issue17395

7 تحقيق FEATURES Issue 17395 - العدد Tuesday - 2026/7/14 الثلاثاء ASHARQ AL-AWSAT عاطف نجيب في محكمة «أطفال درعا»... مقاطعة الروايات وقصة «الشرارة الأولى» 13 كـــان نــايــف أبـــازيـــد يـبـلـغ مــن الـعـمـر عــامــا فـقـط عـنـد اعـتـقـالـه. وقـــد ارتــبــط اسمه بالاتهام بكتابة العبارة الشهيرة التي خُطّت عـلـى الـــجـــدران: «جــايــيــك الــــدور يــا دكــتــور». إلا أن أبـازيـد ينفي لـ«الشرق الأوســـط» هذه الــــروايــــة، مـــؤكـــدا أنــــه لـــم يـكـتـب ســــوى اسـمـه واســـــم صــديــقــه عــلــى جـــــدار مـــدرســـة «درعــــا .2009 البلد» كذكرى في عام يشدد أبازيد على أنه «لم يلتق بعاطف نـجـيـب مــطــلــقــا»، وأن الــضــابــط الــــذي تــولّــى التحقيق معه مباشرة هو لؤي العلي، الذي كان يحمل رتبة عقيد في ذلك الوقت. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «كل من قال بأن الكتابة كانت على مدرسة الأربعين في حي الأربعين يمثل رواية عارية عن الصحة. أول كتابة في درعـــا البلد كـانـت على جـــدار مـدرسـة (درعــا البلد) للبنين، وهي مدرسة إعدادية وليست ابـــتـــدائـــيـــة، وعـــلـــى الـــرغـــم مـــن أنـــهـــا إعـــداديـــة لكننا عمليا كنا أطـفـالا حينها، فـي الصف عاما فقط. ومــن سرقوا 13 السابع وعـمـري قصتي قاموا بنسخها وتغيير مكان الكتابة وبعض التواريخ فقط لينسبوها لأنفسهم، علما بأنني تحملت العواقب بلا ذنب». ربـــــمـــــا تـــكـــمـــن المـــــفـــــاجـــــأة فــــــي أن هــــذه الــشــهــادات لا تنتهي إلـــى النتيجة الـتـي قد يتوقعها البعض؛ تغيير هوية الضحية أو الجلاد. فهي لا تبرئ مطلقا عاطف نجيب، لـكـنـهـا تــعــيــد تــرتــيــب الأحـــــــداث داخـــــل أكـثـر الــــروايــــات تـــــداولا حـــول كـيـفـيـة بـــدء الـقـصـة. فبينما تنقل هــذه الـشـهـادة مـركـز الثقل من عـاطـف نجيب إلــى الـضـابـط لــؤي العلي في مرحلة التحقيق الأولى، تعيد شهادة أخرى قمنا بمقاطعتها، تثبيت مسؤولية نجيب بـــوصـــفـــه رئـــيـــس الــــفــــرع وصــــاحــــب الـسـلـطـة الأعـلـى على الـجـهـاز الـــذي احتجز الأطـفـال، بـل وتـؤكـد أنــه بـاشـر التحقيق مـع بعضهم بنفسه. يرى أبازيد أن عاطف نجيب، وإن لم يكن الشخص الذي اعتقله وحقق معه، لكنه كان جزءا أساسيا ومحركا رئيسيا في جسد المنظومة الأمـنـيـة، وسـاهـم بشكل فـعـال في تأجيج الأوضاع، إلى جانب غيره من قيادات أعلى تمسك بزمام الأمور. وحسب القانون الدولي، فإن المسؤولية لا تتوقف عند الشخص الذي مارس التعذيب بـــيـــده، وإنـــمـــا تـمـتـد حـسـب «هـيـكـلـيـة اتـخـاذ ) لـتـشـمـل من order of command( » الــــقــــرار كـان يعلم أو يفترض أن يعلم بالانتهاكات وامتلك سلطة منعها أو معاقبة مرتكبيها. الاعتقال في يوم مدرسي عادي يستذكر أبازيد تفاصيل يـوم اعتقاله، حـــن اقـتـحـمـت الأجـــهـــزة الأمــنــيــة مــدرســتــه، بعد أن كانت شرطة «مخفر العباسية» قد داهــمــت مـنـزلـه صـبـاحـا بحثا عــن ابـــن عمه. يـروي اللحظات الأولـى قائلاً: «بعد دخولي لــلــصــف فــــي المــــدرســــة تــــم مـــنـــاداتـــي لــــــإدارة وهـــنـــاك وجــــدت أمــــن الــســر والـــضـــابـــط لــؤي العلي وكــان برتبة عقيد قبل ترفيعه لاحقا إلى رتبة عميد، ولاحقا عرفت من هو». ويضيف واصفا تلك اللحظات: «قال لي لؤي العلي، أنا من التربية جئت لأنني علمت أنــك كتبت اسمك واســم حبيبتك على جـدار المــــدرســــة، وراح يــؤشــر عــلــى مــكــان الــعــبــارة الشهيرة (جاييك الدور يا دكتور) وقد كانت ممسوحة ولم أرها حين دخلت إلى المدرسة صباحا ً». لم يعرف الطفل ماذا يقول آنذاك، ولكنه جــرى اقـتـيـاده مـع ضـابـط الأمـــن الـــذي طمأن إدارة المـــدرســـة بـــأن الأمـــر لــن يـسـتـغـرق أكثر دقــائــق، طـالـبـا عـــدم إبـــاغ ذويـــه قبل 10 مــن الـعـاشـرة صـبـاحـا. لكن الــواقــع كــان مختلفا تماماً، وعــن ذلـك يـقـول: «بعدها ذهبنا إلى الفرع ومن ثم إلى غرفة التحقيق وقد كانت غـرفـة مخيفة جـــداً؛ هـنـاك عـــدة تـعـذيـب مثل الـكـبـل والــعــصــاة والـــدوالـــيـــب وعــلــى الــجــدار كلبشات، وهناك بدأ التحقيق معي». من كتب «أجاك الدور يا دكتور»؟ عــنــد ســـؤالـــه عــمــا كــتــبــه عــلــى الـــجـــدار، أجــــاب أبـــازيـــد بــصــدق، وبــأنــه لا يــعــرف وأن لـــيـــس لــــه حــبــيــبــة. إلا أن الــــــرد الأمــــنــــي كـــان قاسياً. ويـــروي أبـازيـد لــ«الـشـرق الأوســـط»: «قــلــت لـهـم مـــا كـتـبـت شـــي غـيـر اســمــي بـعـام ، لـــيـــرد الـــضـــابـــط: لا كـــاتـــب شـــي آخـــر، 2009 وبدأ بضربي بالكبل وبعدها بالعصا على كتفي ثم وضعني بالدولاب حتى -شبحني- وخـال التعذيب قلت له أخبرني ما مكتوب لكي أعترف». تحت وطأة التعذيب الشديد، اضطر أبازيد للاعتراف بما لم يفعله لينتهي من الـعـذاب. ويلفت صاحب الـروايـة إلـى أنه لم يعرف إلا لاحقا بعد فترة من خروجه من السجن هوية الشاب الحقيقي الذي كان في الصف التاسع آنــذاك، وكتب عبارة «جاييك الدور يا دكتور». بـعـد جــولــة الــتــعــذيــب، سـلـمـه الـضـابـط دقائق لكتابة ما كان 10 ورقة وقلما وأمهله مـــدونـــا عـلـى الـــجـــدار، لـــيـــروي أبـــازيـــد قــائــاً: «أعدت كتابة كل شيء كان مكتوبا على جدار المــدرســة حتى الـــذي كــان على المـقـاعـد، لكنه عندما عـاد بـدأ بضربي وشتمي وتعذيبي مــن جـديـد ثــم علقني عـلـى الـــجـــدار؛ لأن تلك العبارة لم تكن موجودة». فلم يكن من الضابط إلا أن بـدأ بتلقين الطفل العبارة الشهيرة بالقوة: «أنت كتبت (جاييك) ثـم قـال مــاذا بعد؟ رددت مـن بعده جـــايـــيـــك، لـــيـــعـــود ويـــضـــربـــنـــي مــــــرة أخــــــرى، ويـطـلـب مـنـي تـكـمـلـة الـجـمـلـة، فـأكـمـلـهـا هو وقــــــــال: (الــــــــــدور) وأعــــدتــــهــــا بــــعــــده لـيـسـتـمـر بضربي، وقال: (يا دكتور) وأعدتها أنا بعده كاملة: (جاييك الدور يا دكتور)». ويــضــيــف فـــي تـفـصـيـل يـعـكـس ســاديــة المحققين: «قـــال الـضـابـط: (بــشــار)، فسألته: (مـن بـشـار؟). لـم يخطر ببالي بشار الأسـد، لــيــقــوم بـتـعـذيـبـي أكـــثـــر. عــنــدهــا عـــرفـــت أنــه يتكلم عنه فقلت: (بشار الأســد) فقال: (الآن بـدأت تفهم)». ولم يتوقف الأمـر عند انتزاع الاعتراف، بل امتد لإجبار الطفل على توريط آخرين: «فتح لي الضابط الباب، وقال: (قول مـن كــان معك واطــلــع). عندها خطر ببالي صديقي بشير الـذي كان معي عندما كتبنا .»2009 أسماءنا كذكرى عام اعترافات تحت التعذيب وعـــلـــى إثـــــر ذلــــــك، ذكـــــر أبــــازيــــد أســـمـــاء جيرانه وأبناء منطقته، ومنهم إيـاد خليفة وعـــبـــد الـــرحـــمـــن وآخــــــــرون، ولـــكـــن لـــم يسمح لــه بــالــخــروج مــن ذلـــك الــبــاب الــــذي فــتــح. بل إلــى جـولـة تنكيل، نُــقـل إلــى مكتب الضابط لـــؤي الـعـلـي الـــذي اسـتـعـرض أمــامــه مشاهد لمظاهرات تونس، وقال إنه استحضر محلل خطوط ليتأكد. ويـــصـــف أبــــازيــــد المــشــهــد الــنــهــائــي في درعا: «خرجنا إلى الباحة وكتب على جدار فرع الأمن: (جاييك الدور يا دكتور). وبعدها في الداخل قال لي لؤي العلي إن الخط خطك. عندها صرت أبكي من دون توقف». نُــقــل أبـــازيـــد لاحــقــا إلـــى فـــرع الـسـويـداء بـإدارة سهيل رمضان، حيث تكرر سيناريو التعذيب. فــــــي تــــلــــك الأثـــــــنـــــــاء بـــــــدأ أهــــــالــــــي درعــــــا يـــتـــحـــركـــون لــلــمــطــالــبــة بـــــالإفـــــراج عــــن نــايــف وأطفال آخرين كانوا اعتقلوا لأسباب أخرى، فعمد الضابط لـؤي العلي إلـى مساومتهم؛ مقترحا إطـــاق ســـراح نـايـف مـقـابـل تسليم بــشــيــر نــفــســه، واعــــــدا بــــأن تـنـتـهـي الـقـضـيـة بتوقيع تعهد. وكان واضحا أن الأمور تتجه إلــى أزمـــة. فمن جـهـة، تـواجـه الأفـــرع الأمنية مـأزق إلصاق تهمة كتابة العبارة بأي كان، ومن جهة أخرى هناك أطفال تحت التعذيب بــــــدأت قــصــصــهــم تـــرشـــح لـــلـــخـــارج وتـــغـــذي الــغــضــب وتــثــيــر حــمــاســة الـــتـــظـــاهـــرات الـتـي كانت في بدايتها. رفاق الصف في فرع فلسطين بـــالـــفـــعـــل، قــــــام بـــشـــيـــر بــتــســلــيــم نـفـسـه لإنقاذ رفيقه. لكن بمجرد تسليم بشير، تم اعتقاله وتحويله إلى فرع السويداء ليلتقي بــصــديــقــه نـــايـــف. هـــنـــاك، تــعــرضــا لـتـعـذيـب شديد، واعترف بشير بدوره مجبراً، مورطا أسماء أخرى مثل إياد خليفة وعبد الرحمن ارشـــيـــدات أبـــازيـــد، وعــــدي وبـــهـــاء ارشـــيـــدات أبازيد. اعتُقل الأربـعـة، وتـم تحويلهم جميعاً، فـيـمـا عــــدا إيـــــاد الـــــذي لـــم يــعــتــرف، إلــــى فــرع فلسطين في دمشق. وهناك تعرضوا لضرب مبرح وجُردوا من أسمائهم ليصبحوا مجرد . ورغـم 14 وبشير 16 أرقـــام فكان رقــم نايف نصائح السجناء الآخــريــن لهم فـي المهجع بــإنــكــار الـتـهـم لأن الـقـضـيـة تـصـل عقوبتها إلــى الإعــــدام، فــإن التهديد بـ«جلب أسـرهـم» أجــبــرهــم عــلــى تـــكـــرار الاعـــتـــرافـــات المـنـتـزعـة ســلــفــا. أمــــا عـــاطـــف نــجــيــب، فـــكـــان قـــد تلقى طلبات الإفــراج عن الأولاد ووافـق عليها في وقت لاحق بعد مماطلة وتأجيل وبعدما كاد الأهالي يفقدون الأمل بلقائهم. عاطف نجيب في مرآة سامر الصياصنة سامر علي الصياصنة، طفل آخر طالته يــد الاعــتــقــال التعسفي عـلـى خلفية اتهامه بـــحـــرق «كـــشـــك» شـــرطـــة عــنــد زاويــــــة مــدرســة فـبـرايـر 14 الأربـــعـــن بـــدرعـــا الــبــلــد بــتــاريــخ ، وأدلـــى بـإفـادتـه ضـد عاطف 2011 ) (شــبــاط نجيب، لدى المحكمة. يُــــحــــمّــــل الـــصـــيـــاصـــنـــة، عــــاطــــف نـجـيـب المـسـؤولـيـة الـكـامـلـة عــن شــــرارة الأحــــداث في درعا، بدءا من الاعتقالات التعسفية وصولا إلـــــى الأوامـــــــــر بــــإطــــاق الــــنــــار فــــي مــجــزرتــي «الــجــامــع الــعــمــري» و«الـــكـــازيـــة»، مـــؤكـــدا أن فـــروع الأمـــن لـم تكن لتتجرأ على اتـخـاذ أي خــطــوة دون ضـــوء أخــضــر مــنــه. ويستبعد الصياصنة أي فرصة لتبرئة نجيب استنادا إلى ثغرات قانونية، مشددا على أن تورطه في الانتهاكات أمر لا جدال فيه. تحدث الصياصنة لـ«الشرق الأوسط» عن ليلة مداهمة منزله ومنزل جـده بحملة أمنية شرسة وكثافة عددية كبيرة. ويقول: أيــــــام فــــي مــخــفــر الــعــبــاســيــة ثـم 6 «قـــضـــيـــت نـــقــلــت إلـــــى فـــــرع الأمـــــــن الـــجـــنـــائـــي، وهـــنـــاك تعرضت للتعذيب قبل نقلي إلى فرع الأمن السياسي». ويــــصــــف بــــدقــــة لـــحـــظـــة مـــواجـــهـــتـــه مـع رئــيــس الـــفـــرع: «هـــنـــاك كــانــت الـــكـــارثـــة، فمن شــــدة الــتــعــذيــب والإهــــانــــة مـــن قــبــل عـنـاصـر ساعة تم نقلي من قبو 24 الفرع وبعد مرور الفرع إلى مكتب رئيس الفرع عاطف نجيب، وتـم التحقيق معي مـن قبله، وقـد قلت ذلك لــلــمــحــكــمــة ولـــقـــاضـــي الــتــحــقــيــق ووصـــفـــت لـبـاسـه وشـكـلـه بــدقــة قـبـل أن يـظـهـر مـؤخـرا على الـتـلـفـزيـون». وينقل الصياصنة الـذي يـؤكـد بـراءتـه التامة مـن تهمة حــرق الكشك أو كتابة العبارات، طبيعة الأسئلة العبثية الـــتـــي وجـــهـــت لأطــــفــــال صـــغـــار لــــم يــتــجــاوز عاما ً. 14 كبيرنا ويــــقــــول: «عـــنـــدمـــا دخـــلـــت إلـــــى عــاطــف نـجـيـب كـــان يـحـمـل جــهــاز اتـــصـــال ويــرتــدي لباسا رسمياً، ووجّه لنا سؤالا أنا وزملائي: لمن تتبع لـ(جند الشام) أم لـ(فتح الإسلام)؟». ثـــم يــخــتــم شـــهـــادتـــه بـــالـــقـــول: «طــريــقــة التعذيب وأساليبه كانت أشبه لنا بالموت. فقد ضربوني ضربا مبرحا وأنا لم أتجاوز الرابعة عشرة من عمري. مهما تحدثت لن أصـــف مـــدى إجــــرام هـــذا المــجــرم عـاطـف ومـن كان معه». القانون السوري أساس المحاسبة فــي الـشـق الـقـانـونـي تـحـدثـت «الـشـرق الأوســــط» مــع المـحـامـيـة نـهـى المــصــري التي أوضـــحـــت أن الأســــــاس الــقــانــونــي لـتـوجـيـه الاتـــهـــامـــات فـــي هــــذه الــقــضــيــة يـسـتـنـد إلــى نصوص القانون الـسـوري، بينها القانون ، إضـــــافـــــة إلــــــى مـــــواد 2022 لــــعــــام 16 رقــــــم فـــي قـــانـــون الــعــقــوبــات الـــســـوري والمـــرســـوم . ويـمـكـن 2013 لـــعـــام 20 الــتــشــريــعــي رقـــــم تـوصـيـف الأفــعــال المـرتـكـبـة فــي درعـــا خـال قـانـونـيـا بـاعـتـبـارهـا «جــرائــم 2011 مــــارس ضـــــد الإنـــــســـــانـــــيـــــة» فـــــي المــــفــــهــــوم الـــــدولـــــي لـلـتـعـريـف، نــظــرا لـكـونـهـا «ارتُـــكـــبـــت بشكل واســــــــع ومـــنـــهـــجـــي ضـــــد المـــــدنـــــيـــــن»، وفــــق المحامية نهى المصري. كـمـا أشــــارت المــصــري إلـــى أن الـقـانـون الـــدولـــي الــعــرفــي يـعـتـبـر الــقــتــل والـتـعـذيـب والاعتقال التعسفي جرائم ضد الإنسانية عندما تُمارس بصورة منظمة، حتى لو لم يرد المصطلح نفسه بشكل صريح في قانون أصـــول المـحـاكـمـات الـجـزائـيـة الـــســـوري، مع فـارق أن الأخير هو المعتمد في المحاكمات التي تجري حالياً. وتــضــيــف أن المــســؤولــيــة الـجـنـائـيـة لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى كل من خطط أو أمر أو أشرف أو تغاضى عن الانتهاكات رغم علمه بها وقدرته على منعها، مؤكدة أن مبدأ «مسؤولية القيادة» وهـــرمـــيـــة اتـــخـــاذ الــــقــــرار، يُـــعَـــد مـــن المـــبـــادئ المستقرة في القانون الدولي الإنساني. وتـــرى المـصـري أن شــهــادات الضحايا والفيديوهات والتقارير الطبية والوثائق الـرسـمـيـة تـشـكّــل بمجملها مـلـفـا مـتـكـامـا يــمــكــن أن يـــؤســـس لمــحــاكــمــة مـفـصـلـيـة فـي تـــــاريـــــخ ســـــوريـــــا الـــــحـــــديـــــث، تــــصــــاغ بــقــيــة المحاكمات على ضوئها. وتـؤكـد المحامية أن الـقـانـون الـسـوري يــــتــــيــــح لــــلــــضــــحــــايــــا الادعــــــــــــــاء الـــشـــخـــصـــي والمطالبة بالتعويض عن الأضرار الجسدية والنفسية والمــاديــة والمعنوية، مشيرة إلى أن تــقــويــة مــلــف الإثــــبــــات تـتـطـلـب مـطـابـقـة الــــشــــهــــادات مــــع الـــفـــيـــديـــوهـــات، والـــوثـــائـــق والتقارير الطبية والحقوقية. المحاكمة... اختبار العدالة شكّل اعتقال عاطف نجيب في يناير نقطة تحول مفصلية 2025 ) (كانون الثاني فــي مـسـار الـعـدالـة الانـتـقـالـيـة، لـيـكـون أول مـسـؤول أمني رفيع يخضع للتحقيق في هذه القضية. فـفـي الجلسة الإجــرائــيــة المـنـعـقـدة في ، مثَل نجيب أمام 2026 ) أبريل (نيسان 26 محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بـدمـشـق لـتـثـبـيـت حــضــور الأطــــــراف، فيما 10 عقدت جلسة توجيه لائحة الاتهام في ، تلا القاضي فخر الدين 2026 ) مايو (أيـار الأريان لائحة اتهامات ثقيلة شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم القتل العمد والتعذيب والإخفاء القسري، وإعطاء أوامـــــــر بــــإطــــاق الــــنــــار عـــلـــى المـــتـــظـــاهـــريـــن، والمسؤولية عن تعذيب أطفال درعا. وخـــــال الاســـتـــجـــواب، تـمـسـك نجيب بالإنكار التام، مدعيا أنـه لم يأمر بإطلاق الـــنـــار أو اعــتــقــال الأطــــفــــال، مـــحـــاولا إلــقــاء الـــائـــمـــة عــلــى أجـــهـــزة المـــخـــابـــرات الـجـويـة والأمن العسكري وأمن الدولة، متذرعا بأن فــرعــه لا يـمـلـك صـاحـيـة الاحــتــجــاز لأكـثـر مـــارس 22 ســـاعـــة، وأنـــــه أقـــيـــل فـــي 24 مـــن . ورغم إنكاره المستمر، تقف شهادات 2011 الــضــحــايــا مــثــل نـــايـــف وســـامـــر والــوثــائــق الـحـقـوقـيـة كــجــدار صـلـب يـفـنّــد مـحـاولاتـه للتنصل من مسؤوليته، اتبدو محاكمته الــــيــــوم أكـــثـــر مــــن مـــجـــرد قــضــيــة جــنــائــيــة، بــل اخــتــبــارا لمــســار الــعــدالــة الانـتـقـالـيـة في ســــوريــــا، ولــــقــــدرة الــــدولــــة الـــجـــديـــدة عـلـى التعامل مع إرث سنوات طويلة من القمع والانتهاكات. * صحافي سوري ويقف أمامها شاب كان معتقلا حين كان طفلا (غيتي) 2011 مدرسة الأربعين بدرعا التي شهدت كتابات ضد الأسد في الشرارة 2011 ) تشكّل قضية اعتقال أطفال درعا في مارس (آذار الأولى للثورة السورية، وإحدى أكثر المحطات تأثيرا في تاريخ البلاد المـعـاصـر، حـيـث انـدلـعـت الاحـتـجـاجـات الشعبية الـتـي امــتــدت لاحقا لتشمل مختلف أنحاء البلاد قبل أن تتحول حربا طاحنة، لم تقتصر على الجوانب العسكرية والأمنية والخسائر البشرية الهائلة، بل امتدت لتصبح حربا على الرواية، أو السردية التاريخية والحق في امتلاكها. اليوم، وبعد أكثر من عامين على سقوط النظام السابق، عـادت هذه القضية المـحـوريـة إلـــى الـــصـــدارة مــع فـتـح مـلـفـات المـســاءلـة القانونية المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة وحملات الاعتقال، والتعذيب الممنهج، والإجراءات القمعية التي شهدتها درعا في تلك المرحلة، والتي ارتبطت بشكل وثيق بأسماء بارزة من أركان نظام الأسد، وفي مقدمتهم رئيس فرع الأمـن السياسي آنــذاك، عاطف نجيب. في ظل المساعي الجارية ، تبرز قضية 2011 لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات الممتدة منذ عام أطفال درعـا بوصفها اختبارا حقيقيا لمـدى قـدرة مؤسسات العدالة الانتقالية في حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع على التعامل مع إرث ثقيل من التجاوزات و«رمــوز» مرحلة لا تزال حاضرة في حياة السوريين. «الشرق الأوسـط» التقت باثنين من الأطفال الذين اعتُقلوا فـي تلك الحقبة، وقــد أصبحا الـيـوم شـابَّــن يــرويــان مـا جــرى خلف الأبــواب المغلقة داخـل الأفـرع الأمنية، منذ بدء شـرارة بعبارة «جاييك الـدور يا دكتور»، التي خُطت على جـدران مدرسة في درعـا، ونُسبت عاماً، وحرب روايـات لم 15 إلى أطفال، عانوا الأمرّين بسببها. وبعد تحسم بعد، لـم يعد الـسـؤال مـن كتب الـعـبـارة، بـل كيف تحولت تلك العبارة إلـى فرصة للانتقام مـن بيئة معارضة للأسد عبر سلسلة من الاعتقالات والتعذيب لأطفالها. وإذا كانت الشهادات الجديدة في هذا التحقيق تعيد رسم تفاصيل البدايات وتسلسل أحداثها، فإنها لا تبدل الحقيقة الأساسية: أن ما جرى داخل الأفرع الأمنية هو الذي حوّل حادثة محلية إلى قضية غيّرت مصير بلد بكامله. عن الواقعة التي غيَّرت مصير سوريا شهادات لـ *سلطان الكنج عاطف نجيب داخل المحكمة الجنائية خلال جلسة محاكمته الأولى في أبريل (إ.ب.أ) سامر الصياصنة ورفيقه في زيارة لمدرستهما بدرعا (غيتي) «قلت لهم ما كتبت شي غير ليرد 2009 اسمي بعام الضابط: لا كاتب شي آخر (في إشارة إلى العبارة ضد الأسد) وبدأ بضربي»

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky