OPINION الرأي 12 Issue 17401 - العدد Monday - 2026/7/20 الاثنين وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com زيارة عون واشنطن فرصة لا تحتمل الضبابية في قيادة الدراجات والشركات والدول هل كرة القدم فعلا عالمية؟ تكتسب زيــارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية، ليس لأنها الزيارة الرئاسية الأولــى من هـذا المستوى منذ سنوات، بل لأنها تأتي فـي لحظة إقليمية عـاد فيها لبنان إلى صـــــدارة الاهــتــمــام الأمــيــركــي بـعـد عــقــود مـــن تـراجـع موقعه على سلم الأولــويــات. إلا أن هـذا الاهتمام لا يعكس تـحـولا دائـمـا فـي السياسة الأميركية تجاه لــبــنــان، بــقــدر مـــا يـعـكـس تــداعــيــات الـــحـــرب الأخــيــرة وما كشفته من مخاطر استمرار وجود «حزب الله» قوة عسكرية خارج الدولة، وانعكاس ذلك على أمن إسرائيل والتوازنات الإقليمية. لذلك ينبغي الحذر والــتــحــوط مــن مـــحـــاولات تـخـريـب الـــزيـــارة بافتعال أحداث أمنية في الداخل أو مع إسرائيل في الجنوب في خلالها. لا تـــبـــدو الــــزيــــارة مـــجـــرد مــحــطــة فـــي الــعــاقــات الـثـنـائـيـة هـدفـهـا الـتـأكـيـد عـلـى المــطــالــب اللبنانية، بل اختبار لقدرة الدولة على إقناع واشنطن بأنها ماضية في استعادة سيادتها، وأنها شريك يمكن الاستثمار فيه سياسيا وأمنيا واقتصادياً. يـمـلـك عــــون عــنــاصــر قــــوة لـــم تــتــوافــر لأســـافـــه. فـمـواقـف رئـيـسـي الـجـمـهـوريـة والـحـكـومـة تتقاطع، للمرة الأولى بعد سنوات من الانقسام والتردد، حول أولوية حصرية السلاح واستكمال تنفيذ القرارات ذات الصلة، بما ينسجم مع ما تطالب به الولايات المتحدة وشركاؤها العرب والغربيون، ليعيد بناء الثقة مع المجتمع الدولي. ولا يقتصر الأمــــر عـلـى الـــســـاح، بــل يـمـتـد إلـى الالـــتـــزام بتنفيذ اتـــفـــاق الإطـــــار المـــبـــرم مـــع إسـرائـيـل برعاية أميركية. فالهدف الاستراتيجي للاتفاق لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتجه نحو بناء سـام، وقـد وردت كلمتا «الـسـام» و«السلمي» عشر مـرات في نص الاتفاق، فيما يعكس استخدام تعبير «غير قابل للتراجع» سعيا إلـى تحويل هذا المسار إلى خيار دائم، وهو ما يفسر تمسك واشنطن بدور محوري في متابعة التنفيذ وحمايته. لكن نجاح الزيارة لن يتوقف على ما سيقال في البيت الأبـيـض، بـل على مـا سيحمله الرئيس معه إلـى واشنطن التي تعرف مـا تـريـده مـن لبنان، لكن السؤال، هل حسم لبنان ما يريده من نفسه؟ أهـــم مــا ينبغي أن يحمله الــرئــيــس هــو تبديد الانـــطـــبـــاع بـــوجـــود تـــــردد فـــي الانـــتـــقـــال مـــن المـــواقـــف إلـــــى الــتــنــفــيــذ، رغـــــم اســـتـــمـــرار الانـــقـــســـام الـــداخـــلـــي حــــول حــصــريــة الـــســـاح والــــتــــســــاؤلات بـــشـــأن قـــدرة الــــدولــــة، لا ســيــمــا الـــجـــيـــش، عــلــى فــــرض قـــراراتـــهـــا. وهـنـا تـبـرز أهـمـيـة تـشـديـد الـرئـيـس عـلـى المــزيــد من الضغوط الأميركية على إسرائيل للالتزام بالمناطق النموذجية والانسحابات. كـــذلـــك لـــو يُــــقــــدّر لــلــرئــيــس أن يــحــظــى بـالـغـطـاء الـــعـــربـــي، لا ســيــمــا الــخــلــيــجــي، لمــــشــــروع اســـتـــعـــادة الدولة. صحيح أن هذه الـدول منشغلة بالتهديدات الإيـرانـيـة المـتـصـاعـدة، لكن هــذه الـتـهـديـدات نفسها تجعل استعادة الدولة اللبنانية جـزءا من منظومة الأمـــن الـعـربـي، لا مـجـرد شــأن لبناني داخــلــي. ومن شـأن الموقف العربي الـداعـم أن يعزز موقع الرئيس التفاوضي ويمنح واشنطن ثقة أكبر بـأن لبنان لا يسير منفردا في هذا المسار. أما الأمر الثالث، فهو قناعة السلطة اللبنانية أن لبنان لم يعد قـادرا على البقاء في المنطقة الرمادية بين المشروع الإيراني والعالمين العربي والغربي. فقد استنفدت سياسة التوازن هذه أغراضها، وأنتجت عـــزلـــة سـيـاسـيـة وخــســائــر اقــتــصــاديــة وانــقــســامــات داخلية. والمطلوب اليوم رؤية استراتيجية واضحة تـخـرج لبنان مـن الـعـبـاءة الإيـرانـيـة وتـحـدد موقعه ضـــمـــن مــحــيــطــه الــــعــــربــــي، وتــــؤكــــد أن عـــاقـــاتـــه مـع الـولايـات المتحدة والـغـرب خيار استراتيجي يخدم اســتــقــرار الــدولــة ونــمــوهــا، لا مـجـرد تـحـالـف ظرفي تفرضه الأزمات. ولا يـــقـــل أهـــمـــيـــة عــــن ذلـــــك تـــأكـــيـــد الـــرئـــيـــس أن حصرية السلاح أصبحت شرطا لاستعادة السيادة وبـنـاء دولــة قـــادرة. ولــن يكون كافيا إعـــادة التأكيد عـلـى هـــذا المـــبـــدأ، بــل إظــهــار إرادة سـيـاسـيـة تحوله إلـــى خــطــوات تـنـفـيـذيـة، لأن مــا يقلق شــركــاء لبنان هو استمرار التردد لا غياب المـواقـف. كما التشديد على أن الالتزام بالتفاهمات التي أبرمت مع إسرائيل برعاية أميركية ليست مجرد تنفيذ ترتيبات أمنية، بــل مـدخـل إلـــى اسـتـقـرار دائـــم يتيح إعــــادة الإعــمــار، وتـحـريـك الاقـتـصـاد، وجـــذب الاسـتـثـمـارات، وإعـــادة بناء الثقة بلبنان. إن شراكة طويلة الأمـد مع واشنطن ينبغي أل تقتصر على مساعدات الجيش وتعزيز المؤسسات، بــــل تـــشـــمـــل مـــكـــافـــحـــة الإرهــــــــــاب، وضــــبــــط الــــحــــدود، ومــواجــهــة الاقــتــصــاد غـيـر المـــشـــروع. فـواشـنـطـن لن تستثمر في دولة مترددة، لكنها ستستثمر في دولة تمتلك رؤية واضحة لاستعادة سلطتها. من المؤمل أن يتمكن عــون مـن تقديم أدلــة مقنعة على التزامه بتفكيك ســـاح «حــــزب الـــلـــه»، بـمـا يــدفــع تــرمــب إلـى التخلي عن خيار تدخل سوريا في لبنان. صـــحـــيـــح أن الـــــتـــــفـــــاوض مـــــع واشــــنــــطــــن لــيــس سـهـاً، وأن اللبنانيين لا ينسون محطات التخلي والانـــســـحـــاب الأمـــيـــركـــي مـــن المــنــطــقــة، لــكــن الـفـرصـة المتاحة قد لا تتكرر. لذلك، فإن نجاح الزيارة يقاس بقدرة الرئيس على إقناع واشنطن بأن لبنان حسم خـيـاره والـهـدف الآن واضـــح: «ســـام شـامـل وكـامـل» وفـــق اتــفــاق الإطـــــار، مـقـابـل الـــتـــزام أمـيـركـي بـشـراكـة سياسية وأمـنـيـة واقـتـصـاديـة طويلة الأمـــد تواكب هذا المسار. عندها تتحول الزيارة إلى بداية مرحلة جديدة. أما استمرار التردد والغموض، فقد يبددان واحدة من أندر الفرص، في وقت أصبحت فيه تكلفة الفشل قاتلة. يقع بعض قــادة الــدراجــات والـــدول فـي خطأين يـــؤديـــان إلـــى عـكـس الــغــرض مـنـهـمـا. يـريـد أن يدفع الـعـجـلـة بــســرعــة، فـيـسـتـخـدم أقــــوى عــضــات لــديــه، وهـي في حالة الـدراجـة عضلات الفخذ. وهـذا خطأ كبير. يبدو استخدام عضلات الفخذ القوية بديهيا لـقـلـيـل الــخــبــرة ولا سـيـمـا وهـــي مــرتــاحــة فـــي بـدايـة الرحلة، ينسى أنها أيضا مستهلكة للطاقة، وعُرضة للإجهاد والتقلصات. وربما يجهل أن القوة الدافعة لـلـدراجـة محصلة لـقـوى عـــدة. أولــهــا ثـقـل الـرجـلـن. ولكي تستفيد من هـذا الثقل عليك أن تتمهل حتى يـدور الـبـدّال دورتــه، ويبدأ منحنى الـنـزول، فتجعل الجاذبية فـي صالحك. لـن يكون مطلوبا منك بعد ثقل الرجلين والجاذبية إلا القدر الضئيل من الجهد العضلي. هـــذا التكنيك الـصـحـيـح يـمـكّــنـك مــن الاسـتـمـرار والـتـركـيـز وتــأديــة المـهـمـة، والــعــودة إليها فـي اليوم الـتـالـي إن احـتـاجـت. إتـقـان الـحـرفـة يستلزم معرفة بتفاصيل تمكنك مـن تنفيذ المــهــارة بأفضل كفاءة ممكنة. متى تستخدم القوة؟ ومتى توفرها؟ ومتى تترك قوانين الواقع تعمل لصالحك؟ والــــفــــارق بـــن الـــقـــوة والــتــكــنــيــك لــيــس بـسـيـطـا، فـي التنفيذ وفــي الـنـتـائـج، لكنه مهمل غالبا تحت ضغط الحماسة. وهـي ظاهرة نراها في كل نشاط في الحياة تقريباً، من الحب إلى الحرب، ومن إدارة الشركات إلى إدارة الدول. نكتشف بعد فوات الأوان أن الانـدفـاع الحماسي ليس أكثر مـن غشم محض، لا يـبـرره بــذل الــعــرق، ولا يعفيه مـن المـسـؤولـيـة عن الإخـــفـــاق. بينما تحقيق الـنـتـائـج يعتمد عـلـى فهم الـــتـــركـــيـــب، وفـــهـــم الــــســــوق، وفـــهـــم المـــجـــتـــمـــع، وفــهــم الــعــاقــات الــدولــيــة، وفـهـم الأفـــــراد، وفـهـم طموحات الـــــدول والــجــمــاعــات المــحــيــطــة، وفــهــم مــســار الـتـقـدم العلمي وتطور الأفكار من حولك. والـحـمـاسـة لا تكتفي بخطيئته الأصـلـيـة تلك، وإلا مـا سميناها حـمـاسـةً. بـل يكمل انـدفـاعـه لكي يكون المتحدث الوحيد، والفاعل الوحيد، والوطني الوحيد، والصادق الوحيد. والدليل انظروا، لا يكاد ينام، يعمل من الخامسة صباحا إلى منتصف الليل. وهي صفات لا غنى عنها، لكنها لا تغني عن المعرفة، بل تضاعف تأثير الجهل حين تقترن به. والاندفاع الحماسي لا يعدم وسائل يغطي بها على فشله، فهو وإن فشل في المهمة الأساسية فقد حمى الشعار أو قــاوم الغطرسة العالمية أو ضحى بــروحــه. كلها أغــــراض لــم نطلبها مـنـه. طلبنا منه إدارة العجلة، ودفعها إلـى الأمـــام. الـدلالـة الوحيدة للجوئه لتلك العناوين أن هـذا مـا يعرفه، لا يعرف الأدوات المــعــاصــرة الــخــاصــة بمهمته وإلا لتحدث إلينا بها، ولم يحقق الرفاهية للبشر المسؤولين منه، ولـم يتركهم ليحققوا هـذه الرفاهية لأنفسهم. فعل بالضبط ما فعله قائد الدراجة المتحمس، استنزف القوة في اتجاهات خاطئة وبمعدل خاطئ، وأجهد نفسه، والآن يُسخّر ما تبقى له من طاقة في البقاء، وفي إسكات المتضررين. الاتــــحــــاد الـــســـوفـــيـــاتـــي، وعــــــراق صـــــدام حـسـن، وإيـــــــران بـمـيـلـيـشـيـاتـهـا، لــيــســت أمــثــلــة عــلــى نقص فـي الـقـوة بـل على ســوء استخدامها. كلها امتلكت عضلات ضخمة، لكنها ضغطت بها على البدّال في الاتجاه الخطأ وفي التوقيت الخطأ. فتحولت القوة نفسها إلـــى عـــبء. وفـــي الـنـهـايـة لــم تسقط الــدراجــة لأن قائدها كان ضعيفاً، بل لأنه أهمل التكنيك، ولم يعرف كيف يجعل قوانين الحركة تعمل لصالحه. عندما يُنشر هـذا المـقـال، سيكون مصير كأس العالم قد حُسم، ومعها تكون اللغة التي تنطق بـهـا كـــرة الــقــدم قــد حُــسـمـت أيــضــا. فــإذا رفعت إسبانيا الكأس، أو حملتها الأرجنتين، فستكون الــكــرة قــد تـحـدثـت بـالإسـبـانـيـة. لكن الإسبانية ليست لغتها الأم. وُلدت كرة القدم وهي تتحدث الإنجليزية؛ فـقـد وُضـــعـــت قــواعــدهــا الـحـديـثـة فـــي المــــدارس والــــــنــــــوادي الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، وحـــمـــلـــهـــا الـــبـــحـــارة والتجار والجنود وموظفو الإمبراطورية إلى الموانئ البعيدة. وكانت، مثل السكك الحديدية والإدارة المــدنــيــة والــلــغــة الإنـجـلـيـزيـة نفسها، جـــــزءا مـــن الـحـقـيـبـة الــبــريــطــانــيــة الـــتـــي جـابـت العالم. ثم بدأت كرة القدم، كما بدأت الإنجليزية مـــــــن قــــبــــلــــهــــا، تــــعــــيــــش حــــــيــــــاة مــــســــتــــقــــلــــة عـــن أصـــحـــابـــهـــا. تـــحـــركـــت فــــي فـــــضـــــاءات جـــديـــدة، واكتسبت لهجات محلية، وأصبحت تتحدث الـــبـــرتـــغـــالـــيـــة فــــي الــــبــــرازيــــل، والإســـبـــانـــيـــة فـي الأرجــــنــــتــــن والأوروغـــــــــــــــواي، والـــفـــرنـــســـيـــة فـي أفريقيا، والعربية في القاهرة والرياض والدار البيضاء. ولــم تعد بريطانيا تملكها، كما لم تعد تملك الإنجليزية. لكن هنا يبدأ الـسـؤال الحقيقي؛ فعالمية كـرة الـقـدم، كعالمية الإنجليزية، ليست حقيقة مـكـتـمـلـة بــقــدر مـــا هـــي انــطــبــاع صـنـعـه تــاريــخ القوة. فالإنجليزية ليست لغة غالبية البشر، لـكـنـهـا لـغـة الــجــامــعــات، والأســـــــواق، والــعــلــوم، والطيران، والدبلوماسية. إنها لغة التواصل، لا لغة الوجدان. وكذلك كرة القدم؛ فهي ليست الرياضة الأولى في كل مجتمع، لكنها الرياضة التي قُدِّمت بوصفها اللغة المشتركة للرياضة العالمية. ومـــن هـــذه الـفـرضـيـة يـنـطـلـق هـــذا المــقــال؛ فـهـو لا يـنـاقـش كـــرة الــقــدم بوصفها لـعـبـة، بل بوصفها مـثـالا على الكيفية التي تصنع بها القوة مفهوم «العالمية». عندما ننظر شرقاً، إلى الهند وباكستان والـــصـــن، تـظـهـر حــــدود هــــذه الــعــالمــيــة؛ فكيف وصـــلـــت كـــــرة الــــقــــدم إلـــــى مــعــظــم مــســتــعــمــرات الإمــــبــــراطــــوريــــة الـــبـــريـــطـــانـــيـــة، ثــــم بــقــيــت عـلـى الهامش في أكبر مستعمراتها؟ ولماذا اختارت الهند لعبة أخرى هي الكريكيت، أكثر الألعاب البريطانية التصاقا بصورة الإمبراطورية عن نفسها؟ لــم تــرفــض الـهـنـد ريــاضــة المـسـتـعـمِــر، بل اختارت لعبته الأكثر إمبراطورية، ثم استولت عليها وحـوَّلـتـهـا إلــى أداة للثأر الــرمــزي منه. أصبحت هزيمة إنجلترا في ملعب الكريكيت شـــــكـــــا مــــــن أشــــــكــــــال إخـــــراجـــــهـــــا المــــتــــأخــــر مــن المستعمرة. رحل البريطانيون، وبقيت لعبتهم غنيمة حرب. ولأن الـــهـــنـــد وبـــاكـــســـتـــان كـــانـــتـــا جــســدا واحـــــدا قــبــل الـتـقـسـيـم، وجــــدت ذاكـــــرة الــحــدود والحروب وكشمير والسلاح النووي تعبيرها في الكريكيت أكثر مما وجدته في كـرة القدم؛ فالكريكيت هناك ليست مجرد رياضة، بل لغة تاريخ مشترك وانقسام مؤلم. ولـــيـــســـت الـــهـــنـــد وحـــــدهـــــا خـــــــارج المـــركـــز العاطفي لكرة القدم، فالصين أيضا لم تجعلها رياضتها الأولى، والفلبين اختارت كرة السلة، بينما ظلت البيسبول منافسا قويا لكرة القدم في اليابان. وهذه ليست استثناءات صغيرة، بل مجتمعات تضم أكثر من ثلث سكان العالم. أما الصين، فتقدم مفارقة أخرى؛ فالدولة الــتــي تـجـعـل الـجـمـاعـة مــحــور آيديولوجيتها حققت جانبا كبيرا مـن مجدها الـريـاضـي في الألـــعـــاب الــفــرديــة: تـنـس الــطــاولــة، والـجـمـبـاز، والغطس، ورفع الأثقال. كيف لـدولـة تمجد الجماعة أن تستثمر في الفرد؟ لـــعـــل الــــجــــواب أن الــــفــــرد هـــنـــا لـــيـــس فــــردا سياسياً، بل وحدة إنتاج رياضي؛ يقف وحده على منصة التتويج، لكنه يمثل الأمة كلها. إنه فرد في الأداء، وجماعة في المعنى. ومــــع ذلــــك يـبـقـى الـــســـؤال قــائــمــا: لمــــاذا لم تتحول الـصـن إلــى قــوة كـرويـة بحجم قوتها الاقتصادية؟ ربما لأن كــرة الـقـدم تحتاج إلــى أكثر من الانــضــبــاط؛ تـحـتـاج إلـــى لاعـــب يـــرى مــا لــم يـره المــــدرب، ويتخذ قـــرارا فـي جــزء مـن الثانية من دون الرجوع إلى سلطة أعلى. فالفرق الكبرى لا تلغي الـفـرد، بل تمنحه حرية الإبـــداع داخل النظام. وهنا تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة؛ فـهـي تـذكـرنـا بـــأن المـجـتـمـعـات الـنـاجـحـة، مثل الفرق الناجحة، لا تقوم على الاختيار بين الفرد والجماعة، بل على العلاقة الخلاقة بينهما. لـــكـــن الــــســــؤال الأهــــــم لـــيـــس عــــن الـــهـــنـــد أو الصين، بل عن معنى العالمية ذاته. لقد اعتدنا أن نصف ما ينتشر في أوروبا والأمــيــركــتــن بــأنــه «عـــالمـــي»، بينما نـصـف ما يتبناه مـئـات المـايـن فـي آسـيـا بـأنـه «محلي» أو «إقــلــيــمــي». الـكـريـكـيـت، رغـــم جماهيريتها الهائلة، لا تُــقـدَّم بوصفها لعبة العالم، كما لا تُــقـدَّم كــرة السلة فـي الفلبين أو البيسبول في اليابان بهذه الصفة. ولـيـس ذلــك مــؤامــرة، بـل نتيجة طبيعية لبنية الــقــوة؛ فمن يملك الـجـامـعـات، ووسـائـل الإعلام، والأسواق، وشركات البث، يملك أيضا حـــق تـعـريـف الــعــالــم. وهـــو الــــذي يــقــرر مـــا هو عالمي ومـا هو هامشي، ومـا يستحق أن يمثل البشرية وما يبقى مجرد خصوصية ثقافية. ولهذا لم يعد السؤال: لماذا لم تنجح كرة القدم في الهند أو الصين؟ والسؤال الأعمق هو: من يملك حق تعريف ما هو عالمي أصلاً؟ فربما تكون كرة القدم، مثل الإنجليزية، لـغـة مـشـتـركـة لــلــتــواصــل، لـكـنـهـا لـيـسـت اللغة الــتــي يـحـلـم بـهـا الـجـمـيـع، ولا الــتــي يـعـبـر بها كل مجتمع عن ذاته. وربما لا يكون العالمي ما يشترك فيه البشر جميعاً، بـل مـا نجح مركز القوة في تقديمه بوصفه لسان البشرية. وعندها تصبح كرة القدم أكثر من لعبة؛ إنها نافذة نـرى من خلالها كيف تُصنع فكرة الـعـالـم نفسها، ومـــن يملك حــق رســـم حـــدوده، ومن يكتب تحت صورته كلمة «العالمية». مأمون فندي سام منسى خالد البري
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky