issue17408

علوم SCIENCES 16 Issue 17408 - العدد Monday - 2026/7/27 االثنني تقنية «كريسبر» تفتح بابا جديدا لعالج أمراض السرطان نـــجـــح بـــاحـــثـــون بـــقـــيـــادة الــبــاحــثــة األمـيـركـيـة جينيفر دودنــــا فــي توظيف للتعرف على الطفرات Cas12a2 إنـزيـم الجينية الخاصة بالخاليا السرطانية وتـــــدمـــــيـــــرهـــــا، بــــمــــا فــــــي ذلــــــــك طــــفــــرات اســـتـــعـــصـــت طـــــويـــــ عــــلــــى الــــعــــ جــــات التقليدية. وبــعــد ســت ســنــوات مــن تتويجها بجائزة نوبل فـي الكيمياء ملساهمتها فــــي تـــطـــويـــر تــقــنــيــة الـــتـــحـــريـــر الـجـيـنـي » تعود العاملة 9 الثورية «كريسبر-كاس جينيفر دودنــا إلـى الواجهة باكتشاف جــــديــــد قـــــد يـــفـــتـــح فــــصــــ مــخــتــلــفــا فـي الحرب على السرطان. فقد نجح فريقها البحثي في توظيف إنزيم يُعرف باسم للتعرف على الطفرات الجينية Cas12a2 املـمـيـزة لـلـخـ يـا الـسـرطـانـيـة والـقـضـاء عليها بدقة عالية، بما في ذلـك طفرات اســــتــــعــــصــــت لــــعــــقــــود عــــلــــى مـــــحـــــاوالت االســــتــــهــــداف الـــــدوائـــــي وظـــلـــت تُــصــنَّــف ضمن «األهداف غير القابلة للعالج». ونشر فريقها من معهد غالدستون لعلوم البيانات والتكنولوجيا الحيوية في سان فرانسيسكو بالواليات املتحدة 8 فـي Nature نتائج الـدراسـة فـي مجلة ، التي كشفت عن 2026 ) يونيو (حزيران استراتيجية مختلفة تماما في مكافحة الـــــســـــرطـــــان؛ اذ وبـــــــــدال مـــــن اســـتـــهـــداف الـبـروتـيـنـات املسببة لـلـمـرض مباشرة يــعــتــمــد اإلنــــزيــــم عـــلـــى تــعــقــب الـبـصـمـة الـجـيـنـيـة لــلــطــفــرات الــســرطــانــيــة داخـــل الخلية. وما إن يعثر عليها حتى يطلق سلسلة من التفاعالت تؤدي إلى تدمير املادة الوراثية داخل الخلية املصابة؛ ما يدفعها إلى املوت ويمنع استمرار نمو الورم وانتشاره. الطفرات «غير القابلة لالستهداف» يعتمد الكثير من أدوية السرطان الـحـديـثـة عـلـى االرتـــبـــاط بـبـروتـيـنـات مــعــيــنــة داخـــــــل الـــخـــ يـــا الـــســـرطـــانـــيـــة لــــتــــعــــطــــيــــل نـــــشـــــاطـــــهـــــا. لـــــكـــــن بـــعـــض الـــطـــفـــرات الــجــيــنــيــة الـــخـــطـــيـــرة وعــلــى رأســـهـــا الــطــفــرات الــتــي تـصـيـب الـجـن ظـلـت عـصـيـة عـلـى الـــعـــ ج؛ ألن TP53 الـــبـــروتـــيـــنـــات الـــنـــاتـــجـــة مــنــهــا تـفـتـقـر إلــــى املــــواقــــع الـــتـــي تـسـتـطـيـع األدويـــــة التقليدية االرتباط بها. مـــــن أكـــثـــر TP53 ويُــــــعــــــد الــــجــــن الـــــجـــــيـــــنـــــات تـــــعـــــرضـــــا لـــــلـــــطـــــفـــــرات فــي السرطان؛ إذ يوجد بشكل متغير في نحو نصف حــاالت الـسـرطـان تقريبا. كما يظهر فـي نسب مرتفعة جــدًا من أورام املــبــيــض والـــبـــنـــكـــريـــاس. وعـلـى الــرغــم مــن أهـمـيـتـه لــم يـنـجـح العلماء حــتــى اآلن فـــي تــطــويــر عــــ ج معتمد يستهدف هذه الطفرات بشكل مباشر. • تـــحـــويـــل ســــــ ح بـــكـــتـــيـــري إلـــى أداة عــــ جــــيــــة. ويــــعــــود أصــــــل إنـــزيـــم إلــى البكتيريا، حيث يعمل Cas12a2 بصفته جزءًا من نظامها الدفاعي ضد الفيروسات. فعندما يكتشف اإلنزيم )RNA( الـــحـــمـــض الـــــنـــــووي الــــريــــبــــي الـــخـــاص بــالــفــيــروس يــبــدأ فـــي تدمير املـادة الوراثية داخـل الخلية املصابة؛ مــا يــــؤدي إلـــى مـوتـهـا ويـمـنـع انـتـشـار العدوى. ورأى الــبــاحــثــون أن هـــذه الــقــدرة الـــتـــدمـــيـــريـــة يــمــكــن تــوظــيــفــهــا بـشـكـل إيـــجـــابـــي إذا أمــــكــــن تــوجــيــهــهــا نـحـو الـخـ يـا الـسـرطـانـيـة فـقـط. ولتحقيق ذلـك برمج العلماء اإلنزيم باستخدام جــــزيــــئــــات تـــوجـــيـــهـــيـــة مــــــن الـــحـــمـــض النووي الريبي تمكنه من التعرف على طفرات سرطانية محددة بما في ذلك ،EGFR وطـــفـــرات جـــن TP53 طـــفـــرات إضافة إلى املستويات املرتفعة بشكل غــيــر طـبـيـعـي لـجـيـنـات مــحــفــزة لنمو .MYC السرطان مثل • رصـــــــــــــد وتــــــــدمــــــــيــــــــر الــــــخــــــ يــــــا الــــســــرطــــانــــيــــة بـــــدقـــــة. وقـــــــد اســـتـــخـــدم fluorescent الــفــريــق عـــ مـــات فــلــوريــة ملـراقـبـة نـشـاط اإلنــزيــم داخـل markers الخاليا، وتأكد من أنه ال يُفعّل إال عند الــعــثــور عـلـى الـــهـــدف الـجـيـنـي املـحـدد بـدقـة. وبمجرد التعرف على اإلشــارة فـي تمزيق Cas12a2 السرطانية يبدأ الـــكـــرومـــاتـــن، وهـــو املـــزيـــج املـــكـــون من الحمض الــنــووي والـبـروتـيـنـات الـذي يشكل الكروموسومات. وفـــــــي املــــرحــــلــــة الــــتــــالــــيــــة اخـــتـــبـــر الباحثون تقنية نقل الجينات النووي عـلـى خـ يـا سرطانية nucleofection بــــشــــريــــة نُــــمــــيــــت فــــــي املــــخــــتــــبــــر. وتــــم إدخــــال اإلنـــزيـــم مــبــاشــرة إلـــى الـخـ يـا باستخدام تقنية متخصصة ثم تمت مــتــابــعــة تـــأثـــيـــره لــحــظــة بـلـحـظـة عبر التصوير الحي. وأظـــــهـــــرت الـــنـــتـــائـــج أن الـــخـــ يـــا الـــســـرطـــانـــيـــة تـــوقـــفـــت عـــــن الـــنـــمـــو ثـم ماتت نتيجة تعرض مادتها الوراثية ألضـــــــــــرار جـــســـيـــمـــة، فــــــي حــــــن بــقــيــت الــخــ يــا الـسـلـيـمـة دون تــأثــيــر يُــذكــر؛ مــا يشير إلـــى مـسـتـوى عـــال مــن الـدقـة واالستهداف. نجاح واعد في النماذج الحيوانية ولــــ نــــتــــقــــال خـــــطـــــوة أقـــــــــرب نــحــو الـتـطـبـيـقـات الــعــ جــيــة، قـــام الـبـاحـثـون بتحميل التعليمات الـوراثـيـة الخاصة داخـــــل جـــزيـــئـــات من Cas12a2 بـــإنـــزيـــم الــــحــــمــــض الــــــنــــــووي الــــريــــبــــي املـــــرســـــال ) ثــــم تـغـلـيـفـهـا فــــي جـسـيـمـات mRNA( fluorescent markers دهــنــيــة نـــانـــويـــة مــشــابــهــة لــتــلــك املــســتــخــدمــة فـــي بعض اللقاحات الحديثة. وبـــعـــد حــقــن هــــذه الــجــســيــمــات في فــئــران مـصـابـة بـسـرطـان الــرئــة والـكـبـد، الحـــظ الـعـلـمـاء تـراجـعـا فــي حـجـم أورام الــكــبــد وتـــبـــاطـــؤًا فـــي نــمــو أورام الـــرئـــة، إضافة إلى تأخير انتشار السرطان إلى أعضاء أخرى. وتشير هذه النتائج إلى أن التقنية ال تقتصر على قتل الخاليا الـسـرطـانـيـة فــي املـخـتـبـر، بــل قــد تمتلك قدرة فعلية على الحد من تطور املرض داخل الجسم الحي. ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن فــي أنـهـا تـقـدم أول استراتيجية الشائعة TP53 فعالة الستهداف طفرات والتي ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق العالجات املتاحة. كـــمـــا تــفــتــح الـــنـــتـــائـــج الــــبــــاب أمــــام تـــطـــويـــر فـــئـــة جـــــديـــــدة مـــــن الـــعـــ جـــات الدقيقة املعتمدة على أنظمة كريسبر املـــوجـــهـــة بــالــحــمــض الــــنــــووي الــريــبــي بــحــيــث يــمــكــن تـصـمـيـمـهـا الســتــهــداف طـــــفـــــرات جـــيـــنـــيـــة مـــــحـــــددة فـــــي أنـــــــواع مختلفة من السرطان. ورغـــــــــم الــــحــــاجــــة إلـــــــى املــــــزيــــــد مــن الــدراســات السريرية للتأكد مـن سالمة وفاعلية هــذه املـقـاربـة لــدى البشر، فإن االكــــتــــشــــاف يــمــثــل خـــطـــوة مــهــمــة نـحـو تحقيق حـلـم طـــال انــتــظــاره فــي أبـحـاث الــســرطــان الــقــضــاء عـلـى الــطــفــرات التي كـــانـــت تُــــعــــد حـــتـــى وقـــــت قـــريـــب أهـــدافـــا مستحيلة العالج. لندن: د. وفا جاسم الرجب حين يقترح الذكاء االصطناعي الفرضية العلمية... من يختبرها؟ تــكــشــف دراســـــــة حـــديـــثـــة أن الـــذكـــاء االصـطـنـاعـي لـم يعد يجيب عـن األسئلة فقط؛ بل أصبح يشارك في صياغتها... لكن البرهان يبقى الحكم األخير. قرون، رأى الفيلسوف 8 قبل أكثر من والطبيب ابن رشد أن الحقيقة ال يصنعها تــــراكــــم املـــعـــلـــومـــات وحــــــــده؛ بــــل يــولــدهــا الـعـقـل حــن يـحـسـن صـيـاغـة الـــســـؤال، ثم يـخـتـبـره بــالــبــرهــان والــتــجــربــة. والـــيـــوم، يبدو أن الذكاء االصطناعي يقترب ألول مـــرة مـــن دخــــول هـــذه الـحـلـقـة؛ ال ليجيب عــن أسـئـلـة الـعـلـمـاء فـحـسـب، بــل ليشارك فــي صـيـاغـة الـفـرضـيـات الـتـي تـبـدأ منها رحلة االكتشاف. وفي أحد أبحاث تليف الكبد، اقترح نظام ذكاء اصطناعي أهدافا عالجية جديدة أثبتت التجارب املخبرية الحقا فاعلية اثني منها، في مثال الفت عـــلـــى أن اآللــــــة لــــم تـــعـــد تــكــتــفــي بـتـحـلـيـل املـعـرفـة؛ بـل بـــدأت تـشـارك فـي اقتراحها. ,قـد تبدو هـذه القصة استثنائية، لكنها لـيـسـت ســــوى واحـــــدة مـــن نــتــائــج دراســــة نـــشـــرتـــهـــا مـــجـــلـــة «نـــيـــتـــشـــر» فــــي عـــددهـــا ، أعدها 2026 ) يوليو (تموز 9 الصادر في فريق من «غوغل ديـب مايند» بالتعاون مع جامعات ومراكز أبحاث عاملية، بينها جــامــعــة ســتــانــفــورد وإمـــبـــريـــال كـولـيـدج لــــنــــدن، كــشــفــت عــــن نـــظـــام جـــديـــد يـحـمـل ،)Co-Scientist( » اســم «الـشـريـك العلمي صُــمــم لــيــكــون شــريــكــا لـلـبـاحـث فـــي بـنـاء الفرضيات العلمية، ال بديال عنه. من مساعد علمي إلى شريك في التفكير • كيف يعمل هذا «الشريك العلمي»؟ ال يقتصر دوره على البحث في األدبيات أو تلخيص األوراق املــنــشــورة؛ بــل يعمل بــــوصــــفــــه مــــنــــظــــومــــة مـــــتـــــعـــــددة الـــــوكـــــ ء تحاكي بعض مراحل املنهج العلمي؛ من توليد الفرضيات ونقدها إلــى مقارنتها وتحسينها قبل عرضها على الباحث. يـبـدأ الـنـظـام بتلقي الــســؤال البحثي من العالم، ثم يبحث في املـعـارف املتاحة ليقترح فرضيات جديدة، قبل أن يُخضعها ملراجعات متتالية تختبر مـدى جديتها، وتماسكها املنطقي، وإمكان التحقق منها عمليا. وال يعمل هنا بوصفه آلــة تصدر حكما نهائيا، بل بوصفه شريكا في حوار علمي، يطرح االحتماالت ويترك للباحث اختيار ما يستحق أن ينتقل إلى املختبر. وتؤكد الدراسة أن هذه العملية تقوم على مبدأ «العالِم في الحلقة»؛ فاإلنسان هــــو مــــن يــــحــــدد ســـــــؤال الـــبـــحـــث، ويـــوجـــه النظام، ويراجع مخرجاته، ويتخذ القرار النهائي بـشـأن الفرضيات الـتـي تستحق االختبار؛ فالذكاء االصطناعي يستطيع أن يـوسـع حـــدود االحـتـمـال، لكنه ال يملك وحـــــــده ســـلـــطـــة الــــبــــرهــــان وال مـــســـؤولـــيـــة )2( الحكم. الصورة • «بــــطــــولــــة» بــــن األفـــــكـــــار: ال يـعـمـل «الـشـريـك العلمي» بطريقة أنظمة الذكاء االصـطـنـاعـي الـتـقـلـيـديـة الــتــي تـبـحـث عن إجابة واحـــدة؛ بل يدير ما يشبه مناظرة عــلــمــيــة مـــســـتـــمـــرة؛ فـــهـــو يــــولــــد عـــــــددًا مـن الــــفــــرضــــيــــات، ثــــم يـــدفـــعـــهـــا إلــــــى مــنــافــســة مـتـكـررة الخـتـيـار أكـثـرهـا قـــوة، فـي عملية ال تــبــحــث عـــن أول فـــكـــرة، بـــل عـــن الــفــكــرة الـتـي تصمد أمـــام الـنـقـد.وتـتـولـى وحــدات مـتـخـصـصـة هـــذه املــهــمــة؛ فــإحــداهــا تـولـد الـــفـــرضـــيـــات، وأخــــــرى تـــراجـــع قــــوة األدلــــة وإمــــكــــان اخـــتـــبـــارهـــا، بـيـنـمـا تـــديـــر وحـــدة ثـــالـــثـــة «بــــطــــولــــة لــــأفــــكــــار» تُـــــقـــــارن فـيـهـا الفرضيات في مواجهات متتالية، قبل أن تعيد وحـدة رابعة تطوير أفضلها ودمج عناصر قوتها في مقترحات أكثر نضجا. وهكذا، تتحول عملية االكتشاف إلى دورة متواصلة من التوليد، والنقد، واملفاضلة، ثم التطوير. تجارب إلثبات اقتراح اآللة لـم يكتف الـبـاحـثـون بـعـرض نموذج نـــظـــري، بـــل أخــضــعــوا «الــشــريــك الـعـلـمـي» من أكثر مجاالت 3 الختبارات عملية في الطب تعقيدًا؛ حيث لم يكن املعيار جودة الــــفــــرضــــيــــة، بـــــل قــــدرتــــهــــا عـــلـــى الـــصـــمـــود أمـــام التجربة.في سـرطـان الـــدم النخاعي )، اقــــتــــرح الــــنــــظــــام إعــــــادة AML( الــــحــــاد توظيف أدويـــة معروفة وتـراكـيـب دوائـيـة مشتركة، وأظهرت نشاطا مضادًا للخاليا السرطانية، كما عــززت بعض التركيبات الــــدوائــــيــــة فــاعــلــيــة بــعــضــهــا. وفـــــي تـلـيـف أهـــــــــداف عـــ جـــيـــة «فـــــوق 3 الــــكــــبــــد، حــــــدد وراثـــيـــة»، أثــبــت اثــنــان مـنـهـا فـاعـلـيـة ضد التليف، بينما كـان أحـد األدويــة املرشحة معتمدًا أصال لعالج مرض آخر، ما يفتح الباب أمــام إعــادة توظيفه. أمـا في املجال الثالث، فقد توصل بـصـورة مستقلة إلى الفرضية نفسها التي انتهى إليها فريق بحثي بـعـد ســنــوات مــن الـعـمـل لفهم آلية انـــتـــقـــال الـــجـــيـــنـــات املــــقــــاومــــة لــلــمــضــادات الـحـيـويـة بــن البكتيريا، وذلـــك قـبـل نشر نتائجهم علميا. حين يحسم المختبر ما تقترحه اآللة الرياض: د. عميد خالد عبد الحميد بهدف مواجهة االضطرابات الهوائية محاكاة الطيور قد تُحدِث نقلة نوعية في تصميم المسيّرات مـع تصاعد تأثيرات التغيّر املناخي وازديــاد وتيرة الظواهر الجوية املتطرفة، يــتــجــه بـــاحـــثـــون إلـــــى الــطــبــيــعــة بــحــثــا عـن حـلـول مبتكرة لتحديات هندسية عصية على الحل. ففي وقت تكافح فيه الطائرات املُـــســـيّـــرة لـلـحـفـاظ عـلـى اســتــقــرارهــا وسـط اضــــــطــــــرابــــــات هـــــوائـــــيـــــة، تـــنـــجـــح الـــطـــيـــور الجارحة في التحليق بثبات الفت، معتمدة على آليات تكيّف طوّرتها عبر الزمن. وتُــســتــخــدم هــــذه الـــطـــائـــرات املــســيّــرة حـــالـــيـــا عـــلـــى نـــطـــاق واســــــع فــــي الــتــصــويــر الجوي وعمليات البحث واإلنقاذ ومراقبة املــحــاصــيــل الـــزراعـــيـــة وتـــوصـــيـــل الـــطـــرود، غير أنها كثيرًا ما تُضطر إلى التوقف عن العمل في ظـروف االضطراب الجوي. ومن هذا املنطلق، يسعى العلماء إلى فهم أسرار الطيران لدى الطيور؛ بغية االستفادة منها في تطوير تقنيات مستوحاة من الطبيعة. وفـــــــــي هـــــــــذا الــــــســــــيــــــاق، نـــــجـــــح فــــريــــق بـحـثـي مـشـتـرك مــن مـعـهـد مــلــبــورن امللكي لـــلـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا فـــــي أســــتــــرالــــيــــا وجـــامـــعـــة بــريــســتــول الـبـريـطـانـيـة فـــي تــطــويــر طـائـر روبــوتــي مستوحى مـن الطبيعة، يحاكي الــــحــــركــــات األســــاســــيــــة لـــطـــائـــر «الـــعـــوســـق » األسـتـرالـي، فـي خطوة قـد تسهم Kestrel فــــــي إحـــــــــــداث نـــقـــلـــة نــــوعــــيــــة فــــــي تــصــمــيــم الـــطـــائـــرات املــســيّــرة وتــعــزيــز قــدرتــهــا على مـواجـهـة االضــطــرابــات الـهـوائـيـة، ونُــشـرت يونيو (حزيران) املاضي 29 النتائج، بعدد Journal of the Royal Society( بـــدوريـــة ). ووفــقــا للباحثي، فـــإن دراســـة Interface الكيفية التي تتعامل بها الطيور مع الرياح واالضطرابات الجوية قد تفتح الباب أمام ابــتــكــار أنـظـمـة طــيــران أكــثــر تـــطـــورًا، تتيح لـــلـــطـــائـــرات الــصــغــيــرة الــعــمــل بـــكـــفـــاءة في ظـــروف جـويـة كـانـت حتى اآلن تُــعـد عائقا أمام تشغيلها. روبوت يحاكي «العوسق» واســــتــــخــــدم الــــفــــريــــق تـــقـــنـــيـــة الـــتـــقـــاط الــحــركــة داخــــل نــفــق ريــــاح اصــطــنــاعــي في مـــعـــهـــد مــــلــــبــــورن املـــلـــكـــي لــلــتــكــنــولــوجــيــا، وهــــو أحــــد أكـــبـــر أنـــفـــاق الــــريــــاح مـــن نـوعـه فـي أسـتـرالـيـا، لتسجيل الـحـركـات الدقيقة لـلـطـائـر أثـــنـــاء تـحـلـيـقـه فـــي ظـــــروف تتسم بـالـهـبّــات واالضــطــرابــات الـهـوائـيـة. وتبي لـــلـــبـــاحـــثـــن أن الــــطــــيــــور ال تـــعـــتـــمـــد عــلــى اســـتـــجـــابـــة واحــــــــدة ملـــواجـــهـــة الـــــريـــــاح، بـل تستخدم منظومة متكاملة من اآلليات؛ إذ تـعـدّل باستمرار أوضـــاع األجنحة والذيل لـلـحـفـاظ عــلــى تـــوازنـــهـــا، فـــي حـــن تـسـاعـد املــرونــة الطبيعية لـلـريـش واملـفـاصـل على امــتــصــاص الــتــغــيــرات املــفــاجــئــة فـــي تـدفـق الهواء. كما تمتلك هذه الطيور قدرة عالية عـــلـــى اســـتـــشـــعـــار االضـــــطـــــرابـــــات بـــســـرعـــة؛ مــــا يــتــيــح لـــهـــا االســـتـــجـــابـــة شـــبـــه الـــفـــوريـــة والــحــفــاظ عـلـى الـسـيـطـرة أثـــنـــاء الــطــيــران. ولــفــهــم هــــذه اآللـــيـــات بـــصـــورة أدق، صـمّــم الـــبـــاحـــثـــون نــســخــة روبـــوتـــيـــة مــــن الــطــائــر قـادرة على تقليد أهم الحركات التي تكفل لـــه طــيــرانــا مـسـتـقـرًا. وأتـــــاح هـــذا الـــروبـــوت للفريق قياس القوى املؤثرة أثناء الطيران بدقة يصعب تحقيقها عند دراسة الطيور الــــحــــيــــة؛ مـــــا مـــكّـــنـــهـــم مـــــن تـــحـــديـــد كـيـفـيـة مساهمة حركات معينة للجنحة والجسم فــــي تــحــقــيــق االســــتــــقــــرار أثــــنــــاء الـتـحـلـيـق، واكتشاف تقنيات فـريـدة عـدة تفسّر قـدرة الـــعـــوســـق عـــلـــى الـــحـــفـــاظ عـــلـــى ثـــبـــاتـــه فـي األجـــواء املضطربة. وأشـــار الباحثون إلى أن كثيرًا من هذه التقنيات يمكن االستفادة منها في تحسي قدرة الطائرات الصغيرة على املناورة، بالنظر إلى تشابه التحديات الـــهـــوائـــيـــة الـــتـــي تـــواجـــهـــهـــا مــــع تـــلـــك الــتــي يواجهها هذا الطائر. ولـــفـــتـــوا إلـــــى أن الــــطــــائــــرات املـــســـيّـــرة تستخدم بالفعل بعض تقنيات الحد من تأثير االضطرابات املشابهة لتلك املوجودة لدى الطيور، إال أن معظمها لم يُطبَّق بعد بــصــورة فـعـالـة فــي الــطــائــرات التشغيلية، بــســبــب الــتــعــقــيــد الـــهـــنـــدســـي والـــتـــحـــديـــات املرتبطة بالكفاءة. ويـــــــرى الــــدكــــتــــور مـــــاريـــــو مــارتــيــنــيــز غروفز-راينز، الباحث في هندسة الطيران، والـــذي قـاد الـدراسـة بالتعاون بـن جامعة بــريــســتــول الــبــريــطــانــيــة ومــعــهــد مــلــبــورن امللكي للتكنولوجيا، أن هـذا البحث يمثّل نــهــجــا مــخــتــلــفــا عــــن املـــــحـــــاوالت الــســابــقــة لـــفـــهـــم آلــــيــــات طــــيــــران الــــطــــيــــور؛ إذ ركّـــــزت معظم الـروبـوتـات الطائرة املستوحاة من الكائنات الحية على نقل أفكار مستمدة من الطيور مباشرة إلى تصميم الطائرات، في حي اعتمد فريقه نهجا يقوم على تطوير نـــمـــوذج روبـــوتـــي شــديــد الــواقــعــيــة لـطـائـر «العوسق»؛ بهدف فهم الكيفية التي تتحكم بـهـا الـطـيـور فــي طـيـرانـهـا وســـط الــظــروف الجوية الصعبة، قبل محاولة تطبيق تلك اآلليات على األنظمة الهندسية. كفاءة وقدرة على المناورة وأوضـــــح غـــروفـــز-رايـــنـــز، فـــي تصريح لـــ«الــشــرق األوســـــط»، أن هـــذا الـنـهـج يتيح التمييز بي السلوكيات التي تحسّن فعال االستقرار والكفاءة والقدرة على املناورة، وتــلــك الــتــي تـمـثـل مــجــرد تــكــيّــفــات خـاصـة بالطيور نفسها. وأكـد أن «العوسق» يُعد نـمـوذجـا مثاليا لـهـذه الـــدراســـات، بوصفه مـــن أكـــثـــر الــطــيــور بـــراعـــة فـــي الـــطـــيـــران؛ إذ يستطيع التحليق شبه ثابت في مواجهة الرياح القوية واملتقلبة. وعـــن إمـكـانـيـة تـطـبـيـق الـنـتـائـج على الــطــائــرات كـبـيـرة الـحـجـم، أوضـــح غـروفـزراينز أن تأثير االضطرابات الجوية يختلف باختالف حجم الطائرة؛ إذ تُعد املركبات الجوية الصغيرة والخفيفة، مثل الطائرات املـــســـيّـــرة، أكــثــر عُـــرضـــة لـلـتـأثـر بالتقلبات الجوية مقارنة بـالـطـائـرات الكبيرة، وهو تـحـد تـواجـهـه الـطـيـور يـومـيـا عـبـر تعديل وضــــعــــيــــة أجــــســــامــــهــــا وشــــكــــل أجــنــحــتــهــا باستمرار للحفاظ على اسـتـقـرارهـا. ومع تـــوقّـــع ازديـــــاد شـــدة االضـــطـــرابـــات الـجـويـة فـــي الــطــبــقــات الــقــريــبــة مـــن ســطــح األرض نتيجة تغير املــنــاخ، حـيـث تـحـلّــق الطيور والـــطـــائـــرات الـصـغـيـرة عـــــادة، فـــإن تشغيل الطائرات املسيّرة سيصبح أكثر صعوبة ما لم تُؤخذ هذه الظروف في الحسبان. وشدد عـلـى أن نـتـائـج الـــدراســـة تـنـطـبـق بـصـورة مـبـاشـرة على األنـظـمـة الـجـويـة الصغيرة؛ نـظـرًا لتشابه الـتـحـديـات الفيزيائية التي تواجهها الطيور والطائرات املسيّرة، وإن كــانــت بـعـض املـــبـــادئ قـــد تـمـتـد أيــضــا إلـى الطائرات التجارية الكبيرة. وأوضــــــــــــح أن الـــــفـــــريـــــق رصــــــــد كــيــف يـــغـــيّـــر طــــائــــر الــــعــــوســــق وضـــعـــيـــة جـسـمـه أثــنــاء الـطـيـران بـمـا يحقق الـــتـــوازن األمـثـل وفـقـا لـلـظـروف املحيطة، وهــو مـا قـد يُلهم مــســتــقــبــ إدخــــــال تـــعـــديـــ ت طـفـيـفـة على شكل األجنحة أو هندستها في الطائرات الـــكـــبـــيـــرة، بــمــا يــســهــم فـــي تـقـلـيـل مــقــاومــة الـهـواء، وتحسي كفاءة استهالك الوقود، وزيــــــــــادة الـــــقـــــدرة عـــلـــى مــــواجــــهــــة الـــهـــبـــات الهوائية واالضطرابات الجوية. القاهرة: محمد السيد علي النص الكامل على الموقع اإللكتروني الكيفية التي تتعامل بها الطيور مع االضطرابات الجوية قد تفتح الباب ًأمام ابتكار أنظمة طيران للمسيرات أكثر تطورا

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==