Issue 17401 - العدد Monday - 2026/7/20 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز القنوات الحية المقترحة التي تبث نوعا معينا من البرامج أو عناوين مختارة بشكل مستمر، تستعيد فكرة «افتح الشاشة ودعها تعمل» ترند هل فقد السبق الصحافي مكانته؟ لم يعد للسبق الصحافي ذلك البريق الذي كان يمنح غـرفـة التحرير شـعـورا بالانتصار حـن تسبق منافسيها بدقائق معدودة، ذلك أن الحرب في إيران وأوكرانيا وغزة، والـــزلازل التي هــزَّت تركيا وسـوريـا والمـغـرب، والانهيارات السياسية المتلاحقة، أثبتت جميعها أن الخبر بـات يصل إلـــى الـجـمـهـور فــي الـلـحـظـة ذاتــهــا الــتــي يـقـع فـيـهـا الـحـدث تقريباً، لا عبر مـراسـل يـهـرول مُمسكا بالكاميرا، بـل عبر هـاتـف مـواطـن عـابـر يـوثِّــق اللحظة وينشرها على منصة مفتوحة قبل أن تصل غرفة الأخـبـار إلـى نسختها الأولـى من القصة. لقد تحولت السرعة مـن ميزة تنافسية حصرية إلى سلعة متاحة للجميع، وهذا التحول، بالذات، هو ما يفتح الباب أمام السؤال الأعمق: إذا كان كل إنسان قادرا على أن يكون ناقلا للخبر، فما الذي يبقى للصحافي المحترف كي يُقدمه؟ تُقدم الدراسات الحديثة إجابة واضحة عن هذا السؤال؛ إذ تـــؤكـــد أن وســـائـــل «الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي» ومـنـصـات الـفـيـديـو أصــبــحــت، لـلـمـرة الأولــــــى، أكــثــر شـيـوعـا كمصدر للأخبار من التلفزيون والمـواقـع الإخبارية المؤسسية، في وقـــت تـتـراجـع فـيـه الـــزيـــارات الـقـادمـة مــن مـحـركـات البحث بنسبة تقارب الثلث عالمياً، بفعل ظهور محركات الإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأمـــــام هـــذا الـــتـــراجـــع، لـــم تـلـجـأ المــؤســســات الإعـامـيـة الكبرى إلـى مضاعفة سرعتها في نقل الخبر العاجل، بل اتجهت، كما تـوثِّــق الـدراسـات ذاتُــهـا، نحو إنـتـاج محتوى أكــثــر تـمـايــزا وأقــــرب إلـــى صـــوت إنـسـانــي مــتــفــرد، وهـــو ما يفسّر ازدهــار صحافة الفيديو التفسيري و«البودكاست» التحليلي في وقـت واحــد، وكـأن الصناعة بأكملها أدركـت أن معركة الـثـوانـي خـاسـرة سلفا أمــام جيش مـن الهواتف المحمولة، وأن المعركة الجديدة تدور حول معنى ما يحدث لا حول توقيت وقوعه. هذا الانتقال ليس اختراعا حديثا بقدر ما هو استعادة لـجـدل قـديـم فــي عـلـم الاجــتــمــاع الإعـــامـــي، أرســــاه الباحث بابلو بوكوفسكي، حـن ميَّز بـن قيمتين متنافستين في العمل الصحافي، إحداهما الفورية التي تكافئ من يصل أولاً، والأخرى التفسير الذي يكافئ من يفهم أعمق، مبينا أن كفة الفورية رجحت طـويـاً، بفعل منطق الويب الأول، القائم على تحديث الصفحة كل دقيقة. أمـــا الـــيـــوم، وقـــد اسـتـحـالـت الــفــوريــة بـضـاعـة مجانية ينتجها أي طرف مـزوّد بصلة إلى «الإنترنت»، فإن القيمة ارتــحــلــت نـحـو مـــن يـمـلـك الـــقـــدرة عـلـى الـــربـــط بـــن الـوقـائـع المـتـنـاثـرة وصياغتها فــي سـيـاق مـفـهـوم، وهـــو مــا تسميه الـبـاحـثـة بـــاربـــرا زلــيــزر «مـجـتـمـعـات الــتــأويــل»، أي أن دور الصحافي الحقيقي لم يعد نقل الواقعة، بل تأويلها ضمن إطار يمنحها معنى يفهمه القراء ويثقون به. وتـــزخـــر الــســاحــة الإعــامــيــة بـأمـثـلـة عـمـلـيـة عـلـى هـذا الــتــحــول. فـمـنـصـات الـتـحـقـق، الــتــي تـعـتـمـد عـلـى المــصــادر المـفـتـوحـة، لا تتنافس على نشر خبر الــغــارة أو الانفجار أولاً، بل على تفكيك حقيقته بالأدلة البصرية بعد ساعات أو أيام من وقوعه، فتكسب ثقة تفوق كثيرا ما تكسبه سرعة الـلـحـظـة الأولـــــى. وجـــائـــزة «بـولـيـتـزر» نفسها كــرَّســت منذ سنوات فئة مستقلة للصحافة التفسيرية، تكريما لأعمال لا تُعنى بما جــرى بـقـدر عنايتها بـــ«لمــاذا جــــرى؟»، وكيف يرتبط بسياق أوسع. وحتى المؤسسات التقليدية العريقة أعـــادت هيكلة أولـويـاتـهـا نحو المحتوى الغني بالتفسير والصوت البشري المميز بدل ملاحقة الخوارزمية. إن ما يبدو تراجعا للسبق الصحافي هو في جوهره إعادة توزيع للقيمة داخل المنظومة الإعلامية بأكملها، إذ انتقلت الثروة الرمزية من زمن الحدث إلى عمق فهمه، ومن سباق النشر الأول إلى سباق الثقة الأخير. وهـذا الانتقال ليس تـرفـا فكريا بـقـدر مـا هـو استجابة اضـطـراريـة لبيئة أغـرقـت الجمهور بالمعلومات حتى ضــاق ذرعـــا بكثرتها، فـصـار يبحث لا عمن يخبره بما حــدث، بـل عمن يساعده على أن يفهم ما حدث. لـقـد انـتـقـلـت الـقـيـمـة المُــضــافــة فـــي صـنـاعــة الـصـحـافـة تـدريـجـيـا مــن الإخــبــار إلـــى الــشــرح، ومـــن نـقـل الـوقـائـع إلـى بـنـاء معناها، ومــن تسجيل اللحظة إلــى تفسير سياقها واستشراف آثارها. وهــــذا الــتــحــول لـــم يـنـشـأ لأن الـجـمـهـور فـقـد اهـتـمـامـه بـــالأخـــبـــار، وإنـــمـــا لأن الـبـيـئـة الاتــصــالــيــة نـفـسـهـا تـغـيـرت جـــذريـــا. فـفـي المـــاضـــي كــانــت المــؤســســة الإعــامــيــة تسيطر عـلـى أدوات جـمـع الأخـــبـــار وإنــتــاجــهــا وتــوزيــعــهــا، ولـذلـك كـان السبق يعني امتلاك معلومة لا يملكها الآخـــرون. أما اليوم فـإن منصات «التواصل الاجتماعي» والبث المباشر والهواتف الذكية جعلت آلاف الشهود المحتملين يشاركون في إنتاج الصورة الأولى ونشرها. وجــاء انتشار أدوات الـذكـاء الاصطناعي ليعمق هذا الاتـــجـــاه. فـالـخـبـر الـقـصـيـر يمكن الــيــوم تلخيصه وإعـــادة صـيـاغـتـه وتـصـنـيـفـه فـــي ثـــــوان قـلـيـلـة، بـيـنـمـا يـظـل إنـتـاج تفسير موثوق يتطلب معرفة متخصصة وحكما تحريريا وقدرة على الموازنة بين المصادر. هل يعود التلفزيون من بوابة البث الرقمي؟ «نتفليكس» أمام اختبار «المتابعة» لم تعد معركة البث الرقمي تـدور حـول من يـمـلـك أكــبــر مـكـتـبـة أو أعــلــى عـــدد مــن المـشـتـركـن فحسب، بـل حــول ســـؤال أكـثـر حساسية: كـم من الوقت يبقى المشاهد داخل المنصة؟ فــي هـــذا الـسـيـاق، تـبـدو «نتفليكس»، التي قادت الانقلاب على التلفزيون التقليدي، وكأنها تــعــيــد الــنــظــر فـــي بــعــض المــــبــــادئ الـــتـــي صنعت نــجــاحــهــا: الـــبـــســـاطـــة، والمـــشـــاهـــدة عــنــد الــطــلــب، والابــتــعــاد عــن الـبـث المُــبــرمــج. لـقـد كشفت «وول ستريت جــورنــال» عـن أن الشركة تبحث إضافة قـــنـــوات حـيـة دائـــمـــة الـــبـــث، وحُـــــزَم اشـــتـــراك تضم خـدمـات منافسة مثل «بـيـكـوك»، التابعة لشركة «إن بــــي ســــي يـــونـــيـــفـــيـــرســـال» بـــعـــدمـــا تــراجــعــت حصتها مــن مــشــاهــدة الـتـلـفـزيـون فــي الــولايــات فــي المــائــة فــي أبــريــل (نـيـسـان)، 7.8 المـتـحـدة إلـــى ، وتراجع 2025 ) أدنى مستوى لها منذ مايو (أيار 12 فــي المــائــة خـــال 40 سهمها بنسبة أكـبـر مــن شهرا ً. لـــكـــن الــــصــــورة لــيــســت صــــــورة أزمــــــة مـالـيـة مـبـاشـرة؛ ذلـــك أن «نتفليكس» أعـلـنـت فــي الـربـع 16 نــمــوا فـــي الإيـــــــرادات بـنـسـبـة 2026 الأول مـــن فــي المــائــة، ونــمــوا فــي الــدخــل التشغيلي بنسبة فـي المـائـة، مـع توقّعات بــإيــرادات سنوية بين 18 مليار دولار وهامش تشغيلي تبلغ 51.7 و 50.7 فــي المــائــة. غـيـر أن الـشـركـة نفسها 31.5 نسبته تقرّ، من جهة ثانية، بأن «الترفيه بات ديناميكيا وتنافسيا إلى حد استثنائي»، وأن هدفها هو أن تبقى «الخدمة التي لا غنى عنها»؛ أي المكان الأول الذي يقصده المستخدم والأخير الذي يلغيه. معركة الوقت تـراجـع «الانـــخـــراط» لا يعني بـالـضـرورة أن «نتفليكس» تخسر المشتركين الآن، لكنه يعني أن المشاهد بات أكثر استعدادا لتوزيع وقته بين منصّات كثيرة. وبحسب بيانات شركة «نيلسن»، 2026 ) حــافــظ الــبــث الــرقــمــي فـــي أبـــريـــل (نــيــســان فـي المـائـة مـن إجمالي مشاهدة 47.6 على نسبة التلفزيون فـي الــولايــات المـتـحـدة، بينما تصدّر في المائة من 13.4 «يوتيوب» المشهد بحصة تبلغ وقـت المشاهدة، وحققت منصّة «توبي» التابعة لشركة «فوكس كورب» المدعومة بالإعلانات أعلى في المائة. 2.3 حصة لها عند نسبة هذه الأرقام تشرح سبب قلق «نتفليكس»؛ » أو «إتـــش + فـالمـنـافـس لـــم يــعُــد فـقـط «ديــــزنــــي بـي أو مـاكـس»، بـل «يـوتـيـوب»، و«تـيـك تــوك»، والمـــنـــصّـــات المــجــانــيــة المـــدعـــومـــة بـــالإعـــانـــات، والألـعـاب، و«البودكاست» المـرئـي. لذلك تقول «نتفليكس» في رسالتها للمساهمين: «ليس كل الساعات متساوية»؛ لأن العنوان الناجح لا يضيف مشاهدة فقط، بل يدفع المستخدم إلى العودة ويقوّي الولاء. وبالفعل، قدّمت الشركة أمثلة على ذلـــك، بينها وصـــول المـوسـم الـرابـع مـلـيـون 94 مـــن مـسـلـسـل «بـــريـــدجـــرتـــون» إلــــى مشاهدة، وبـث بطولة العالم للبيسبول (كرة مليون 31.4 الـقـاعـدة) فـي الـيـابـان الـــذي جــذب مشاهد، وأنتج أكبر يوم تسجيلات جديد في السوق اليابانية. التلفزيون يعود غـيـر أن المـفـارقـة الــيــوم هــي أن «نتفليكس» تواجه تراجع المتابعة بالاقتراب من التلفزيون الـــذي حـاربـتـه؛ فـالـقـنـوات الحية المـقـتـرحـة، التي تبث نوعا معينا من البرامج أو عناوين مختارة بـشـكـل مـسـتـمـر، تـسـتـعـيـد فــكــرة «افـــتـــح الـشـاشـة ودعــهــا تـعـمـل»، وهــــذه الـفـكـرة الــتــي بـنـت عليها خـدمـات مجانية مثل «تـوبـي» و«روكـــو تشانل» نموا سريعاً. والهدف هنا ليس فقط تقليل حيرة الاخـتـيـار لــدى المـشـاهـد، بـل أيـضـا خلق لحظات مشاهدة عابرة وطويلة تصلح للإعلانات. هــــذا يــفــسّــر أيــضــا تـــوسّـــع «نـتـفـلـيـكـس» في الرياضة والأحداث الحيّة من دون الدخول، حتى الآن، في شراء مواسم كاملة باهظة الثمن؛ إذ بثّت حـدثـا حـيّــا فـي الـربـع الأول، 70 الـشـركـة أكـثـر مـن وهــي تستكشف، بحسب تـقـاريـر، المنافسة على .2034 و 2030 حقوق كأس العالم أما في فرنسا، فقد وفّرت شراكتها مع «تي » نموذجا عملياً: قنوات مباشرة ومحتوى 1 إف عــنــد الــطــلــب داخـــــل تـطـبـيـق «نـتـفـلـيـكـس». وقـــال ،»1 رودولــف بلمير، الرئيس التنفيذي لـ«تي إف شهرا «تحقّقت 18 إن أهـداف الجمهور المحددة لــ خلال أقل من ثلاثة أسابيع»، بعدما سجلت «تي مـلـيـون مشاهد 8.3 » رقــمــا قـيـاسـيـا بـلـغ + 1 إف يونيو (حزيران) الماضي. 25 يومي في الإعلانات والحُزَم الـتـحـول الأكـبـر هـو أن «نتفليكس» لـم تعد تبيع الاشتراك وحـده، بل أيضا تبيع «المتابعة» للمعلنين. وخطتها المدعومة بالإعلانات بسعر في 60 دولار باتت تمثل نسبة تربو على 8.99 المــائــة مــن الاشــتــراكــات الـجـديـدة فــي الــــدول التي تتوافر فيها. والشركة تتعامل الآن مع أكثر من فـــي المـــائـــة عـلـى أســـاس 70 مـعـلـن، بـــزيـــادة 4000 سنوي، وتتوقّع مضاعفة إيرادات الإعلانات إلى .2026 مليارات دولار في سنة 3 نحو ولكن، في المقابل، هذا المسار يحمل أخطاره أيــضــا؛ إذ كلما ازداد اعـتـمـاد «نتفليكس» على الـــبـــث الـــحـــي والـــــحُـــــزَم والإعـــــانـــــات، اقـــتـــربـــت من نــمــوذج «الــكــابــل» الــــذي كــانــت قــد وعــــدت سابقا بتجاوزه. يكون ذلك مفيدا للمشاهد إذا خفّض الكلفة ووسّــــع الــخــيــارات، لكنه قــد يعيد أيـضـا مشكلة الفوضى: إعلانات أكثر، وواجهات أكثر ازدحاماً، وحُزَم تشبه الاشتراك التلفزيوني القديم بأسماء رقمية جديدة. السوق كلها تسير في هذا الاتجاه شركة «فوكس» أعلنت اتفاقا لشراء «روكو» مليار دولار، فـي رهــان صريح 22 بقيمة تـقـارب عــلــى الــبــث المـــدعـــوم بـــالإعـــانـــات. بـيـنـمـا أعـلـنـت شركة «كومكاست» فصل أعمال الإعلام والترفيه عن أعمال الاتصال لتمنح كل قطاع مرونة أكبر فـــي ســـوق مــضــطــرب. لــــذا، لا تــبــدو «نتفليكس» في موقع الدفاع فقط، بل أيضا في لحظة إعادة تعريف. فهي لا تريد أن تكون مجرّد منصّة تعرض أفلاما ومسلسلات، بل بوابة يومية للترفيه؛ أي: مـسـلـسـات، وريـــاضـــة، و«بـــودكـــاســـت»، وفـيـديـو قـصـيـر، وقـــنـــوات حــيّــة، وربــمــا خــدمــات منافسة داخـــل التطبيق نفسه، على غـــرار مـا دأبـــت عليه شركات منافسة مثل «أمازون» و«أبل» منذ فترة طويلة. إل أن نجاح هذا التحوّل سيتوقّف على معادلة دقيقة تختصر بـ: كيف تزيد الوقت الذي يـمـضـيـه المـسـتـخـدم مـــن دون أن تـفـقـد الــوضــوح والبساطة اللذين جعلاها أصلا بديلا للتلفزيون التقليدي؛ إذ أن التلفزيون لم يمُت؛ بل عاد داخل التطبيق؟ شعار «نتفليكس» (أ.ف.ب) واشنطن: إيلي يوسف إعلانات لـ«نتفليكس» على جانب طريق في مدينة مومباي الهندية (رويترز) «إدمان المنصات» يُدخل عمالقة التكنولوجيا في مواجهات قانونية أدخـــــلـــــت اتــــهــــامــــات بـــالـــتـــســـبـــب فـــــي «إدمـــــــان المــنــصــات» عـمـالـقـة الـتـكـنـولـوجـيـا فـــي مـواجـهـات قانونية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مـــا عــــدّه خـــبـــراء «اتــجــاهــا مــتــزايــدا قـــد يــدفــع نحو تغيير نُظم عمل المنصات». وأكدوا «أهمية التربية الإعـــامـــيـــة بــاعــتــبــار حــمــايــة الأطــــفــــال مـسـؤولـيـة مشتركة». المـــفـــوضـــيـــة الأوروبــــــيــــــة وجّـــــهـــــت، الأســــبــــوع اتــــهــــامــــات إلـــــى شـــركـــة «مــــيــــتــــا»، مــالــكــة ، المــــاضــــي مــنــصــات «فــيــســبــوك» و«إنـــســـتـــغـــرام»، بـــ«انــتــهــاك قــــواعــــد الاتــــحــــاد عـــبـــر دفـــــع المــســتــخــدمــن لـلـبـقـاء متصلين بالمنصات أطـول فترة ممكنة». وطالبت «المفوضية» الشركة بإجراء تعديلات على ميزات مثل «التشغيل التلقائي للمحتوى» و«التمرير اللانهائي»، محذرة من غرامات حال عدم امتثالها للطلبات. يأتي قــرار المفوضية الأوروبــيــة بعد سنتين مــــن الـــتـــحـــقـــيـــقـــات بــــشــــأن المـــحـــتـــوى الــــضــــار عـلـى المــنــصــات، وســـط تــحــذيــرات مــن «أضـــــرار نفسية» على الأطفال بسبب ما يسمى «إدمان المنصات». ووفــــــق بـــيـــان لــلــمــفــوضــيــة الأوروبــــــيــــــة، فـــإن «(مـــيـــتـــا) لـــم تــقــيّــم مــخــاطــر الإدمــــــان الــنــاجــمــة عن ميزات مثل التشغيل التلقائي... ومقاطع الفيديو القصيرة قـد تسهم فـي زيـــادة اسـتـخـدام منصتَي (فيسبوك) و(إنستغرام)». وفـــي سـيـاق مـتـصـل، قـدمـت «مـيـتـا»، وأيـضـا شركة «يـوتـيـوب»، استئنافاً، أخـيـراً، على الحكم الـــصـــادر فــي دعــــوى قـضـائـيـة فــي لـــوس أنجليس بــشــأن «إدمـــــان مـنـصـات الــتــواصــل الاجــتــمــاعــي»، وطعنت بقرار «هيئة المحلفين» الذي أشار إلى أن المنصات «تعمد إلــى إيـقـاع المستخدمين الشباب في شباك الإدمان دون مراعاة لسلامتهم». أنـــــــــس بـــــنـــــضـــــريـــــف، الـــــصـــــحـــــافـــــي المــــغــــربــــي المـــتـــخـــصـــص فــــي شـــــــؤون الإعــــــــام الــــرقــــمــــي، قـــال لـــ«الــشــرق الأوســـــط» فــي لـقـاء مـعـه، إن «المـنـصّــات تــعــتــمــد عـــلـــى مــــا يــســمــى بـــاقـــتـــصـــاد الانــــتــــبــــاه... فــخــدمــات المــنــصــات تــبــدو مـجـانـيـة، لـكـن نـمـوذج أعمالها يقوم على جمع بيانات المستخدم وبيع الإعلانات، وكلما بقي وقتا أطول زادت الأربـاح... ولــــهــــذا الـــســـبـــب تـــســـتـــخـــدم الـــتـــمـــريـــر الـــانـــهـــائـــي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات والخوارزميات الشخصية». وأضـــــــــاف بـــنـــضـــريـــف أن هــــــذا الــــتــــوجــــه مـن جــانــب المــنــصــات هــو الـسـبـب فــي تــزايــد الــدعــاوى الـقـانـونـيـة الــتــي تـواجـهـهـا الآن، والـــتـــي تتهمها بتصميم مـنـتـجـات تـشـجـع الاســتــخــدام الـقـهـري، خصوصا لدى الأطفال. وأشار في هذا الصدد إلى الحكم الـصـادر في الـولايـات المتحدة ضد «ميتا» و«يـــوتـــيـــوب» بـــدفـــع تــعــويــض قـــــدره ســتــة مـايـن دولار، والذي ما زال قيد الاستئناف. وتــــابــــع أن «هـــــــذه الـــقـــضـــايـــا قــــد تـــــــؤدي إلـــى تـــعـــويـــضـــات وغــــــرامــــــات، لـــكـــن الأهـــــــم هــــو إجـــبـــار الشركات على تغيير تصميم منصاتها، وحماية بـــيـــانـــات الأطــــفــــال، والــتــحــقــق مـــن الــعــمــر وتـقـيـيـد الخوارزميات والإشعارات». وهذا قبل أن يوضح أن «بعض الدول بدأت بالفعل اتخاذ إجـراءات؛ إذ 16 منعت أستراليا استخدام المنصات لمن هم دون سنة، في حين تتجه فرنسا إلى منعه لمن هم دون سنة». 15 مـع هـــذا، شــدد بنضريف على أن «المـواجـهـة تحتاج أيضا إلى تربية إعلامية، وحـدود زمنية، وإغـــــاق الإشــــعــــارات، ومــنــع الــهــاتــف أثـــنـــاء الـنـوم والــدراســة؛ لأن المسؤولية مشتركة بـن الشركات والـــــدولـــــة والأســــــــــرة، ولـــيـــســـت مـــســـؤولـــيـــة الــطــفــل وحـــده». وللعلم، كانت شركة «ميتا» قـد انتقدت قـــــرار المــفــوضــيــة الأوروبـــــيـــــة، وقـــالـــت إن «نــتــائــج التحقيقات لا تأخذ فـي الاعـتـبـار الـخـطـوات التي ســبــق اتـــخـــاذهـــا لـحـمـايـة المـــراهـــقـــن، ومــــن بينها تــحــديــد وقــــت الاســـتـــخـــدام ومـــنـــح الآبـــــاء قـــــدرا من التحكم فـي حسابات أبـنـائـهـم». وأعلنت بحسب إفـــــادة رســمــيــة «اعــتــزامــهــا الـــتـــعـــاون مـــع الـجـهـات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي». مـــــن جــــهــــة ثــــانــــيــــة، قـــــــال مـــحـــمـــد الـــــصـــــاوي، المـــتـــخـــصـــص المـــــصـــــري فـــــي الـــــرصـــــد والـــتـــحـــلـــيـــل الإعـامـي، إنـه «لـم يعد يُنظر إلـى إدمــان المنصات الرقمية بوصفه مجرد قضية صحية أو اجتماعية، بـل تحول إلــى ملف قانوني وتنظيمي متصاعد على مستوى العالم». وأردف في حوار مع «الشرق الأوســــط» بـــأن «مـــؤشـــرات الــرصــد الإعــامــي خـال الــســنــوات الأخـــيـــرة تـظـهـر تــصــاعــدا مـلـحـوظـا في حـجـم الـتـغـطـيـات المـرتـبـطـة بـالمـسـاءلـة القانونية لـشـركـات الـتـكـنـولـوجـيـا، مــع تـركـيـز مـتـزايـد على آلـيـات التصميم الـتـي تستهدف إبـقـاء المستخدم مــتــصــا لأطـــــول فـــتـــرة مـمـكـنـة عــبــر خـــوارزمـــيـــات التوصية والإشـــعـــارات المـتـكـررة وأنظمة التفاعل المستمر». وعد الصاوي ذلك بمنزلة «تحول النقاش من تأثيرات الاستخدام المفرط إلى مسؤولية المنصات نفسها في تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين، لا سيما مـع تنامي الـتـسـاؤلات حــول مــدى تأثير نـــمـــاذج الأعــــمــــال الــقــائــمــة عــلــى تـعـظـيـم الـتـفـاعـل فـي ترسيخ أنـمـاط الاسـتـخـدام المـكـثـف»، ثـم تابع قائلا إن «الملاحقات الحالية قد تُسهم في إعـادة صياغة العلاقة بين المنصات ومستخدميها، من خــال فــرض مستويات أعـلـى مـن الشفافية حول آليات عمل الخوارزميات، وتعزيز إجراءات حماية الأطفال والمراهقين». وقـــد لـفـت فـــي هـــذا الـــصـــدد إلـــى أن «الـعـامـن المـاضـيـن شـهـدا اتـجـاهـا مـتـزايـدا مــن الحكومات نحو تبني سياسات وإجـــراءات تهدف إلـى الحد من التعرض المفرط للمنصات الرقمية لدى القُصّر، عبر تشديد متطلبات التحقق من العمر، وتعزيز أدوات الـرقـابـة الأبــويــة، وفــرض قيود على بعض الخصائص التي تشجع الاستخدام المطول...». أيـضـا شـــدّد الــصــاوي على أن «خــطــورة هذه الــقــضــيــة تـكـمـن فـــي أن تــأثــيــر المـــنـــصـــات الـرقـمـيـة لا يــقــتــصــر عـــلـــى اســــتــــهــــاك الـــــوقـــــت أو تـشـتـيـت الانـــتـــبـــاه، بـــل يــمــتــد إلــــى قـــدرتـــهـــا المـــتـــزايـــدة على تشكيل اهتمامات المستخدمين، وتوجيه أنماط اسـتـهـاكـهـم لـلـمـحـتـوى، خـصـوصـا لـــدى الأطــفــال والمــراهــقــن الــذيــن لا تــــزال قــدراتــهــم عـلـى التقييم النقدي واتخاذ القرار قيد التطور». ولـــفـــت إلــــى «تــــزايــــد المــــخــــاوف مـــن أن تـــؤدي الخوارزميات القائمة على تعظيم التفاعل إلى دفع بعض الفئات العمرية تدريجيا نحو محتويات أو سلوكيات أكثر خطورة، أو إلى زيادة قابلية التأثر بالمضامين التي تعيد تشكيل القيم والاتجاهات والسلوكيات». وأضاف: «في مواجهة هذه التحديات، يبرز مفهوم (التصميم المسؤول) كأحد أهم الاتجاهات المستقبلية في صناعة المنصات الرقمية؛ إذ يجري تـطـويـر الــخــدمــات بـمـا يـحـقـق تـــوازنـــا بــن تعزيز الــتــفــاعــل وحـــمـــايـــة المـــســـتـــخـــدم، مـــن خــــال أدوات إدارة وقـــت الاســتــخــدام، وتقليل الإشـــعـــارات غير الضرورية، ومنح المستخدمين مستوى أعلى من التحكم في المحتوى وآليات التوصية». القاهرة: فتحية الدخاخني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky