Issue 17407 - العدد Sunday - 2026/7/26 الأحد في تاريخ الأمم لحظات مفصلية يظهر فيها قادة لا يكتفون بإدارة الـدولـة، بل يسعون إلـى إعــادة تعريف علاقتها بالمجتمع ومستقبلها. وفي العالم العربي، تبرز تجربتان تستحقان التأمل من منظور مقارن: ، وتجربة 1964 و 1958 تجربة الرئيس فؤاد شهاب في لبنان بين عامَي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان منذ إطلاق «رؤية المملكة .»2030 ورغـــــــم الاخـــــتـــــاف الـــكـــبـــيـــر فــــي الـــســـيـــاق الـــتـــاريـــخـــي والـــســـيـــاســـي والاقــتــصــادي بــن لـبـنـان منتصف الــقــرن الـعـشـريـن، والمـمـلـكـة العربية السعودية في القرن الحادي والعشرين، فإن ثمة قاسما مشتركا يجمع الـتـجـربـتـن يـتـمـثـل فـــي الإيـــمـــان بــــأن بــنــاء الـــدولـــة الــحــديــثــة لا يتحقق بالشعارات السياسية، بل من خلال إصلاح المؤسسات، وتطوير الإدارة العامة، والاستثمار في الإنسان، وتحقيق تنمية متوازنة تشمل جميع المناطق. ، كان 1958 عندما وصــل فــؤاد شهاب إلـى رئـاسـة الجمهورية عـام لبنان يواجه أزمــة سياسية واجتماعية عميقة، كشفت حجم التفاوت بين العاصمة والمناطق الطرفية. كانت الدولة اللبنانية موجودة شكلياً، لكنَّها كـانـت غـائـبـة عـن أجـــزاء واسـعـة مـن المجتمع. فكثير مـن المناطق الريفية كانت تعاني ضعف البنية التحتية، وغياب الخدمات الأساسية، وتراجع فرص التعليم والصحة والعمل. أدرك شـهـاب أن الاسـتـقـرار السياسي لا يمكن أن يستمر مـن دون عدالة اجتماعية وتنمية متوازنة. ومن هنا جـاءت رؤيتُه القائمة على بناء «دولة المؤسسات» بدل دولة الزعامات والمحسوبيات. وكانت بعثة » الـفـرنـسـيـة بـقـيـادة الأب لــويــس جــوزيــف لـوبـريـه إحــــدى أهـم IRFED« الأدوات التي اعتمدها لتشخيص واقع لبنان بصورة علمية. فقد قدَّمت البعثة دراســـة شاملة لـأوضـاع الاقتصادية والاجتماعية في مختلف المناطق اللبنانية، وكشفت حجم الفوارق التنموية بين المركز والأطراف. لم تكن أهمية بعثة «إرفد» في النتائج التي توصلت إليها فحسب، بل في المنهجية التي اعتمدتها. فقد مثّلت أول محاولة علمية حديثة لوضع سياسات عامة مبنية على البيانات والأدلة، وهي فلسفة أصبحت اليوم من ركائز الحوكمة الحديثة في مختلف دول العالم. اســـتـــنـــادا إلــــى هــــذه الـــــدراســـــات، أطـــلـــق الـــعـــهـــد الــشــهــابــي سـلـسـلـة إصــاحــات مؤسساتية وإداريــــة واسـعـة شملت إنــشــاء مجلس الخدمة المــدنــيــة، والـتـفـتـيـش المـــركـــزي، وديــــــوان المـحـاسـبـة بـصـيـغـتـه الـحـديـثـة، ومجلس الإنماء والإعمار بمفهومه الأولي، إلى جانب توسيع الخدمات التعليمية والصحية والإنمائية في المناطق المحرومة. كان هدف شهاب بناء دولة قادرة وعادلة في آن واحد. دولة تحكمها القوانين والمؤسسات وليس العلاقات الشخصية والانتماءات الطائفية. لذلك ارتبط اسم الشهابية بفكرة «الدولة التنموية»، التي ترى في الإدارة العامة أداة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي. بعد أكثر من نصف قرن، تواجه المملكة العربية السعودية تحديا مختلفا من حيث الحجم والطبيعة. فالمملكة تمتلك مؤسسات دولة قوية ومـوارد اقتصادية ضخمة، لكنَّها وجدت نفسَها أمام تحديات التحول الاقـتـصـادي فـي عـالـم يتغيَّر بـسـرعـة، وتــراجــع الاعـتـمـاد الأحــــادي على النفط، وتصاعد المنافسة العالمية فـي مـجـالات المعرفة والتكنولوجيا والاستثمار. » بقيادة الأمير محمد بن سلمان 2030 في هذا السياق، جاءت «رؤية بـوصـفـهـا مـشـروعـا وطـنـيـا شــامــا لإعــــادة هيكلة الاقــتــصــاد والمجتمع والـــدولـــة. وإذا كـانـت «الـشـهـابـيـة» قـد سعت إلــى بـنـاء الــدولــة اللبنانية » تسعى إلـى بناء الـدولـة السعودية لمـا بعد 2030 الحديثة، فــإن «رؤيـــة الاقتصاد النفطي. مـن الناحية الاقـتـصـاديـة، حـقَّــقـت المملكة خــال الـسـنـوات الماضية تـــحـــولات كــبــيــرة. فـقـد ارتــفــعــت مـسـاهـمـة الــقــطــاعــات غـيـر الـنـفـطـيـة في الاقتصاد، وتوسَّعت الاستثمارات في قطاعات السياحة والتكنولوجيا والترفيه والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة. كما شهدت المملكة نموا ملحوظا في الاستثمارات الأجنبية وتحسنا في بيئة الأعمال. ومــــن الــنــاحــيــة الاجــتــمــاعــيــة، شـــهـــد المــجــتــمــع الـــســـعـــودي تــغــيــرات واسعة شملت زيــادة مشاركة المــرأة في سـوق العمل، وتطوير قطاعات الثقافة والفنون والرياضة، ورفع مستوى الخدمات الحكومية الرقمية، وتوسيع فرص الشباب في التعليم وريادة الأعمال. ومـن أبــرز مظاهر التَّحول المؤسسي في المملكة ما شهدته البيئة التشريعية والقانونية من تحديث شامل عـزَّز مناخ الثقة والاستقرار القانوني، وأرسى قواعد أكثر وضوحا للعلاقات المدنية والاقتصادية. فقد أُقـرت أنظمة حديثة شملت نظام المعاملات المدنية، ونظام الأحوال الشخصية، ونظام الإثبات، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية، بما أسهم في توحيد المرجعيات القانونية، وحماية الحقوق، ورفـع كفاءة المنظومة الـعـدلـيـة. وعـلـى المـسـتـوى الـتـنـمـوي، رافـقـت هــذه الإصـاحـات سـيـاسـات نـوعـيـة فــي الـقـطـاع الــعــقــاري، مــن أبـــرزهـــا بـرنـامـج «سـكـنـي» في 70 الذي أسهم في رفع نسبة تملك المواطنين لمساكنهم إلى أكثر من المائة، إلى جانب تحديث الأنظمة المنظمة للملكية العقارية، بما في ذلك تنظيم الملكيات المشتركة وإتـاحـة التملك للأجانب والمستثمرين وفق أطر قانونية واضحة. وتعكس هذه الإصلاحات رؤية تعتبر أن التنمية المستدامة لا تقوم على المشروعات الاقتصادية وحدها، بل تستند أيضا إلــى بنية تشريعية مستقرة تـعـزِّز سـيـادة الـقـانـون، وتحمي الحقوق، وتوفر بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية طويلة الأمد. أمـا على مستوى الإدارة العامة، فقد اعتمدت المملكة نهجا يقوم على مـؤشـرات الأداء والقياس المستمر والحوكمة الرقمية. وأصبحت عملية صنع الـقـرار تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتخطيط الاســتــراتــيــجــي والمــتــابــعــة الــدقــيــقــة لـلـنـتـائـج، وهــــي مــقــاربــة تـلـتـقـي مع الــرّوح الإصلاحية التي قـادت تجربة فـؤاد شهاب وإن اختلفت الأدوات والسياقات. ولا تـقـتـصـر أهـمـيـة الـتـجـربـة الــســعــوديــة عـلـى حـجـم الإصـــاحـــات التي تم إطلاقُها، بل تمتد إلى طبيعة القيادة التي تقود هذا التحول. فالتاريخ السياسي يبي أن المشروعات الإصلاحية الكبرى تحتاج إلى أكثر من الموارد والخطط والمؤسسات؛ فهي تحتاج أيضا إلى قيادة قادرة على إقناع المجتمع بجدوى التغيير وحشد الطاقات حول رؤية مشتركة للمستقبل. في هـذا السياق، بـرز الأمير محمد بن سلمان شخصية سياسية اســتــثــنــائــيــة فـــي الـــعـــالـــم الـــعـــربـــي المـــعـــاصـــر. فــقــد اســـتـــطـــاع خـــــال فـتـرة زمنية قصيرة أن يـربـط مــشــروع الـتـحـول الـوطـنـي بـسـرديـة مستقبلية واضــحــة تـقـوم عـلـى الـثـقـة بــالــقــدرات الـوطـنـيـة والـطـمـوح وعـــدم القبول بالجمود. وأصبح الحديث عن المستقبل والتنافسية العالمية والابتكار والتكنولوجيا جزءا من الخطاب العام اليومي في المملكة، بعد أن كانت هذه المفاهيم محصورة إلى حد كبير في النخب المتخصصة. ومـن منظور علم الاجتماع السياسي، تمثل الكاريزما السياسية أحـــد عناصر التغيير الـتـاريـخـي عندما تقترن بـالمـؤسـسـات والـبـرامـج التنفيذية. وقــد وصــف عـالـم الاجـتـمـاع الألمــانــي، مـاكـس فيبر، الـقـيـادة الكاريزمية بأنَّها القدرة على إلهام الأفـراد وتحفيزهم لتجاوز الأنماط التقليدية والتكيف مـع واقـــع جـديـد. وتكتسب هــذه الـكـاريـزمـا قيمتَها الحقيقية عندما تتحوَّل إلى مؤسسات وسياسات مستدامة، لا عندما تبقى مرتبطة بشخص القائد وحده. وفي الحالة السعودية، يمكن ملاحظة أن جاذبية شخصية الأمير محمد بن سلمان لم ترتبط فقط بخطابه السياسي، بل أيضا بقدرته على تحويل الأفكار إلى مشروعات ملموسة ذات أثر مباشر على حياة المواطنين. فمشروعات مثل «نيوم»، والبحر الأحمر، والقدية، وتطوير القطاع السياحي، وبـرامـج التحول الرقمي، ومــبــادرات تمكين الشباب والمرأة، لم تعد مجرد تصورات مستقبلية، بل أصبحت واقعا اقتصاديا وتنمويا يسهم فـي إعـــادة تشكيل صـــورة المملكة ومكانتها الإقليمية والدولية. كما نجح الأمير محمد بن سلمان في تقديم نموذج مختلف للقيادة السياسية فـي المنطقة، يـقـوم على السرعة فـي اتـخـاذ الــقــرار، ووضــوح الأهـــــداف، والاعــتــمــاد عـلـى مــؤشــرات الأداء والـنـتـائـج الـقـابـلـة للقياس. وقد أسهم هذا النهج في خلق حالة من التعبئة الوطنية حول مشروع » تـتـجـاوز كونها خطة حكومية لتصبح 2030 الـتـحـول، وجـعـل «رؤيـــة مــشــروعــا مجتمعيا تـــشـــارك فـيـه مــؤســســات الـــدولـــة والــقــطــاع الـخـاص والمجتمع المدني على حد سواء. وإذا كـان فــؤاد شهاب قـد نجح فـي الستينات فـي ترسيخ فكرة أن الدولة هي أداة للعدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة، فإن الأمير محمد بن سلمان يعمل اليوم على ترسيخ فكرة أن الدولة يمكن أن تكون أيضا منصة للابتكار والتنافسية العالمية، وصناعة الفرص للأجيال القادمة. وفي الحالتين، يظهر الدور المحوري للقيادة عندما تمتلك رؤية تتجاوز إدارة الحاضر إلى بناء المستقبل. مـن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن النظر إلـى التجربتين بـوصـفـهـمـا مـحـاولـتـن لإعـــــادة صـيـاغـة الـعـقـد الاجــتــمــاعــي بـــن الــدولــة والمواطن. ففي الحالة الشهابية، سعت الدولة إلى تعزيز شرعيتها عبر توفير الخدمات والتنمية للمناطق المهمشة. وفـي الحالة السعودية، تسعى الـــدولـــة إلـــى تـعـزيـز شـرعـيـتِــهـا مــن خـــال تحسين جـــودة الحياة وتـوسـيـع الــفــرص الاقـتـصـاديـة والاجـتـمـاعـيـة، ورفـــع كــفــاءة المـؤسـسـات العامة. أمــــا فـلـسـفـيـا، فـــــإن الــتــجــربــتــن تـعـكـسـان فـــكـــرة مــركــزيــة فـــي الـفـكـر السياسي الحديث مفادها بأن قوة الدولة لا تُقاس بحجم سلطتها فقط، بل بقدرتها على إنتاج المصلحة العامة. فالدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري أو أمني، بل هي إطـار مؤسسي يسمح للمجتمع بتحقيق إمكاناته الاقتصادية والثقافية والإنسانية. لقد كان فـؤاد شهاب يؤمن بـأن بناء الدولة عملية تراكمية طويلة الأمد تتطلب الصبر والانضباط والعمل المؤسسي. ويبدو أن جزءا مهما من فلسفة التحول التي تقودها المملكة العربية السعودية اليوم يقوم على المنطق نفسه: الاستثمار فـي المـؤسـسـات، والتخطيط للمستقبل، والانتقال من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل. لا يعني ذلـك أن التجربتين متطابقتان أو خاليتان من التحديات والانــــتــــقــــادات، فـلـكـل تــجــربــة ظـــروفُـــهـــا الـــخـــاصـــة وســيــاقُــهــا الــتــاريــخــي والسياسي المختلف. إلا أن القيمة الحقيقية للمقارنة تكمن في إبراز دور القيادة الإصلاحية عندما تقترن برؤية واضحة ومؤسسات قادرة على التنفيذ. في زمن تعاني فيه دول عربية كثيرة من أزمات الحوكمة وضعف المؤسسات، تبقى تجربتا فـؤاد شهاب ومحمد بن سلمان مثالين على أن الإصـاح الحقيقي يبدأ عندما تتحوَّل الدولة من مجرد سلطة تدير الأزمـــات، إلـى مشروع وطني يسعى إلـى بناء المستقبل. ففي الحالتين، كان الرهان الأساسي هو المواطن، وكانت التنمية هي الوسيلة، وكانت الدولة الحديثة هي الغاية. * أستاذ جامعي وخبير في الحوكمة الرشيدة يـــخـــتـــزل أنـــيـــس فـــريـــحـــة فــــي دراســــتــــه «الـــفـــكـــر الـــعـــربـــي: مشكلته»، كما مـر بنا، الحضارة الغربية بما يسميه «روح المسيحية الإنـجـيـلـيـة». والــعــرب فــي دراســتــه هـــذه هــم الـعـرب المسلمون. في هذه السطور المقتبسة من دراسته يذكر أسباب عدم تفهم العرب المسلمين لهذه الروح المزعومة للحضارة الغربية، التي أفضت، حسب تنظيره، إلـى العجز عن تفهم الحضارة الغربية: «عند أطل الغرب على الشرق، أطل عليه بأشكال مختلفة. ولكن الشكل الرئيسي المـاثـل كـان المسيحية، ولكن مسيحية تختلف کثیرا عن مسيحية الأقليات التي أخضعها العرب، وضــمــوا ديــارهــا إلـــى الـرقـعـة الإســامــيــة. كـــان الـعـربـي المسلم ينظر إلـى مسيحية هـذه الأقليات نظرة عطف، عطف القوي على الضعيف. فلم يكن ينتظر من العرب عندما أطل عليهم الفكر الغربي، أن يفهموا هـذه الناحية منه، روح المسيحية. وذلك لأسباب عديدة. منها أن المسلم ينظر إلى جميع الأديان أنــهــا أحـــط درجــــة مـــن الإســـــام، لأن الإســـــام خـاتـمـة الأديـــــان، ففيه القول الفصل. أضـف إلـى هـذا أن الإســام كـان ينظر إلى المسيحية بكثير من التخوف والحذر، إذ لم يستطع أن يوفق بـن تصرف المسيحيين ومـبـادئ المسيحية. ومتى استحوذ الــعــداء والــخــوف عـلـى الـعـقـول حجبا كــل مــقــدرة عـلـى التفهم والنفاذ إلى ما وراء الظاهر. ولذا ظلت المسيحية أمرا مجهولا غامضاً. وهــا هـي المسيحية كـانـت ولا تـــزال فـي نظر العربي هجوما اقتصاديا واسـتـعـمـاراً، وأسـلـوبـا فـي الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها، ولذا أشاح ببصره عنها، ولم ير ضرورة في تفهمها». على قصر الخطاطة الزمنية التي أرّخ فيها أنيس فريحة لجهل المسلمين بالمسيحية إل أنها حوت مغالطات وتضاربا في المعلومات. فـــي مـرحـلـة زمـنـيـة طــويــلــة، كـمـا زعــــم، اسـتـنـكـف الـعـرب المـسـلـمـون عــن الـتـعـرف إلـــى المـسـيـحـيـة الـشـرقـيـة لأنــهــا كانت مسيحية «أقليات»، فكانوا ينظرون إليها نظرة شفقة، شفقة القوي على الضعيف! بعد مضي مـا يـزيـد على العقد قليلا على إنـشـاء دولـة الإســـام فـي المدينة نشبت حــروب بـن المسلمين و«أكـثـريـات» مسيحية شـرقـيـة وغـربـيـة دامـــت لــقــرون طــــوال. وتــاريــخ هـذه هــ/ 13 الـحـروب التي يرجع تاريخ أقــدم معركة فيها إلـى عـام م، تــــاريــــخ مــــعــــروف ومـــشـــهـــور. هـــــذه «الأكــــثــــريــــات» هـي 634 الإمبراطورية البيزنطية والإمـبـراطـوريـة الرومانية المقدسة ومملكة القوط الغربيين وسواها من ممالك وإمارات مسيحية. وأيام الحملات الصليبية أقيمت في ديار الإسلام ممالك وإمارات مسيحية لاتينية. وعلى صعيد آخر ومختلف، وهو النزاع العقدي، والذي محوره عند المسلمين الدفاع عن الديانة الإسلامية والطعن في الديانة المسيحية، ومحوره عند المسيحيين الدفاع عن الديانة المسيحية والطعن في الديانة الإسلامية. فهناك كتب عديدة ألّفها مسلمون ومسيحيون قبل الـقـرون الحديثة، حـاول كل واحـــد منهم فيها أن يـدحـض ديــانــة الآخــــر. وإذا كـــان الـنـزاع المسلّح مع العالم المسيحي بـدأه العرب المسلمون، فالمجادلة الدينية بدأها المسيحيون. ويتوزع المسيحيون الذين خاضوا مجادلات دينية مع الإسـام، ما بين بيزنطيين ولاتـن وعرب مسيحيين. مــن الأســـمـــاء الإســامــيــة الـتـي خـاضـت مـجـادلات ديــنــيــة مـــع المــســيــحــيــة: الـــجـــاحـــظ، الـــبـــاقـــانـــي، الــقــاضــي عبد الجبار، الكندي، البلخي، الغزالي، الماتريدي، الجويني، ابن حزم، الشهرستاني، ابن تيمية، القرطبي، الطبري، الوراق. نأتي الآن إلى المغالطة الثانية، فأقول تعليقا عليها: إن يؤمن المسلمون بأن دينهم هو الدين الحق، فهذه مسألة ليس فيها خاصية أو خصوصية إسلامية ينفرد الإسلام بها، فكل دين يعتقد أهله بأنه هو الدين الحق. وهذا الإيمان أو الاعتقاد لا يقف حجر عثرة أمام أصحاب العلم فيهم أن يتعرفوا إلى معتقدات الدين الآخر من مصادره الصحيحة والسليمة. في المسيحية إن لم تؤمن بـأن المسيح ابـن الله الحي، لا يمكنك دخول ملكوت الله، ولا نيل الحياة الأبدية. فلا خلاص خارج المسيح ولا خلاص خارج الكنيسة. يشاطر البروتستانت بقية الطوائف المسيحية إيمانهم بأنه لا خلاص خارج المسيح، ويختلفون عنها بأن العضوية فـي الكنيسة ليست ضــروريــة لـلـخـاص، ذلــك لأنـهـم يـــرون أن الـخـاص يـأتـي مـن الـلـه مـبـاشـرة إلــى الـفـرد مـن خــال إيمانه بالمسيح. فالمسيحية، كما أراد أن يـوهـم أنـيـس فريحة، تحكمها مقولة النسبية، نسبية الأديــــان، بمعنى أن كـل ديــن يحوي طريق الخلاص. بعد مرور ما يزيد على العقد بسنوات على نشر دراسة ، أقــر المجمع الفاتيكاني 1965 أنـيـس فـريـحـة، وتـحـديـدا عــام الثاني بـ«إمكانية» خلاص غير المسيحيين. هذا القرار يخدم قرارا آخر صدر أثناء انعقاد هذا المجمع إلــى عام 1962 (عقد هــذا المجمع أربــع دورات امـتـدت مـن عــام )، وهو تبني قضية «الحوار بين الأديان». وهذه القضية 1965 كان من بين غاياتها محاربة الشيوعية. وللكنيسة البابوية تاريخ بارز في محاربة الشيوعية على مستويات مختلفة منذ الثلاثينيات الميلادية في القرن الماضي. ومن الوثائق التجديدية والتحديثية التي اتخذها هذا المجمع وثيقة «تبرئة اليهود من دم المسيح»، بحيث لا تكون الإدانة جماعية لهم عبر التاريخ ولا تشمل اليهود المعاصرين. والـبـواعـث على إصـــدار هـذه الوثيقة أتـت مـن خــارج الكنيسة البابوية وليس من داخلها. هذان القراران: إمكانية خلاص غير المسيحيين، وتبرئة اليهود من دم المسيح، لا يحظيان بإجماع مسيحي. ومن ناحية كاثوليكية، فإن إقرار الكاثوليكية بإمكانية خلاص غير المسيحيين، يصعب على المتأمل أن يأخذه بجدية، فـلـو كـــان الإيـــمـــان بــهــذه الـقـنـاعـة صـــادقـــا: لمــــاذا يـشـقـون على أنفسهم بالنضال في سبيل التبشير بالمسيحية الكاثوليكية؟! المغالطة الثالثة، اعتباره استعمار الغرب العالم العربي، «إطلالة» مسيحية غربية عليه! وقد صمت عن الكيفية التي أطل الغرب فيها على العالم العربي: هل أطل عبر النافذة أم عبر الشرفة أم عبر الباب بفتحه فجأة ثم إقفاله سريعاً؟ الغاية من «الإطلالة» إما النظر وإما التأمل. فهل استعمار الغرب للعالم العربي كان مجرد «إطلالة» للنظر في هيئته والتمعن في تقاسيمه والتأمل في حاله: ماذا يصنع؟ لقد استعمل فعل «أطـل» ليكون بديلا لفعل «استعمر». لأن للاستعمار معنى سيئا من جوانب متعددة. فأورد كلمة «استعمار» في سياق جملة يظهر العربي فيها بأنه موهوم في تصوراته، وذلـك حين قـال: «وهـا هي المسيحية كانت ولا تزال في نظر العربي هجوما اقتصاديا واستعماراً، وأسلوبا في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها». فالغرب في هذه الجملة ليس مستعمراً، والعالم العربي لم يستعمره الغرب! استعمل فعل «أطل» ليكون بديلا لفعل «استعمر» الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتحوَّل الدولة من مجرد سلطة تدير الأزمات إلى مشروع وطني *سيمون كشر علي العميم OPINION الرأي 14 هل كان الاستعمار «إطلالة»؟! ...»2030 بين الشهابية و«رؤية عندما تصبح الدولة مشروعا للإصلاح
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky