issue17397

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17397 - العدد Thursday - 2026/7/16 الخميس إيران تريد من المفاوضات ألا تنتهي! الحياد هو الحل ولا سبيل غيره كلما اقـتـربـت الـــولايـــات المـتـحـدة وإيـــــران من طاولة المفاوضات، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: هل يمكن التوصل إلى اتفاق دائم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أم أن المفاوضات تتحول في كل مرة محطة جديدة في صراع طويل لا ينتهي؟ فالتجربة الممتدة منذ قيام الثورة الإسلامية عام تشير إلى أن العلاقة بين الطرفين لم تعرف 1979 استقرارا حقيقياً، بل انتقلت من أزمة إلى أخرى، ومن جولة تفاوض إلى جولة جديدة أكثر تعقيداً. اليوم يعود التصعيد وتعود الاتـصـالات بين واشنطن وطهران بوساطة عدد من الـدول، أبرزها سلطنة عمان، وقطر، وتركيا، وباكستان ومصر، فـي محاولة لاحـتـواء التوتر ومـنـع انـــزلاق المنطقة إلـــى مـواجـهـة أوســــع. لـكـن الـطـريـق لا يـبـدو سـهـاً؛ لأن كل طرف يدخل المفاوضات وهو يحمل أهدافا مختلفة تماما عن الطرف الآخر. يــــــرى كـــثـــيـــر مـــــن الــــخــــبــــراء أن الــــتــــفــــاوض مـع إيـــــران يـخـتـلـف عـــن أي مــفــاوضــات تـقـلـيـديـة، ليس فـقـط بسبب المـلـفـات المــطــروحــة، بــل بسبب طبيعة النظام نفسه، الـذي يجمع بين الاعتبارات الدينية والسياسية والعسكرية والأمنية والطباع أيضاً. لذلك؛ فـإن أي اتفاق لا يقتصر على قضية واحـدة، بل يمتد إلـى شبكة واسعة من المصالح الإقليمية والدولية. كــان الدبلوماسي الإسـرائـيـلـي الـراحـل يـوري لـــوبـــرانـــي، آخـــر سـفـيـر لإســرائــيــل لـــدى إيـــــران قبل الــــثــــورة الإســـامـــيـــة، مـــن أكـــثـــر الـــذيـــن حـــــــذَّروا من التقليل من قدرات الإيرانيين التفاوضية. فقد كان يصف الإيرانيين بأنهم «أمة من نساجي السجاد ولاعبي الشطرنج»، في إشارة إلى صبرهم الطويل وقدرتهم على التفكير بخطوات عـدة إلـى الأمــام. وكــــان يـــرى أن طــهــران لا تـتـعـامـل مــع المـفـاوضـات بصفتها طـريـقـا سـريـعـا إلـــى الاتـــفـــاق، بــل وسيلة لتحسين موقعها السياسي وكسب الـوقـت، حتى وصف أسلوبها في إدارة المفاوضات بأنه «تحفة فـــي تـضـلـيـل الـــعـــالـــم». وســـــواء اتــفــق المــــرء مـــع هـذا الـتـقـيـيـم أم اخــتــلــف مــعــه، فــإنــه يـعـكـس الانــطــبــاع السائد لدى كثير من الدبلوماسيين الذين تعاملوا مع إيران خلال العقود الماضية. ولـعـل أكـثـر مــا يميز الـسـيـاسـة الإيــرانــيــة هي قدرتها على الجمع بين أكثر من مسار في الوقت نفسه. فهي تفاوض، لكنها في الوقت ذاته تحافظ عـلـى أوراق ضـغـط مــتــعــددة، ســــواء عـبـر نـفـوذهـا الإقـلـيـمـي أو عـبـر مـلـفـات أمـنـيـة وعـسـكـريـة أو من خـــــال قـــدرتـــهـــا عـــلـــى الـــتـــأثـــيـــر فــــي حـــركـــة المـــاحـــة والطاقة فـي الخليج. ومـن هنا، يـرى مراقبون أن طهران تحرص دائما على ألا تدخل أي مفاوضات وهي مجردة من وسائل الضغط. وتبرز أهمية الدول الوسيطة في هذه المرحلة. فهذه الـدول لا تكتفي بنقل الرسائل بين الطرفين، بـــل تـلـعـب دورا أكــبــر فـــي تــقــريــب المــــواقــــف، وفـتـح قنوات اتصال غير معلنة، وتخفيف التوتر عندما تصل المفاوضات إلى طريق مسدود. وقد اكتسبت تركيا خــال الـسـنـوات الأخــيــرة خـبـرة واسـعـة في هــذا المــجــال، مستفيدة مـن دور أجهزتها الأمنية والدبلوماسية فـي إدارة أزمـــات إقليمية معقدة، كما عززت باكستان حضورها من خلال استضافة لقاءات ومساعدة الأطراف على إبقاء الحوار قائما رغم الخلافات الكبيرة. ولا تنظر هــذه الـــدول إلــى الـوسـاطـة بصفتها عــمــا دبـلـومـاسـيـا فــقــط، بــل أيــضــا فــرصــة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية. فكل نجاح في تقريب وجهات النظر يمنحها ثقلا سياسيا أكبر، ويزيد مــن قـدرتـهـا عـلـى الـتـأثـيـر فــي مـلـفـات أخـــرى داخــل المنطقة. أما إيــران، فتدرك أن الوقت قد يكون أحد أهم عـنـاصـر قـوتـهـا. فكلما امــتــدت المــفــاوضــات، زادت الـــضـــغـــوط عــلــى الأطـــــــراف الأخـــــــرى، ســـــواء بسبب المــــخــــاوف الأمـــنـــيـــة أو تــقــلــبــات أســــــواق الـــطـــاقـــة أو الـحـسـابـات الـسـيـاسـيـة الــداخــلــيــة. ولـــذلـــك؛ يعتقد عــدد مـن المحللين أن الـقـيـادة الإيـرانـيـة لا تــرى في عامل الوقت عبئاً، بل تعدّه ورقة يمكن استثمارها للحصول على شروط أفضل. وفي المقابل، تواجه الإدارة الأميركية ضغوطا مختلفة. فهي مطالَبة بـإظـهـار قـدرتـهـا على منع التصعيد العسكري، وفي الوقت نفسه عدم تقديم تنازلات قد تبدو كبيرة أمام الرأي العام الأميركي. كما أن أي تطورات ميدانية في الشرق الأوسط قد تؤثر مباشرة في السياسة الداخلية الأميركية، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؛ الأمر الــــذي يـجـعـل هـامـش المـــنـــاورة لـــدى واشـنـطـن أكثر ضيقا ً. ولا تقتصر صعوبة المفاوضات على القضايا الــــنــــوويــــة وحــــــدهــــــا، بـــــل تـــشـــمـــل أيــــضــــا مـسـتـقـبـل الـعـقـوبـات الاقـتـصـاديـة، والــــدور الإقليمي لإيـــران، وأمــــن المــاحــة فــي الـخـلـيـج، والــعــاقــات مــع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ولهذا؛ فإن الوصول إلى اتفاق شامل يتطلب معالجة ملفات متشابكة، لكل منها حساباته الخاصة. وتواجه إيران في الوقت نفسه تحديات داخلية لا يمكن تجاهلها. فالاقتصاد يعاني منذ سنوات مــن الـعـقـوبـات، والاســتــثــمــارات الأجـنـبـيـة مــا زالــت مــحــدودة، والتضخم وارتــفــاع الأســعــار يضغطان على المواطنين، في حين تحتاج الدولة إلى موارد كـبـيـرة لإعــــادة الإعـــمـــار وتـعـويـض الـخـسـائـر التي خلفتها الحرب الأخيرة. لذلك؛ فإن طهران تحتاج إلـى تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها تسعى إلــى تحقيق ذلــك مـن دون أن تـبـدو وكـأنـهـا قدمت تنازلات تمس مكانتها أو نفوذها. وفي المقابل، يدرك صناع القرار في واشنطن أن أي اتــــفــــاق لا يــحــظــى بـــضـــمـــانـــات واضــــحــــة قـد يتحول هـدنـة مؤقتة أكـثـر منه حــا دائــمــا. ولهذا تـسـتـمـر المـــفـــاوضـــات وســـط قـــدر كـبـيـر مـــن الــحــذر، حيث يحاول كل طرف اختبار نيات الطرف الآخر قبل الانتقال إلى خطوات أكبر. ويـــبـــقـــى الـــــســـــؤال الأســــــاســــــي: هـــــل تـسـتـطـيـع الـدبـلـومـاسـيـة إنــهــاء هـــذا الــصــراع الــطــويــل؟ حتى الآن لا تـــوجـــد إجـــابـــة حـــاســـمـــة. فـــالـــتـــاريـــخ يظهر أن الــعــاقــات بـــن الـــولايـــات المــتــحــدة وإيـــــران مـــرَّت بمحطات عدّة من التقارب والتوتر، وأن الاتفاقات السابقة لم تمنع عودة الأزمات من جديد. لـذلـك؛ تبدو المرحلة الحالية اختبارا جديدا لقدرة الدبلوماسية على تحقيق اختراق حقيقي. فالنجاح لن يعتمد فقط على ما يقال داخل قاعات الـتـفـاوض، بـل أيضا على مـا يجري خارجها من تــــطــــورات ســيــاســيــة وأمـــنـــيـــة واقـــتـــصـــاديـــة. وفـــي الـنـهـايـة، قــد لا يـكـون الـتـحـدي الأكــبــر هــو توقيع اتــــفــــاق جــــديــــد، بــــل الـــــقـــــدرة عـــلـــى الـــحـــفـــاظ عـلـيـه وتحويله اسـتـقـرارا دائـمـا فـي منطقة اعــتــادت أن تتحول فيها التسويات المؤقتة أزمات جديدة بعد وقت قصير. لـــو أن الــبــطــريــرك المــــارونــــي الـــكـــارديـــنـــال بــشــارة بــطــرس الـــراعـــي قـــال الــــذي ورد فـــي عـظـتـه يـــوم الأحـــد فـــي مــؤتــمــر مـــوسَّـــع تتمثل 2026 ) يــولــيــو (تـــمـــوز 12 فيه الرئاسات اللبنانية الثلاث، والقيادة العسكرية، وشخصيات سياسية في الحُكم، وأحـــزاب فاعلة في الشأن اللبناني، لكان ربما أحدث تشققات في الحالة اللبنانية الـتـي تعيش صـدمـة تـلـو صـــدمـــات، وليس هنالك مَــن يُــخـرج «يـوسـف اللبناني» مـن الجب الـذي رمـاه فيه إخـوانـه، وأطياف مِــن الذين يرومون الواقع الــوطــنــي الــعــريــق لــلــبــنــان، وتـــراهـــم فـــي هــــذا الـسـبـيـل يمعنون تدميرا لمعاني الصيغة الطوائفية التي هي عنصر قــوة لـلـوطـن، ليس بـأسـلـوب المـنـاكـفـة، وتـنـوُّع الـــهـــوى الـــخـــارجـــي، وإنـــمـــا مِـــن خـــال تـكـاتـف الأيــــدي، وعلى قاعدة التفهم، والتفاهم. جــــديــــد كـــــام الـــبـــطـــريـــرك الـــــراعـــــي حـــــول الـــحـــيـــاد يـثـبِّــت لـلـبـنـان هـويـتـه ومـكـانـتـه كـمـا جـــاء فـــي عِــظـتـه، وقوله: «سيبقى حياد لبنان الفاعل ضمانة لرسالته الــتــاريــخــيــة. فــبــحــيــاده يـنـجـو مِــــن أثـــقـــال الـــصـــراعـــات، والمــــحــــاور الـــتـــي اســـتـــنـــزفـــتْـــه، وبـــحـــيـــاده يـــعـــود جـسـرا للقاء، لا ساحة للمواجهة، ومنبرا للحوار، لا ميدانا لـلـنـزاعـات...». وللمزيد من التأكيد لاقتناعه بجدوى مـا يــنــادي، يضيف: «الـحـيـاد الـفـاعـل ليس تخليا عن القضايا المحقة، ولا انكفاءة عن محيطه، بل هو حماية لاستقلاله، وصــوْن لوحدته، وتمكين له مِــن أن يؤدي رسالته في التقريب بين الشعوب، وخدمة السلام...». كلام البطريرك الراعي عن محاسن الحياد، الذي لا سـيـئـات فــيــه، سـبـق أن أشــــار إلــيــه فـــي ســيــاق عِــظـة مماثلة، أو من الجائز القول إنه أشار إليه أمام بعض زواره من سياسيين عرب، وأجانب، وكذلك أمام سفراء دول كبرى حرصوا على أن تشمل مهماتهم سماع ما يقوله البطريرك الراعي، ولا بد يستوقفهم أمام هؤلاء قـولـه: «باعتماد الحياد يكون هنالك جيش واحــد لا جيشان، وسياسة واحدة لا سياستان...». لكن عدم الاكتفاء باعتبار الحياد فكرة تقال من دون تفعيل لها يجعلها أشبه بــرأي، وليست صيغة حل قابلة للمناقشة بين مَن في استطاعتهم تحويلها إلى مطْلب شعبي. وثمة دول اعتمدت الحياد، سواء فرضت عليها قـسـوة تــداعــيــات الـــحـــروب فــي الــقــرن المـــاضـــي، أو رأى شعب هذه الدولة أو تلك أن الطمأنينة والعيش الهني بنبذ الحروب هما طريق السلامة، والسلام. ولنا في التجربة النمساوية والتجربة السويسرية خير مثال. ونحن إذا تأمَّلنا فيما يعيشه لبنان منذ نصف قـــرن لــوجــدْنــا فــي شــــروط «اتـفـاقـيـة لاهــــاي» فــي شـأن حقوق وواجـبـات الـدولـة التي تختار الحياد، صيغة تـؤكـد أن حقوقها مصونة لجهة عــدم انـتـهـاك حرمة أراضيها، وكذلك منع عبور أرضها من جانب القوافل المـحـمَّــلـة بــالــذخــيــرة، أو الإمـــــــدادات الــحــربــيــة. كـمـا أن الدولة المحايدة مُلزمة بمنْع تصدير أو نقْل أسلحة أو ذخيرة لصالح أحد الأطراف المتحاربة. كل هذا الذي نشير إليه عاشه مأساويا وكارثيا لبنان، وما زال يعيشه منذ نصف قرن. الآن، وربما في حال فشل الصيَغ غير مكتملة الحسم، أن يأتي يوم لا يقتصر فيه الأمـر على أن إسرائيل تحتل مناطق في جنوب لبنان وتـرسـم على الـــورق خـرائـط تسعى إلى البقاء فيها. هــنــالــك إلــــى جـــانـــب الــنــمــســا دول أوروبــــيــــة عــدة اختارت الحياد حلاً، واعتمدته بمثابة خريطة يعلِّقها المـــواطـــن عـلـى جـــــدران بـيـتـه، أو مـكـتـبـه، كــونــه يحقق الـطـمـأنـيـنـة الـــتـــي تـــنـــادي بــهــا الــــرســــالات الــســمــاويــة، ومــنــهــا: «عــلــى الأرض الـــســـام وفـــي الـــنـــاس المـــســـرَّة». كــمــا أن هــنــالــك دولـــــة إســامــيــة (تــركــمــانــســتــان) ذات أقـلـيـات متنوعة، ولـديـهـا رابـــع أكـبـر احتياطي للغاز في العالم، اعتمدت الحياد بمثابة الأمان الذي يحقق التنمية لسكانها. وهذه المسرَّة لا تحققها الصراعات، والحروب، والصواريخ التي تجعل أرض الخير يباباً، وعـــلـــى سـبـيـل المـــثـــال مـــا يـــحـــدث ومــــا زال يـــحـــدُث بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخـــرى فــي منطقة قـــدر لـهـا أن تـكـون أرض الــرســالات السماوية. لكن الذي يحقق المسرّة هو اقتناع معتمدي اللغة الـصـاروخـيـة بــأن يـتـركـوا الباحثين عـن السلام يجدونه، ويعيشونه. وأمـــا لبنان المتعثر، والمــدمَّــرة مـامـح حضارته، والــذي يواجه الاعـتـداء المسيَّراتي على الناس رجـالاً، ونـــســـاء، وأطـــفـــالاً، فـــإن الــعــاج المــبــرئ لــجــراح كرامته الــتــي تــنــزف عـلـى مــــدار الأربـــــع والـعـشـريــن ســاعــة هو الـحـيـاد... ولا سبيل غيره. ومِــن شـأن مؤتمر -كالذي اسـتـضـافـتْــه المـمـلـكـة الـعـربـيـة الـسـعـوديـة فــي الطائف وأنـقـذ لبنان لبضع سـنـوات لبنان مـن الاحــتــراب بين أحـزابـه وميليشياته- أن يناقش صيغة الحياد قبل أن تتساقط أعمدة الهيكل على الجميع. مؤتمر يبدأ التمهيد له بذلك المؤتمر التمهيدي السياسي–الروحي الـذي يأمل المـرء أن يدعو إليه البطريرك الراعي الذي يـغـتـنـم المـنـاسـبـة تـلـو الأُخـــــرى فــيــذكِّــر بــجــدوى حـيـاد لـبـنـان. وواضــــح أنـــه سيستمر يـــذكِّـــر... إلـــى أن تنفع الذكرى. هدى الحسيني فؤاد مطر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky