issue17407

يرى النقاد أن عدم الخضوع للعقل والقواعد المنطقية هو ما يميّز المدرسة السُّوريالية في الفن والأدب. ويوضحون أن الرسومات الغريبة التي يبدعها فنانوها المقصود منها لفت انتباهِنا إلى وجود واقع آخر مفارق لعالمنا، هو عالم اللاوعي، أي عالم الأحلام. في تفسير علاقة الأحلام بالواقع يرى بعض أنَّها تشبه مرآة مشوّهة ولكنَّها صادقة. فالأحلام، يقولون، لا تأتي من العدم، بل هي إعادة معالجة وصياغة لما نعيشه في يقظتنا، ولكن بلغة رمزية. بـالـنـسـبـة لمــنــظــري المـــدرســـة الــســوريــالــيــة، فــــإن الــواقــع الـــظـــاهـــري الــــــذي نــعــيــشــه فــــي يــقــظــتــنــا لـــيـــس ســـــوى نـصـف الحقيقة. الحقيقة الكاملة - في نظرهم - تكمن في دمج عالم اليقظة مـع عـالـم الأحـــام لخلق مـا سـمـوه «الــواقــع الفائق» )، حـيـث يـتـحـرر الإنـــســـان مـــن قــيــود الــزمــان Super-reality( والمكان. لأن المكان يُقيّد الحركة، والزمان يُقيّد البقاء. الحقيقة التي لا يختلف حولها عاقلان هي أن سوريالية الأدب والـــفـــن لا تــتــفــوق غـرائـبـيـتـهـا عــلــى غــرائــبــيــة الـــواقـــع الإنـسـانـي. الــواقــع، فـي كثير الأحــيــان، يتجاوز السوريالية ذاتها، ويغدو أكثر جموحا وغرائبية مما قد يتخيّله أي فنان سوريالي. هـذه المفارقة هي ما جعلت كثيرين من المفكرين والأدبــــــاء يـاحـظـون أن الـسـوريـالـيـة لــم تبتكر الــغــرابــة، بل استعارتها من الواقع وأعـادت تنظيمها. فالواقع الإنساني ليس مجرد أحداث منطقية متتابعة، بل هو مليء بما يمكن تسميته «السوريالية المباشرة». تطبيق هـــذا المـفـهـوم عـلـى المـشـهـد الليبي الــيــوم يمس جـــوهـــر الــتــجــربــة الــيــومــيــة لـــلـــشـــارع؛ حــيــث يــتــحــول المـشـهـد السياسي والاجتماعي إلى ما يشبه لوحة سوريالية حيّة، تلتقي فيها المتناقضات وتتلاشى فيها الحدود. تتجلى «السوريالية المباشرة» في ليبيا في أكثر من صـــورة. أبــرزهــا، فـي رأيـــي، الـتـجـاور الغريب للمتناقضات. الشيء ونقيضه يعيشان جنبا إلى جنب داخل الإطار نفسه. حيث مظاهر الحياة الفارهة في أكثر تجلياتها. تجاور الفقر المدقع، مع تدفق موجات المهاجرين، وانقطاعات الكهرباء، وخلو المصارف من السيولة، والتهديدات الأمنية المتكررة. إلا أن الحياة بطبيعتها لا تتوقف، بل تستمر بكامل صخبها الـيـومـي، وكـــأن الــنــاس يعيشون فــي عـالمـن مــوازيــن فــي آن واحد. ليبيا الــيــوم تعيش حـالـة يصعب تفسيرها بـــأدوات الـــعـــلـــوم الــســيــاســيــة أو المــنــطــق وحــــــده. هـــي حـــالـــة تـتـداخـل وتختلط فيها مفاهيم الحلم والكابوس، المنطق واللامنطق، لتصبح، إن أمكن الوصف، حالة سوريالية حياتية يتنفسها الشارع ويحاول التأقلم مع مفارقاتها. في الأيام القليلة الماضية، ومن دون مقدمات، أُضيفت لمــســة خـــارقـــة لـتـلـك الـــلـــوحـــة: إعـــــان مـــن مــديــنــة جــنــيــف، في سـويـسـرا، عـن اخـتـيـار شخصية جـديـدة لـرئـاسـة مـا وُصـف بـ«حكومة ليبية موحدة». الحكومة المعلنة من تلك المدينة الـبـعـيـدة، جـغـرافـيـا وسـيـاسـيـا، تُــعــد ثــالــث تشكيل حكومي يــتــزامــن مـــع حـكـومـتـن قــائــمــتــن. الأولـــــى فـــي غــــرب الـــبـــاد، والثانية تمتد فـي شرقها وجنوبها. الاســـم المعلن لقيادة المجلس الرئاسي شخص اسمه مصطفى المجدوب، وآخرون يسمونه مصطفى المشاي. الشخص المعني مجهول الهوّية. الـبـعـض سُــخـريـة ينسبونه إلـــى الـكـائـنـات الـفـضـائـيـة التي تحدث عنها المرحوم الكاتب المصري أنيس منصور في كتابه المعنون: «الذين هبطوا من السماء». وإنصافا للحقيقة، فهو ليس الاسم الأول، ولن يكون الأخير في قائمة الذين هبطوا .2011 ) من السماء في ليبيا فجأة بعد فبراير (شباط جـــاء هـــذا الإعــــان المـفـاجـئ فــي تـوقـيـت لافـــت. إذ كانت الـــبـــاد تــنــاقــش مـــبـــادرة أمــيــركــيــة، يــقــودهــا صــهــر الـرئـيـس الأميركي مسعد بولس، لتوحيد الحكومتين القائمتين في حكومة واحـدة. في خضم السجال بين المؤيدين والرافضين على وسائل الإعلام ومنصات التواصل، طفا الخبر بالإعلان عن تشكيل حكومة ثالثة، وتحوّل مسار النقاش من الخلافات حول تفاصيل توحيد الحكومتين إلى تساؤلات عن هويات الذين هبطوا من السماء فجأة، وأعلنوا تشكيل حكومة، ومن يقف وراءهم، والجهة المنظِّمة لاجتماع جنيف، والممولين. اللافت أن بعثة الأمـم المتحدة للدعم في ليبيا نفت أي عـاقـة لـهـا بـالاجـتـمـاع، أو بـمـن نـظّــمـه، فيما أكـــد القائمون المجهولون على المبادرة أنها تنبع من «إرادة ليبية مستقلة!» بعيدا عن المسارات الدولية. سنة من 15 القول بـ«إرادة ليبية مستقلة» بعد أكثر من استحواذ الـقـوى الأجنبية على الـقـرار الليبي والتحكم في مساراته، تمثل ذروة السوريالية في اللوحة الليبية. هـــنـــاك مــــن رأى فــــي الـــخـــطـــوة مـــحـــاولـــة وطـــنـــيـــة جــــادة لكسر الجمود. وهــؤلاء يمثلون فريق الحالمين، أو بالأصح الواهمين. وهناك من اعتبرها تفتقر إلى أي سند قانوني أو دستوري، يمنحها صفة تمثيلية حقيقية. وهؤلاء من يرون المسألة من ثقب إبــرة قانوني ودسـتـوري في بـاد لا قانون فيها ولا دستور إلا قانون السلاح. ولم تصدر حتى الآن أي جهة ليبية رسمية أو دولية موقفا حاسما بشأنها. الـرئـيـس الـجـديـد للحكومة الثالثة وأعــضــاء حكومته ليسوا، في رأيي، سوى واجهة كرتونية أمامية لجهات عدة أجنبية وعـربـيـة وإقليمية ومحلية، تـعـودت الـتـحـرك وراء كـوالـيـس معتمة طيلة الــســنــوات المــاضــيــة، بـغـرض لخبطة الأوراق وبهدف مواصلة تأزيم المشهد للإبقاء على الوضعية القائمة. الجواب عن السؤال أعلاه، بالطبع لا. من يتابع حياة إيلون ماسك وسيرته، يدرك أنه بعيد عن التَّعصب الديني والـعـرقـي، وشـركـاتـه تضم أشخاصا مـن جميع الخلفيات الـديـنـيـة والــعــرقــيــة، ولا تــوجــد أي أدلّــــة تــؤكــد أنَّــــه يـمـارس تمييزا ضد أعراق أو أديان معينة. لا نعرف شخصا واحدا تعرض للاضطهاد من ماسك بسبب لونه أو دينه! في حواره مع مجلة «الإيكونومست»، طُرح عليه مثل هذا السؤال، لأن إيلون ماسك يثير قضايا حساسة تتعلَّق بـالـهـجـرة والانـــدمـــاج الـثـقـافـي والــحــضــارة الـغـربـيـة. وهـي قضايا تثير حرجا في أوساط فكرية وسياسية، ويتجنَّب كثيرون الخوض فيها خشية الاتـهـام بالتفوق العرقي أو العنصرية أو التطرف. ولكن، لنتناول أبرز هذه القضايا التي يتحدَّث عنها: تصريحاته عن الهجرة تتحدَّث عن معارضة الهجرة غير الشرعية، وإذا كان ما يقوله عنصرية، فكلنا في هذه الحالة عنصريون! فمن حق الدول أن تحافظ على حدودها، وأن يتبع الراغبون في الهجرة إليها الطرق القانونية للهجرة والإقامة. فـي قضية الانـدمـاج الثقافي، يتحدَّث عـن الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تحاول عــزل المسلمين في الغرب عـن الانــدمــاج فـي مجتمعاتهم الـجـديـدة. أيــن الـتَّــطـرف في مثل هــذا الـحـديـث؟ وهـــذا مـا نــكــرّره. فجماعات ومنظمات الإسلام السياسي، السّنية والشيعية، في أوروبا وأميركا، جـهـات خطيرة تـحـرّض على الـتَّــطـرف والـكـراهـيـة، وتخلق ســيــاجــات فــكــريــة ونـفـسـيـة حـــول المـجـتـمـعـات المـسـلـمـة في الـغـرب، تــؤدي إلـى عزلتها عـن مجتمعاتها الجديدة التي وفـــدت إليها. ونـعـرف شخصيات متطرفة هـربـت مـن دول الخليج ومــصــر، وأصـبـحـت تــحــرّض مــن لـنـدن ونـيـويـورك ومونتريال ضد هذه الدول، بحجة حربها على الإسلام! أي أنَّهم نقلوا ميكروبات الكراهية معهم من الشرق إلى الغرب، ولم يكتفوا بذلك، بل ومن دولهم الجديدة، وعبر منصات الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي (ومـــنـــهـــا إكـــــــس)، يـــحـــرّضـــون عـلـى الكراهية والعنف! عندما يقول ماسك هذا الكلام، لا يقول شيئا جديداً. فهذا أمر نعرفه، ولا يعني أنَّه معاد للإسلام كـديـنٍ، وإنما معاد للمتطرفين الذين أصبحوا مثل الفطر الذي يتكاثر باسم التعددية الثقافية! أي: اتركوا المتطرفين يتبنّون أفكار الكراهية ويبثّونها بين الأطفال المسلمين، لأن فعل العكس يعني التدخل في ثقافتهم والحد من حرياتهم! حديث ماسك عن الثقافة الغربية وقيمها لا يقصد به صداما ثقافيا أو حضارياً، بل يقصد قيما مثل التسامح، والـتـعـايـش، والانـــدمـــاج، واحــتــرام حـقـوق الإنــســان والمـــرأة، واحـــتـــرام الــقــانــون، والـحـريـة الـفـكـريـة. هـــذه قـيـم الـحـضـارة الحديثة. صحيح أنَّها بدأت في أوروبـا في عصر النهضة والتنوير، ثم الحداثة، إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، لكنَّها اتَّسعت وأصبحت حضارة إنسانية نجدها في أميركا والــيــابــان وكـــوريـــا الـجـنـوبـيـة وكـــنـــدا، وبـــلـــدان كـثـيـرة حـول العالم. والإيـمـان بقيم الحضارة الحديثة أساسي للتقدم والاندماج في العالم الجديد الذي تطور وازدهر، وهذا أمر لا يتعارض مع الإســام مطلقاً. فقيم التسامح والتعايش موجودة في النصوص القرآنية الكريمة، والعصر الذهبي للحضارة العربية والإسلامية قام على قيم التسامح والعلم والفلسفة. بالطبع، العالم تـطـوَّر منذ ذلـك الـحـن، وحرية التفكير ازدهـــرت، ودخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، ومع هـذا تـرى في ساحات لندن بعض الممارسات التي تعيدك بـالـتـاريـخ إلـــى الـــقـــرون الــوســطــى! وفـــي الـــواقـــع، فـــإن إيـلـون ماسك ينتقد ما يصفه بالانحرافات في الحضارة الحديثة، ،»Wokeism« مثل زواج المثليين، وتغيير الجنس، وثقافة وهو في ذلك أقرب إلى غالبية المسلمين، إذ يطالب بالزواج والمحافظة على قيم العائلة. بهذا المعنى، فهو تنويري على الطريقة التقليدية. حديث إيلون ماسك صحيح، بل ومفيد. نحتاج إلى من يكون صريحا معنا، وليس مثل السياسيين المخادعين الـــذيـــن يــســتــخــدمــون المــســلــمــن لأهــــــداف ســيــاســيــة لكسب أصـــواتـــهـــم، ويــــعــــززون أفــــكــــارا مــثــل الاضـــطـــهـــاد والمــــؤامــــرة للتلاعب بعواطفهم، أو المثقفين والصحافيين الذين يريدون الـــظـــهـــور بـــصـــورة المـــحـــامـــن الـــنـــبـــاء، ويـــظـــهـــرون بــصــورة الأبطال، فيما الحمى تتفشى. بالطبع، هـنـاك فـي الـغـرب مـعـادون لـإسـام، وهــؤلاء متطرفون وعنصريون، وهم يتغذون على خطاب قيادات التطرف الذين يشوهون صـورة الإســام. وإضعاف هؤلاء العنصريين يـحـدث مـن خــال إضـعـاف خـطـاب المتطرفين، وانــتــزاع تفسير الإســـام تماما مـن يـد «طـالـبـان»، و«حــزب الله»، و«الإخــــوان»، و«الحشد الشعبي»، وقـيـادات التكفير في الغرب والشرق، وتعزيز قيم التسامح والتعايش وحرية التفكير، وهي القيم ذاتها التي ينادي بها إيلون ماسك. بـعـد نطقهم لـغـة واحــــدة هــي الـعـربـيّــة، صـار الـــتـــعـــرّض لاعـــــتـــــداءات الـــنـــظـــام الإيـــــرانـــــي الــقــاســم المشترك الثاني بين عرب آسيا. فإلى دول الخليج التي استُهدفت كلّها، ابتُلي الأردن وشمال العراق بـالـضـربـات الإيـــرانـــيّـــة. أمّـــا الـيـمـن فسبق لطهران أن رعـــت انـشـقـاقـه يـمـنـن، وأمّـــــا لـبـنـان فـأشـرفـت، بعد تاريخ من الإلـحـاق والتعطيل، على زجّــه في حـربـن مـدمّــرتـن. فــوق هـــذا، إذا أغـلـق الحوثيّون باب المندب، تنفيذا لرغبات إيران، فالأذى المباشر سوف يتعدّى عرب آسيا إلى مصر. ذاك أن الأخيرة ستدفع أيضا بعض أكلاف العمل الأهوج، فـضـا عـن المـسـؤولـيّــات الـتـي يرتّبها دورهـــا وحجمها حـيـال الـتـصـدّع فـي اسـتـقـرار العالم العربيّ. وللتذكير، وفـي مقارنة لـأعـداد، انخفض عـدد الــدول العربيّة التي تحارب إسرائيل، ، ثـم باتت 1973 إلـى اثنتين فـي 1967 إلـى ثـاث فـي 1948 وتحاربها إسـرائـيـل، مـن سـت فـي الحروب تنحصر في بلد بعينه كلبنان، أو منطقة بعينها كغزّة. وربّما جاز القول إن ثورة الإيرانيّة كانت، بين ما كانتْه، دعوة لمضاعفة العنف الذي انطوت معاهدة كامب ديفيد، 1979 في الفترة نفسها، على الدعوة إلى خفضه. ولاحقاً، وفي أحد وجوهه، جاء «طوفان الأقصى»، المصحوب بـ«وحدة الساحات»، ردّا آخر على ضبط العنف بإطلاقه وتوسيع نطاقه. لكن إذا كانت الاعتداءات الإيرانيّة الحاليّة تعامل المنطقة كوحدة، فهل يمكن استخلاص شراكة ما في الرؤية والتفكير بين العرب المستَهدَفين؟ أغلب الظن أن نُخبا سياسيّة وثقافيّة كثيرة في العالم العربي تقلّب هذه المسألة على أوجهها، محاوِلة استنباط طرق مجدية في التنسيق والعمل المشترك. لكن ما هو أبعد من التحدّي، وما يستمر إلى ما بعد انقضائه، أن مصدر الخطر العميق كامن في الراديكاليّات العدميّة الـتـي يعنيها الانـتـصـار لفكرة متيبّسة أكـثـر كثيرا مـمّــا يعنيها بـنـاء بلد مزدهر ومستقرّ. فتلك الراديكاليّات تبقى مصنعا لتوليد الكوارث التي تفيض عن البلد المعني إلى جـواره. ونعرف، عملا بتجارب عـدّة، أن تصدير الكوارث جزء لا يتجزّأ من طبيعة الكوارث نفسها، ووهم يلازمها مفادُه أن توريط الآخرين بها طريق للنجاة منها. وهذا ما يرتّب العمل على تفادي المشاريع الراديكاليّة المجنونة بسياسات عادلة تقطع الطريق على دعاوتها، ولكن أيضا بعدم ممالأتها ومنعها من التبلور والاكتمال. والحال أن إحدى فضائل التركيز على النظام الإيراني وآيديولوجيّته قطع الطريق على التأويل العنصري السهل الــذي يفترض تـضـادّا بين «عــرب وفـــرس»، وذلــك على نحو أسوأ وأخطر من التضاد المزعوم الآخر لمطالع القرن الماضي بين «عرب وترك». فالمشاريع تلك، وبحجّة رابـط ما ثقافي أو ديني مع جوارها، أو بحجّة عـدو مشترك، تدّعي تمثيل ذاك الجوار والنطق بلسانه ومعرفة مصلحته التي لا يعرفها هو. فإذا حاول الجوار رفض الوصاية واجهَه واحد من احتمالات ثلاثة: إمّا عنف «الأخ الأكبر» التأديبيّ، أو توريطه في أوضـاع مُهلكة اختيرت له بمعزل عن إرادتــه، أو الشيئان معاً. ولا يغيّر في النتائج الكارثيّة أن تسجِّل بعض حـالات التمثيل تعاطف جزء ممّن اغتُصب تمثيلهم مع زاعم التمثيل. وأكثر من أجـاد المبدأ هذا كان حافظ الأسـد حيال الفلسطينيّين. فهو غالبا ما توسّل قضيّتهم بوصفها قضيّة قوميّة ليس لهم الحق في تقريرها، أمّا حين كانوا يفعلون فكانت تطاردهم تهم الخيانة ومعها يطاردهم الرصاص والعبوات. وكــنّــا شـهـدنـا، عــربــيّــا، الــغــزو الــصــدّامــي لـلـكـويـت والإخـــضـــاع الأســـــدي لـلـبـنـان اللذين صحبهما كلام كثير عن مصالح فلسطين والعروبة و«الأخـوة العرب في قطرين شقيقين»، وعن شراكة في التاريخ والمصير تجيز حبس الصغار في بيوت الطاعة. وهذا قبل أن «يدافع» عن الجنوب اللبناني «حزب الله» بشق الأنفاق تحت بيوت السكّان فيما هم نيام أو غافلون. لكن التاريخ الحديث يقدّم أمثلة عـدّة ومتباينة عن التمثيل. فباسم الوحدة القوميّة ، عـن الألمـــان المقيمين فـي منطقة الـسـوديـت. 1938 والـعـرقـيّــة، «دافــعــت» ألمـانـيـا الـنـازيّــة، عــام وكان للزعم هذا أن برّر ضم تلك المنطقة بعد اتّفاقيّة ميونيخ، لكن بنهاية الحرب ذاق سكّان السوديت الأمرّين وتعرّضوا لنزوح جماعي قاسٍ. 1956 وغـزا الاتّحاد السوفياتي سياسات بلدان أوروبـا الوسطى، خصوصا المجر في ، بحجّة الدفاع عن الاشتراكيّة فيها. لكن الغزو قضم السيادات 1968 وتشيكوسلوفاكيا في الوطنيّة للبلدان المذكورة وضاعف قمعها وسحقها. وإبّان تفكّك يوغسلافيا في التسعينات، ادّعى سلوبودان ميلوسيفيتش «الدفاع» عن الجماعات الصربيّة في كرواتيا والبوسنة. ومرّة أخرى، ما إن انتهت الحرب حتّى واجهت تلك الجماعات نفسها النزوح والانهيار الاقتصاديّ. وفعل فلاديمير بوتين شيئا مشابهاً، باسم حماية الــروس والناطقين بالروسيّة في شبه جزيرة القرم والـدونـبـاس. وهــذا فضلا عن تـذرّعـه بتاريخ روســي – أوكـرانـي مشترك، وبوحدة مذهبيّة، ثم بتخليص أوكرانيا من «الفاشيّين». وفي النهاية دُمّر عديد المناطق التي ادّعت روسيا تمثيل سكّانها. لهذا يقال اليوم للنظام الإيـرانـيّ، وبـأصـوات شتّى، إن ما من أحـد يُفوَّض النيابة عن غـيـره بـقـوّة امتلاكه حـقّــا مطعونا فـي حقّيّته. وحـتّــى لـو كــان كـذلـك فهو لا يجيز لصاحبه احتلال إرادة الآخرين والتحكّم بحياتهم وموتهم. OPINION الرأي 12 Issue 17407 - العدد Sunday - 2026/7/26 الأحد هل إيلون ماسك معاد للمسلمين؟ ليبيا... تفوّق الواقع على الخيال إيران و«تمثيل» مصالح العرب! وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة ممدوح المهيني جمعة بوكليب

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky