issue17399

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel كل شيء في هذه الدنيا مسكون بقوة الاختلاف بـن الـبـشـر، فالحياة بكل تجلياتها وصـيـرورتـهـا، فــي الطبيعة ومـنـاشـط الـحـيـاة، تـقـوم عـلـى الـتـدافـع والتنوع. الأمطار تروي الأرض وتنبت الزرع وتملأ البطون الجائعة، لكن للسحاب قنوط وبخل، فتغيب الأمـــــطـــــار ويـــحـــل الــــجــــفــــاف، فـــتـــجـــدب الأرض وتــقــل المــحــاصــيــل أو حــتــى تــغــيــب، ويــســطــو الـــجـــوع على البطون. منذ القدم كانت القبائل البدائية تتحارب عــلــى الأراضــــــي الـخـصـبـة ويــنــابــيــع المـــيـــاه. وبـعـدمـا تـسـيـل الـــدمـــاء، ويـتـكـدس المــوتــى يـجـنـح المتقاتلون إلـــى الــســلــم، فــــإذا كـــان الـــدافـــع لـلـقـتـال هـــو الـحـصـول عـلـى أســبــاب الـحـيـاة، فـمـن الـجـنـون أن يـتـحـول ذلـك إلـــى وسـيـلـة لـلـمـوت. تـلـك هــي طبيعة حـيـاة البشر، حركة بين العنف والقتال والسلام. قال الله تعالى: «ولـــــولا دفــــع الـــلـــه الـــنـــاس بـعـضـهـم بـبـعـض لفسدت الأرضُ، ولـكـن الـلـه ذُو فضل على الـعـالمـن» (البقرة ). فـالـتـدافـع الـبـشـري سلما وصــراعــا هــو وقــود 251 حركة حياة البشر، في كل المجالات وفي كل الأزمان. الـفـيـلـسـوف تــومــاس هـوبـز الـــذي عـــاش زمـــن الـحـرب البريطانية بـن المـلـك ومـجـلـس الــنــواب ومــا رافقها من أحداث عنيفة. كانت تلك الأحداث ينبوع الأسئلة الـتـي صنعت فلسفته. فـي كتابه «الـلـفـيـاثـان» الـذي قــدم فيه رؤيـتـه الشاملة للنظام السياسي للدولة، توسّع في تحليل الطبيعة البشرية، بكل ما يسكنها من دوافــع أنانية، تحرك الناس إلـى العنف من أجل تحقيق مصالحهم الـذاتـيـة، وخـلـص إلــى أن وجـود دولة قوية مسيطرة على الجميع هو الضمان للأمن والاسـتـقـرار فـي المجتمع، ومــال إلــى جانب المـلـك، إذ رأى أن تحقيق الأمــــن والـــســـام والاســـتـــقـــرار فــي كل المجتمع، تحت حكم الملك يسبق خيار الديمقراطية، بـل وحتى الحرية نفسها. اتفق كثير مـن الفلاسفة والمفكرين، الذين أتوا من بعده مع ما ذهب إليه في فلسفته، واختلف معه كثيرون، ولا تزال أفكاره محل نقاش واختلاف واتفاق معه. تحاربت الإمبراطوريات، وغزت شعوُب شعوبا أخــرى، واحتلت أراضيها واستولت على مقدراتها، بــعــد حـــــروب طــويــلــة أو قــصــيــرة. لــكــن الــجــنــوح إلــى الـسـام، والاتــفــاق على تسويات وتــنــازلات كثيرا ما تـكـون الـخـيـار الـــذي يطفئ نـيـران الــحــروب. اتفاقات عــديــدة شـهـدهـا الـعـالـم قـديـمـا وحـديـثـا، بـعـد حــروب وصراعات دموية طويلة، صمد بعضها ونجح، في حين فشلت أخرى وانتكست، وفي الحالتين كان لها تأثير فـي إعـــادة تشكيل الـعـالـم. مـن أهمها اتفاقية التي أنهت حـرب الثلاثين عاما 1648 وستفاليا عـام فــــي أوروبـــــــــا، وحــــــرب الــثــمـــانـــن عـــامـــا بــــن إســبــانــيــا وهــولــنــدا. ووصــفــت هـــذه الاتـفـاقـيـة بـأنـهـا المـؤسـس لــلــدولــة الــقــومــيــة الــحــديــثــة، لـكـنـهـا لـــم تـمـنـع نـشـوب بعد 1815 حروب أوروبية بعدها. مؤتمر فيينا عام هــزيــمــة نــابــلــيــون بـــونـــابـــرت، وشـــاركـــت فــيــه النمسا وبــريــطــانــيــا وروســـيـــا وفــرنــســا وغــيــرهــا مـــن الــــدول الأوروبـيـة، وكـان من أهم قراراته إعـادة رسم خريطة أوروبــا لتحقيق تـوازن القوى بالقارة، وإعــادة أسرة آل بوربون إلى عرش فرنسا، وتوسيع أراضي روسيا وبـــروســـيـــا والـــنـــمـــســـا، وتـــوحـــيـــد الأراضـــــــي الألمــانــيــة وتـوحـيـد بلجيكا وهـولـنـدا فــي مملكة واحــــدة. لكن أغلب قرارات ذلك المؤتمر لم تتحقق، بل حركت ثورات وكــان لها آثــار كبيرة فـي الـقـارة، 1848 أوروبـيـة عـام واتفاق فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، الذي قاد إلـى حـرب عالمية ثانية رهيبة، لم تعرفها الدنيا من قبل ومن بعد. واتفاقية الوحدة التي صفق لها العرب ، الــتــي هـوت 1958 وغـــنـــوا، بـــن مـصـر وســـوريـــا عـــام بـعـد ثـــاث ســنــوات. اتـفـاقـيـة الـهـدنـة الـكـوريـة أوقـفـت القتال، لكنها لم تنه الحرب بمعاهدة سلام، ولا تزال الدولتان من الناحية الرسمية في حالة حرب. اتفاقية بــاريــس الــتــي هــدفــت إلـــى إنــهــاء الــحــرب فــي فيتنام، وانسحاب القوات الأميركية، لكن القتال استمر على . اتفاقية 1975 الأرض، حتى توحيد جزأي فيتنام عام ، أنهت الحرب 1979 السلام المصرية الإسرائيلية عام بـــن مــصــر وإســـرائـــيـــل، لـكـنـهـا لـــم تـــنـــه الـــحـــروب بين إسرائيل ودول عربية أخـــرى. وكـذلـك اتـفـاق الطائف بين الأطــراف اللبنانية، لكن السلام الشامل والدائم، بـــن الأطــــــراف المــوقــعــة عــلــيــه، لـــم يــكــرس قــــوة الــدولــة اللبنانية، وفرض سيادتها على كامل أرض الدولة. نستطيع أن نضيف إلى هذه الاتفاقيات والاتفاقات المــتــهــافــتــة مــــا حـــــدث ويــــحــــدث فــــي الـــــســـــودان شـــمـــالا وجنوباً، وفي اليمن شماله وجنوبه، واتفاق أوسلو بـن منظمة التحرير الفلسطينية وإسـرائـيـل، الـذي هلل له العالم، وفرح بها الفلسطينيون واعتقدوا أن العودة إلى أرضهم صارت مسألة وقت، وإذا بالعرَّاب الإسـرائـيـلـي الأول لـاتـفـاق إسـحـق رابـــن يـقُــتـل بيد مـتـطـرف صـهـيـونـي، أمـــا الــقــائــد الـفـلـسـطـيـنـي يـاسـر عرفات، الذي عمَّد الاتفاق، فقد رحل في محنة مرض غامض، ولم يقل العارفون إنه ليس بفعل فاعل. الحديث عن مشاريع الاتفاقات والاتفاقيات، بين دول وأطراف تتحارب الآن، تدفعنا إلى قراءة القائمة الــطــويــلــة، لاتــفــاقــات وقـعـتـهـا دول وأطــــــراف عـاشـت ســـنـــوات مـــن الــــصــــراع والــــحــــروب، لــكــن الـــســـام كــان أصعب من أن تحققه حــروف على ورق، وتوقيعات سياسيين تـذيـلـهـا، وفـــي حـــالات كـثـيـرة، كـانـت كمن يحاول أن يطفئ النار بالبنزين. تهافت الاتفاق مـــنـــذ فــــتــــرة والـــكـــثـــيـــر مــــن الـــكـــتـــابـــات الـــعـــربـــيـــة، وخـــصـــوصـــا مــــن الـــخــلـــيــج، تــــحــــاول تــفــســيــر مــــا وراء سياسة النظام الحاكم في طهران، ولماذا هي عدوانية تجاه العرب؛ تارة بمحاولة تفتيت أوطانهم، وأخرى بـالاعـتـداء عليهم مباشرة كما يـحـدث لـــدول الخليج حالياً، مما يوضح أن إحدى أهم المعضلات في إيران المعاصرة هي السؤال عن الهوية. فهو سؤال لم يُحسم منذ قيام الثورة الخمينية، بل ازداد تعقيدا مع مرور الـزمـن. وقــد بــدا ذلــك واضـحـا فـي مشهد عــزاء المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، حين كانت تُتلى آيات من القرآن الكريم بالعربية أمـام الوفود المعزية. كان المشهد يحمل دلالة دينية وسياسية في الوقت نفسه، لكنه أثـــار ســـؤالا آخـــر: كـم مـن الإيـرانـيـن يفهمون ما يُتلى عليهم بالعربية؟ تشير التقديرات إلـى أن الذين يعرفون العربية معرفة تامة في إيران لا يمثلون سوى نسبة محدودة مـــن الـــســـكـــان، تـــتـــراوح بـــن عــشــرة وخــمــســة عــشــر في المـائـة، وإذا استُثني عــرب إيـــران، ورجـــال الـديـن، فإن النسبة تصبح أقل من ذلك بكثير. وهذا يعني أن اللغة التي تمنح النظام شرعيته الدينية، ليست لغة غالبية المجتمع، بل لغة المؤسسة الدينية التي تتولى الحكم. صــــحــــيــــح أن الـــــعـــــربـــــيـــــة حـــــــاضـــــــرة فـــــــي بـــعـــض المصطلحات الرسمية؛ فـوزارة الخارجية مثلا تُعرف بالفارسية باسم «وزارت امور خارجه»، وهي عبارة تحمل جــــذورا عـربـيـة واضـــحـــة، إلا أن هـــذا الحضور الـلـغـوي لا يعني قــبــولا ثقافيا أو شــعــورا بالانتماء إلى الفضاء العربي، بل إن العلاقة تبدو أكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل فيها اعتبارات التاريخ والقومية والدين والسياسة. الإيرانيون قبلوا الإسلام، لكنهم لم يقبلوا دائما مـــن حـمـلـه إلــيــهــم. الـــواقـــع يــقــدم شـــواهـــد كـثـيـرة على وجود هذا التناقض؛ فالإسلام جزء أصيل من هوية الـدولـة الحاكمة، لكن العلاقة مع الـعـرب، الذين خرج الإســـام مـن بينهم إلــى الـعـالـم، بقيت علاقة ملتبسة تتأرجح بين الاستفادة من الإرث الإسلامي والابتعاد عن الامتداد العربي. هـــذا الالـتـبـاس عـبّــر عـنـه أيـضـا وزيـــر الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف عندما كتب: «إن الإيرانيين هم الذين منحوا الإسلام بعده الحضاري». قـد يختلف المــرء مـع هـذا الـــرأي، أو يتفق معه، أو مع الـــوزن النسبي لتلك الإضــافــة، لكنه يكشف محاولة لإعـــــادة صـيـاغـة الـــروايـــة الــتــاريــخــيــة، بـحـيـث يصبح الإســــــام، فـــي صـــورتـــه الـــحـــضـــاريـــة، امــــتــــدادا لـلـهـويـة الإيــرانــيــة أكـثـر مـنـه امـــتـــدادا لبيئته الـعـربـيـة الأولـــى. المـــســـاهـــمـــة الـــحـــضـــاريـــة فــــي المــــاضــــي لا تــعــنــي دورا سياسيا في الحاضر! لقد وجـدت النخبة الدينية الحاكمة في طهران نفسها أمـام معضلة يصعب تجاوزها؛ فهي تستمد شرعيتها من دين لغته العربية، لكنها تحكم مجتمعا يغلب عليه الحس القومي الفارسي، وفيه قطاع واسع يـحـمـل مــواقــف سلبية تــجــاه الـــعـــرب، ســــواء لأسـبـاب تـاريـخـيـة أو سـيـاسـيـة أو ثـقـافـيـة. ومـــن هـنـا جـــاءت مـــحـــاولات الـتـوفـيـق بــن الـنـقـيـضـن، لكنها لــم تُنتج هوية مستقرة؛ التوفيق إما بإيجاد أتباع (أذرع) أو بالاعتداء المسلح، وكلاهما يغذيان الشعور القومي بالتفوق! ولتحقيق هـــذا الـــتـــوازن، سـلـك الـنـظـام مسارين متوازيين؛ الأول تعظيم البعد المذهبي خـارج إيـران، خصوصا في بعض الـدول العربية، لإظهار أن نفوذ الجمهورية الإسـامـيـة يمتد عبر الانـتـمـاء المذهبي، وهــــو مـــا يــخــاطــب الــــداخــــل الإيــــرانــــي بــوصــفــه دلــيــا عـلـى الــقــوة والــتــمــدد. أمـــا المــســار الـثـانـي فـكـان إبـقـاء مـسـافـة سـيـاسـيـة ونـفـسـيـة مــع الـــعـــرب، بــل اسـتـخـدام مصطلحات ذات دلالـــة سلبية مثل «الأعـــــراب»، وهو تعبير قرآني ارتبط في سياقه الأصلي بوصف فئة محددة من المتخلفين عن قيم الإسـام، لكنه استُخدم لاحقا بطريقة ملتبسة تخدم الخطاب السياسي أكثر مما تخدم الدقة اللغوية أو الدينية. هــــذه الازدواجـــــيـــــة تـكـشـف أن الأزمـــــة لـيـسـت في الـسـيـاسـة الـخـارجـيـة وحـــدهـــا، بــل فــي تـعـريـف هوية الدولة نفسها؛ هل هي دولة قومية فارسية، أو دولة دينية عـابـرة للقوميات، أو مـشـروع مذهبي يسعى إلـــى تـوسـيـع الــنــفــوذ؟ إن الـجـمـع بـــن هـــذه المـشـاريـع الثلاثة في وقت واحد جعل الخطاب الرسمي مملوءا بالتناقضات. واللافت أن قطاعات واسعة من الشعب الإيراني لا تـشـارك هـذه الـرؤيـة. فقد ساهمت شـرائـح متعلمة ومتحضرة في إسقاط النظام السابق، وكانت تتطلع إلــى بناء دولــة حديثة تتفاعل مـع الـعـالـم، وتستفيد من منجزاته. غير أن مسار الثورة أخذ اتجاها آخر، وانـتـهـى إلـــى تهميش تـلـك الــقــوى لمصلحة المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية. وأتـذكـر نقاشا دار إبــان سنوات الـثـورة مع عدد مـــن المـنـتـمـن إلـــى ذلـــك الــتــيــار المـــدنـــي، فــقــال أحــدهــم: «نحن نستخدم فتاوى الخميني لإخــراج المظاهرات المليونية». كان الاعتقاد أن المرجعية الدينية وسيلة لإسقاط النظام فقط، ثم يعود القرار إلى القوى المدنية. لكن ما حدث كان مختلفا تماماً؛ فالقوى التي أُطلقت لإسـقـاط الــشــاه، أصبحت هـي الحاكمة الـجـديـدة، ثم التهمت كثيرا ممن ساعدوا على إطلاقها. ومنذ ذلك الوقت لم تنجح الجمهورية الإسلامية في حل معضلة الهوية؛ فلا هي استطاعت بناء دولة قومية مستقرة، ولا نجحت في تقديم نموذج ديني قادر على التعايش مع العصر، ولا تمكنت من إقامة علاقات طبيعية مع محيطها أو مع العالم. لذلك تبدو أزماتها الخارجية امـتـدادا لأزمــة داخلية أعـمـق، هي عجز النخبة الحاكمة عن حسم سؤال: ما هي هويتنا؟ إن كثيرا مـن الـصـراعـات الـتـي تشهدها المنطقة لا يمكن فهمها بعيدا عـن هـذا الالتباس العميق في هـويـة الــدولــة الإيــرانــيــة، وهـــو الـتـبـاس يجعل الـقـرار السياسي أسير التردد بين القومية والدين والثورة، فلا يستقر على مشروع قادر على إنتاج دولة متوازنة ومتصالحة مع نفسها، قبل أن تتصالح مع الآخرين. آخـــــر الـــــكـــــام: حــــن تــعــجــز الـــــدولـــــة عــــن تــعــريــف نــفــســهــا، يــصــبــح كــــل مــخــتــلــف فــــي نـــظـــرهـــا خـصـمـا، ويتحول الصراع إلى وسيلة لإثبات ذاتها. إيران الحائرة... والمحيّرة OPINION الرأي 15 Issue 17399 - العدد Saturday - 2026/7/18 السبت السلام كان أصعب من أن تحققه حروف على ورق وتوقيعات سياسيين تذيلها عبد الرحمن شلقم محمد الرميحي حين تعجز الدولة عن تعريف ًنفسها يصبح كل مختلف في نظرها خصما

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky