issue17396

الثقافة CULTURE 18 Issue 17396 - العدد Wednesday - 2026/7/15 الأربعاء برتقالة تلمع وتتلألأ 15 تتدلّى منها شجرة ديوان قصر هشام تحوي البادية الفلسطينية سلسلة مــــن المــــواقــــع الأثــــريــــة تـــعـــود إلـــــى الـعـهـد الأمـــــوي، أعـظـمـهـا شــأنــا قـصـر فـــي قـريـة خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لــوادي النعيمة. بُني في عهد هشام بن عبد الملك، واستخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، وهو من طبقتين وفناء أمامي، ضمن مجمّع يحوي مسجدا مع فناء، وحماما كبيرا تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف اليوم بــــ«أكـــبـــر لـــوحـــة فـسـيـفـسـاء فـــي الــعــالــم»، وتتميّز بتقاسيمها الهندسية المسبكة. يــــحــــوي هــــــذا المـــجـــمّـــع الـــضـــخـــم أرضـــيـــة فسيفسائية أخرى تخرج عن هذا النسق الـتـجـريـدي، إذ تحمل تأليفا تصويريا صـرفـا يتميّز بطابعه الـواقـعـي، وتمثّل شجرة مورقة، تحيط بجذعها مجموعة من الحيوانات. تــــشــــكّــــل هــــــــذه الـــــلـــــوحـــــة جـــــــــزءا مــن فـــســـيـــفـــســـاء أرضــــــيّــــــة تـــــزيّـــــن مـــقـــصـــورة فـــي الـــركـــن الــشــمــالــي الـــغـــربـــي مـــن قـاعـة الاســــتــــقــــبــــال الــــخــــاصــــة بـــــهـــــذا الـــقـــصـــر، وتُـــعـــرف بـــديـــوان الـخـلـيـفـة. تـــتـــوزّع هـذه الفسيفساء على قـاعـة مستطيلة تبدو أشـــبـــه بـــحـــوض، تــحــدّهــا مـنـصـة نصف دائــريــة فـي الـطـرف الـشـمـالـي. تـزيّــن هذا الـــحـــوض ســـجـــادة فـسـيـفـسـائـيـة تتبنّى النسق الـتـجـريـدي الهندسي المتبع في أرضية الحمّام الضخمة، وتزيّن المنصة الــنــصــف دائــــريــــة فـسـيـفـسـاء تـصـويـريـة قوامها الشجرة المورقة التي عُرفت باسم «شجرة الحياة»، وباتت رمـزا من أشهر رمـــــوز قــصــر هـــشـــام فـــي نـــواحـــي أريـــحـــا. خرجت هذه الأرضية من تحت الردم في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وحافظت على سائر مكوّناتها بشكل كـامـل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التي تعود إلى زمن اكتشافها، وفيها تظهر سجادة الحوض وسط إطـار ناتئ يزيّنه شريط فـسـيـفـسـائـي، والـــشـــجـــرة وســــط المـنـصـة المقوّسة التي تعلو هذا الحوض من جهة الـشـمـال. ونـقـع على لـوحـن مستطيلين يـــزيّـــنـــان مـــدخـــا لـــهـــذه الــقــاعــة مـــن جهة الجنوب. تــعــتــمــد تــقـــاســـيـــم شــبــكــة الـــحـــوض بــشــكــل أســــاســــي عـــلـــى شـــكـــل يُــــعــــرف فـي قـــــامـــــوس الـــهـــنـــدســـة الــــريــــاضــــيــــة بـــاســـم «المُـــعـــنَّ»، وهــو ربـاعـي بسيط، أضلاعه مــتــســاويــة الــــطــــول، وقــــطــــراه مــتــعــامــدان ومتناصفان. تـزيّــن الـلـوح الــذي يستقر عــــنــــد مــــدخــــل الـــــحـــــوض شـــبـــكـــة تــعــتــمــد المُــــعــــن المــــربّــــع ذا الأضـــــــاع المـــتـــعـــرّجـــة، وفـيـهـا يـحـضـر هـــذا الـشـكـل ويــتــكــرّر من حوله في حلل لونية تجمع بين الأحمر والأزرق، ويظهر في وسط اللوح مكعّب يـشـكّــل بــرعــم هـــذا الــتــألــيــف. يـقـابـل هـذا الـلـوح لــوح مستطيل ثــان يحتل وسطه مُعي كبير تحدّه أربعة مثلثات، وتزيّن مــســاحــة هــــذا المُــــعــــن تــقــاســيــم مـجـدولـة بـــيـــضـــاويـــة. فــــي المــــقــــابــــل، تــــزيّــــن وســـط الحوض سجادة يتكرّر فيه شكل المُعي فـــي سـلـسـلـة مــتــراصــة تـجـمـع كــذلــك بين الأحـمـر والأزرق. يحيط بهذه السجادة شـــريـــط زخـــرفـــي عـــريـــض يـعـتـمـد شبكة مـــن الـــدوائـــر المــجــدولــة صـيـغـت فـــي حلة لـونـيـة مـشـابـهـة، ويـحـيـط بـهـذا الشريط العريض شريط رفيع تزيّنه سلسلة من الدوائر. يستقر هذا الحوض وسط إطار نـاتـئ يعلوه مـن جهتي الـشـرق والـغـرب شريط زخرفي قوامه سلسلة يتكرّر فيه شكل المُعي المربّع. يمتد هذا الشريط من جهة الجنوب، حيث يخرقه في الوسط الـــلـــوحـــان المــســتــطــيــان الــــلــــذان يــزيّــنــان المدخل. تــــحــــد هـــــــذا الـــــحـــــوض فـــــي الــــطــــرف الـــشـــمـــالـــي مـــنـــصـــة نـــصـــف دائـــــريـــــة كـمـا أشـرنـا، وتستقر وسـط مساحة زخرفية تـعـتـمـد تـقـنـيـة الـــجـــص المـــنـــقـــوش، وهــي التقنية الـتـي ســـادت بشكل أسـاسـي في زينة هـذا القصر، كما في عـدد كبير من المــــواقــــع الأمــــويــــة المــشــابــهــة. فـــقـــدت هــذه المـــســـاحـــة الـــزخـــرفـــيـــة الــــجــــزء الأكــــبــــر مـن مـكـوّنـاتـهـا، وبـقـي منها الــجــزء الأسـفـل، وفـــــيـــــه شـــــريـــــط عـــــريـــــض مــــــن الأغـــــصـــــان النباتية اللولبية، يـحـدّه شـريـط نحيل يتكوّن من وحدات متراصة تعتمد وحدة تشكيلية شائعة، على شكل ورقــة نبتة الأقــنــثــا فـــي صــيــاغــة مـــحـــوّرة هـنـدسـيـا. يستقر لـــوح الفسيفساء المــقــوّس وسـط هـذا الحلّة من الجص المنقوش، وتحدّه ســـلـــســـلـــة رفـــيـــعـــة تـــعـــتـــمـــد كــــذلــــك وحـــــدة تشكيلية شائعة، قوامها زهرة اللوتس المــــجــــرّدة. يـحـيـط هــــذا الــشــريــط النحيل شريط زخـرفـي عريض مـجـدول، ينعقد حول الشجرة المورقة التي ترتفع وسط فضاء مـجـرّد، تخلو مساحته البيضاء من أي تفصيل تصويري. يشكّل حضور هذه الشجرة المثمرة خـروجـا استثنائيا عـن الـقـاعـدة المتبعة في تزيين أرضية الحمّام، ويتّضح عند تـــأمـــل مــكــوّنــاتــهــا أنـــهـــا شـــجـــرة بــرتــقــال ضـــخـــمـــة، صُــــــــــوّرت أغـــصـــانـــهـــا المــــورقــــة بــــأســــلــــوب كـــاســـيـــكـــي شــــديــــد الإتـــــقـــــان، يـتـجـلّــى فــي تـصـويـر الأوراق الـخـضـراء بـظـالـهـا المـــتـــعـــدّدة. مـــن هــــذه الأغـــصـــان المـورقـة التي تجسّد بشكل مبهر تقنية التجسيم والتظليل، تتدلّى خمس عشرة بــرتــقــالــة تــلــمــع وتـــتـــألأ وســــط الأوراق الخضراء، وعند جذع هذه الشجرة، أسد يفترس غزالاً، ومن الجهة الأخرى غزالان يـــرتـــعـــان بــــســــام. يــظــهــر كــــل مــــن هــذيــن الغزالين وسط شجيرة مختزلة صيغت بـــالـــلـــون الأخــــضــــر. يــحــضــر فـــي المــقــدّمــة غــــزال يـتـقـدّم مــن جـــذع الـشـجـرة ليقتات مــــن غـــصـــن صــغــيــر يـــخـــرج مــــن طــرفــهــا، ويــحــضــر مـــن خـلـفـه غـــــزال يـــديـــر بــرأســه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غــــزال ثــالــث يــتــهــاوى أمــــام أســــد ينقض عــلــيــه مـــن الـــخـــلـــف. تـــحـــل هــــذه الـــصـــورة وسط شجيرتين مماثلتين، وتشكّل جزءا من مشهد جامع يحتل القسم الأسفل من تأليف هذه الفسيفساء. يــــتــــمــــيّــــز هـــــــــذا المـــــشـــــهـــــد بـــطـــابـــعـــه الحيوي، حيث ينقض السبع بمخالبه على فريسته الـتـي لا تـــزال تـعـدو كأنها تـحـاول الــهــروب مــذعــورة، بينما تقضم الغزالتان العشب بسلام في الجوار، غير عابئتين بما يحصل على مقربة منهما. تقع هذه الصورة في محراب الركن الذي وُصـــف بــديــوان الخليفة، ورأى البعض أنـــهـــا تـــرمـــز إلــــى الــســلــطــة الأمــــويــــة. قيل إن الــشــجــرة الـضـخـمـة تـمـثـل دولــــة بني أمــيــة وحــكــم الـخـلـيـفـة، وقــيــل إن مشهد الأســد المنقض على فريسته يمثّل حال مـن يخالف قـوانـن الـدولـة، بينما يمثل مشهد الغزالتين الآمنتين حال من يتقيّد بهذه القوانين. فــي الـــواقـــع، يستعيد هـــذا التأليف صورة معروفة، ويتميّز بأسلوبه المتقن الـــذي يجعل منه تحفة استثنائية، كما أجـــمـــع أهـــــل الاخــــتــــصــــاص عـــلـــى الـــقـــول. تــــــكــــــرّرت هــــــذه الــــــصــــــورة فـــــي عــــديــــد مـن الأرضـــيـــات الــرومــانــيــة، كـمـا تـــكـــرّرت في عـــدد مــن المـــواقـــع الأمـــويـــة، وتــحــتــاج إلـى وقفة مستقلّة لرصد تحوّلاتها في هذه المواقع. محمود الزيباوي شجرة الحياة في ديوان قصر هشام بنواحي أريحا رواية بلجيكية تسخر من العقلية الأوروبية قــــد تــــبــــدو روايــــــــة «المــــســــيــــح قـــــــادم إلـــى بـــروكـــســـل» لــلــكــاتــب الــبــلــجــيــكــي ديــمــيــتــري فـيـرهـولـسـت لـلـوهـلـة الأولـــــى مــجــرد حكاية تخييلية عــن زيــــارة مرتقبة لشخصية لها مكانتها المقدسة في العقل الجمعي الغربي إلى العاصمة البلجيكية، لكنها في جوهرها روايــة سياسية واجتماعية لاذعـة تستخدم السخرية السوداء لرصد التحولات السريعة التي يمكن أن تصيب الناس حين يعتقدون أن معجزة ما على وشك الوقوع. صـــــــدرت الــــــروايــــــة عـــــن دار «الــــعــــربــــي» بـــالـــقـــاهـــرة، تــرجــمــة مـحـمـد عــثــمــان خـلـيـفـة، وهى نص قصير أقرب إلى «النوفيلا» يقوم على فرضية مـحـددة: مــاذا لو اعتقد الناس فجأة أن زمن المعجزات عاد وأنهم باتوا على 21 موعد مـع حــدث خــارج نطاق العقل يــوم يوليو (تـمـوز)، بالتزامن مع العيد الوطني لبلجيكا؟ رغم أنه لا يعرف أحد مصدر الخبر على وجه الدقة، فإن غموضه لا يمنع الناس من التعامل معه بوصفه حقيقة وشيكة. منذ اللحظة الأولـــى، تتحول بروكسل مدينة أخـرى، فتبدأ الواجهات في الترميم، وتـــوضـــع الــــزهــــور فـــي الـــــشـــــوارع، وتــتــراجــع الـجـريـمـة بــصــورة مـفـاجـئـة، ويـتـبـدل سلوك المـواطـنـن الـذيـن اعــتــادوا الـبـرود والعدائية واللامبالاة، حسب النص. لا يــحــدث ذلــــك لأنــهــم أصــبــحــوا أفـضـل بــالــضــرورة، بــل لأنـهـم يـــريـــدون الـظـهـور في صورة لائقة أمام الزائر المنتظر، وهنا يلتقط فيرهولست المفارقة الأساسية فـي الـروايـة: هــــل يــكــفــي انـــتـــظـــار شــخــصــيــة مـــقـــدســـة كـي يتصرف البشر بإنسانية، أم أن هذا التحسن المؤقت ليس سوى قناع اجتماعي جديد؟ يـــجـــعـــل الــــنــــص مـــــن ســــكــــان الـــعـــاصـــمـــة بـــروكـــســـل أبــــطــــالا جـــمـــاعـــيـــن، فـــالمـــواطـــنـــون والإعــامــيــون وأصــحــاب المـصـالـح جميعهم يــدخــلــون فـــي حــالــة مـــن الــتــرقــب والارتـــبـــاك. أمـــا الـسـيـاسـيـون، فينشغلون بـالـسـؤال عن الشخصيات الـتـي تستحق حـضـور اللقاء، وما هو الطريق الذي ينبغي أن يسلكه الزائر المزعوم داخل المدينة، بينما يتعامل آخرون مع الزيارة المحتملة بوصفها فرصة دعائية أو مناسبة لتعزيز نفوذهم ومصالحهم. يمكن القول إن الرواية تنتمي إلى نمط «مـــاذا لـــو؟» أو «الـــروايـــة الافـتـراضـيـة»؛ إذ لا تعتمد على كثافة الأحـــداث بقدر انشغالها بمتابعة ردود الفعل الجماعية تجاه حدث مـزلـزل، فالسؤال الأسـاسـي ليس هل تحدث المعجزة، وإنما ماذا يكشف انتظار قدومها عن الناس والطبيعة الإنسانية؟ يــمــزج أســـلـــوب فـيـرهـولـسـت بـــن اللغة الــــســــاخــــرة والـــتـــفـــاصـــيـــل الـــيـــومـــيـــة الــدقــيــقــة والمـــــاحـــــظـــــات الــــذكــــيــــة الــــتــــي لا تـــخـــلـــو مـن الـــطـــرافـــة، حــيــث بـــــرزت قـــدرتـــه عــلــى تـحـويـل مشهد جـمـاعـي عـابـر إلـــى بــانــورامــا واسـعـة عن البشر حين يواجهون فكرة الخلاص، أو حتى مجرد الوعد به. ومن أجواء الرواية نقرأ: «يـــزعـــم الـــنـــاس أن مـــن يـسـتـهـل الـحـكـي بالحديث عن الطقس هو حكاء حديث عهد بالصنعة، وإنــي لأجـد فـي زعمه هـذا وجهة نظر، وصدّقني عندما أقـول لك إنني فكرت في البدائل كافة، ومع ذلك فأنا لا أملك بديلا أفـضـل مــن أن أبـــدأ هـــذه الـحـكـايـة بـالـقـول إن السماء لم تكن تمطر في ذاك الصباح. عم الطقس الباهت الرتيب نفسه الذي لـطـالمـا مـيـز بــروكــســل والـــــذي ســاعــد المـديـنـة في أن تحوز الريادة في استهلاك مضادات الاكتئاب، وهو في حد ذاته ظاهرة ألفها كل من حط الرحال في عاصمتنا. تــرى بعين المـسـافـر مـن نـافـذة الطائرة سحابا تبدو كحلوى غزل البنات، ولكن ما إن تجد الطائرة مكانا لها على سطح أرضنا يــتــحــول ذلــــك الــســحــاب غــمــامــا داكـــنـــا مـثـقـا بالأمطار في مشهد كئيب كفيل بتبديد كل نـشـاط وحــمــاس فــي روح الــركــاب العائدين إلـى وطنهم بعد أن أمضوا العطلة بطولها في شحن بطاريات الحياة. تــتــهــادى الــطــائــرة فـــي مــســارهــا وسـط ضـبـاب كثيف بينما يـصـدح صــوت مألوف الـــنـــبـــرة بــالــفــرنــســيــة مـنـبـهـا إلــــى لــحــظــة فك الأحـــزمـــة، ثــم يــكــرر صـــوت مختلف التنبيه ذاتــــه بـهـولـنـديـة لا مـعـنـى لــهــا بـيـنـمـا يـبـذل جــهــده حـتـى لا ينتبه أحـــد إلـــى لكنته التي تفضح انتماءه إلى (لفان) مدينة الجعة. وبالتالي، فإن أسابيع من المطر المستمر هي التوقع الواقعي الوحيد ولا يتوقف المرء عـن الانـدهـاش وهـو يـرى الأرض مـع اقتراب الطائرة مـن المـطـار، فتظهر التفاصيل التي يتأملها بــن المــــروج الــخــضــراء، حـيـث تجد (الترمبولين) وحمامات السباحة التي تبدو أقـــــرب إلــــى أطـــبـــاق حــســاء زرقـــــاء لـــم يمسها أحـــد وفــيــا أهـــل الـطـبـقـة المـتـوسـطـة المـربـعـة المتطابقة التي تصطف في انتظام بارع على جانبي الطريق والأسيجة الشجرية المشذبة بعناية حــول المــنــازل والأحــيــاء الـتـي تحمي فيها أنظمة الإنذار الأطفال والمتاع على حد سواء». القاهرة: «الشرق الأوسط» أخلص بعضهم لفن واحد وجنح البعض الآخر إلى التعدد الهوية الإبداعية بين الوحدة والانشطار يتحدث الشاعر الإسـبـانـي غارسيا لــــوركــــا، فـــي نـــص لـــه شــبــه مـــجـــهـــول، عن فـارسـن اثـنـن يلتقيان صـدفـة عند أحد مـفـتـرقـات الــطــرق الأنـدلـسـيـة. وإذ يسأل أحــدهــمــا الآخـــــر: «مــــن أيــــن أنــــت قـــــادم؟»، «مـــن غــرنــاطــة»، يـجـيـب الآخــــر. ثــم يعود الأول لـــيـــســـأل: «وإلـــــــى أيـــــن ســـتـــعـــود؟»، «إلـــى غـرنـاطـة» يجيب الـثـانـي. وقـبـل أن يفترقا بقليل، يسأل الأول الثاني: «وما هي مهنتك؟»، فيجيب الثاني قائلاً، وقد بـدت عليه أمــارات الدهشة والاستغراب: «وماذا عليه أن يعمل من يكون قادما من غرناطة؟!». قد لا يجد القارئ في هذه الحوارية الــــقــــصــــيــــرة، مــــــا يـــتـــســـق مــــــع المـــــوضـــــوع الـــــذي تــتــصــدى لـــه هــــذه المـــقـــالـــة. ذلــــك أن الــــدلالــــة الأقــــــرب إلــــى الـــذهـــن الـــتـــي يمكن استخلاصها مـن الــحــوار، هـي أن الحب المَرضي الذي يكنّه لوركا لمدينته الواقعة فـــي الـــجـــنـــوب الإســـبـــانـــي، والــــــذي جعله يتخذ مــن الــفــارس الـثـانـي قـنـاعـا لـــه، قد دفـــعـــه إلـــــى الــــقــــول بـــلـــســـان أحـــــد أبــطــالــه المـــتـــخـــيـــلـــن، بــــــأن الانــــتــــمــــاء إلــــــى مــديــنــة بجمال غرناطة وعراقتها، قد يكون كافيا لمـنـح ساكنها شـعـورا بـالاكـتـفـاء والثمل الـعـشـقـي بــالمــكــان، إلـــى حـــد لا يـسـمـح له بفعل أي شيء آخر. ولأن الـشـعـر حـــمَّـــال أوجــــه ومـتـعـدد الطبقات، فقد استدرجني الـنـص، الـذي الـتـصـق بـــذاكـــرتـــي، مـنـذ قـــراءتـــي لـــه قبل عــقــود عــــدة، إلـــى تــأويــل آخــــر، تــــراءى لي مــعــه بــــأن الـــفـــارس الــثــانــي هـــو الــشــاعــر، وأن غـرنـاطـة هـي الشعر الـــذي يستغني بـنـفـسـه عـــن أي إضـــافـــة، ويـــصـــر عـلـى أن يكون محور اهتمام المشتغل به وديدنه، و«مهنته» الوحيدة. ولـــعـــلـــهـــم لــــم يـــكـــونـــوا بـــعـــيـــديـــن عـن الحقيقة، أولـئـك الـذيـن يـــرون فـي الشعر فــنــا نـرجـسـيـا بــامــتــيــاز، بـحـيـث لا يقبل مــعــه أي «ضــــــرَّة» مــنــافــســة، وأن تـحـقُّــقـه على النحو الأمثل، يحتاج بحكم انفتاح معجمه التعبيري على ضروب لا نهائية من الاحتمالات ومصادفات التجاور، إلى عـدد لا نهائي أيضا من الحيوات. إلا أن ثمة أسئلة مُلحّة لا بد من طرحها في هذا المجال، يتصل بعضها بإمكانية الجمع بـــن فــنــن أو أكـــثـــر، وبـــتـــعـــدديـــة الــهــويــة الإبداعية، ويتصل بعضها الآخـر بقدرة المــبــدع عـلـى أن يــقــدّم نـوعـن مــن الإبـــداع بالمستوى نفسه، والعمق إياه. والـواقـع فيما يخص الـسـؤال الأول، أن مـا ينطبق على الشعر، ينطبق بهذا الـقـدر أو ذاك على الفنون الأخـــرى، التي لا يــرضــى كــــل مـنـهـا بــأنــصــاف الــحــلــول، ولا يقبل التنازل عـن حصته مـن الــولاء، لأي مـنـافـس أو شــريــك. ويـكـفـي أن نلقي نظرة متفحصة على تجارب المبدعين في المجالات كافة، لكي نصل إلى الاستنتاج بــــــأن الــــفــــنــــون المـــخـــتـــلـــفـــة، وإن تــبــايــنــت أساليبها وأشـكـال تعبيرها، تحمل في عــمــقــهــا الأخــــيــــر الـــخـــصـــائـــص الـجـيـنـيـة نفسها، والنزوع الأحادي إياه. كما أن كل فن من الفنون، يحتاج من صاحبه، فيما يتعدى الموهبة الفطرية، إلى أن يبذل في سبيله، جماع طاقته وذروة اشتعالاته، وكــــامــــل ســــنــــوات عــــمــــره. ومـــــن دون ذلـــك لــــن يــمــكّــنــه مــــن بـــلـــوغ هـــمـــايـــا الإبـــــــداع، وسيتركه في أحسن الـحـالات، في مكان وسط بين القمم والسفوح. ومـــع أن الـتـكـلـفـة الـبـاهـظـة لثنائية الـــهـــويـــة الإبـــداعـــيـــة وتـــعـــددهـــا، لـــم تمنع الكثيرين مـن الإقـــدام على هــذه المجازفة الـــخـــطـــرة، وتـــوزيـــع أنـفـسـهـم بـــن أشــكــال للتعبير شديدة التباين، فإنهم قليلون جــــــدا أولــــئــــك الــــذيــــن اســـتـــطـــاعـــوا تــقــديــم نوعين من الأدب والفن، بالبراعة نفسها والمـسـتـوى إيـــاه. ولـعـل التجربة الفريدة لـلـكـاتـب الــفــرنــســي فـيـكـتـور هـــوغـــو، هي أول مـا يخطر على الـذهـن لــدى التحدث عـــن الـعـبـقـريـة الــتــعــدديــة، وهــــو الــــذي لم تـمـنـعـه تـجـربـتـه الــرومــانــســيــة المـتـمـيـزة في مجال الشعر، من أن يقدم بالمستوى نفسه أعمالا روائية موازية في الأهمية، مثل «البؤساء» و«أحــدب نـوتـردام». وإذ استطاع يوهان فولفانغ غوته من ناحية أخرى، أن يرفد اللغة والثقافة الألمانيتين بـمـشـروع ثـقـافـي مـتـكـامـل، لا تــبــدو معه الــــفــــوارق شـــديـــدة الاتــــســــاع، بـــن الـشـعـر والفلسفة والــروايــة والمـسـرح، فقد تمكن الــروســي بـاسـتـرنـاك، صـاحـب «الـدكـتـور زيــفــاغــو» أن يــقــدم فـــي الآن ذاتــــه تــوازنــا مشابها وثنائي «القطب»، على مستويي الشعر والرواية. ومــــع ذلـــــك، فـــــإذا كــــان الأدب والـفـكـر الأوروبـــــيـــــان، قـــد قـــدَّمـــا لــلــعــالــم عـنـاويـن عـدّة للهوية الإبداعية المركبة، من أمثال بــوشــكــن، فـــي مـــجـــالات الــشــعــر والـــســـرد والمـسـرح، ووليم بليك في مجال الرسم، ورامـبـرانـت في كتابة اليوميات، إضافة إلى فان غوخ في أدب الرسائل، وأندريه بروتون في الشعر والـروايـة، وجـان بول ســارتــر فــي الفلسفة والـــروايـــة والمــســرح، وآخـــريـــن غــيــرهــم، فـــإن مــا يـجـب التأكيد عليه، هـو أن توقيع كـل واحــد مـن هـؤلاء على صفحة الخلود، كان يتصل بمجال حـيـوي واحـــد وأســـاســـي، هــو الـشـعـر في حـــالات بوشكين وولـيـم بليك وبـروتـون، والرسم في حالتي رامبرانت وفان غوخ، والفلسفة في حالة سارتر. ولـــم يـكـن للثقافة الـعـربـيـة، أن تظل بـمـنـأى عــن ثنائية الـهـويـة الإبــداعــيــة أو تـــعـــددهـــا، وبـــخـــاصـــة فـــي مـــجـــال الـجـمـع بين الرواية والشعر. إلا أن الذين أقدموا على خوض تلك المجازفة، لم يستطيعوا حــجــب الـــتـــفـــاوت الـــواضـــح بـــن هـويـتـهـم الإبداعية الأم، وبين الهوية الرديفة، التي بدت أقرب إلى الهواية والحرفة، منها إلى الفطرة الأصلية. فما كتبه جبرا إبراهيم جـــبـــرا، وغـــــادة الــســمــان، وكـــاتـــب يـاسـن، والـــطـــاهـــر بـــن جـــلـــون ورشـــيـــد الـضـعـيـف وغيرهم، مـن قصائد ودواويــــن، يصعب أن يقارن بما حققته أعمالهم الروائية من عمق وفرادة وتميز. كما أن الروايات والأعمال السردية والمـــســـرحـــيـــة الـــتـــي كــتــبــهــا شــــعــــراء عـــرب مختلفو المـشـارب والأسـالـيـب، مـن أمثال مـــحـــمـــد المــــــاغــــــوط، وغـــــــــازي الــقــصــيــبــي، ومــحــمــد الأشــــعــــري، وعـــبـــاس بــيــضــون، وسـلـيـم بـــركـــات، وبــــول شـــــاوول، وحسن نـجـمـي، وعــبــده وازن وأحــمــد الـشـهـاوي وكثر غيرهم، تظل على أهمية بعضها، أقل قيمة من قصائدهم ودواوينهم، التي تحتل مكانة متقدمة في الشعرية العربية المعاصرة. أما تجربة إبراهيم نصر الله، التي يقف فيها الشعر والرواية جنبا إلى جـنـب، وفـــي خـانـتـن مـتـمـاثـلـتـن، فتكاد تكون إحــدى الاستثناءات القليلة، التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها. وإذا كــــان مـــا تـــقـــدم، لا يـنـفـي على نــحــو قــطــعــي، وجــــود مــبــدعــن مـتـعـددي المواهب، إلا أن هذه الأعطية الاستثنائية، لا تــنــزل عـلـى مـمـنـوحـيـهـا نــــزول النعمة الــــخــــالــــصــــة، بـــــل هـــــي نـــقـــمـــتـــهـــم وســـبـــب شـــقـــائـــهـــم وانـــشـــطـــارهـــم عـــلـــى أنــفــســهــم، فـــي الـــوقـــت ذاتــــــه. ذلــــك أن الــتــعــايــش مع نوعين أساسيين من أنـواع الأدب والفن، ســيــضــع صـــاحـــبـــه فــــي حـــالـــة اســـتـــنـــزاف دائمة، وسيتركه نهبا للأزمات الجسدية والنفسية، خـاصـة وأن كــا مـن النوعين سيعتاش على «لحم» الآخر، ويقتات من مخزونه ورصيده. شوقي بزيع الروايات والأعمال السردية والمسرحية التي كتبها شعراء عرب مختلفو المشارب والأساليب تظل على أهمية بعضها أقل قيمة من قصائدهم هوغو باسترناك غوته النص الكامل على الموقع الإلكتروني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky