الـــحـــروب املـركـبـة الــجــاريــة فــي املنطقة، تبرز دائمًا هذه امليليشيات التي تعصف باملنطقة، وحيث لقادتها سمات بعينها تفصح عن كثير من القسوة مغلفة بأفعال يُشك في أصالتها الدينية. هــي عـــادة تـأتـي مــن قـلـب طــوائــف وجــمــاعــات تشك في حصولها على النصيب الوطني الذي تستحقه ســــواء كــانــت فــي األغـلـبـيـة أو األقــلــيــة؛ فـهـي فــي كل األحوال عقدت العزم على أن تنتزع بالقوة املسلحة نصيبها من السلطة. املشاهد الحالية مليليشيات «حــــزب الـــلـــه» فـــي لــبــنــان، و«الــحــشــد الـشـعـبـي» في العراق، والحوثيني في اليمن، توضح أنهم عقدوا العزم على تمثيل دولتهم واألمة العربية والجماعة اإلســــ مــــيــــة فـــــي شـــــن الـــــحـــــرب عـــلـــى االســـتـــعـــمـــار، و«مـقـاومـة» إسـرائـيـل دون تفويض مـن الشعب أو سلطة شرعية، اللهم إال ممن عزموا على استخدام كل شعار مقدس من أجل دخول حروب مدمرة. «حماس» اقتطعت حالة خاصة تعطي لنفسها حـقـ فــي عــ قــات مــع إسـرائـيـل تحصل مــن خاللها عـلـى الـــعـــون الــــذي يجعلها تـفـصـل قــطــاع غـــزة عن السلطة الوطنية الفلسطينية، وذلك حتى قبل قيام الدولة الفلسطينية من األصل. املبدأ األسـاسـي لـدى كل امليليشيات أن تقسم األرض والسلطة الشرعية؛ و«حـزب الله» اللبناني كــان يتلذذ بأنه يمثل «الثلث املُــعَــطِــل» الــذي يمنع السلطة مـن اتـخـاذ الــقــرارات حتى تلك التي تـؤدي إلـى الـتـزامـات دسـتـوريـة. جميعها يعتمد سياسة األرض املحروقة التي ال تجعل هناك خيارات لبني الوطن إال التنازل عن كل شيء في السلطة بما في ذلك قرارات الحرب والسالم. املسافة مقطوعة دائمًا بني امليليشيات والدولة الوطنية وما لها من سيادة وحـــق شــرعــي فــي احـتـكـار امــتــ ك الـــســـ ح. أصبح األمر موضع مقايضة في إطار الخالص من الواقع املــأسـاوي بــأن تسليم الـسـ ح مـن قِبل امليليشيات يعني عملية مضنية مــن الـتـفـاوض طـويـل األجــل الـذي يضيف إلـى أعــداد القتلى والالجئني. أحيانًا يـــصـــل األمــــــر إلـــــى أنـــــه يـــحـــتـــاج إلـــــى تـــدخـــل الـــقـــوى الـعـظـمـى مــا دام أنـــه يـــؤدي إلـــى إطـــ ق أســيــر، كما تفعل عصابات الجريمة املنظمة. الـــوضـــع الـــراهـــن فـــي املـنـطـقـة الــعــربــيــة مـــا بني الدولة وسلطتها وجيشها في جانب؛ وامليليشيات في جانب آخر، جعلت من الواقع العربي رهينة في يد عناصر ال تعرف شيئًا عن «املـشـروع الوطني» الـــذي تـقـوم دول عـربـيـة بتطبيقه مــن أجـــل اللحاق بالعالم املعاصر. فكريًا، فإنهم يشكّلون خلطة بني الدين واملـذهـب والعقائد اليسارية واليمينية، كل حسب فائدته لـقـدرة امليليشيا على إخـضـاع بقية املــواطــنــ طــاملــا تــركــوا لـشـن حــــروب أبـــديـــة. الـــدول العربية الـقـائـدة والناضجة والـتـي لديها مشروع وطني شامل للرقي والنمو والتقدم بات عليها في أوقـات معقدة أن تضع في استراتيجيتها ملواجهة املـــوقـــف املـلـتـهـب أن وجــــود املـيـلـيـشـيـات جـــزء مهم من الحرب الجارية؛ ومثلها مثل إسرائيل وإيــران تمارس دورًا إلعادة تشكيل املنطقة على قدر هائل من الفوضى والدمار والدماء السائلة. الــــــدول الــعــربــيــة الـــتـــي ال تـــعـــرف املـيـلـيـشـيـات والــحــرب األهـلـيـة عليها نــزع الشرعية عـن وجـود هـــذه إلـــى خـــارج نـطـاق الــدولــة الـوطـنـيـة. مــا تقوم بـه امليليشيات مـن تهديد السلطات الشرعية في اليمن والعراق ولبنان والسودان وفلسطني يقوم على أساس من «املساندة» فيما بينها؛ وفي كثير من األحيان مارست ضربات مساندة إليران خالل الحرب الجارية ضد دول الخليج العربية، ومؤخرًا فإن الجماعة الحوثية ذهبت في غيها إلى تهديد سفن اململكة العربية السعودية ومحاولة التحكم في مضيق بـاب املندب على غــرار ما تفعله إيـران فـي مضيق هـرمـز، وتعطيل الـتـجـارة الـدولـيـة في البحر األحمر واملحيط الهندي. وليس صدفة أن هــذه امليليشيات لها عـ قـات وثيقة بالجماعات املـــتـــطـــرفـــة ســيــاســيــ وديـــنـــيـــ مــــن «الــــقــــاعــــدة» إلـــى «داعـــــــش» إلــــى «اإلخــــــــوان املــســلــمــ » وتــوابــعــهــم. زعــزعــة اســتــقــرار الــــدول الـعـربـيـة املـوضـحـة أعــ ه تفضي إلى ضرورة تقديم املساندة الكاملة للدول الوطنية الساعية إلى حماية الدولة واملشاركة في االستقرار اإلقليمي. السلطات الشرعية في اليمن والعراق ولبنان التي تدافع عن الدولة الوطنية ال تحتاج فقط إلى املــســانــدة الـسـيـاسـيـة واالقــتــصــاديــة والـعـسـكـريـة؛ وإنما أكثر من ذلك مساندتها في املعركة الفكرية الراهنة في مواجهة الجماعات وامليليشيات التي تستغلها وتبتزها وتهددها بالقول والسالح. الميل األول واقتصاد الرَّمز البريدي عبد المنعم سعيد
RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==