issue17401

الثقافة CULTURE 18 Issue 17401 - العدد Monday - 2026/7/20 الاثنين تاريخ قبرص من خلال المشروبات والأعشاب عندما شُيّد فندق «ليدرا بالاس» في خمسينات القرن العشرين لم يكن مجرد مـبـنـى، بــل كـــان رمـــزا لــدخــول قـبـرص إلـى العالم الحديث، تلك هي الفكرة الأساسية الـتـي تنطلق منها الكاتبة كونستانتيا سوتيريو فـي روايتها المشوقة «بـرانـدي لاذع» الـصـادرة حديثا عن دار «العربي» بـــالـــقـــاهـــرة، تـــرجـــمـــة مــحــمــد عـــبـــاس عـبـد العزيز. في هذا النص القصير المكثف، يجد الـقـارئ نفسه إزاء لوحة إنسانية لأحلام وإخفاقات القرن العشرين المضطرب عبر سـاكـنـي الـفـنـدق غـريـبـي الأطـــــوار، فمنهم مــن يــحــاول أن يـغـرق أحـــزانـــه فــي كــؤوس من الخمر مقنعة على شكل شاي. وهناك من يزرع سرا وردة من قريته بين حدائق الـفـنـدق الإنـجـلـيـزيـة ليصنع مـنـهـا شـاي الــــورد، ومـنـهـم الـــذي يــواجــه حــر الصيف وأكـــــاذيـــــب الــســيــاســة بــــــكــــــوب مـــــــن عـــصـــيـــر الـــلـــيـــمـــون. جـمـيـعـهـم شــخــصــيــات تــتــحــرك على هـامـش التاريخ فـــي عــمــل أدبــــي يـقـدم صــــــــــــورة حـــمـــيـــمـــيـــة، شديدة الخصوصية، لــــــــقــــــــصــــــــص هـــــــــــــؤلاء الأشــــــــخــــــــاص الـــــذيـــــن كـــــــانـــــــوا مــــشــــهــــوريــــن يـــــــــــــومـــــــــــــا قــــــــــبــــــــــل أن يــــصــــبــــحــــوا صـــفـــحـــة مطوية من الماضي. وفــــــــــي تـــقـــديـــمـــه لـــلـــعـــمـــل، يـــشـــيـــر المـــتـــرجـــم مـــحـــمـــد عــبــاس عـبـد الــعــزيــز إلـــى أن الــنــص يـتـقـاطـع فيه الـــفـــن الـــــســـــردي مــــع الـــــذاكـــــرة الــســيــاســيــة والتفاصيل اليومية عبر الأسئلة الكبرى عــن الـهـويـة والانــتــمــاء والانـــقـــســـام، حيث يــتــحــول فـــنـــدق لـــيـــدرا بـــــالاس الــــواقــــع في قـلـب نيقوسيا مــن مـجـرد معلم عمراني إلى مركز سردي نابض يختزن في غرفه أســـــــرارا وأصــــواتــــا وجــــراحــــا تــتــقــاطــع مع تاريخ قبرص الحديث. تُـــشـــيـــد الـــــروايـــــة عـــلـــى هــيــكــل روائـــــي تتوالى فيه الحكايات كغرف متجاورة، حيث يشكل كل فصل غرفة مستقلة تؤوي شخصيات مختلفة وتقدم من منظورها الــخــاص جــــزءا مــن الـــصـــورة الـعـامـة التي لا تكتمل إلا بتجميع أجزائها المتناثرة، من خلال أسلوب مكثف مقتصد في اللغة لكنه غـنـي بـالـرمـزيـة والانــفــعــال المـكـتـوم، مـمـا يـمـنـح الــنــص تـــوتـــرا ســـرديـــا داخـلـيـا ويجعل القراءة تجربة شعورية مركبة. مــــن أبــــــرز الــــجــــوانــــب الــفــنــيــة لـلـعـمـل اعتماد الكاتبة على الـرمـوز الحسية من المــــشــــروبــــات والأعـــــشـــــاب مـــثـــل الــســومــاتــا والـــزيـــفـــتـــنـــيـــا والـــكـــمـــنـــداريـــا إلـــــى الـــشـــاي بالنعناع ومـــاء الــــورد، وتحمّلها دلالات تاريخية ونفسية فتغدو كل نكهة امتدادا لذاكرة وكل وصفة محاولة للشفاء، وبهذا تتحول التفاصيل الحياتية العابرة إلى إشـارات دقيقة على الجراح العميقة التي لم تندمل وإلى طقوس داخلية تحفظ ما تبقى من هوية مهددة. لا تكتب سـوتـيـريـو الــتــاريــخ نفسه، لكنها تـروي انعكاساته على الأفـراد عبر شخصيات مهمشة، رجل أو امرأة أو لاجئ أو تركي أو يوناني أو شاعر، أو خادمة تـتـنـاوب فــي الــســرد حـامـلـة وجــهــات نظر متقاطعة تنبذ الثنائية الجامدة وتعيد الاعتبار إلى التعدد والاختلاف، من دون خــطـــاب مــبــاشــر أو شـحـنـة آيـديـولـوجـيـة ظاهرة بل من خلال سرد متقشف. وُلــــدت كونستانتيا سـوتـيـريـو عـام وتعد من أهم الأصــوات الأدبية في 1975 قـبـرص المـعـاصـرة، حيث قـدمـت عـــددا من الـــروايـــات والمـجـمـوعـات القصصية التي لاقـــت اهـتـمـامـا نقديا واســـــعـــــا مـــــن أبــــرزهــــا «عـــائـــشـــة تـــذهـــب فـي عـــــطـــــلـــــة» و«الــــــــبــــــــاد المــــــــــــرة»، إلـــــــى جـــانـــب أعــمــال أخــــرى للكبار والأطفال. حـــــــــــــــــــــــازت عــــــــــام عـــلـــى «جـــائـــزة 2019 الــــــــكــــــــومــــــــونــــــــولــــــــث» الــــــعــــــالمــــــيــــــة لـــلـــقـــصـــة الـــــــــــقـــــــــــصـــــــــــيـــــــــــرة عــــــن «طـــقـــوس المــــــوت» في إنـــجـــاز لافــــت، كونها أول كـــــاتـــــبـــــة تــــفــــوز بالجائزة عن عمل مترجم. تركز كتاباتها بـشـكـل خــــاص عــلــى الــتــجــربــة الإنـسـانـيـة فــــي قـــبـــرص وقـــضـــايـــا الـــــذاكـــــرة والـــهـــويـــة والانـقـسـام السياسي مـع اهـتـمـام واضـح بأصوات النساء والهامش الإنساني الذي غالبا ما يغفله التاريخ الرسمي. ومن أجواء الرواية نقرأ: «مـــــــن بـــــن جـــمـــيـــع الأجــــــانــــــب الــــذيــــن التقتهم فـي الـفـنـدق لـم يبق فـي ذاكرتها سوى يوري جاجرين، لا الأميرة مارغريت ولا الممثلة أليكي فـويـوكـاكـي، ولا حتى إليزابيث تايلور. وحــده يــوري جاجرين ظــــل مـــحـــفـــورا فــــي ذهـــنـــهـــا لأنـــــه ذات يـــوم غادر الأرض وسافر إلى السماوات ورأى الأرض من بعيد والقمر عن قرب. عـــنـــدمـــا تــــعــــود إلــــــى قـــريـــتـــهـــا خـــال إجـازتـهـا القصيرة لــزيــارة عائلتها يكون اهـــتـــمـــامـــهـــم بـــالـــفـــنـــدق وفـــخـــامـــتـــه، لا أحـــد يستطيع تصديق أن كل غرفة فيها حمام خاص وأن صنابير الماء توفر الماء الساخن والـبـارد وأن الـنـزلاء الأجـانـب يستطيعون الاستحمام يوميا إن أرادوا. القاهرة: رشا أحمد ارتبط الكاتب الفرنسي بالمكان ارتباط الابن البار بأمه على خُطى «فلوبير»... في أحضان منطقة الـ«نورماندي» عـــــــــــام عـــلـــى 200 بـــــمـــــنـــــاســـــبـــــة مـــــــــــــرور ، نـــظـــم مــعــرضــان 1821 ولادة فــلــوبــيــر عـــــام فـوتـوغـرافـيـان تـحـولا إلـــى مـعـرضـن دائـمـن فـي المتحف المخصص لـه فـي مدينة «روان» - مقاطعة رومــانــدي - حيث ولــد الكاتب في . وقـد احـتـوى المتحف 1880 ورحــل فـي 1821 عــلــى جـمـيـع مـقـتـنـيـاتـه. كــــان المـــعـــرض الأول بـعـنـوان «رحـلـة إلــى بــاد إيـمـا، عبر الـــدروب والأحـــام» بعدسة «إيـريـك بينار»، فـي قلعة كـــم مـــن «ري»). 4 «مــارتــانــفــيــل» (عـــلـــى بُـــعـــد والثاني «هــدوء، تصوير! في ديكورات مدام بــوفــاري»، وهـو مـسـار بـصـري يتتبّع مواقع تــصــويــر أفـــــام «ريـــــنـــــوار» و«شـــــابـــــرول» في «ليون - لا - فوريه». ومــــن المــــعــــروف أن فــلــوبــيــر قـــد اسـتـلـهـم مـــعـــظـــم شــــخــــصــــيــــات روايــــــــاتــــــــه مــــــن مــنــطــقــة رومــــــانــــــدي، الــــواقــــعــــة شـــمـــال غـــربـــي فــرنــســا، واســــتــــمــــد ديــــكــــوراتــــهــــا مـــــن طـــبـــيـــعـــة أراضــــــي المــنــطــقــة. وكـــانـــت عــائــلــة «فــلــوبــيــر» مـــن جهة الأم قـد ضربت بـجـذورهـا فـي أراضـــي «بونت - ليفيك»، منذ منتصف الـقـرن الـثـامـن عشر، وهــــي الأرض ذاتـــهـــا الــتــي شــهــدت ولادة أمــه .1793 «كارولين» عام وقد حفرت تلك المنطقة، وتحديدا إقليم «أوج»، فــــي وجـــــــدان الـــكـــاتـــب أثـــمـــن ذكـــريـــات طـفـولـتـه؛ حـيـث عـــاش أيـــامـــا تـعـبـق بــالــبــراءة والصفاء في مزرعة «جيفوس» الريفية التي .1829 اقتناها والده عام وقبيل بضعة أشـهـر مـن وضــع النقطة الأخـيـرة لقصته القصيرة «قـلـب بسيط» في ، اشتاقت روحــه المتعبة لزيارة 1876 صيف بـلـدة والــدتــه الحبيبة الـتـي رحـلـت عـن عالمه قبل أربع سنوات. هناك، اعتصره حنين طاغٍ، فانسابت مشاعره في نصه، وسمح لعاطفته - عــلــى غــيــر عـــادتـــه الـــصـــارمـــة - أن تـتـحـدث وتفيض. فجاءت كلماته مشبّعة بندى تلك الأيـــــام الـــخـــوالـــي، تـحـمـل فـــي طـيّــاتـهـا أثــــرا لا يُمحى من لوعة الفقد وصدق المحبة. لقد ارتـبـط فلوبير بمنطقة نورماندي ارتــــبــــاط الابـــــن الـــبـــار بـــأمـــه؛ فــلــم تــكــن مـجـرد مسقط رأســـه، بـل المـــاذ الــروحــي الـــذي صاغ وجـــــدانـــــه. فـــضّـــل صـــاحـــب «مـــــــدام بــــوفــــاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيدا عن صـخـب بـــاريـــس، لــيُــبــدع فـــي سـكـونـهـا أعـظـم أعماله. واتخذ من تضاريسها الجيولوجية مسرحا لروايته «بوفار وبيكوشيه». وهكذا ظلت نورماندي الرحم الحقيقية لعبقريته، ولم يخرج عن جلبابها إلا نادرا حين ارتحل شــرقــا لـكـتـابـة «ســـالامـــبـــو»، لـتـبـقـى البصمة النورماندية هي الأعمق في هويته الأدبية. وكــــــان فــلــوبــيــر قــــد أجـــــــرى، فــــي خــريــف ، رحــــلــــة اســـتـــكـــشـــافـــيـــة تــوثــيــقــيــة 1877 عــــــام فــــي «نـــــورمـــــانـــــدي الـــســـفـــلـــى»، حـــيـــث أســـرتـــه الـتـكـويـنـات الـجـيـولـوجـيـة الــفــريــدة المنبثقة مــــــن الــــعــــصــــر الــــــجــــــوراســــــي، بـــمـــنـــحـــدراتـــهـــا الصخرية الشاهقة وغاباتها العتيقة. وقد اتـخـذ فلوبير مــن هـــذه الـتـضـاريـس مسرحا لمـــشـــروعـــه الـــــروائـــــي الـــســـاخـــر، جــــاعــــا مـنـهـا مـــيـــدانـــا لــبــطــلــيْــه «بـــــوفـــــار» و«بـــيـــكـــوشـــيـــه»؛ وهما رفيقان مهووسان باكتساب المعارف. وهكذا، قادهما الكاتب عبر منحدرات وأودية المنطقة لتصوير هوسهما العبثي والمحموم بعلوم الجيولوجيا والأحافير في قالب من السخرية السوداء. وفــي هــذه المنطقة، وفــي عطلة صيفية بـــقـــريـــة «تــــروفــــيــــل» خـــــال ثـــاثـــيـــنـــات الـــقـــرن الـــتـــاســـع عــــشــــر، اخـــتـــبـــر الـــفـــتـــى «غـــوســـتـــاف فلوبير» الحب من النظرة الأولى؛ حين أسرت قـلـبـه الـسـيـدة الـنـاضـجـة «إلـــيـــزا شـلـيـزنـغـر»، لتصبح منذ تلك اللحظة أيقونته الأنثوية ومــثــلــه الأعـــلـــى لــلــجــمــال. وقــــد انــعــكــس هــذا الـعـشـق العميق لاحـقـا فــي روايــتــه «التربية العاطفية»؛ حيث استلهم شخصية «السيدة أرنــــو» مــن طـيـف حبيبته، بينما جـعـل بطل الرواية «فريديريك» مـرآة لروحه، ليُخلّد من خلاله لوعة حبه الصبوي وحنينه الدفين. فاجعة تلهم مدام بوفاري ، شـــــهـــــدت قـــــريـــــة «ري» 1848 فـــــي عـــــــام الـفـرنـسـيـة فـاجـعـة واقـعـيـة حــن أنــهــت سيدة تُــــدعــــى «دلــــفــــن ديـــــامـــــار» حـــيـــاتـــهـــا بــتــجــرع الـــزرنـــيـــخ، هـــربـــا مـــن وطـــــأة الــــديــــون الـخـانـقـة وصــــدمــــة تــخــلــي عــشــيــقــهــا عـــنـــهـــا، لـتـنـطـوي مـــأســـاتـــهـــا فــــي صـــمـــت مــــوحــــش. إلا أن هـــذه الــحــادثــة المـحـلـيـة الــعــابــرة أصـبـحـت الــشــرارة التي ألهمت غوستاف فلوبير لإبــداع تحفته الخالدة. فقد استلهم من تلك الواقعة شخصية «إيـمـا بــوفــاري» المـتـمـردة، وحـــوّل قـريـة «ري» إلـى بلدة «يونفيل - لابــاي» الخيالية، مُخلّدا بذلك فاجعة منسية لتغدو أيقونة أبدية في تاريخ الأدب. كتب «فيليب دوفــور»، أستاذ أدب القرن التاسع عشر بجامعة «تور»، عن فلوبير بعد قراءته «مدام بوفاري»: «لـــقـــد صـــــاغ غـــوســـتـــاف فــلــوبــيــر جــوهــر أســـلـــوبـــه فـــي (مــــــدام بـــــوفـــــاري)، لـيـثـبـت عليه كقانون لا يتبدّل. لقد تخلّى عـن التحليقات العاطفية المفرطة للرومانسية، ليغوص في تــيــار الـواقـعـيـة الـــجـــارف. ولِــكــي يـعـكـس وجـه الواقع العاري، كان يصفّي كتاباته بلا هوادة، ويُــقـصـيـهـا عــن ذاتــــه. الــكــاتــب فــي نـظـره ليس مجرّد شاعر، بل هو حِرفي يتألّم في محراب الكلمة، لا يتردد لحظة في التضحية بمشاهد قد تبدو خلّبة لكنها لا تخدم البناء المعماري للنص. وتكمن حداثته أيضا في شح الأحداث داخل روايات يبدو فيها العالم المادي متسيّدا عـلـى خـبـايـا الـنـفـس الـبـشـريـة. ورغـــم اعتناقه لمــبــدأ «الــفــن لـلـفـن» كـمـثـل أعــلــى لـلـجـمـال، فـإن لفلوبير رؤيـتـه الفلسفية العميقة للوجود: فهو يشهر ســاح سخريته الـاذعـة فـي وجه «الــتــقــدم» المــزعــوم الـــذي كـانـت تـعـبـده الطبقة البرجوازية، ويحتقر الـــرداءة، راسما صـورة لعالم قاسٍ، بل دنيء أحياناً، لا تخترقه سوى ومــضــات عـابـرة مـن الـحـنـان تـجـاه البائسين، ولــــحــــظــــات نــــــــادرة مــــن الإنـــســـانـــيـــة والـــجـــمـــال الخالص». عــــشــــق «فــــلــــوبــــيــــر» الـــــغـــــوص فـــــي بـــحـــار المــفــردات التقنية الدقيقة، صـاقـا قلمه الـذي شبّهه أحد النقّاد بـ«مبضع الجرّاح»، لِا يتمتع به من دقة تشريحية لا تُخطئ الهدف. يُقاطع التدفق السردي في نصوصه بوصف خالص، وبإحساسات تُنقل بلمسات انطباعية سريعة للألوان، والضوء، وكثيرا ما تكون للأصوات. ولا ريـــــب أن هـــــذا الــــجــــو المـــشـــحـــون يــســهــم - بشكل خفي - في رسـم ملامح البناء النفسي للشخصيات وصـيـاغـة الـحـبـكـة؛ فتأثير تلك الانــعــكــاســات الـضـوئـيـة عـلـى وجـــه «إيـــمـــا» لا يملك إلا أن يسحر القارئ، كما سحر «شارل» الـذي كـان يتأمّلها. يفيض أسلوب «فلوبير» بـاسـتـخـدام الـفـعـل المــاضــي الـنـاقـص المستمر )، لــيــؤكــد رتـــابـــة الـــزمـــن، ومـلـل L›imparfait( الـعـيـش، وثــقــل الـديـمـومـة الـخـاضـعـة لأعـــراف وتقاليد الأريــاف الصارمة. من أهـم ابتكارات «فلوبير» التي تجاوز بها أقـرانـه، هو تبنّيه لموقف الراوي المُتجرّد من ذاته، الذي يقف على مسافة حيادية من الحدث. إنه لا يقحم نفسه في استطرادات شخصية، بل يكتفي بالمراقبة «الــســريــريــة» المــحــايــدة لمــا يــــدور أمــــام عينيه. وعلى النقيض من «هوجو» أو «بلزاك»، فهو لا يعظ، ولا يُنصّب نفسه قاضيا أخلاقيا على شخصياته. حقاً، في عالم «فلوبير»، لا أحد يدرك يقينا ما الكلمة الأخيرة للكاتب! يتسم أســلــوب الـكـاتـب بـالـدقـة والإيــقــاع المــــضــــبــــوط عـــبـــر تـــوظـــيـــف تـــقـــنـــيـــة الـــتـــجـــاور والاســتــخــدام الــذكــي لـعـامـات الـتـرقـيـم لخلق مـسـاحـات لـلـتـأمـل. وتــبــرز فــي نـصـوصـه روح الشاعر المـهـووس بالكمال الموسيقي، والـذي يبحث بضراوة عن «الكلمة الأصدق»، متجنبا بشدة أي تكرار يُفقد اللغة بريقها وجمالها. إلى جانب لغته المتفردة، يمتلك الكاتب رؤية سينمائية سابقة لأوانها؛ حيث يعتمد على «لقطات مقربة» ترصد أدق التفاصيل لتعرية الـــخـــبـــايـــا الــنــفــســيــة لــشــخــصــيــاتــه. وتـتـجـلـى عبقريته هنا فـي قـدرتـه على رســم المـفـارقـات الإنــــســــانــــيــــة الـــــصـــــارخـــــة بــــصــــريــــا ونـــفـــســـيـــا؛ كالتناقض بين براءة ونعومة فتاة برجوازية، والأيـــــادي الخشنة لـخـادمـة أفـنـت عـمـرهـا في الشقاء. تمثال فلوبير غلاف الأعمال الكاملة لفلوبير شاكر نوري فضَّل صاحب «مدام بوفاري» العزلة في صومعته النورماندية بعيدا عن صخب باريس ليُبدع في سكونها أعظم أعماله تعقيب على مقالة «هل لا تزال الناس تقرأ؟» لخالد الغنامي العوام يطالعون بلا قصدية... والخواص يقرأون بقصدية كثيرا ما يتردد في اللقاءات والـحـوارات الـثـقـافـيـة ســـــؤال الــــقــــراءة مـــن نــاحــيــة الـــعـــزوف عــنــهــا، وهــــجــــران الـــكـــتـــاب الــــورقــــي. وعــــــادة ما يُلقى باللائمة في الإجابة عن مثل هذا السؤال على وسائل التواصل الافتراضي (السوشيال مـــيـــديـــا)، وذلـــــك بـــوصـــف الـتـكـنـولـوجـيـا غــــولاً، والناس ضحايا لها. وتستدعي هذه الظاهرة في فهم معنى القراءة أن نتساءل: هل يمكن لفعل القراءة أن يكون بهذا الشمول > بحيث إن أي عملية إمـــرار للبصر على الكلمات هي عملية قرائية بالتمام والكمال؟ ألــيــســت ثــمــة مــســافــة فــكــريــة بـــن «قــصــديــة > )» فعل الإمرار البصري ولا قصديته. Intentionality( ومن ثم يكون الفعل «قرأ» غير الفعل «طالع»؟ إن هــــــذه الـــــتـــــســـــاؤلات وغــــيــــرهــــا هـــــي مـا تثيره مقالة خالد الغنامي الموسومة: «هـل لا تــزال الناس تـقـرأ؟: كمية الـقـراءة وطبيعتها»، والمــــنــــشــــورة فــــي «ثـــقـــافـــيـــة» جــــريــــدة «الــــشــــرق . وهـــي تــدور 2026/ 7/ 12 الأوســـــط» بـتـاريـخ حــــول مـــحـــور رئــيــســي يـضـعـنـا أمـــــام مــقــاربــات تُــمــثــل جــوهــر مـــا أراد الــغــنّــامــي طــرحــه فـيـهـا. ويتمثل هذا المحور في وجهة النظر الإيجابية لفعل الـقـراءة على أسـاس «أن الإنسان لم يقرأ فـــي تــاريــخــه كــمــا يــقــرأ الــــيــــوم»، و«أن الـــقـــراءة تـــغـــيّـــرت أكـــثـــر مــمــا تـــراجـــعـــت، وأن الــوســائــط الرقمية غيّرت مفهوم القراءة». وعلى الرغم من هـذا التفاؤل المفرط، فإن الــغــنــامــي يــعــتــرف بـــأنـــه لا قـــــدرة لــلــنــاس على المـــكـــوث مـــع فـــكـــرة واحــــــدة أو الــصــبــر فـــي زمــن متسارع الإيقاع، وأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة الفهم أو عمقه. ولـنـعـد إلـــى مـعـجـم «لـــســـان الـــعـــرب» لابـن ، وفيه نجد أن للفعل قرأ 12 منظور، الـجـزء الــــ دلالـــة الـجـمـع والــضــم «فـكـل شـــيء جمعته فقد قــــرأتــــه»... و«الاقــــتــــراء افـتـعـال مــن الــــقــــراءة...»، ويـعـنـي قـولـهـم: أقـــرئ فـانـا الــســام أن يحمله عـلـى أن يــقــرأ الـــســـام ويـــــرده. بـيـنـمـا نـجـد في من لسان العرب أن للفعل طالع دلالة 9 الجزء الـ الاطـــاع على الأخــبــار، والطلعة الــرؤيــة، يقال: طالعته طلاعة ومطالعة. من هنا تأتي أهمية تحديد مفهوم القراءة وتمييزه عن مفهوم المطالعة، كي يتأطر البُعد المـعـرفـي لأي فعل مـن أفـعـال الإبــصــار والتلقي والاستجابة. فتكون الـقـراءة ممارسة محددة بـسـمـات مـعـيـنـة تجعلها غـيـر المــطــالــعــة؛ فمن يُطالع شاشة إلكترونية أو يتصفح موقعا هنا أو هناك أو كتابا إلكترونيا أو ورقيا إنما يتلقى المعلومات بلا قصدية واعية، بعكس ذلك الذي يقرأ كي يتلقّى المعلومات، ويجمعها بقصدية تفكيكها وإعـــادة إنتاجها. وهــذا بالضبط ما يجعل فعل القراءة مرهونا بالكتابة لا محالة. ومــــــا لا شـــــك فـــيـــه أن عــــــــوام الـــــنـــــاس مـن مـــســـتـــخـــدمـــي الـــــوســـــائـــــط الــــرقــــمــــيــــة ووســــائــــل التواصل الافتراضية هم مطالعون بالضرورة، بــيــنــمــا خــــــواص الــــنــــاس مــــن الــــكُــــتّــــاب والـــنـــقـــاد والمـــــفـــــكـــــريـــــن، ومــــعــــهــــم هـــــــــواة الـــــــقـــــــراءة -عـــلـــى اخـــتـــاف مـسـتـويـاتـهـم وتـــنـــوع مـــداركـــهـــم- هم قـــــرّاء بـــالـــضـــرورة لـــوجـــود مـقـصـديـة الـــقـــراءة/ الــكــتــابــة. وبـــذلـــك يـــكـــون الــــفــــارق بـــن المـطـالـعـة والقراءة جوهرياً؛ فالأولى تكتفي بنفسها في الـتـوصـيـل، والـتـفـاعـل الـعـابـر والـسـطـحـي، في حين الثانية مندمجة بالكتابة لا محالة. وما مـن تحسين لفعل الــقــراءة إلا بتوسيع المـــدارك بالكتابة التي بها يختبر الـقـراء كيفية تطور مفرداتهم، وطبيعة عمل ذاكرتهم في استقبال المعلومات وضم بعضها إلى بعض. ولا فــــرق فـــي ذلــــك بـــن أن يـــكـــون المـــقـــروء ورقــيــا أو إلـكـتـرونـيـا، بــل إن الأخــيــر هــو الــذي سيفرض نفسه لسهولة الحصول عليه. وهذا يعني أن تــراجــع مـبـيـعـات الـكـتـب الــورقــيــة في الأســــــواق والمــــعــــارض المـحـلـيـة والـــدولـــيـــة ليس بسبب هجران القراءة، وإنما هي سلطة الكتاب الإلـكـتـرونـي بوصفه وسيلة متاحة للتواصل الثقافي، وتعميق الوعي. د. نادية هناوي أومبرتو إيكو النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky