لـــم يـكـن المـشـهـد أمــــام مــطــار العلمين الدولي يوحي بعودة منتخب خـرج للتو مـــن كـــأس الــعــالــم. الأعـــــام المــصــريــة كـانـت تــمــأ المــــكــــان، والـــهـــتـــافـــات تــتــعــالــى بـاسـم الـــــاعـــــبـــــن، والــــجــــمــــاهــــيــــر تــــركــــض خــلــف الــحــافــلــة المــكــشــوفــة، فـيـمـا اخـــتـــار آخــــرون ملاحقتها بالسيارات والدراجات النارية. بدا المشهد أقرب إلى استقبال منتخب عـاد بالكأس، لا فريق توقفت رحلته عند . لــكــن مـــا حــــدث فـــي مــصــر بعد 16 دور الـــــــ لم 2-3 الـخـسـارة أمــام الأرجـنـتـن بنتيجة يكن تجاهلا للهزيمة، بقدر ما كان احتفاء بما سبقها، وبما غيّرته هذه المشاركة في نظرة المصريين إلى منتخبهم، وإلى مكانه الممكن في كرة القدم العالمية. خـــرج المنتخب المــصــري مــن البطولة في أكثر اللحظات إيلاماً. كان متقدما على الأرجـــنـــتـــن، حــامــلــة الــلــقــب، بــهــدفــن دون ، وعــلــى بـعـد دقـائـق 79 رد حـتـى الـدقـيـقـة مــــعــــدودة مـــن بـــلـــوغ ربــــع الــنــهــائــي لـلـمـرة الأولـى في تاريخه، قبل أن تنقلب المباراة أهداف أرجنتينية، جاء 3 رأسا على عقب بـ آخــرهــا فــي الــوقــت بـــدل الــضــائــع. النهاية كــانــت قــاســيــة، لـكـنـهـا لـــم تــمــح حـقـيـقـة أن مصر وضـعـت واحـــدا مـن أكـبـر منتخبات الــعــالـــم عــلــى حـــافـــة الإقــــصــــاء، ولــــم تـدخـل المـبـاراة بوصفها ضيفا ينتظر الخسارة، بـل منافسا حقيقيا كــان قريبا مـن تغيير خريطة البطولة. مــــن هـــنـــا بـــــدأ الـــشـــعـــور المــــصــــري بـــأن الخروج لم يكن خسارة كاملة. فالمنتخب الـــذي وصـــل إلـــى أمـيـركـا الـشـمـالـيـة مثقلا بتاريخ محدود في كأس العالم، عاد وقد كــســر مـعـظـم عـــقـــده الــقــديــمــة. حــقــق فـــوزه الأول فـــي تـــاريـــخ مــشــاركــاتــه بــالمــونــديــال، وتأهل من دور المجموعات للمرة الأولـى، ثـــم تـــجـــاوز أســـتـــرالـــيـــا بـــركـــات الـتـرجـيـح ، لـيــحــقــق أول انـــتـــصـــار لـه 32 فــــي دور الـــــــــ فـــي الأدوار الإقـــصـــائـــيـــة. وعـــنـــدمـــا واجـــه الأرجنتين، لم يكتف بالمقاومة أو الدفاع، بل تقدم بهدفين، وفرض على بطل العالم خــوض واحـــدة مـن أكـثـر مبارياته تعقيدا في البطولة. كــــانــــت مـــصـــر قــــد شــــاركــــت فــــي كـــأس من دون 2018 و 1990 و 1934 العالم أعوام أن تنجح في تجاوز الدور الأول أو تحقيق 2026 انـتـصـار. ولــذلــك، لــم يـكـن مـونـديـال امتدادا عاديا لتلك المشاركات، بل قطيعة واضــــحــــة مـــعـــهـــا. لـــلـــمـــرة الأولــــــــى، لــــم يـعـد الإنـجـاز المـصـري مرتبطا بمجرد التأهل، ولم تعد العودة إلى البطولة في حد ذاتها سببا كافيا للاحتفال. أصبح السؤال هو: إلـــى أي مـــدى يستطيع المـنـتـخـب الـتـقـدم؟ وهل يمكنه أن ينافس القوى الكبرى بدلا من الاكتفاء بمواجهتها؟ هذا التحول ظهر بوضوح في رسالة محمد صـاح بعد الـعـودة. قائد المنتخب لم يطلب من الجماهير الاكتفاء بالفخر، ولم يقدم المشاركة على أنها نهاية الرحلة، بـــل قــــال إن الـــتـــأهـــل إلــــى كــــأس الـــعـــالـــم لن يكون كافياً، وإن المشاركة أيضا لن تكون كافية. كانت الرسالة بمثابة إعلان عن رفع سقف الطموح. فصلاح، الذي يعرف حجم الـــفـــارق بـــن الـــكـــرة المــصــريــة ومـسـتـويـات المنافسة الكبرى في أوروبـــا، أراد تحويل الإنــجــاز إلـــى نقطة انــطــاق، لا إلـــى ذكــرى مريحة تستند إليها الأجيال المقبلة. ومـنـح الاسـتـقـبـال الـشـعـبـي المنتخب إحــــســــاســــا بــــــأن الـــجـــمـــاهـــيـــر أدركـــــــــت هـــذا المعنى. المصريون لم يحتفلوا بالخسارة، بـــل احــتــفــلــوا بـمـنـتـخـب أعـــــاد لــهــم شـعـور القدرة على منافسة الكبار. كانت اللافتات التي حملت عبارات الشكر، وصور صلاح وحــســام حــســن، تـعـبـيـرا عــن تـقـديـر مسار كامل، لا نتيجة مباراة واحدة. ولذلك غلب الفخر على الـغـضـب، رغــم مـــرارة الدقائق الأخيرة والاعتراضات التي رافقت بعض القرارات التحكيمية. حـتـى الإحـــســـاس بـالـظـلـم لـــم يتحول إلــــى ذريـــعـــة تـفـسـر كـــل شـــــيء. صـحـيـح أن الاتـحـاد المـصـري طـالـب بفتح تحقيق في أداء طاقم التحكيم، وأن حسام حسن انتقد بعض القرارات، لكن الصورة الكبرى بقيت مرتبطة بـمـا قـدمـه المـنـتـخـب، لا بـمـا حُــرم مــنــه. فـمـصـر لـــم تـعـد مـــن المـــونـــديـــال وهـي تقول إنها خرجت بسبب الحكم فقط، بل عادت وهي تملك أدلة فنية وتاريخية على قدرتها على الذهاب أبعد مستقبلاً. بهذا المعنى، لم تكن مباراة الأرجنتين نـهـايـة حـلـم، بــل اللحظة الـتـي أثـبـت فيها الــحــلــم أنــــه قـــابـــل لــلــتــحــقــق. وبــــن هـدفـن أهـــــــداف أرجـــنـــتـــيـــنـــيـــة، وُلــــد 3 مـــصـــريـــن و شعور جديد لدى الجماهير: هذا المنتخب لم يعد يذهب إلى كأس العالم كي يشارك، بل كي ينافس. إذا كــــــان الــــجــــزء الأول مــــن المــكــســب المــصــري تحقق داخـــل المـلـعـب، فـــإن الـجـزء الأهم بدأ بعد الخروج. لم ينتظر الاتحاد المــــصــــري لـــكـــرة الــــقــــدم طــــويــــا قـــبـــل إعــــان تـــجـــديـــد الـــثـــقـــة بـــحـــســـام حـــســـن وشــقــيــقــه إبـــراهـــيـــم حـــســـن، فـــي رســـالـــة تـــؤكـــد أن ما حدث لا يُنظر إليه بوصفه طفرة عابرة، بل مرحلة أولى في مشروع يراد له الاستمرار. القرار جاء سريعاً، وكأنه محاولة لحماية الإنـجـاز مـن الـعـادة العربية القديمة التي تـحـوّل كـل بطولة إلـى بـدايـة جـديـدة، وكل خسارة إلى هدم لما سبقها. قاد حسام حسن المنتخب منذ فبراير ، ونـــجـــح فـــي الـــتـــأهـــل إلــى 2024 ) (شــــبــــاط وكــأس العالم 2025 كـأس الأمــم الأفريقية مـن دون هزيمة فـي التصفيات، ثم 2026 أوصـــل مـصـر إلـــى المــربــع الـذهـبـي الــقــاري، قـبـل أن يحقق أفـضـل مـسـيـرة مونديالية في تاريخها. وخلال فترته، حقق المنتخب تعادلات، وهي 9 هزائم و 6 فوزا مقابل 20 أرقـــــــام مــنــحــت الاتــــحــــاد المــــصــــري أســـاســـا لــــلــــدفــــاع عـــــن الاســـــتـــــمـــــراريـــــة، بـــعـــيـــدا عـن الانفعال الــذي عــادة ما يصاحب الخروج من البطولات الكبرى. لـكـن اســتــمــرار الــجــهــاز الـفـنـي وحـــده لا يكفي لتحويل المشاركة التاريخية إلى مشروع. التحدي الحقيقي يبدأ من القدرة على الاحـتـفـاظ بالعقلية الـتـي ظـهـرت في الـــبـــطـــولـــة. فـالمـنـتـخـب المـــصـــري لـــم ينجح لأنـه امتلك محمد صـاح أو مجموعة من الــاعــبــن المــحــتــرفــن فـــقـــط، بـــل لأنــــه دخــل المـبـاريـات بـإيـمـان مـتـزايـد بـأنـه قـــادر على فرض نفسه. وهذه العقلية كانت مفقودة فــي مــشــاركــات ســابــقــة، حــن كـــان الـخـوف من الخصم يسبق صافرة البداية، وحين كان التعادل يعد إنجازاً، والخسارة بفارق محدود نتيجة مقبولة. ، تغيّرت الصورة. 2026 في مونديال مصر تـجـاوزت دور المجموعات، وهزمت أستراليا فـي مـبـاراة إقصائية، ثـم دفعت الأرجــــنــــتــــن إلـــــى أقـــصـــى حـــــدودهـــــا. هـــذه الـــوقـــائـــع صــنــعــت رصـــيـــدا نـفـسـيـا لا يقل أهمية عن النتائج نفسها. فاللاعب الذي واجه ليونيل ميسي ورفاقه وكان متقدما عليهم بـهـدفـن لــن يــدخــل مـسـتـقـبـا أمــام أي مـنـتـخـب وهــــو مـقـتـنـع بــــأن الــــفــــارق لا يمكن تعويضه. والـجـمـهـور الـــذي شاهد منتخبه قريبا مـن إقـصـاء بطل العالم لن يقبل بسهولة العودة إلى منطق المشاركة المشرفة. هذا المعنى التقطه يورغن كلينسمان عـنـدمـا تــحــدث عــن إمـكـانـيـة تــحــوّل مصر مـنـتـخـبـات في 10 إلــــى واحـــــدة مـــن أقـــــوى عـــامـــا. قـــد تـبـدو 20 أو 15 الـــعـــالـــم خــــال المــــدة طـويـلـة، لـكـن قـيـمـة الـتـصـريـح تكمن فــي أنـــه لــم يـتـعـامـل مــع مـصـر بـاعـتـبـارهـا مـــفـــاجـــأة مـــؤقـــتـــة، بـــل دولـــــة كـــرويـــة تملك قاعدة جماهيرية ضخمة، وتاريخا قارياً، ولاعبين محترفين، وإمكانات تسمح لها ببناء قــوة مـسـتـدامـة. والمـقـارنـة بالمغرب، ،2022 الـــذي بـلـغ نـصـف نـهـائـي مـونـديـال تـضـع أمــــام المــصــريــن نــمــوذجــا عـمـلـيـا لما يمكن أن تصنعه الاستمرارية والتخطيط. غير أن الطريق إلى تلك المكانة يحتاج إلـــــى أكـــثـــر مــــن الـــحـــمـــاس. مـــصـــر مـطـالـبـة بتطوير منظومة تكوين اللاعبين، وزيادة عــدد المحترفين فـي الـــدوريـــات الأوروبــيــة، وتــثــبــيــت هـــويـــة فــنــيــة لـلـمـنـتـخـب، وربـــط نــجــاح الــفــريــق الأول بـعـمـل مــتــواصــل في منتخبات الفئات السنية. كما أن الاتحاد المـصـري سيكون مطالبا بحماية الجهاز الـــفـــنـــي مــــن ضـــغـــوط الـــنـــتـــائـــج الــقــصــيــرة، ومنحه المـسـاحـة الــازمــة لتطوير الفريق ، إذا تأكد استمرار العقد حتى 2030 حتى ذلك العام. أمـــــا مــحــمــد صــــــاح، فــسـيــظــل مـحــور المرحلة المقبلة، ليس بسبب قيمته الفنية فقط، بل بوصفه صاحب الخطاب الجديد. عندما يـقـول قـائـد المنتخب إن الـتـأهـل لم يــعــد كـــافـــيـــا، فـــإنـــه يــضــع نــفــســه وزمـــــاءه أمـــام مـسـؤولـيـة كــبــرى. فـالمـشـاركـة المقبلة لـن تُــقـاس بمجرد الحضور، وإنـمـا بمدى قـدرة مصر على تكرار الإنجاز وتجاوزه. وهذا هو المكسب الأهم: أن يصبح النجاح السابق معياراً، لا استثناءً. لهذا خرجت مصر من البطولة وهي تشعر بأنها ربحت. ربحت أول انتصار، وأول عــــبــــور لـــــلـــــدور الأول، وأول فــــوز إقصائي، وربحت احترام منافسيها وثقة جماهيرها. وربحت، قبل كل ذلك، صورة جــــديــــدة لمــنــتــخــبــهــا. لــــم يـــعـــد «الـــفـــراعـــنـــة» منتخبا يعيش على أمـجـاد الــقــارة فقط، بــل فـريـقـا وجـــد لنفسه مـكـانـا فــي المشهد الــعــالمــي، ولـــو أن رحـلـتـه تـوقـفـت قـبـل ربـع النهائي بدقائق. الـــخـــســـارة أمـــــام الأرجـــنـــتـــن ستبقى مؤلمة، خصوصا أن التأهل كان قريبا إلى حـد يجعل الحسرة مشروعة. لكن بعض الهزائم لا تُقاس بما تسلبه فقط، بل بما تـتـركـه خـلـفـهـا. ومــصــر غــــادرت المـونـديـال من دون بطاقة ربع النهائي، لكنها عادت بفكرة أكبر: أن ما تحقق ليس نهاية أفضل مـــشـــاركـــة فـــي تــاريــخــهــا، بـــل بـــدايـــة حقبة جـــديـــدة تـــريـــد فــيــهــا أن تــصــبــح المـنـافـسـة عادة، لا مفاجأة. بدا المشهد أقرب إلى استقبال منتخب عاد منتصرا بالكأس، لا فريق توقفت 16 رحلته عند دور الـ SPORTS 20 Issue 17392 - العدد Saturday - 2026/7/11 السبت 2026 مونديال حشد جماهيري استقبل منتخب الفراعنة في مطار العلمين يظهر السعادة الشعبية بالأداء البطولي ... هل دخلت مصر نادي الكبار؟ 2026 بعد مونديال الجماهير المصرية تحيي منتخب بلادها (إ.ب.أ) العلمين (مصر): «الشرق الأوسط» محمد صلاح تقدم اللاعبين لحظة الوصول لمطار العلمين (أ.ب) مشجعون ومشجعات استقبلوا المنتخب المصري في العلمين (د.ب.أ) حافلة المنتخب المصري وسط عدسات المشجعين (د.ب.أ) مشجع مصري يحتفل على طريقته في المطار (إ.ب.أ)
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky