issue17402

لا سياسة عظيمة من دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الطريق الثقافة CULTURE 18 Issue 17402 - العدد Tuesday - 2026/7/21 الثلاثاء رشا عوض تحلل روائع الأفلام من منظور علم النفس الصمت فعل مقاومة للحفاظ على الحياة فـــي كـتـابـهـا «الأفـــــام والـــحـــيــاة» الــصــادر أخـــيـــرا عـــن دار «الـــعـــربـــي» بــالــقــاهــرة، تسعى الـبـاحـثـة د. رشـــا مصطفى عـــوض إلـــى إعـــادة تفكيك عدد من روائـع السينما في العالم من منظور علم النفس، وذلك بوضع العمل الفني فــي ســيــاقــات ثـقـافـيـة واجـتـمـاعـيـة وإنـسـانـيـة أكـــثـــر شــمــولــيــة، تــخــرجــه مـــن الإطــــــار الـضـيـق للنقد الـتـقـنـي الجمالي المباشر. وتـــــــــركـــــــــز المـــــؤلـــــفـــــة بــــــشــــــكــــــل خـــــــــــــاص عــــلــــى «الـبـحـث عــن الـسـعـادة»؛ وهـــو فـيـلـم ســيــرة ذاتــيّــة أمـــــيـــــركـــــي يـــســـتـــنـــد إلــــى قِــــصــــة حــقــيــقــيــة مـلـهـمـة لشخص يـدعـى «كـريـس غاردنر» يسعى لمحاربة ظــــــــــــــروف مــــحــــبــــطــــة مـــن حوله. الفيلم من إخـراج غــــــابــــــريــــــيــــــل مــــوكــــيــــنــــو، وبــــطــــولــــة ويــــــل ســمــيــث، ، وتـــــــدور 2006 إنـــــتـــــاج أجـــــــــــــــــــواؤه حـــــــــــول بـــطـــل يـــســـعـــى بـــشـــتـــى الـــســـبـــل لـــتـــوفـــيـــر ســــبــــل الـــــراحـــــة والـــــــــســـــــــعـــــــــادة لأســــــرتــــــه الصغيرة بعد أن تخلت عنه زوجته بسبب فقره. وتشير رشا عوض إلى أنه في إحدى لياليه الـــطـــويـــلـــة، دخـــــل كــريــس دورة مـــــيـــــاه عـــــامـــــة فــي محطة قطارات مهجورة حاملا معه ابنه الصغير بـــن ذراعـــيـــه، كـــان الليل ثـــقـــيـــا والأرض بــــــاردة كــــأنــــهــــا تـــجـــســـد حــــــواف اليأس نفسه. جلس على الأرض وأســـــنـــــد ظـــهـــره إلــى الــجــدار، وأغـلـق الباب بقدمه المرتجفة كمن يصد عـن نفسه العالم بأسره بكل قسوته خلف لوح خشبي متهالك. وتوضح المؤلفة أنه في ذلك الركن المظلم لم يكن يواجه الفقر فحسب؛ بل كـان يصارع انكسار صورته الذاتية، وكان يقاتل كي لا يرى في عيني طفله النائم رجلا مهزوماً. كانت تلك اللحظة بكل ما فيها من صمت أكثر من مشهد حرمان، كانت لحظة نادرة لانكشاف الإنسان عـــلـــى حــقــيــقــتــه حــــن تـــتـــســـاقـــط كــــل الأقـــنـــعـــة، فعندما تطردك الحياة من كل مأوى خارجي لا يبقى لك إلا مأواك الداخلي، وهناك في العزلة القسرية تولد الرؤية الحقيقية؛ تلك الشرارة التي لا تطفئها العتمة، بل توقظها في خضم الأزمات العنيفة. فــــــي عــــلــــم الــــنــــفــــس الــــعــــصــــبــــي، أثـــبـــتـــت الـــدراســـات أن الــدمــاغ يعيد تـرتـيـب أولـويـاتـه تحت الضغط الـشـديـد، بـوصـف ذلــك رد فعل غزيريا حين يشعر الإنسان بتهديد وجودي، فينشط الجهاز الحوفي المعرّف بمركز التحكم فــــي الانــــفــــعــــالات والـــــخـــــوف، بــيــنــمــا يــتــراجــع التفكير العقلاني المعتمد على التحليل. في تلك اللحظات يصبح الإنسان أكثر حساسية لما هو جوهري مثل البقاء والأمـــان والإرادة، وهـكـذا يفتح الألـــم نـافـذة غير متوقعة لرؤية الـذات؛ لا كما نظهر للآخرين، بل كما هي في أصدق حالاتها. مـــن هــــذا الــفــهــم نـــــدرك أن الـعـتـمـة ليست نـقـيـض الــــرؤيــــة؛ بـــل رحــمــهــا الأول كــمــا كتب نــيــتــشــه فـــــي تــــأمــــاتــــه حــــــول الألـــــــم والـــخـــلـــق: «إن الإنـــســـان لا يـصـنـع ذاتــــه إلا مــن خـــال ما يكسره»، فكل كسر هو بداية جديدة لمن يجرؤ على النظر إلى الشظايا بوصف ذلك احتمالا لإعادة التكوين. فـي ذلــك المشهد مـن الفيلم، نطالع رجـا يحتضن طفله خلف باب متهالك، لندرك أن ما كـان يولد هناك لم يكن مجرد مقاومة للفقر، بل ولادة لرؤية وجودية؛ رؤية لا تعد بحياة أسهل، بل تدعونا لأن نصبح أعمق، لا بالهرب من الألم بل بالعبور منه بكل هشاشتنا، وبكل رجائنا في أن يكون المعنى أقـوى من المحنة، على حد تعبير المؤلفة. غـــــادر كـــريـــس غــــاردنــــر مـــــأوى المــشــرديــن مـمـسـكـا بـيـد ابـــنـــه؛ خــطــواتــه الـبـطـيـئـة تحمل وقعا خاصاً، وعلى الرصيف الـبـارد التقطت عــيــنــاه صـــورتـــه مـنـعـكـسـة فـــي نـــافـــذة ســيــارة مــتــوقــفــة، فـــــرأى ظـــل رجــــل لا يــقــاتــل مـــن أجــل البقاء فقط، بل من أجل أن يظل جديرا بنفسه. وقف برهة ليمرر يده على شعره ويعدل ياقة قميصه وربطة عنقه البسيطة، لم يكن يزين مظهره ليخدع أحداً، بل ليرمم صورة داخلية عـن ذاتـــه؛ يـــدرك أنـهـا هشة لكنها ثمينة، ولا يريد لها أن تتكسر مهما طال ليل المحنة. مــــن هـــنـــا، تــخــلــص المـــؤلـــفـــة إلـــــى أنـــــه فـي لـحـظـات الــســقــوط الــقــصــوى يـصـبـح الـحـفـاظ على الاستقامة الداخلية بـطـولـة يـومـيـة صـامـتـة، فـــحـــن يُـــســـلـــب مـــنـــك كـل شـــــيء يــتــبــقــى لــــك خــيــار واحــــــــد فـــقـــط ألا تـسـمـح لأحد، ولا حتى للظروف بأن تسلب منك شعورك بــقــيــمــتــك. وهـــــكـــــذا، كـــان كـــريـــس كـــل صـــبـــاح حين يقف أمـــام نـافـذة سيارة عــــابــــرة ويــــعــــدل مــظــهــره كمن يشد بأصابعه على فــتــات حـلـمـه، مـــــرددا في صـمـتـه الـــحـــاد: «مـــا زلـت هنا... ما زلت أحيا، وما زلت أستحق!». «الشيطان يرتدي برادا» تــــشــــتــــبــــك المـــــؤلـــــفـــــة كذلك مع فيلم آخر شهير هــــو «الـــشـــيـــطـــان يـــرتـــدي بـــــــــرادا»، بـــطـــولـــة مـيـريـل ســتــريــب وآن هـــاثـــاواى، بـــوصـــفـــه عــــمــــا درامــــيــــا كــومــيــديــا شــهــيــرا صــدر ، ويــــتــــنــــاول 2006 عـــــــام كـــوالـــيـــس عـــالـــم المـــوضـــة وتحديات البيئة المهنية القاسية. تــــــــــــــــــــــدور الــــــقــــــصــــــة حـــــــــول آنـــــــــــدي ســـــاكـــــس؛ وهـــــي خــريــجـــة صـحـافـة طموحة وبسيطة لا تهتم بـــالأزيـــاء، حـيـث تـجـد آنــــدي نفسها مـسـاعـدة شخصية للمرأة المتسلطة ميراندا بريستلي، رئيسة تحرير مجلة «رانـــوي» المرموقة التي تضع مساعدتها الجديدة تحت ضغط هائل وتكلفها بمهام شبه مستحيلة. ولا تـتـعـامـل المــؤلــفــة مـــع الـفـيـلـم بوصفه مجرد دراما خفيفة تدور في كواليس صناعة الأزيـــــاء الــعــالمــيــة؛ بـــل تـفـكـكـه بـوصـفـه صـراعـا وجـوديـا يمس جوهر «الإنــســان الــعــادي» في مواجهة إغراءات الحداثة الرأسمالية. ينطلق التحليل من فرضية أن شخصية «ميراندا بريستلي» تمثل رمزية «الشيطان» بمفهومه المعاصر؛ وهـي الـقـوة التي لا تأتي بـشـكـل مـــرعـــب، بـــل تـتـجـسـد فـــي صــــورة بـريـق اجـــتـــمـــاعـــي، وســلـــطـــة نــــافــــذة، وأزيــــــــاء فــاخــرة تخطف الأبصار وتغوي النفوس للتخلي عن مبادئها الأصيلة. وتركز رشا مصطفى على تتبع المنحنى الـــنـــفـــســـي لــلــبــطــلــة «آنــــــــــدي»، مـــشـــيـــرة إلـــــى أن تــحــولــهــا الـــتـــدريـــجـــي يــمــثــل عــمــلــيــة «قـــضـــم» مستمرة لروحها الإنسانية، حيث تبدأ برفض السطحية لتجد نفسها لاحـقـا منغمسة في طقوس هذا العالم المزيف، مضحية بعلاقاتها الــحــقــيــقــيــة؛ كــأصــدقــائــهــا وشـــريـــك حـيـاتـهـا، مــــن أجـــــل إرضـــــــاء مــتــطــلــبــات رئـــيـــســـة عـمـلـهـا الإقصائية. ويمنح السيناريو المشاهد فرصة فريدة للتأمل عبر مراقبة سقوط «ميراندا» الإنساني خلف قـنـاع الـقـوة؛ فالحياة الأسـريـة المنهارة والمجتمع المزيف المحيط بها يعملان كأنهما مـجـسـم حــي يـكـشـف لآنــــدي التكلفة الباهظة للنجاح الرأسمالي المشوه. وتـشـيـر الـــقـــراءة التحليلية هـنـا إلـــى أن اللحظة الـحـرجـة فــي الفيلم تتمثل فــي قــدرة آنـــدي على «الـتـوقـف والـــرفـــض»؛ وهــي لحظة التحرر النفسي التي اخـتـارت فيها ألا تبيع روحـــهـــا، متخلية عــن هـــذا الـعـالـم بـكـل بريقه المغوي، والعودة إلى ذاتها الحقيقية. وتــــــرى المـــؤلـــفـــة أن ثـــمـــة ســـــــؤالا فـلـسـفـيـا مــحــوريــا حـــول مــا إذا كـــان الإنـــســـان المـعـاصـر يمتلك بعد النظر والوعي الكافي للرفض قبل فوات الأوان، أم أن المحاولات المستمرة لزعزعة استقراره ستجعل الحياة مجرد ركض خلف أوهـــام استهلاكية وصـــور تلتقطها عدسات الكاميرات. القاهرة: رشا أحمد ملصق فيلم «البحث عن السعادة» «الفكر النقدي اللامفكّر فيه» لعباس عبد جاسم ضـمـن سلسلة «مــنــشــورات مـركـز تـنـويـر للبحوث والدراسات التنموية»، صدر كتاب جديد للناقد العراقي عباس عبد جاسم بعنوان «الفكر النقدي اللامفكّر فيه» صفحة من القطع المتوسط، وقـد تضمن ثلاثة 180 في عشر فصلا ومقدمة. يــقـول الـنـاقـد فــي مـقـدمـة الــكــتــاب: «أعــنــي بــ(الـفـكـر النقدي اللامفكّر فيه): إزاحة النقد وإبداله ضمنا بآليات عــابــرة لـقـوانـن الـنـقـديـة الـتـي كـانـت ســائــدة فــي مشغل كتابي النقدي (النظرية النقدية العابرة للتخصصات)، وذلــــــك بـــالـــتـــوجّـــه نـــحـــو فـــكـــر نـــقـــدي يـــتـــجـــاوز الــنــظــريــة النقدية بالعبور النقدي أولاً، والتأسيس لمفهوم جديد اصـطـلـحـت عـلـيـه بـــ(تــنــويــر الــتــنــويــر) ثــانــيــا، وصـيـاغـة منظومة من المقولات التي تشكل بنية إطارية لفكر نقدي يتجاوز نقد النقد ثالثاً». ويـــرى المـؤلـف أن «دور الـرسـالـة قـد انتهى بعد أن انـتـهـى (المـثـقـف الــرســولــي)، واضـمـحـلّــت فاعلية المفكر العربي بعد أن تراجعت منظومة الفكر العربي، إن لم نقل توقفت عند حـدود معينة من ميتافيزيقيا العمق، والأنظمة الآيديولوجية، حتى تغيّر العالم بالتحولات الميتامعرفية، وما بعد المعلوماتية». وقــد يجد الــقــارئ فـي هــذا الـكـتـاب بعض التداخل بين فصوله، هذا على الرغم من استقلالية كل فصل عن الآخـــر، والسبب فـي ذلـك تعالق الأفـكـار بعضها بحجر بعض، أو تنافذ بعضها ببعض في هذه الأطروحة. ويــقــول الــنــاقــد عـبـد جــاســم فــي مـقـدمـتـه: «إن كـان الـفـكـر الـنـقـدي الـامـفـكّــر فـيـه اسـتـراتـيـجـيـة عـبـر نقدية، مركبة من (فكر نقد لا مفكر فيه)، فإن ما يقتل هذا الفكر التأليه والتعالي على الفهم والمعاني البشرية بصيغتَي التضخيم الفكري والتهويل العقائدي». وهـــو يـعـتـرف بـأنـه «لـــم يـخـف مـمـارسـتـه فــي نحت المصطلحات واشـتـقـاقـهـا بصيغ جـديـدة مـن الاجـتـهـاد الإبــســتــيــمــي فــــي صـــــوغ الـــبـــنـــى المــصــطــلــحــيــة، وكـيـفـيـة توظيفها في الفكر النقدي ما بعد النظرية، وما تنطوي عليه مــن دلالات اصـطـاحـيـة بوصفها كـائـنـات لغوية حية ومتحرِّكة في حقل الفكر المابعدي، وكيفية توظيف هــذه المصطلحات كـآلـيـات اشـتـغـال لمــدلــولات مفهومية متجدّدة مع قوانين تطور حركة العصر والعالم». مــــن فـــصـــول الـــكـــتـــاب: واقـــعـــيـــة الـــكـــوانـــتـــم والــبــنــى الواقعية المتحوّلة، والفكر النقدي اللامفكر فيه، ونقد ما بعد الأكاديمية: مقدمة في الفكر النقدي ما بعد النظرية الـنـقـديـة، وبـيـنـونـة الـفـكـر الـنـقـدي وإشـكـالـيـة الـامـفـكّــر فيه، وبراديغما الفكر النقدي ما بعد النظرية النقدية، ونظرية النظرية في الفكر النقدي، ونقد النقد وإشكالية المصطلح والمفهوم في الفكر النقدي، وتنوير التنوير: نحو أطروحة جديدة في الفكر النقدي، وفلسفة الفلسفة: تراجع الفلسفة من منظور الفكر النقدي، ونقد اليسار العربي ما بعد الكولونيالية، ونقد الإنتجليسيا الرثة، والريبورت المفكر: الرقمنة بوصفها بنية مفكرنة، ونحو فكر نقدي جديد لفهم السايبورغ (الجنس الافتراضي). وكانت هذه الدراسات قد نُشرت في مجلة «الأديب الثقافية» الـعـراقـيـة ابــتــداء مـن الـعـدد الــســادس مـن عام ، والأعداد التالية له. 2023 بغداد: « الشرق الأوسط» عباس عبد جاسم لولا هيغل لما كان بسمارك قادة الفكر يسبقون قادة السياسة وليس العكس أولا ينبغي العلم أن ألمانيا في عهد هيغل كانت فـي المائة 70 ذات أغلبية بروتستانتية كبيرة بنسبة والباقي كاثوليك تابعون للفاتيكان وبابا رومـا الذي يـكـرهـه الـبـروتـسـتـانـتـيـون. وثـانـيـا إن هيغل ذاتـــه كـان لوثريا بروتستانتيا فـي عمق أعـمـاقـه. ولكنه لـم يكن طــائــفــيــا. مـسـتـحـيـل. لا يـمـكـن لـفـيـلـسـوف كـبـيـر دشــن الحداثة الفكرية والسياسية والأنـواريـة في أوروبــا أن يكون طائفياً. ولا ننسى أن ألمانيا هي بلد مارتن لوثر الذي دشّن الإصلاح الديني وحرّر الإنسان المسيحي من سطوة رجال الدين وفسادهم واستغلالهم. ومعلوم أن بابوات روما وكرادلتها كانوا قد أصبحوا مليونيرات عـلـى حـسـاب الـشـعـب البسيط الـخـائـف مــن نـــار جهنم والمستعد لدفع كل فلوسه من أجل نيل صكوك الغفران ودخـــول الـجـنـة. وقــد أقـنـعـوه بـأنـه كلما دفــع أكـثـر كان حظه في الجنة أكبر. على هـذا النحو تمت المتاجرات الكبرى بالدين. وضد كل هذا الفساد المستشري انفجر لــوثــر بـثـورتـه الــعــارمــة وزلــــزل عـــرش الــبــابــويــة. ولـهـذا السبب كان هيغل معجبا به إلى أقصى الحدود. كـانـت الـطـائـفـيـة فــي زمـــن هيغل لا تـــزال مشتعلة وكان الشعب الألماني منقسما مذهبيا إلى كاثوليكيين وبــروتــســتــانــتــيــن. وكـــانـــت هــنــاك حــــــزازات هــائــلــة بين الطرفين. وكــان الكاثوليك يمثلون التيار الرجعي في ألمانيا على عكس البروتستانت الذين يمثلون التيار الـلـيـبـرالـي الـتـقـدمـي داخـــل المـسـيـحـيـة. كـــان الكاثوليك الألمـــــــان خـــاضـــعـــن لـــكـــام بــــابــــوات رومــــــا الــــذيــــن كـــانـــوا رجعيين طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى منتصف العشرين. بعدئذ جددت الكاثوليكية ذاتها وتصالحت مــع الــحــداثــة والـعـصـر ولـــم تـعـد تـكـفـيـريـة عـلـى طريقة الــقــرون الـوسـطـى. ولـكـن فــي زمـــن هيغل كـانـت لا تــزال رجعية جــــداً... ومـعـلـوم أن الـبـابـا بـيـوس الـتـاسـع أدان أي بــعــد وفــــاة هـيـغـل بــثــاثــن ســنــة ونـيـف 1864 عــــام «أخـطـاء العالم الحديث» وكفرها في فتوى مشهورة. لـقـد أدان حــريــة الـتـفـكـيـر والـتـعـبـيـر، وحـــريـــة الاعـتـقـاد والضمير، وأدان العقلانية والليبرالية ومجمل أفكار الحداثة. وقال إنها مخالفة لتراثنا وديننا وعقيدتنا. وأدان فلسفة حقوق الإنسان لأنها تساوي بين البشر هــكــذا لا عـلـى الـتـعـيـن. لــكــأن غـيـر المـسـيـحـي يـمـكـن أن يساوي المسيحي أو غير الكاثوليكي يمكن أن يساوي الكاثوليكي، أو لكأن الكافر يمكن أن يساوي المؤمن. كل هذه الأشياء كفرها وزندقها بابا روما تماما كما تفعل جماعات الإسلام السياسي السائدة عندنا حالياً. فهي أيـضـا عـــدوة لــــدودة لفلسفة حـقـوق الإنــســان ولـــم تشم رائحة الحداثة التنويرية بعد. بــالــطــبــع فـــــإن بـــســـمـــارك الــــــذي وحّــــــد ألمـــانـــيـــا عـــام أي بـعـد وفـــاة هيغل بـأربـعـن سـنـة فـقـط اضطر 1870 إلـــــى قـــصـــم ظـــهـــر الـــرجـــعـــيـــة الــكــاثــولــيــكــيــة الـــتـــي كــانــت تـقـف حـجـر عــثــرة فــي وجـــه هـــذا الـتـوحـيـد الـكـبـيـر. في ذلــــك الـــوقـــت كــــان الــلــيــبــرالــيــون الــتــقــدمــيــون المـــضـــادون لـلـطـائـفـيـة معظمهم مـــن الـبـروتـسـتـانـت. وكــــان معظم الأصوليين الرجعيين يتشربون كلام بابا روما تشربا من الكاثوليك البابويين المضادين للحداثة والمكفرين للبروتستانتيين وبالتالي لهيغل ذاتــــه... ضمن هذه الأجواء المشحونة ينبغي أن نموضع موقف هيغل من المـسـألـة الطائفية لكي نفهمه على حقيقته. وينبغي العلم أن بسمارك الذي وحّد ألمانيا على قاعدة المساواة فـي المـواطـنـة اللاطائفية بـن جميع الألمـــان نفذ حرفيا برنامج هيغل وكانط وفيخته وشيلنغ وبقية فلاسفة الأنـــــوار الــكــبــار. وهــنــا نلتقي مـبـاشـرة ذلـــك التمفصل الرائع الكائن بين الفكر والسياسة. لا سياسة عظيمة مـن دون فكر عظيم يسبقها ويحتضنها ويفتح لها الـطـريـق. بـهـذا المعنى فالفكر يسبق السياسة ويعلو عليها وليس العكس. هيغل هو الأساس بعدئذ يجيء بسمارك. الأولوية للمثقف الكبير لا للسياسي حتى لو كان ضخما في حجم بسمارك. لمــــاذا أقــــدّم كــل هـــذه الــديــبــاجــة؟ لـكـي أوضــــح مـدى خطورة المشكلة الطائفية أو بالأحرى المذهبية في كل المجتمعات والأديـان. عندما تنظر إلى أوروبـا الحالية المــســتــنــيــرة المـــتـــطـــورة لا تـــجـــد أي أثـــــر لـلـحـسـاسـيـات المذهبية أو الطائفية فيها. لقد تـبـخّــرت كليا بفضل جـهـود هيغل وبقية فلاسفة الأنــــوار. وهـــذا أول شيء يدهش العربي أو المسلم الـقـادم مـن الـشـرق الــذي يعج بـــالأصـــولـــيـــات والـــطـــائـــفـــيـــات والمــــذهــــبــــيــــات... لــــم يـعـد يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. إنهما مواطنان متساويان في المواطنة الألمانية ويتعايشان بكل سلام ووئـام في ذات الشارع أو ذات الحي أو ذات البناية. لم تعد توجد أحياء بروتستانتية مفصولة عن الأحياء الكاثوليكية. ولم يعد يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية أو ثـالـثـة... كـل هــذا انتهى منذ زمــن طـويـل. ولكنه لم ينته قبل انتصار المفهوم التنويري للدين المسيحي على المفهوم الظلامي التكفيري الـقـديـم. وعـلـى الرغم مـــن أن الــتــنــويــر كــــان قـــد حــصــل فـــي زمــــن هــيــغــل على مستوى النخبة فإن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة على مستوى عامة الشعب وجاهزة للاستنفار والاشتعال في أي لحظة. وعلى الـرغـم مـن أن هيغل كـان أكبر فيلسوف في عصره وربما في كل العصور فإنه ما كان يطيق سماع اســـم الـكـاثـولـيـك والمــذهــب الـكـاثـولـيـكـي. ويــــروي المفكر الفرنسي فيكتور كـــوزان أنـه كـان يتجول معه مـرة في شــــوارع كـولـونـيـا حـتـى وصـــا فــجــأة إلـــى الـكـاتـدرائـيـة الــشــهــيــرة الـــتـــي هـــي مـــن أجـــمـــل الــكــنــائــس فـــي الــعــالــم. وأتــذكــر أنـهـا سحرتني شخصيا بجمالها وبهرتني عندما رأيـتـهـا لأول مــرة أثـنـاء زيــارتــي الأولـــى لألمانيا . فماذا قـال هيغل وهـو يمعن النظر في هذا 1990 عـام البنيان الباذخ الشامخ؟ يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم البابا والكاثوليكيين بل يكاد يبصق على الأرض في وسط كاتدرائيتهم المقدسة ذاتها. وقد تعجب منه في هـذا الموقف المتشنج ومـا كـان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير فـي حجمه. كــان هيغل يفقد أعصابه عندما تثار أمـامـه المشكلة الطائفية أو المذهبية. كان يـحـمـل عــلــى الـكـاثـولـيـكـيـن الــبــابــويــن حـمـلـة شــديــدة ويـعـتـبـرهـم سـبـب تخلف ألمـانـيـا وتعصبها وتعلقها بـتـديـن الـــقـــرون الــوســطــى. وهــــذا يـعـنـي أن ألمـانـيـا عـام ! نعم التاريخ يتقدم إلى 2026 ليست ألمانيا عام 1826 الأمام أيها السادة. نعم هناك تطور وتجدد في التاريخ لحسن الحظ. نعم، لقد كانت الحساسية المذهبية أو الطائفية لا تزال قوية في زمن هيغل. بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كــان أيـضـا يصطدم برجعية الكاثوليكيين البابويين مــثــل هــيــغــل كــمــا ذكـــرنـــا آنـــفـــا. لمـــــاذا كــــان هــيــغــل يـكـره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيغل ليس ابن شارع! هناك سبب وجيه لــذلــك. وهـــو أن المــذهــب الـكـاثـولـيـكـي كـــان يعتبر نفسه الحقيقة المطلقة للمسيحية بــل ولـلـديـن كـلـه والبقية فراطات أو زندقات أو هرطقات أو أقليات لا يعتد بها. وكــــان يعتبر نـفـسـه بـسـبـب كـثـرتـه الــعــدديــة (أكــثــر من مليار شخص) الفرقة الناجية الوحيدة في المسيحية. كان يعتقد أن الكثرة العددية تعني أتوماتيكيا امتلاك الصحة الدينية والحقيقة الإلهية المطلقة. وكان يعتقد أنـــه لــن يـدخـل الـجـنـة بروتستانتي واحـــد ولـــن يحظى بمرضاة الله. الجنة محجوزة فقط للكاثوليك. وكان المـذهـب الكاثوليكي الـبـابـوي فـي أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية. عندما تقرأ تصريحات بـــــابـــــوات رومــــــا آنـــــــــذاك، عـــنـــدمـــا تــطــلــع عـــلـــى فـــتـــاواهـــم الـتـكـفـيـريـة لــــروح الأزمـــنـــة الـحـديـثـة وجـــوهـــرهـــا، تـكـاد تـتـخـيـل أن أقـــطـــاب الإســـــام الـسـيـاسـي الــســائــد حاليا هم الذين دبجوها وكتبوها... وهـذا يعني أنـه يوجد مفهومان للدين: المفهوم الطائفي الغياهبي الظلامي، والمـفـهـوم الأنـــــواري الـاطـائـفـي المـتـصـالـح مــع الـحـداثـة والعصر. وهذا الأخير هو الذي أنقذ أوروبـا من براثن الطائفية وجحيم الـحـروب المذهبية. وهــو الـــذي أتـاح نهضتها وإقــاعــهــا الــحــضــاري وتـفـوقـهـا عـلـى جميع شعوب الأرض. كما يعني أنه يوجد مفهومان للإيمان. فهناك المـفـهـوم التكفيري الطائفي الـقـديـم الـــذي يقتل ويـذبـح على الـهـويـة ويـدمـر الــوحــدة الوطنية. وهناك المفهوم الأنـــواري الجديد الـذي يحيي وينعش ويبني الــحــضــارات ويـجـمـع كــل المـكـونـات الاجـتـمـاعـيـة حـولـه. ولكن المشكلة هي أن المفهوم الطائفي التكفيري القديم راسـخ في العقلية الجماعية رسـوخ الجبال. ولا يمكن اقتلاعه بـن عشية وضحاها. هنا يكمن الاستعصاء الكبير. هاشم صالح الفيلسوف الألماني جورج فريدريش هيغل

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky