issue17396

OPINION الرأي 12 Issue 17396 - العدد Wednesday - 2026/7/15 الأربعاء وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com الإنجليزية قبل العربية... الاستشراق الداخلي وأزمة الهوية أن تخسر إسرائيل ولا تكسب فلسطين!؟ اللغة ليست مـجـرد وسـيـلـة لـلـتـواصـل، بـل هي وعـــــاء الـــهُـــويَّـــة الـثـقـافـيـة والــــذاكــــرة الـجـمـعـيـة، ومــن خــالــهــا تــتــشــكَّــل رؤيـــــة الإنـــســـان لـــذاتِـــه ولمـجـتـمـعـه. ومن هذا المنطلق، لا تكمن المشكلة في تعلُّم اللغات الأجنبية، ولا في إتقان الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما. فكل لغة جديدة تضيف إلى الإنسان نافذة أخرى على العالم، وتمكّنه من الوصول إلى معارف وخبرات لم تكن متاحة له. لكن المشكلة تبدأ عندما تــتــجــاوز الــلــغــة وظـيـفـتَــهـا بـوصـفـهـا أداة للمعرفة والــتــواصــل، لـتـتـحـوَّل إلـــى مـعـيـار للحكم عـلـى قيمة الإنـسـان واستحقاقِه الوظيفي والاجـتـمـاعـي، وإلـى أداة لإعـــــادة إنـــتـــاج الــتــراتــب الاجــتــمــاعــي والـثـقـافـي داخــل المجتمع. وهنا تتجاوز القضية حــدود اللغة لتصبح تعبيرا عــن «اســتــشــراق داخــلــي» يعيد فيه المجتمع إنـتـاج تفوق الآخـــر، فتغدو اللغة الأجنبية رمــزا للحداثة والمكانة، بينما تُختزل اللغة الأم في صورة أدنى معرفيا واجتماعياً. وعند هذه النقطة، لا تـعـود القضية لغوية فحسب، بـل تصبح قضية حـــضـــاريـــة ونــفــســيــة وســيــاســيــة أيـــضـــا لأنَّـــهـــا تمس الــهــويــة الـجـمـعـيـة، وتـعـيـد تشكيل تــصــور المجتمع لذاته، وللمعايير التي يوزع على أساسها الاعتراف والمكانة والفرص بين أفراده. ففي تقديري، يرتبط احتقار اللغة الأم ارتباطا وثـيـقـا بـمـا يمكن تسميته «الاســتــشــراق الـداخـلـي»، وهــــي الــحــالــة الــتــي لا يــعــود فـيـهـا «الآخـــــر المــتــقــدم» بحاجة إلى فرض تفوقه من الخارج لأن المجتمع يبدأ بـإعـادة إنـتـاج هــذا التفوق داخـــل وعـيـه ومؤسساته وعــاقــاتــه الــيــومــيــة. فـتـصـبـح الـلـغـة الأجـنـبـيـة رمـــزا للعقلانية والـحـداثـة والـنـجـاح، بينما تُختزل اللغة الـوطـنـيـة فـــي صــــورة لـغـة مـحـلـيـة عـــاجـــزة، فـــي نظر الـبـعـض، عـن إنـتـاج المـعـرفـة الرفيعة أو منح المكانة الاجـتـمـاعـيـة. وبـهـذا المـعـنـى، لا تصبح اللغة مجرد عـــاقـــة بـــن لــغــتــن، بـــل تــعــبــيــرا عـــن اغــــتــــراب نفسي حيث تنظر الـذات إلى نفسها بعيون الآخـر، فتشعر بــالــدونــيــة أمـــامـــه، وتــــــراه نــمــوذجــا مـكـتـمـا لـلـتـقـدم والتفوق. ومــع ترسخ الشعور بتفوق الآخـــر، قـد يتحوَّل الإعــــجــــاب بـــه إلــــى إحـــســـاس بــالــنــقــص. فــتــغــدو لـغـة الآخـــر رمـــزا لـلـقـوة والــتــقــدم، بينما تُــربــط الـلـغـة الأم بالضعف والــتــأخــر. وعـنـدئـذ يسعى بـعـض الأفـــراد إلى اكتساب الاعتراف الاجتماعي من خلال الاقتراب مـــن لـغـة الآخــــر ورمــــــوزه، بــــدلا مـــن الـتـمـيـز بـالمـعـرفـة والإنتاج. ولهذا السبب تحولت اللكنة الأجنبية في بعض البيئات إلــى رأسـمـال رمـــزي ومعيار ضمني لـلـمـكـانـة والاســتــحــقــاق الـوظـيـفـي، رغـــم أنــهــا لا تـدل بذاتها على الـكـفـاءة العلمية، بـل على مستوى من الــتــدريــب والمـــمـــارســـة الــلــغــويــة. بـــل أصــبــح بعضهم يطمس لهجته المحلية ويتكلف اللكنة الأجنبية، لا لحاجة علمية، بل لأنها تحولت إلـى جـواز للمكانة والاعتراف، حتى غدا اللسان زيا اجتماعيا للهروب من وصمة النقص. ويـــتـــجـــلَّـــى الاســـــتـــــشـــــراق الــــداخــــلــــي والـــشـــعـــور بالهزيمة النفسية فـي أوضــح صورهما حـن تُلقى مــحــاضــرة بـالـلـغـة الإنــجــلــيــزيــة، رغــــم أن المـتـحـدثـن والـــحـــضـــور جـمـيـعـهـم عــــــرب، والمـــــوضـــــوع المـــطـــروح مــحــلــي، ولا تـــوجـــد أي ضــــــرورة عـلـمـيـة تـــبـــرّر ذلـــك. ويـتـجـلَّــى أيـضـا حــن تُــقـحـم المـصـطـلـحـات الأجنبية إقــحــامــا اســتــعــراضــيــا، فـتُــسـتـخـدم الــلــغــة الأجـنـبـيـة لإضفاء الهيبة على المتحدث، كأن الفكرة لا تكتسب قيمتها إلا إذا خرجت بلسان آخر. وكذلك الحال لدى بـعـض المـتـحـدثـن فـــي الــقــنــوات الـفـضـائـيـة الـنـاطـقـة بالعربية والموجهة إلى جمهور عربي، إذ يتكلَّفون استخدام لكنة أجنبية، ويقحمون مـفـردات أجنبية رغم وجود مرادفات عربية واضحة ودقيقة، فيتحوَّل الخطاب من وسيلة لشرح الفكرة إلى أداة لاستعراض المكانة الثقافية والاجتماعية. وعندئذ تتحوَّل اللغة الأجنبية من أداة لتوضيح المعرفة إلى ستار يحجب ضــحــالــة الـــفـــكـــرة، ومــــن وســيــلــة لــلــتــواصــل إلــــى أداة لصناعة مسافة رمزية بين المتحدث وجمهوره. ولا يقتصر هـذا الميل على الخطاب الأكاديمي والإعـــــامـــــي، بـــل يــمــتــد إلــــى المـــمـــارســـات المـؤسـسـيـة الـــيـــومـــيـــة، كــمــا يـــحـــدث حـــن تـــبـــدأ أنــظــمــة الاتـــصـــال بخدمة العملاء في بعض البنوك والشركات بخيار اللغة الإنجليزية أولاً، وتضع العربية ثانياً، رغم أن الغالبية الساحقة مـن عملائها ناطقون بالعربية. وهــــي مــمــارســة يـصـعـب تـــصـــوُّرُهـــا فـــي المـجـتـمـعـات المـــعـــتـــزة بــلــغــاتــهــا، حـــيـــث تـــتـــصـــدر الـــلـــغـــة الــوطــنــيــة الـواجـهـة المؤسسية، وتـأتـي اللغات الأخـــرى بعدها بوصفها خيارات مساندة لا بدائل رمزية عن اللغة الأم. ولا يقف الاستشراق الداخلي عند حدود اللغة، بل يمتد إلى النظر بدونيَّة إلى خريجي الجامعات الوطنية، ومنح خريجي الجامعات الغربية تفوقا مسبقا قـبـل فـحـص إنـتـاجـهـم وكــفــاءتــهــم. ورغــــم ما تــوفــره تـلـك الـجـامـعـات الأجـنـبـيـة مــن بـيـئـات بحثية مـتـقـدمـة، فـــإن الانـتـسـاب إلـيـهـا لا يمثل بــذاتــه دلـيـا نهائيا على التفوق المعرفي، إذ قد تتجاوز هالتُها الـقـيـمـة الفعلية لبعض خـريـجـيـهـا، كـمـا أن القبول فيها لا يقوم بالضرورة دائما على المؤهلات العلمية المــــجــــردة بـــقـــدر مــــا يـــتـــأثـــر بـــالـــتـــوصـــيـــات، وشــبــكــات الـــعـــاقـــات، والــخــلــفــيــات الاجـــتـــمـــاعـــيـــة، ورأس المـــال الـثـقـافـي والاجــتــمــاعــي الــــذي يـفـتـح الأبـــــواب المغلقة للمتقدم. بــل إن الـتـخـرج فــي بـعـض أرقـــى جامعات الـعـالـم لــم يمنع بـعـض خـريـجـيـهـا، بـمـن فيهم قــادة دول وســيــاســيــون بـــــــارزون، مـــن الــظــهــور بمستوى معرفي متواضع داخل مجتمعاتهم. فاسم الجامعة قد يعكس الفرصة التي حصل عليها الإنسان أكثر ممَّا يعكس القيمة والأثر العلمي اللذين سينتجهما لاحقاً. إذ قد تفتح التوصيات، والمكانة الاجتماعية، والقدرة المالية، وشبكات العلاقات أبواب الجامعات المـرمـوقـة، لكنها لا تصنع بـالـضـرورة باحثا مبدعا أو مـفـكـرا مـسـتـقـاً. ولـــهـــذا، يـبـقـى المــعــيــار الحقيقي هو الفضول المعرفي، واستقلالية التفكير، وجـودة الإنــــتــــاج الــعــلــمــي، وهــــي قــيــم يــمــكــن أن تـــتـــوافـــر في الـــجـــامـــعـــات الـــوطـــنـــيـــة كـــمـــا يـــمـــكـــن أن تــــتــــوافــــر فـي الــــجــــامــــعــــات الأجــــنــــبــــيــــة. فـــالـــجـــامـــعـــات، خــصــوصــا الأجنبية، تمنح الـفـرص للإنتاج والإبـــداع العلمي، لكنها لا تصنع بالضرورة المفكر، وقد يتخرج باحث في جامعة وطنية فيبني مشروعا معرفيا يتجاوز أثر خريجين من جامعات غربية أكثر شهرة. وفـي هـذا السياق، يـقـدّم المفكر المغربي الراحل محمد عـابـد الـجـابـري مـثـالا مـعـبـراً. فقد تـخـرج في جامعة محمد الخامس بالرباط، لا في جامعة غربية نخبوية، ومـع ذلـك بنى مشروعا فكريا رائـــداً، وقدم دراســــات ذات قيمة عـالـيـة فــي الـفـكـر الـعـربـي، ونقد الـــتـــراث، وبـنـيـة الــعــقــل، والـــدولـــة، والـــتـــاريـــخ، وأعـــاد صياغة أسئلة العقل والـتـراث والـحـداثـة. كما أن ما أنـتـجـه، كـمّــا ونــوعــا وأثــــراً، يـفـوق مــا أنتجته أقـسـام أكاديمية كاملة تضم أعضاء هيئة تدريس تخرَّجوا فــي أفـضـل الـجـامـعـات الـغـربـيـة. والمـــغـــزى هـنـا ليس الانتقاص من تلك الجامعات، بل تفكيك الوهم الذي يجعل اسم الجامعة بديلا عن قيمة الإنتاج المعرفي. فالخلل لا يكمن في الجامعات الغربية ذاتها، وإنما فـــي تـحـويـل مـكـانـتـهـا إلـــى مـعـيـار وحــيــد لـاعـتـراف بالمعرفة. وعندئذ يعاد إنتاج الاستشراق الداخلي، إذ تـصـبـح المــعــرفــة مـعـتـبـرة بــقــدر قـربـهـا مـــن المـركـز الغربي، ويتحوَّل اسم الجامعة من فضاء للتعلم إلى مصدر للشرعية، بينما لا يُعترف بالإنتاج المحلي إلا إذا نــال تصديقا خـارجـيـا. ولا يبقى هــذا المنطق محصورا في المجال الأكاديمي، بل يمتد إلـى سوق الخبرة والاسـتـشـارات الأجنبية. فقد يُمنح الخبير الأجنبي قيمة مـاديـة ورمـزيـة أعلى لمجرد لغته، أو مظهره، أو اسم جامعته، رغم أن الخبير المحلي قد يكون أقدر على فهم الواقع. وهنا لا تُشترى المعرفة بقدر ما تُشترى صورة الآخر المتقدم، فيُدفع للاسم ما لا يُدفع للفكرة. والمفارقة أن هذا التراجع الرمزي للغة العربية يجري رغم ما صدر في المملكة من توجيهات ملكية وقــــرارات رسمية لترسيخ مكانتها، ومــا أُنـشـئ من مؤسسات في مقدمتها مجمع الملك سلمان العالمي لـلـغـة الــعــربــيــة. وهــــذا يـعـنـي أن المـشـكـلـة لـيـسـت في غياب الاعـتـراف الرسمي، بل في الفجوة بينه وبين ممارسات اجتماعية ومهنية لا تزال تمنح لغة الآخر مكانة أعلى من لغة المجتمع. صفوة الـقـول، إن أخـطـر مـا ينتجه الاستشراق الــداخــلــي هــو تـرسـيـخ الاغـــتـــراب الـنـفـسـي والـهـزيـمـة الـنـفـسـيـة: احــتــقــار الـلـغـة الأم، والــتــبــاهــي بـمـحـاكـاة اللكنة الأجنبية، والشعور بالدونية أمــام خريجي الجامعات الأجنبية، ومنح الخبير الأجنبي تفوقا مسبقاً، وغـيـرهـا مــن ظــواهــر الاســتــشــراق الـداخـلـي. فالانسلاخ عن اللغة هو انسلاخ عن الذاكرة والمعنى، وحـــن يفقد المـجـتـمـع ثقته بلغته يعجز عــن إنـتـاج سـرديـتـه الـخـاصـة، ويــبــدأ بالنظر إلـــى ذاتـــه بعيون الآخرين. ومــــع ذلــــك، فــــإن الاعــــتــــزاز بـالـلـغـة الأم لا يعني الانغلاق، كما أن تعلم اللغات الأجنبية والاستفادة مــن الـجـامـعـات والــخــبــرات الـعـالمـيـة لا يمثل تهديدا للهوية. فالمطلوب أن نمتلك لغات العالم من دون أن تمتلكَنا، وأل نجعل اللكنة الأجنبية أو اسم الجامعة أو صفة الخبير الأجنبي معيارا تلقائيا للاستحقاق الـوظـيـفـي والاجـتـمـاعـي. فاللغة الأجـنـبـيـة بـــاب إلـى المعرفة، أمَّــا اللغة الأم فهي أسـاس الهوية والمعنى. ومـن يحتقر لغتَه لن تمنحه لغة الآخـر أو شهاداته ثقة افتقر إليها في ذاته. فـــي تـــعـــداد المــكــاســب الــعــســكــريّــة الإســرائــيــلــيّــة، تحضر لائحة طويلة يتصدّرها تدمير بُنى عسكريّة لأعـــــــداء إســــرائــــيــــل، وقـــتـــل قـــادتـــهـــم، واحــــتــــال أراض كـانـت فـي عهدتهم، وإلــحــاق أضـــرار هـائـلـة، متعدّدة المستويات، بهم. لكن امتلاك جبروت حربي لا يعني بالضرورة إحـــــراز مــكــاســب مـمـاثـلـة غــيــر حـــربـــيّـــة، وعـــــدم تـحـقّــق الأهــداف السياسيّة المـرجـوّة إسرائيليّا قد يشير إلى تنافر بـن الفعل العسكري والـتـصـوّر الاستراتيجي الأعرض. فـالـحـرب فــي إيــــران ولـبـنـان، بــل فــي غـــزّة ذاتـهـا، لــم تسفر عــن وقــائــع نـهـائـيّــة جــديــدة. والأهــــم صــورة إسـرائـيـل فـي الـعـالـم وخـريـطـة صـداقـاتـهـا. وهـــذا لئن أفصحت عنه الأحـداث المتفرّقة فاسترجاعُه مُجتمِعا يـنـبّــه إلـــى ضـخـامـتـه. فــإســرائــيــل الـــيـــوم، بـسـبـب غـــزّة ولـكـن أيـضـا لبنان ومستوطني الـضـفّــة، ذات صـورة فــظّــة بـشـعـة تُــلـتَــقَــط بـــأطـــراف الأصـــابـــع. وفـــي أمـيـركـا نـفـسـهـا، آخــــر أصــدقــائــهــا، بـــات يـلـتـقـي عـلـى إدانـتـهـا يـمـن الـجـمـهـوريّــن الــقــومــي ويــســار الـديـمـقـراطـيّــن، بالشعبوي منهما وغير الشعبويّ، كما تلتقي تيّارات مناهضة للعنصريّة وأخرى عنصريّة. وقــبــل أن يـخـفـت هــجــوم الـيـمـن عـلـيـهـا، مـمـثّــا بـ«ماغا»، سجّل اليسار فوز مناهضيها من «تقدّميّي» الحزب الديمقراطي في عـدد من انتخاباته لاختيار مرشّحيه إلى مجلس النوّاب. وبــــات مـــن المــســلّــمــات أن الــشــبّــان الــغــربــيّــن هم الأعلى نفورا حيال العنف الإسرائيليّ، والأشد تبنّيا لخطاب حقوقي مـــداره العقاب الجماعي والتهجير والإبادة. وهذا علما أن بعض نقّاد القوّة الإسرائيليّة لا يــتــردّدون فـي الاحتفال بالقوّة التي يبديها أعـداء إسرائيل من دول وميليشيات. لكن عموماً، يتّسع الاعتقاد بـأن للقوّة حـدوداً، وأنّــهـا أحيانا تفاقم المشكلات أكثر ممّا تحلّها. فمع احتساب الـخـافـات الضخمة بـن التجربتين، يبقى أن الحكم على مبدأ القوّة قد يكون من علامات تحوّل 1967 الأزمنة. فالقوّة التي أبدتها إسرائيل في حرب ووفّـــــرت لـهـا انــتــصــارا بــاهــرا مـجّــدهـا الـعـالـم الـغـربـي بأسره، واليوم تغدو مشاركة إسرائيلي في معرض فنّي أو فعاليّة أدبيّة أو رياضيّة مسألة عوّيصة. وكائنا ما كان الحال، فرصد الخسائر والأرباح يــظــهّــر مـــامـــح الـــبـــؤس الـــــذي يـــحـــف بـــصـــورة الـــدولـــة العبريّة. فوفق استقصاء لـ«نيوزويك»، بلغت نسبة في 32 تأييد نتنياهو بين البالغين اليهود أنفسهم ، بينما حصد 59 المئة مقابل معارضة بلغت نسبتها في المئة مقابل 44 زهـران ممداني نسبة تأييد بلغت .39 معارضة بلغت ومن جهة أخرى ففي المجتمعات، ولكن أيضا في الأوســـاط الحكوميّة، غـدا مـوضـوع الـدعـم الــذي يُقدّم لإسرائيل وحــدوده مـادّة سجاليّة ملتهبة. وتتلاحق الــــيــــوم مـــــحـــــاولات غـــربـــيّـــة لإعــــــــادة تـــعـــريـــف الـــعـــاقـــة الثنائيّة، وتحذيرات للدولة العبريّة يوجّهها أصدقاء تاريخيّون لها، فيما يتهافت التذرّع باللاساميّة عند كل دفاع عن قتل طفل فلسطينيّ. والمرجّح أن الأمـر لن يكون سحابة صيف. فهو يستدعي مــن الإسـرائـيـلـيّــن جــهــودا كـبـرى لـلـحـد من الضرر، علما بأن ظروف الحرب واستمرارها تصعّب عليهم المهمّة. وفي الاتّجاه ذاته يعمل وجود نتنياهو عـلـى رأس ائــتــاف يــضــم أحـــزابـــا ديـنـيّــة استيطانيّة وقـروسـطـيّــة، ويـغـدو تـراجـع الثقة بـأخـاقـه وإرجـــاع ســيــاســاتــه الــحــربــيّــة إلــــى أزمـــاتـــه الـشـخـصـيّــة أوســـع شعبيّة وتقبّلاً. وإذ يـمـسـي يــهــود الــعــالــم أقــــل شـــعـــورا بــالأمــن، يـتـهـدّدهـم انـبـعـاث لاسـامـيّــة قـديـمـة ونــشــأة لاسـامـيّــة مستجدّة، يكتسب تآكل الصداقات دورا حيويّاً. فإذا كــانــت إيـــــران مـــثـــاً، تـبـعـا لآيـديـولـوجـيّــتـهـا الـحـاكـمـة وصورتها عـن نفسها وعـن العالم، تشتق الـقـوّة من اسـتـفـزازهـا الــغــرب، فـإسـرائـيـل الـتـي تـرسـم صورتها كــــ«امـــتـــداد لــلــغــرب» لـــن يـــعـــود عـلـيـهـا الاســـتـــفـــزاز إلا بالخسارة. وثـمّــة الـيـوم مـن يـتـحـدّث، خصوصا بعد مؤتمر «الناتو» بأنقرة، عن دور تركي ينتزع جزءا من التفويض الغربي لإسرائيل. وهذا بعد انقضاء ثلاث سنوات على انحسار التفاؤل بعمليّات سلام ظُــن أن تل أبيب ستعقدها مع بلدان عربيّة. لــكــن المــدهــش أن الـخـسـائـر لا تنعكس مكاسب للفلسطينيّين. صحيح أن معاناتهم، خصوصا في غزّة، حظيت بتغطية إعلاميّة جبّارة، وأثارت تعاطفا واحـتـجـاجـا واســـعـــن. بـيـد أن هـــذا لا يـــزال أقـــرب إلـى المـواقـف المبدئيّة، وهـو ما يُــرجّــح أن يستمر هكذا إن لم تظهر قـوّة سياسيّة تستثمر التعاطف، وتتجاوز الانقسامات لتنتج قيادة تمثيليّة، كما تحمل برنامجا مـقـبـولا دولــيّــا وحـاسـمـا فـي إقــــراره بـوجـود إسرائيل ورفض أفعال العنف العدمي المسمّاة مقاومة، لا سيّما .2023 ) أكتوبر (تشرين الأول 7 هجوم وصـحـيـح أيــضــا أن الـــــدول الــتــي بــاتــت تعترف بـــدولـــة فـلـسـطـن صـــــارت أكـــثـــريّـــة ســاحــقــة فـــي الأمـــم المـتّــحـدة، لكن الاعـتـراف لا يــزال أقــرب إلـى الـرمـزيّــة ما دامــــت الـــدولـــة نـفـسـهـا غـيــر قــائــمــة، فـيـمـا لا تصحبه ضـغـوط وعـقـوبـات لإنـشـاء تلك الــدولــة. ثــم إذا كانت إقامة الدولة أمـرا لا مهرب منه في آخر المطاف، يظل مطلوبا تـحـديـد الــطــرف الـــذي يقيمها؟ ومـــا إذا كـان خيار الدولة قد غدا موضع إجماع تُطوى معه نهائيّا «حلول» الدولة الواحدة والمقاومة المستمرّة؟ هـــكـــذا يـــجـــوز الــــظــــن بــــــأن الـــتـــعـــاطـــف الأخــــاقــــي والانــســانــي قــد لا يـصـب فــي إحــــداث تغيير سياسي كبير، على ما عرفنا في جنوب أفريقيا وفي حركات نزع الاستعمار الأخرى. لكنّنا أقلّه نستطيع أن نتساءل: لماذا نشأت هـــذه المـنـطـقـة الــبــرزخــيّــة بـــن خـــســـارة إسـرائـيـل وعـدم إفـادة فلسطين، ومَــن سيجني الفوائد إذا استمر عجز الفلسطينيّين عن تحقيق الإفــادة؟ وهــمــا ســــؤالان يُــسـتـحـسـن الـتـفـكـيـر طــويــا قبل التفضّل بالإجابات عنهما. مَن سيجني الفوائد إذا استمر عجز الفلسطينيّين عن تحقيق الإفادة؟ من يحتقر لغته لن تمنحه لغة الآخر أو شهاداته ثقة افتقر إليها في ذاته حازم صاغيّة عبد الغني الكندي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky