issue17410

تخيَّل أنَّك ذهبت إلجراء مقابلة للحصول على وظيفة، فاكتشفت أن الــذي يقيِّمك ويخاطبك ليس إنسانًا؛ بـل هو جـهـاز ذكـــاء اصطناعي. أو تخيَّل أن سـائـق عـربـة أجـــرة في بكني أو شنغهاي يستيقظ كــل صـبـاح خائفًا على مصدر رزقـــه؛ ألن حكومته -اسـتـنـادًا إلــى تـقـاريـر إعـامـيـة- منحت اإلذن لشركات عدة بتشغيل سيارات أجرة ذاتية القيادة، وأن عشرات اآلالف من السائقني مثله يعيشون القلق نفسه. في كوريا الجنوبية تقول تقارير إعلمية إن املتاجر واملــقــاهــي أمــســت تــديــرهــا «روبــــوتــــات». وأرســـلـــت أوكــرانــيــا «روبوتات» عسكرية مسلحة إلى جبهات القتال ضد القوات الروسية. وفي عدد يوم السبت املاضي نشرت صحيفة «ذا فاينانشال تايمز» البريطانية في صفحتها األولـى تقريرًا 140 حـول قيام شركات التقنية األميركية الكبرى بتسريح ألف موظف. هــــذه لـيـسـت مـــشـــاهـــد مـــن فـيـلـم خـــيـــال عــلــمــي؛ بـــل هي وقـــائـــع تــتــكــرَّر هـــذه األيـــــام بــوتــيــرة سـريـعـة تـجـعـل كـثـيـريـن يشعرون بقلق عظيم. البعض يصفُها -من باب املزاح- بأنَّها «من علمات السَّاعة»، ولكنها في الحقيقة علمات مرحلة تاريخية جديدة، تدفع البشرية خطوات سريعة إلى األمام، عـلـى نـحـو يـسـبـب اإلربــــــاك لـكـثـيـريـن والـــحـــزن آلخــريــن ممن يشعرون باحتمال تهميشهم، وفقدان مصادر أرزاقهم. في املركز مما يجري هذه األيـام، حدوث انتقال سريع ملصادر الكسب والسيطرة، من األفراد إلى خوارزميات اآللة. هـــذا االنــتــقــال لـــه وجــــه آخـــر أكــثــر خـــطـــورة؛ ذلـــك أن شـركـات الــتــكــنــولــوجــيــا الــعــاملــيــة الـــكـــبـــرى الـــتـــي قـــــادت هــــذه الـــثـــورة يــتــركــز أغــلــبُــهــا فـــي عــــدد مـــحـــدود مـــن الـــــدول الـــكـــبـــرى، على رأســهــا أمــيــركــا والـــصـــ . وأنَّـــهـــا -أي الــشــركــات- لــن تكتفي -على األرجــح- بالبقاء طويل داخـل جـدران مقرَّات مكاتبها ومختبراتها منشغلة بمشاريعها ومراكمة أرباحها. املرجّح أنَّها ستستشعر قوتها املتنامية، وبالتالي تجرؤ على مد نفوذها السياسي واالقتصادي إلى بلدان العالم كافة حماية ملصالحها، ومن خلل ذلك من املرجح أن تسعى للعب دور فـي صياغة قـواعـد أي نظام دولــي قــادم بما يخدم ويحمي تلك املصالح. غـيـر أن هـــذا -وفــقــ ملـعـلـقـ - ال يشكل تـهـديـدًا لـوجـود الـــدولـــة، وال يـعـنـي كــذلــك أفـــــول دورهـــــا. فـــالـــدول مـــا زالــــت – بـطـبـيـعـتـهـا- تـمـلـك أوراقـــــــ ال يُــســتــهــان بـــهـــا. وعـــلـــى سبيل التذكير: سـن التشريعات، وفــرض الضرائب، ووضــع قيود الـتـصـديـر. ولــعــل أبــــرز مــثــال حــديــث عـلـى ذلــــك، الـقـيـد الــذي فرضته واشنطن على تصدير بعض التقنيات الحساسة إلى الصني؛ إذ يؤكد أن الدولة -رغم كل الحديث عن صعود الشركات- ما زالت قادرة على استخدام سلطتها حني تشعر بأن أمنها القومي على املحك. مــا يتشكل إذن لـيـس إحــــاال لسلطة مـحـل أخــــرى؛ بل يمكن وصفه بأنَّه توازن قوى جديد ومعقَّد بني سلطة الدولة وتمدد سيطرة ونفوذ شركات التقنية في مختلف قطاعات الحياة. يــمــكــن فـــهـــم هـــــذه األزمـــــــة عـــلـــى مــســتــويــ مــتــرابــطــ : املستوى األول فردي: خطر أن يهمَّش اإلنسان ويفقد مصدر رزقـــه بــ ليلة وضـحـاهـا. املـسـتـوى الـثـانـي دولــــي: تنافس مــحــمــوم بـــ الـــقـــوى الـــكـــبـــرى عــلــى امـــتـــاك الـتـقـنـيـة بـهـدف السيطرة والنفوذ. الـعـاقـة بــ املـسـتـويـ وثـيـقـة؛ ألن الـصـحـة النفسية للمجتمعات املستقرة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتوفُّر فرص العمل لألفراد وتفادي ارتفاع معدالت البطالة، بما تحمله من مخاطر اجتماعية معروفة. ولكن الصورة ليست قاتمة بـالـكـامـل؛ فـالـثـورة التكنولوجية تحمل فــي طياتها كذلك حل ملعضلة ديموغرافية تعيشها كثير من الدول األوروبية واآلسيوية ممثلة في شيخوخة سكانية متزايدة، وتراجع فـي مـعـدالت املـوالـيـد، وحـواجـز سياسية أقيمت على عجل لـلـحـؤول دون سـد هــذا النقص بـالـهـجـرة. فـي هــذا السياق، ال تبدو التكنولوجيا تهديدًا خالصًا؛ بل قد تكون ضرورة تحفظ لهذه املجتمعات قدرتها على االستمرار اقتصاديًا. الـــــســـــؤال الـــحـــقـــيـــقـــي لــــيــــس: «هــــــل يـــمـــكـــن إيـــــقـــــاف هـــذا التحوُّل؟»، فهذا شبه مستحيل وسلبي في آن؛ بل: «كيف تتم إدارة االنتقال إليه بسلسة وبأقل ضرر ممكن؟». ثــمــة -فــــي رأيـــــي- ثــاثــة مـــســـارات تـسـتـحـق أن تـتـصـدر اهتمام وأولويات صنَّاع القرار: أولها وأهمها: التركيز على إعـادة تعريف مفهوم العمل ذاتـه، عبر االستثمار الجاد في إعادة تأهيل القوى العاملة املهدَّدة. وثـانـيـهـا: يـــرى خــبــراء االقــتــصــاد ضــــرورة أن تـمـارس الدول أدواتها التشريعية والضريبية؛ ال ملنع التقدم التقني؛ بل لضمان أن عوائده ال تتركز في يد قلة من الشركات، وأن جــزءًا منها يعود على املجتمعات التي تتحمل تكلفة هذا التحوُّل. وثالثها: أن يُنظر إلى التكنولوجيا الرقمية كشريك في التنمية والتقدم اإلنسانيني، وأنَّها قـادرة على توفير علج ألزمة حقيقية تتمثل في شيخوخة القوى العاملة في كثير من الدول. مــا بــ خـشـيـة الــفــرد عـلـى مــصــدر رزقــــه، وهـــي خشية مـشـروعـة وبـاعـثـة على الـقـلـق، وتـنـافـس الـــدول على النفوذ مـن خــال السعي إلــى احتكار التقنية، وحـاجـة املجتمعات الشائخة إلــى قــوى عـامـلـة، تتشكل مـعـادلـة العصر التقني الجديد. واألهم في آراء الخبراء أن من يديرها بوعي وتوازن، سيكون األوفر حظًّا في تحديد ملمح أي نظام دولي قادم. لــلــمــرة الــســابــعــة، يـلـتـقـي رئــيــس الـــــــوزراء اإلســرائــيــلــي بنيامني نتنياهو، الرئيس األميركي دونالد ترمب في البيت األبيض، خلل عام ونصف عام من إدارته الثانية، وهو عدد يفوق زيارات أي رئيس آخر، ما يعطي إيحاء بأن العلقة بني الرجلني عضوية وما بعد استراتيجية. غـيـر أن هـــذا مـــا يــبــدو فـــي الــظــاهــر، لـكـن حـقـيـقـة األمـــر قـد تـكـون مختلفة بـصـورة أو بــأخـرى، ومــع البحث املحقق واملــــدقــــق، تـتـكـشـف لــنــا مـــامـــح أخـــــرى مـــن الــــصــــورة الـكـلـيـة للعلقات الثنائية. لم يلتق نتنياهو ترمب منذ بداية العمليات العسكرية فبراير (شباط) املاضي، وقد حاول كثيرًا 28 ضد إيران، في ترتيب مثل هـذه الـزيـارة، إال أن البيت األبيض لم يجد لها متسعًا من الوقت، أو هكذا يحاول البعض رسم املشهد. تــأتــي الــــزيــــارة فـــي وقــــت يــتــراجــع فــيــه الـــدعـــم الشعبي األميركي إلسرائيل، ال سيما بني تيار الشباب، ويمتد األمر، وهنا املفاجأة التي تخيف نتنياهو، إلى بعض من القواعد االنتخابية للحزبني الجمهوري والديمقراطي. يـمـكـن الـقـطـع بـــأن املــواجــهــة الـعـسـكـريـة األمـيـركـيـة مع إيـران، قد خلفت وراءهـا العديد من التساؤالت حول أكلف الـحـرب، وليس سـرًا أن الكثير مـن املحللني السياسيني في الداخل األميركي، يلقون باللوم على نتنياهو بوصفه مَن وســـوس فــي أذن تــرمــب، بــل ربـمـا هــو مــن أقـنـعـه بـأنـه خـال أربعة أو خمسة أسابيع سوف يسقط النظام اإليراني. فــي هـــذا اإلطـــــار، بــــدأت األصـــــوات تـرتـفـع متسائلة عن جدوى التحالف األميركي - اإلسرائيلي، ومن ثم الحديث عن ضرورة ربط املساعدات األميركية إلسرائيل، بشرط االمتثال لـلـرؤيـة األمـيـركـيـة مــن جــهــة، وملـــبـــادئ الــقــانــون الـــدولـــي من ناحية أخرى، مع بدء نقاشات حول صياغة مذكرة التفاهم األمنية املقبولة مستقبل بدال من التمويل التلقائي املفتوح. يبدو لقاء نتنياهو مع ترمب مختلفًا كثيرًا جـدًا هذه املــــرة، فــاألمــر يـــتـــراوح بــ حــديــث الــشــراكــة االسـتـراتـيـجـيـة، كـعـنـوان عـريـض مــن جـهـة، وخـــافـــات مـؤجـلـة حـــول قضايا متعددة على الجانب اآلخر من شط العلقات الهائج املائج. يــواجــه كــا الـقـائـديـن تـحـديـات انـتـخـابـيـة فــي األشـهـر املقبلة؛ فمن جهة هناك االنتخابات في الداخل اإلسرائيلي الخريف املقبل، وهنا نتنياهو يـحـاول أن يثبت لجمهوره أنه الرجل الذي يتمتع بثقة الرئيس األميركي، والقادر على إشعال جذوة العلقات اإلسرائيلية - األميركية كما كانت في نفوس األميركيني وبأكبر حد. وفـــي املــقــابــل، يـتـجـه تــرمــب نـحـو انـتـخـابـات التجديد النصفي األميركية في نوفمبر (تشرين الثاني)، بعد حرب غير شعبية يعتقد كثيرون أن إسرائيل جرفته إليها، مما تسبب في توترات بني البلدين الحليفني. والـــشـــاهـــد أن قـــمـــة مــجــمــوعــة الـــســـبـــع الـــتـــي جـــــرت فـي «إيـفـيـان» بفرنسا مـؤخـرًا، بــدت نقطة مهمة على الخريطة االستراتيجية للعلقات األميركية - اإلسرائيلية، فقد تحدث ترمب بالقول: «بدوني، لن تكون هناك إسرائيل لتوجد»، ولم يوفر تعبيراته القاسية املوجهة لنتنياهو، وبخاصة حني وصفه بأنه «مجنون». هنا يمكن القول إن تباين األهداف بني الواليات املتحدة وإسرائيل لم يعد خافيًا على أحد، فبينما ترغب تل أبيب في أن تمضي العمليات العسكرية ضد إيـــران، بـدا سيد البيت األبيض وحتى وقت قريب، أكثر تفاؤال بشأن الدبلوماسية. يحمل نتنياهو بني حنايا أضلعه قلقًا كبيرًا من العديد من امللفات التي تعد واشنطن فيها ذات اليد العليا. خذ إليك على سبيل املثال، املوافقة على بيع طائرات لتركيا، وإبرام اتفاقية طاقة نووية مدنية مع اململكة 35 إف العربية السعودية، والضغط على إسرائيل للنسحاب من لبنان، واتـبـاع سياسة تـجـاه سـوريـا تنظر إليها إسرائيل بحذر نظرًا لتوجه الحكومة الجديدة في دمشق. تقطع دانا سترول، وهي املسؤولة املدنية األولى في البنتاغون، والتي عملت طويل على قضايا الشرق األوسط خلل إدارة بايدن، بـــأن «الـكـثـيـر مــن الـــقـــرارات الـسـيـاسـيـة الـتـي اتـخـذتـهـا إدارة ترمب مؤخرًا ليست بالضرورة في مصلحة إسرائيل». هل نتنياهو قادر على دفع ترمب من جديد إلى ساحة الـــوغـــى، وبــذلــك ربـمـا يـعـزز مـسـيـرتـه الـسـيـاسـيـة ويــزيــد من حظوظ إعادة انتخابه كأطول رجل يسكن مقر رئاسة الوزراء في إسرائيل؟ عـــدد مــن الـصـحـف اإلسـرائـيـلـيـة فــي الــســاعــات القليلة املاضية يؤكد أن نتنياهو يذهب إلى واشنطن وفي جعبته معلومات حول ما يعرف بـ«جبل الفأس» في إيــران، والذي تــــدور مـــن حــولــه الــــروايــــات، حــيــث ســيــؤكــد لـلـرئـيـس تـرمـب أن إيــــران قــد استبقت العمليات العسكرية بـدفـن أصولها االستراتيجية النووية هناك. األسئلة حول الزيارة كثيرة، وما يدور خلف الكواليس غـامـض ومفاجئ فـي كثير مـن األحــيــان، فهل هـنـاك قطيعة بـيـنـهـمـا أم أن األمــــر مـــنـــاورة لــحــ بــــدء عــــزف األوركـــســـتـــرا العسكرية النهائية للبلدين في مواجهة إيران؟ الليالي حبلى باملفاجآت. فـــي إدانـــــة اإلبــــاديّــــة اإلســرائــيــلــيّــة هـنـاك طريقتان متعارضتان: األولى إباديّة مضادّة، جـذرهـا قَــبَــلـي وفـحـواهـا أنّــنـا سنعرّضـ«ـهم» لإلبادة متى استطعنا، فالعني بالعني والسن بالسنّ. وفي انتظار ذاك اليوم العظيم، نشحذ ما نملك من نوايا إباديّة. أمّــا الثانية فضد اإلبــادة بإطلق، كائنًا من كان ضحاياها، وكائنًا من كان مرتكبوها، حـتّــى لـو كـانـوا مـن «أبـنـاء جلدتنا»، وتاليًا، هي ضد امتلك نوايا إباديّة من أي نوع. ولألسف فالطريقة األولــى ال تــزال، رغم كـــل شــــيء، تـحـظـى بـــقـــوّة تـــقـــزّم قــــوّة الـطـريـقـة الثانية. لـــقـــد شـــهـــدت األيّـــــــــام الـــعـــشـــرة املــاضــيــة حـــدثـــ يــقــطــعــان بـــذلـــك: فـــي بـــيـــروت تــوفّــي يـابـانـي يُــدعــى كـــوزو أوكــامــوتــو، انـتـمـى في شـبـابـه إلـــــى «الـــجـــيـــش األحــــمــــر الـــيـــابـــانـــيّ»، ونـفّــذ مـع رفيقني لـه عمليّة إرهـابـيّــة منسّقة مـــع «الـجـبـهـة الـشـعـبـيّــة لـتـحـريـر فـلـسـطـ »، فــي مــطــار الــلــد الــــذي سُــمّــي الحــقــ مــطــار بن غوريون. الراحل أوكاموتو حظي بتكريم منقطع النظير بوصفه املناضل الخارق املنحاز إلى الحق والعدل واملنتصر لفلسطني وشعبها. لــكــن قــلّــة قـلـيـلـة مــمّــن كـــرّمـــوه رووا مـــا فعله أوكاموتو ورفيقاه الـلـذان قُتل في العمليّة، وأقل منهم الذين دانوا تلك الفعلة. فحلفاؤ«نا» اليابانيّون الثلثة وصلوا ، كــــركّــــاب 1972 إلـــــى املـــــطـــــار، فــــي أحـــــد أيّــــــــام مسافرين، وهناك أخرجوا من حقائبهم قنابل يـــدويّـــة وأســلــحــة رشّـــاشـــة هــاجــمــوا بــهــا، بل تمييز، صالة املسافرين. وقد أسفر الهجوم، 26 شـخـصـ ، عــن مقتل 80 فـضـا عــن إصــابــة مـنـهـم حُــجّــاج 17 ، آخـــريـــن أغـلـبـهـم مـــدنـــيّـــون قدموا من بورتوريكو للحج في القدس. ومعروف أن «الجبهة الشعبيّة» اعتمدت األعـــمـــال اإلرهـــابـــيّـــة بـوصـفـهـا أداة سـيـاسـيّــة وإعــامــيّــة لـلـفـت انـتـبـاه الـعـالـم إلـــى القضيّة الفلسطينيّة. بيد أن األداة تلك لفتت االنتباه على نحو معاكس تمامًا ملا أرادته «الجبهة». هـكـذا أثــــارت الـعـمـلـيّــة اسـتـنـكـارًا واسـعـ في العالم، فاستجابت «الجبهة»، بعد أشهر، بــإقــالــة وديــــع حـــــدّاد مـــن مكتبها الـسـيـاسـيّ، وحدّاد أحد مؤسّسيها واملسؤول املباشر عن اإلرهـــاب. وكــان أبــرز الحجج الـــواردة تفسيرًا لقرارها أن أفعاله «مغامرة عسكريّة»، تُلحق ضـــررًا سياسيًّا بالقضيّة الفلسطينيّة، كما تـــؤدّي إلــى عـزلـة دولــيّــة مـتـزايـدة. ولــم تكتف «الجبهة» بهذا فاتّهمته بعدم التزام قـرارات القيادة، والتصرّف باستقلل عنها. وتـكـفـي املــقــارنــة لـتـبـيـان الــتــدهــور الــذي أصــــــاب الــــوعــــي الـــســـيـــاســـي لــتــلــك «الــجــبــهــة» وملناصري أفعالها على امـتـداد نصف قـرن، حـيـث أن مــا كـــان يُــــدان بـــات يُــمـجّــد، ومـــا كـان مــحــصــورًا بتنظيم حـــزبـــي صـــار جـمـاهـيـريّــ واسع االنتشار. أمّــــــــا الـــــحـــــدث الــــثــــانــــي فـــأخـــطـــر وأكــــبــــر، وهـــو انـتـخـاب خـلـيـل الـحـيّــة رئـيـسـ للمكتب السياسي لــ«حـمـاس». والحيّة لـم يـنـسَ، في كلمة ألـقـاهـا بُــعـيـد انـتـخـابـه، إعـــان أن «أوّل مــــا نــــؤكّــــده أنّــــنــــا ســنــســيــر عـــلـــى ذات الـــــدرب أكتوبر (تشرين 7 والخطى»، واصفًا عمليّة بـ«الطوفان العظيم». 2023 ) األول هذا وحفّت بالحيّة أوصـاف في عدادها «التصلّب»، ومساندته قائد الحركة الراحل يـحـيـى الــســنــوار وخـــطّـــه، والـــقـــرب مـــن إيــــران. وكان دا أن الذين استعجلوا تهنئته بالفوز كـــانـــوا «حـــــزب الـــلـــه» والـــحـــوثـــيّـــ و«جــمــاعــة اإلخـــوان املسلمني» واسماعيل قـاآنـي ممثّل طهران. لكن الحيّة يعرف أن اعتماد «ذات الدرب والـخـطـى» ال يحجب حقائق شـديـدة اإليــام عن غزّة، سبَّبها ذاك الدرب وتلك الخطى، قتل وتدميرًا إسرائيليّني، ونزوحًا متكرّرًا، وشحًّا فـي املـسـاعـدات وصـعـوبـات تعيق وصولها، في املئة من مساحة القطاع تحت 70 ووقوع ســيــطــرة الـــدولـــة الــعــبــريّــة، وهـــــزال املــشــاريــع املـطـروحـة كـحـلـول، والــدفــع اإلسـرائـيـلـي إلى تهجير الغزيّني، واستمرار أعمال القتل منذ وقـــف إطــــاق الــنــار وعــلــى رغــمــه. وهــــذا إنّــمـا يحيل الكلم عن مقاومة في غـزّة، والقول إن املقاومة تجعل الوصول «لفلسطني وللعودة أقرب»، دعابة سوداء ال تليق بقائد. إلـى ذلـك قُتل، في هـذه الغضون، معظم إخوان الحيّة في قيادة «حماس»، وانكمشت شــعــبــيّــة تــنــظــيــمــه فــــي الـــقـــطـــاع الــــــذي كــانــت تــحــكــمــه، فــيــمــا تــقــلّــص االهـــتـــمـــام اإلقــلــيــمــي والــــعــــاملــــي بــــغــــزّة بــســبــب حـــــرب إيـــــــران الــتــي اسـتـقـطـبـت االهـــتـــمـــام كـــلّـــه، وهـــــذا عـلـمـ بـــأن الـقـطـاع أبــقــي خــــارج الــتــفــاوض األمــيــركــي – اإليراني ولم تلحظه «مذكّرة التفاهم». وفضل عن انعدام أي توازن في القوى، يمعن نهج الحيّة في زيادة االختلل الفلكي ملـصـلـحـة إســرائــيــل ويـــقـــدّم، مُــدعَّــمــ بتمسّك «حـــــمـــــاس» بــــســــاح ال يــــجــــدي نـــفـــعـــ ، حــجّــة لـتـمـاديـهـا فـــي الــوحــشــيّــة طــاملــا أن مرتكبي «الطوفان» راغبون في ارتكابه مجدّدًا. وإذ يضاعف النهج إيّــاه إربــاك السلطة الوطنيّة وإضعافها، وهـي مُربَكة وضعيفة بـمـا يـكـفـي، فــإنّــه يـسـد الـطـريـق أمـــام اإلفـــادة من تحوّالت عامليّة سبق أن تراكمت لصالح الـفـلـسـطـيـنـيّــ . ذاك أن الــتــحــوّالت املــذكــورة لن تجد، والحال هـذه، ما يزكّيها ويخدمها في خطاب ينكر الخطيئة ويبدي االستعداد الرتكابها ثانيةً. لقد خـاب كـل أمـل بـأن تـراجـع «حماس» أكتوبر املُرّة، إذ آثرت التصرّف كما 7 تجربة لو أن املأساة لم تحصل أصلً، وأن ما يحصل عندنا هو االنتصار فحسب. ومن يفعل شيئًا كهذا ال يكون مناهضًا لـ بـادة، إذ يستولي عليه تــصــوّر للعالم بـوصـفـه مـــدى مفروشًا بـجـمـاجـم وعِـــظـــام، فـيـمـا يــقــود خــطــاه إنــــزال اإلبــــــادة بــأعــدائــه ولـــو اســتــدعــى األمــــر حـربـ حتّى الفناء. وهـذا الـذي يرى األمـور هكذا ال يملك مـا يميّزه عـن نتنياهو وسموتريتش وبن غفير. OPINION الرأي 12 Issue 17410 - العدد Wednesday - 2026/7/29 األربعاء وكيل التوزيع وكيل االشتراكات الوكيل اإلعالني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] املركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 املركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى اإلمارات: شركة االمارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 املدينة املنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب األولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية املوجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها املسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة ملحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي باملعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com جمعة بوكليب إميل أمين حازم صاغيّة من يصوغ مالمح النِّظام الدَّولي المقبل؟ نتنياهو ــ ترمب... شراكة استراتيجية أم خالفات مؤجلة؟ طريقتان في إدانة اإلباديّة اإلسرائيليّة

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==