issue17397

بعض القرارات أو الأوامر الملكية يأتي تعبيرا عــن وجــهــة نــظــر، وعـــن فلسفة فــي الـتـعـامـل، وعـن منهج فـي الـحـيـاة العملية، أكـثـر منه مـجـرد قـرار بين قـرارات شبيهة، أو أمر ملكي بين أوامـر ملكية مماثلة. فـي القلب مـن ذلــك نجد الأمـــر الملكي الـصـادر عن خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، بضم وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى وزارة الطاقة، ليتولاهما معا الأمير عبد العزيز بن سلمان الذي كان وزيرا للطاقة إلى ما قبل صدور الأمر الملكي. هـــذا الأمـــر المـلـكـي يـعـيـدنـا مـبـاشـرة إلـــى مبدأ عــــام كــــان الأمـــيـــر مـحـمـد بـــن ســلــمــان، ولــــي الـعـهـد الــســعــودي، قــد رفــعــه مـنـذ أن تــولــى ولايــــة الـعـهـد، وكــــــان المــــبــــدأ مــــن كــلــمــتــن اثـــنـــتـــن، هـــمـــا: «كـــفـــاءة الإنـــفـــاق». أمـــا مـعـنـاه -أو مـعـنـاهـمـا- فــكــان أن في مـقـدور الحكومة فـي الـريـاض أن تُنفق مائة ريـال مثلا على وجه من وجوه الإنفاق تختاره، فتحقق بالمائة ريال النتيجة نفسها التي كانت قد تحققت من قبل بمائتين. وبـــهـــذا المــعــنــى يـمـكـن تـعـمـيـم المـــبـــدأ عــلــى كل وجـــــوه الإنــــفــــاق الــــعــــام، الـــتـــي ســيــكــون لـلـحـكـومـة فيها أن تنفق أقل على الشيء نفسه الـذي كان قد استحوذ على إنفاق أعلى من قبل، ولكن الحصيلة المتحققة ستكون هي نفسها في الحالتين. والمعنى الأبعد أن كل إنفاق عام ينطوي على نسبة من الهدر بالضرورة، فـإذا جـرى تقليل هذا الـــهـــدر إلــــى حــــده الأدنــــــى، أو لــيــكــون عــنــد الــدرجــة «زيـــــرو»، فـسـوف يـكـون مـبـدأ «كــفــاءة الإنـــفـــاق» قد تحقق على الصورة التي أرادهـا ولي العهد، حين أســـس لـلـمـبـدأ، ثــم حــن أطـلـقـه فــي الـحـيـاة العامة بالبلاد. وربـمـا نذكر هنا أن وزارة الطاقة السعودية كان اسمها في السابق وزارة البترول، فلما جرى التفكير في تعديل اسمها لتكون وزارة للطاقة في عمومها، لا للبترول في خصوصه، كان ذلك نوعا من التوجه نحو «كفاءة الإنـفـاق» كمبدأ لا بد من أن يكون حاكما لكل وجوه العمل العام، وكذلك لكل وجوه الإنفاق في هذا العمل العام. كـــان تغيير الاســـم يـريـد أن يــقــول: إن الطاقة كاسم تظل أوسع من البترول أو النفط وأشمل، وإن توسيع مظلة الاسم يمنح الـوزارة المعنية مساحة ممتدة من العمل، ويجعل التنوع في النظر لمصادر الطاقة أسـاسـا حاكماً، ويـؤسـس لتنويع مصادر الدخل للدولة، فلا تتوقف عند حدود النفط فقط، ولا تتجمد عند نطاق البترول فحسب. ولــــو أن أحـــــدا راجـــــع الأرقـــــــام فـــي هــــذا المــلــف، فسوف يجد أن مصادر الدخل العامة في الرياض تتحلل شيئا فشيئا من الاقتصار على ما يأتي من تصدير النفط، وتزحف أكثر وأكثر نحو مصادر أخرى لم يكن لها ذِكر من قبل، ومن بينها الدخل الــقــادم للخزينة الـعـامـة مـن السياحة على سبيل المثال. إن المملكة تـضـم كـثـيـرا مــن المـنـاطـق التراثية التي تستهوي السائح، وكلها مناطق يجد فيها الـــســـائـــح المـــهـــتـــم بــغــيــتــه إذا وجـــــد طـــريـــقـــه إلــيــهــا، ولكنها مناطق لم تكن محل انتباه بما يكفي في مراحل سابقة، فلما جرى استحداث مبدأ «كفاءة الإنفاق»، جاء معه بالتوازي مبدأ «تنويع مصادر الدخل»، فتحقق من السياحة ما لم يكن في الخاطر ولا في الحساب. ولا يأتي الأمر الملكي بضم الصناعة والثروة المعدنية إلــى وزارة الـطـاقـة، إلا فـي الـسـيـاق ذاتــه، ولـو قلنا «السباق» بـدلا من «السياق» ما اختلف واقــع الـحـال؛ لا لشيء إلا لأن بـن الأمــم سباقا في الــطــريــقــة الـــتـــي يـمـكـن بــهــا تــوظــيــف كـــل ثـــــروة في مكانها الصحيح. فــالــنــفــط فـــي بــــدء تـسـمـيـة الــــــــوزارة المـخـتـصـة بــه، ثـم الـطـاقـة فـي مرحلة ثانية مـن التسمية، ثم الصناعة والثروة المعدنية، كلها كما نرى عنوان لـشـيء واحـــد تقريباً، وإذا لـم يكن الـعـنـوان واحــدا فــالمــضــمــون مـــتـــقـــارب بـــن الــتــســمــيــات الــــثــــاث، أو متشابه، ومــا دام كـذلـك، فــإن وضعه تحت عنوان واحــــد، ومـسـؤولـيـة متصلة لــوزيــر واحــــد، هــو من قبيل العمل تحت سقف واحد يضم الأشياء الثلاثة معاً، ويعمل على تعظيم المتحقق منها في آن. كـــان الــحــديــث عـــن مــبــدأ «كـــفـــاءة الإنـــفـــاق» قد انـحـسـر قـلـيـا فــي فــتــرة مــا بـعـد اســتــقــراره كمبدأ حـاكـم، وكـــان تــداولــه فـي الإعـــام قـد تـراجـع بعض الشيء، وعندما صدر الأمر الملكي بضم الوزارتين، بـدا أن انحسار الحديث عـن المـبـدأ لا يعني أنـه لم يعد موجودا أو فاعلاً، وأن تراجع تداوله إعلاميا لا يعني أنه ليس معتمدا في كل إنفاق عام، أو في كل تفكير في الإنفاق العام، وإنما المعنى كان أنه قائم ماثل، وأنـه يتجلَّى حين تدعو الضرورة إلى تجلِّيه، وهـــذا مـا ســوف نـــراه لـو أنـنـا راجـعـنـا أمر ضم الــوزارتــن، ثم راجعنا عائد ضمهما المرتقب في الأفق المنظور. عندما جرى الإعلان عن مبدأ «كفاءة الإنفاق» فـــي حـيـنـه، وعــنــدمــا جـــرى تـــداولـــه فـــي وقـــتـــه، كـان المــعــنــى أن الإنـــفـــاق الـــعـــام مــــــدارس، وأن هــــذه هي مدرسته في الرياض. Issue 17397 - العدد Thursday - 2026/7/16 الخميس لـــو عُـــدنـــا إلـــى الــســجــالات المـحـتـدمـة بـــن المثقفين المحافظين والعلماء الاستشرافيين قبل عقد مـن الآن لأدركنا أن العلم دائما يفرض نظريّته كواقعة لا مناص منها. وهــــــذا يـــصـــح عـــلـــى كــــل قـــصـــص الـــتـــقـــدّم الـعـلـمـيـة المـفـصـلـيّــة فـــي الــتــاريــخ الــبــشــري، إذ ســـرعـــان مـــا يجد الإنسان نفسه في ورطة غير متوقّعة؛ ليكتشف لاحقا أن أحــاديــث المـقـاومـة بـوجـه طـوفـان الـعـلـوم لـم تكن إلا ضربا من الهذيان، وإذا كان «العلم لا يفكّر» كما يقول هيدغر، فإنه بالمقابل يفرض عالمه ضمن حركة التاريخ وحـــيـــويّـــة الـــتـــطـــوّر الــعــلــمــي، ولـــســـان الـــحـــال هــــذه هي المستجدات العلميّة وعليك أن تقبلها وتتعايش معها، ولـكـن بالتأكيد لــن تستطيع صـــد الـطـوفـان بـمـجـداف كسيح. من هنا لفتني النقاش المتصاعد حاليا إذ لم يعد منصبا عـلـى الــذكــاء الاصـطـنـاعـي بمفهومه فـهـو بين أيدينا ونعيش معه وربـمـا نحن مـن نعيش معه، بل السؤال الأساسي يتمثّل في مستوى علاقات الإنسان بهذا الفتح العلمي الكبير. وأضرب على ذلك نموذجين من التحليل لتتضح الـــصـــورة؛ الأول نــمــوذج تحليلي عـمَــلـي تـمـثّــلـه مقالة يوليو 7 غـوتـام مـوكـونـدا ونـشـرت بـهـذه الـجـريـدة فـي (تـــمـــوز) الــحــالــي بـــالاتـــفـــاق مـــع «بـــلـــومـــبـــرغ» بــعــنــوان: «الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي... الـجـمـع بــن الإنــســان والآلــــة». فيه رأى أن: «كارل ماركس، عالم الاقتصاد الذي عاش ، كـــان أول مــن لـفـت إلـــى تـهـديـد الــذكــاء 19 فــي الــقــرن الــــــ الاصطناعي للحافز المعنوي لدى الإنسان. ربما تكون قـد سمعت عنه (نـعـم، أنــا أقتبس مـن مــاركــس، بشكل إيجابي، داخل منبر رأسمالي). وبمجرد التخلص من كـل الـهـراء المتضمن فـي آرائـــه (عمل ضخم بالتأكيد)، ستبقى لــدى مـاركـس فـكـرة واحـــدة غـايـة فـي الأهمية، أطلق عليها اسم «الاغتراب»، وتدور حول أن التصنيع فصل العمال عن نتاج عملهم، وأن هـذا يحول العمل مـن تعبير مُـــرض عـن إرادة العامل وإبــداعــه، إلـى عمل لا معنى له». الـنـظـريّــة الثانية علميّة فلسفيّة كتبها الأسـتـاذ فبراير (شباط) 3 خالد الغنامي في مجلة «المجلة» في بـعـنـوان: «الــذكــاء الاصـطـنـاعـي وحـــدود الحكم» 2026 رأى الكاتب أن: «الـذكـاء الإنساني لا يقتصر على حل المشكلات، بل يمتد إلى إعادة تعريفها. فالإنسان حين يعجز لا يكرر المحاولة بالطريقة ذاتها، بل يسأل من جديد إن كان السؤال نفسه صحيحاً. قد يغير غايته، أو يعيد النظر في قيمه، أو يكتشف أن ما ظنه مشكلة لـم يكن كذلك أصـــاً. هــذه الـقـدرة على مراجعة المعنى لا على تحسين الأداء فقط هي ما لا تستطيع المحكمة الذكية محاكاته، وهو مما يجلي عظمة الإنسان رغم كل ضعفه والخلل والقصور في كل أدواته المعرفية. من هنا لا يكون قصور الذكاء الاصطناعي مسألة تقنية مـؤقـتـة، بـل مسألة فلسفية أعـمـق. الخلل لا يكمن في ضـعـف الــخــوارزمــيــات، بــل فــي الـفـرضـيـة الـتـي تنطلق منها، وهي أن الذكاء يمكن فصله عن الحياة... فما دام الذكاء يفهم بوصفه عملية حسابية معزولة، فستبقى العدالة التي ينتجها ناقصة مهما بلغت دقتها». تعليقي على هاتين المقولتين أجمله في أن الذكاء الاصطناعي بكشوفاته العلمية العالية لم يعد ترفاً؛ بل يمثّل ضــرورة قصوى للعالم. ومـا كـان هـذا المجال مقتصرا على التداول العلمي المتخصص، وإنما دخل ورش النقاشات الفلسفية والأنثربولوجية والطبّية بـاعـتـبـاره كشفا جــديــداً، بـل وخـضّــة عالمية تـــوازي ما حـــدث مــن قـبـل مـنـذ اكـتـشـافـات الاتـــصـــالات والإنـتـرنـت في القرن الماضي إلى اليوم، وعليه فإن هذا المجال هو العلامة الكبرى على التطوّر العلمي وانعكاسه الدائم على البشر، والعلم صديق البشر دائماً. نــعــم، إن المـبـالـغـة عـنـد بـعـض المـفـكـريـن الغربيين وحـتـى الــعــرب ونـشـر الـقـلـق مــن هـــذا الـكـشـف المـبـن لم تصد هـذا الـواقـع العلمي، فـالـدول تستثمر فيه ضمن أسسها وتقاليدها وأفـكـارهـا ورؤاهـــا المستقبلية، بل علينا الترحيب بـهـذا المـجـال الخصب الـــذي أثــق بأنه سيحقق فتوحات علمية وطبية، بل وزراعية وعسكرية فائقة. الخلاصة: أن الذكاء الاصطناعي يمثّل ذروة تفوّق الإنسان في المجال العلمي، نعم ثمة مخاطر جمّة يمكن معالجتها على ضربيْ؛ أولهما: المجال الأمني بحيث تتمتع المؤسسات بممانعة قويّة لأي تحد ربما يشوش على التقنيات المستخدمة، أو يتدخّل في المجال العام. ثــانــيــهــمــا: المــــجــــال الأخـــــاقـــــي، وهــــــذا دور مـــــــوزّع بـن الــتــربــوي المـؤسـسـي فــي مــجــالات الـتـعـلـيـم، ومـــن المهم محض تجربتنا مع هذا العلم بابتكار أسئلة جديدة تمنحنا القدرة على تأمل مستقبلنا معه، أما إنكاره أو الاحتجاج عليه فلن يغيّر من راهنيّته شيئاً، بل أثبتت التجارب أنـه نصير للإنسان وعونا له على عكس ما توقّع البعض من المناوئين والخائفين. لا يــــكــــل الــــســــودانــــيــــون مــــن الـــــجـــــدال فـي الـسـيـاسـة ولا يـتـوقـفـون عــنــه. ولــعــل ذلـــك من مـــعـــضـــات الـــحـــيـــاة الـــســـيـــاســـيـــة، إن لــــم يـكـن مـن لعناتها. فـهـذا الــجــدال المستمر حــول كل قـــضـــيـــة، وفـــــي كــــل تــفــصــيــل، جـــعـــل الــســيــاســة ممارسة شاقة في السودان، وصعّب الوصول إلــــى الـــتـــوافـــق، حــتــى غــــدت المـــمـــاحـــكـــات سمة ملازمة للعمل السياسي، وعائقا أمام الحوار والاستقرار. لذلك لم يكن مستغربا هذا الجدل المحتدم حـول التسريبات المتعلقة بالورقة الأميركية لإنهاء الحرب، والرد الحكومي عليها، ونسيج الـروايـات المتعددة حـول لقاء في القاهرة بين المـــبـــعـــوث الأمـــيـــركـــي مــســعــد بـــولـــس، وعـضـو مجلس السيادة الفريق شمس الدين كباشي. حتى بعد النفي الأميركي لما تردد بشأن قبول معظم بنود الخطة أو حصر الخلاف في نقطة أو نقطتين، واصلت ماكينة الإشاعات إنتاج المزيد من الروايات. ســــيــــاســــة الــــصــــمــــت الــــحــــكــــومــــي ســهــلــت بــالــتــأكــيــد الأجـــــــواء لـــإشـــاعـــات. فـالـشـفـافـيـة مطلوبة، حتى وإن كانت طبيعة المفاوضات تــقــتــضــي قــــــدرا مــــن الـــســـريـــة فــــي الــتــفــاصــيــل. ولـــو بـــــادرت الـــدولـــة إلـــى الإعـــــان عـــن تلقيها المقترحات الأميركية، وأنها بصدد دراستها، لأغلقت الباب أمام كثير من التكهنات. الحقيقة أن ما تسرب بشأن هذه المبادرة لا يـتـضـمـن جـــديـــدا فـــي عــنــاويــنــه الـرئـيـسـيـة؛ فمعظم هذه البنود سبق أن طُرحت، وتحدث عنها المـبـعـوث الأمـيـركـي نفسه فــي مقابلات صحافية. وإذا كان ثمة جديد، فهو في بعض الـتـفـاصـيـل، أو فـــي جـــوانـــب مـــن الــــــردود على المقترحات، وهي أمور لم يكشف عنها أي من الأطراف بصورة رسمية. الـــعـــنـــوان الـــرئـــيـــســـي لــلــخــطــة الأمــيــركــيــة يـــومـــا. وتـــنـــدرج 90 هـــو هـــدنـــة إنــســانــيــة لمــــدة تحت هذا العنوان تصورات لترتيبات بشأن الانـــســـحـــابـــات الــعــســكــريــة المــتــبــادلــة لتيسير إيـــــصـــــال المـــــســـــاعـــــدات الإنــــســــانــــيــــة، وحـــمـــايـــة المــدنــيــن والمـــنـــشـــآت، ووضـــــع آلـــيـــات لـلـرقـابـة وضمان التنفيذ. وتفترض الخطة استثمار فترة الهدنة في التمهيد لمفاوضات على وقف دائـم لإطـاق النار، ثم إطـاق عملية سياسية وحـــوار وطـنـي يفضيان إلــى تشكيل حكومة مـدنـيـة تـقـود العملية الانـتـقـالـيـة، والـتـرتـيـب للانتخابات. الواضح أن الخلاف لا يتعلق بمدة الهدنة ولا بعناوينها الـعـامـة، وإنــمــا بـمـا سيجري خـالـهـا، وبالتحديد فيما يتصل بترتيبات أي انسحاب وإعادة الانتشار والسيطرة على الأرض. فـالمـقـتـرح الأمــيــركــي مـثـلـمـا أوضـحـه في أكثر من مناسبة المستشار مسعد بولس، يقوم على بدء تنفيذ وقف إطلاق النار أولاً، ثم مناقشة ترتيبات الانسحاب وإعادة الانتشار خلال فترة الهدنة. أما الموقف السوداني، كما عـبّــر عنه الفريق عبد الفتاح الـبـرهـان، وكما ورد فـــي خــطــة الـــســـام الــحــكــومــيــة، فينطلق مـن ضـــرورة انسحاب «قـــوات الـدعـم السريع» أولا من كل المـدن والمـواقـع التي احتلتها بعد على أن 2023 ) اتفاق منبر جدة في مايو (أيار تتجمع هـذه الـقـوات في مراكز مـحـددة، حتى لا تتحول الهدنة إلى فرصة لتثبيت مواقعها والـــحـــصـــول عـــلـــى إمـــــــــدادات جــــديــــدة وإعــــــادة تنظيم صفوفها. في المقابل، تبدو «قوات الدعم السريع»، وإن أبــــــدت قــــبــــولا بــمــعــظــم عـــنـــاصـــر الــخــطــة، مـتـمـسـكـة بـــرفـــض الانـــســـحـــاب مـــن مــواقــعــهــا، وتــعــتــبــر ذلــــك مــدخــلــهــا لــضــمــان أي دور في ترتيبات المرحلة المقبلة. هل تختلف الخطة الأميركية عن مبادرة «الرباعية»؟ رغــــم أن الــتــحــركــات الأمــيــركــيــة تــصــدرت المـشـهـد، فــإن الخطة المـطـروحـة تـبـدو امـتـدادا لـتـحـرك «الــربــاعــيــة» أكــثــر مــن كـونـهـا مــبــادرة منفصلة. فــالــولايــات المـتـحـدة قـــادت صياغة الخطة وتولّت التفاوض المباشر مع الأطراف الــــســــودانــــيــــة، لــكــنــهــا ظـــلـــت تـــنـــســـق بـــصـــورة مستمرة مـع بقية أعـضـاء «الـربـاعـيـة». لذلك بقيت المــبــادئ الـعـامـة واحـــــدة، بينما انصب الـــجـــهـــد الأمــــيــــركــــي عـــلـــى بــــلــــورة الــتــفــاصــيــل ومحاولة تقريب وجهات النظر. ما هي فرص النجاح؟ يــمــكــن تـــصـــور أربــــعــــة ســـيـــنـــاريـــوهـــات. الأول، أن تــــطــــرأ تـــــطـــــورات تـــجـــعـــل الــخــطــة الحالية مقبولة كما هي، وهو احتمال يبدو ضعيفا لـلـغـايـة، نــظــرا لـتـعـقـيـدات مـوضـوع الانسحابات العسكرية، فضلا عن القضية الأكثر حساسية، وهي مستقبل «قوات الدعم السريع»، وما إذا كان واردا القبول بأي دور مستقبلي لها. أما السيناريو الثاني، فيقوم على إدخال تعديلات تجعل الخطة مقبولة، غير أن ذلك يبدو أقرب إلى محاولة تربيع الدائرة، في ظل التباعد الكبير في المـواقـف بشأن الترتيبات العسكرية. والـسـيـنـاريـو الـثـالـث يتمثل فــي اعتماد مــــقــــاربــــة تـــدريـــجـــيـــة تــــبــــدأ بـــهـــدنـــة مــــحــــدودة فـــي بــعــض الــجــبــهــات الــســاخــنــة، مــثــل مـديـنـة الأبـيـض، مـع فتح مـسـارات آمـنـة للمساعدات الإنسانية، ومحاولة تطبيق إجـــراءات لبناء الثقة. هـذا السيناريو قد يكون واردا في ظل الضغوط الإنسانية والدولية المتزايدة، لكنه لن يحقق الاختراق الذي تطمح إليه واشنطن، كما أن استمرار العمليات العسكرية سيظل عاملا يقوض فرص نجاحه. ويـــبـــقـــى الـــســـيـــنـــاريـــو الـــــرابـــــع هـــــو فـشـل المـــبـــادرة المــطــروحــة، كـمـا حـــدث مــع مـحـاولات سابقة. وفي هذه الحالة يكون السؤال ما إذا كانت الإدارة الأميركية تملك الرغبة والإرادة لمواصلة جهود الوساطة والبحث عـن صيغ جديدة، أم أن انشغالها بأزمات دولية أخرى، واقــــتــــراب انــتــخــابــات الــكــونــغــرس الـنـصـفـيـة، سيدفعان الملف السوداني إلى مرتبة أدنى في سلم الأولويات. وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل المبادرة لــن يـتـحـدد فـقـط بـمـا سـيـحـدث فــي واشـنـطـن، بـل أيـضـا بما قـد تشهده سـاحـات الـقـتـال من تطورات ميدانية قد تعيد رسم موازين القوى، وتفرض معادلات مختلفة. علينا الترحيب بهذا المجال الخصب الذي سيحقق فتوحات علمية وطبية بل وزراعية وعسكرية فائقة فهد سليمان الشقيران عثمان ميرغني سليمان جودة OPINION الرأي 14 عقدة المبادرة الأميركية في السودان واقعة «الذكاء الاصطناعي» وإخفاق خطاب التخويف منهج الإنفاق العام في الرياض لمَّا جرى استحداث مبدأ «كفاءة الإنفاق» جاء معه بالتوازي مبدأ «تنويع مصادر الدخل»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky