issue17387

Issue 17387 - العدد Monday - 2026/7/6 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز استُخدمت المقدمة الإخبارية في مراحل كثيرة منصة لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات ترند كأس العالم... حين تستعيد الشاشة الواحدة عرشها أمـام شاشة صغيرة في مقهى مُزدحم، أو على هاتف مـحـمـول فــي قــطــار ســريــع، أو داخــــل غــرفــة معيشة تتنوع فـيـهـا الأجـــيـــال، تـتـكـرر الـــصـــورة نفسها كــل أربــــع ســنــوات. تتوقف الأحـاديـث، وتُحبس الأنـفـاس، وتتجه الأنـظـار إلى المستطيل الأخــضــر، وكـــأن الـعـالـم كله قـد اتـفـق على إيقاع واحد في لحظة واحـدة. ففي زمن يُقال إنه عصر «التشتت الإعلامي» و«انهيار صيغة الجمهور المُــوحـد»، تبدو كأس العالم استثناء يصعب تفسيره بمنطق الرياضة وحدها. فهذه البطولة لا تجمع المنتخبات فحسب؛ بل تُعيد جمع الجماهير أيـضـا، بعد أن شتتتها الـخـوارزمـيـات بـن آلاف الشاشات وملايين الاهتمامات. ففي هذا الشهر، الذي يأتي مرة واحدة كل أربع سنوات، تتوقف عقارب الإعـام عن جريها المعتاد، لتدور جميعها حــول مـحـور واحـــد لا يـنـازعـه مــنــازع. فـي ذلــك الشهر يكف الجمهور عن كونه جمهورا مُشتتا بين شاشات لا تُحصى، لـيـعـود، ولـــو مـؤقـتـا، إلـــى صـــورة «الـجـمـهـور الكلاسيكي»، الذي يجتمع أمام حدث واحـد، في وقت واحـد، بقلب واحد يخفق مع الصورة ذاتها. كأس العالم ليست بطولة كرة قدم فحسب؛ بل هي تجربة استعادة قسرية لعادات لم يعد أحد يظن أن استعادتها مُمكنة. فــمــنــذ أكـــثـــر مـــن عــقــد تـــحـــدث الـــبـــاحـــثـــون الإعـــامـــيـــون عــن «تـفـتـت الـجـمـهـور» بـوصـفـه قـــدرا لا مـفـر مـنـه فــي عصر المنصات؛ إذ صار كل فرد يبني جدول استهلاكه الخاص، ويختار وقته وسياقه ووتيرته، حتى غدا مفهوم «البث في الوقت المحدد للجميع» أثرا من آثار الماضي. لكن «المونديال» يقلب هــذه المـعـادلـة رأســا على عقب. فما إن تُطلق صافرة الافتتاح حتى تنكمش خرائط الاستهلاك المُتشعبة لتتجمع حـــول نـقـطـة واحـــــدة، وتــتــراجــع أنـــــواع أخــــرى مـــن المـحـتـوى تـراجـعـا مـحـسـوسـا؛ الـــدرامـــا، والــبــرامــج الــحــواريــة، وحتى الأخــبــار الـعـامـة تفقد جـــزءا مـن جمهورها لصالح المـبـاراة التي لا تحتمل التأجيل ولا التقطيع، ولا إعــادة المشاهدة بالنكهة ذاتها. هنا يكمن سر البث الحي وتفوقه على المحتوى عند الطلب؛ إذ إنـه يمنح اللحظة قيمة لا تُعوض ولا تُستعاد. فالمباراة التي تُشاهَد بعد ساعات، حتى إن كانت نتيجتها مجهولة للمُشاهد، تفقد شيئا جوهريا مـن تـوتـرهـا، لأن المـعـنـى فـــي كـــرة الـــقـــدم لا يـكـمـن فـــي الــحـــدث وحـــــده؛ بـــل في اشتراك الملايين في عدم معرفة ما سيحدث تاليا في اللحظة نفسها. هذا التزامن هو جوهر ما سمّاه الباحثان دانيال دايان وإليهو كاتز «الطقوس الإعلامية»؛ أي تلك المناسبات التي تتوقف فيها الحياة اليومية، وتتحول المشاهدة من فـعـل اسـتـهـاكـي عـابـر إلـــى طـقـس جـمـاعـي «شـبـه مـقـدس»، يحمل قواعده الخاصة، ولحظاته المتوترة، وصمته المهيب، قبيل تنفيذ ركلة الجزاء. ولا تــقــتــصــر هــــــذه الــــطــــقــــوس عـــلـــى غــــــرف الـــجـــلـــوس؛ فالمشاهدة الجماعية تفيض إلى الساحات العامة والمقاهي والشاشات العملاقة المنصوبة في الميادين، لتصبح المدينة نـفـسـهـا اســـتـــوديـــو بـــث مــفــتــوحــا عــلــى الــشــغــف والــــفــــوران الـــعـــاطـــفـــي. ومــــا يـــبـــدو لــلــوهــلــة الأولــــــى نــكــوصــا إلــــى زمــن التلفزيون الأول، هو في الحقيقة اندماج ذكي بين المنصات «الــتــقــلــيــديــة» والـــرقـــمـــيـــة؛ إذ تــتــحــول شــبــكــات «الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي» إلــــى مـــســـرح مــــــواز يــعــلّــق ويــحــلــل ويـتـفـاعـل فـي الـزمـن الحقيقي ذاتـــه، فتُضاعف قــوة الــحــدث، وتؤطر مشاهدته، وتمنحها المزيد من المعاني والانفعالات في كل لحظة. والأعمق من ذلـك أن كـأس العالم باتت من آخـر القلاع الـــقـــادرة عـلـى صـنـاعـة أجــنــدة إعـامـيـة عـالمـيـة مــوحــدة، في زمـــن تـشـظّــت فـيـه حـتـى الحقيقة نفسها بــن خــوارزمــيــات متعددة لا تعرض للجميع الشيء ذاته؛ فحين يجتمع نصف سكان الكوكب تقريبا حول شاشة واحدة، يستعيد الإعلام لحظة نادرة من التزامن الكوني، تُذكّرنا بأن فكرة «الحدث الجامع» لم تمت كما أُشيع؛ بل انتظرت المناسبة الصحيحة لتُبعث من جديد. ولـــعـــل فــــي هـــــذا مــــا يــفــســر لمــــــاذا تــســتــمــيــت الــشــبــكــات والمنصات على اختلافها في اقتناص حقوق البث؛ فالأمر لا يتعلق بمباريات كرة قدم، بل بامتلاك تلك اللحظة النادرة الــتــي يــتــوقــف فـيـهـا الـــزمـــن الـــفـــردي المُـــشـــتـــت، لـيـتـحـد، ولــو لثلاثين يوماً، في زمن جمعي واحد لا يشبهه شيء آخر في المشهد الإعلامي المعاصر. لقد اعتاد الباحثون خلال العقدين الأخيرين، الحديث عــن نـهـايـة الـعـصـر الـــذي كـانـت فـيـه وســائــل الإعــــام تصنع لحظة جماعية واحدة يشاهدها الجميع في الوقت نفسه؛ فصعود المنصات الرقمية وانتشار المشاهدة عند الطلب منحا كل فرد جدوله الخاص ومحتواه الخاص، حتى بدا أن فكرة الجمهور الواحد قد أصبحت جزءا من الماضي. غير أن كأس العالم تعود في كل دورة لتختبر هذه الفرضية من جديد، ولتثبت أن بعض الأحداث لا يزال قادرا على انتزاع الإنـسـان مـن عزلته الرقمية، وإعـادتـه إلـى فضاء المشاهدة الجمعية. عن أسرار كتابتها وحدودها بين السياسة والمهنية رؤساء تحرير يتحدثون لـ مقدمات نشرات الأخبار... نصوص تكشف هوية المحطة تُــعـد مقدمة الـنـشـرة الإخـبـاريـة فـي المحطات التلفزيونية اللبنانية مـــرآة لهويتها السياسية؛ إذ تعكس توجهها التحريري وخطابها الإعلامي، وتشكل البصمة الأولــى التي تميزها عن سواها. كما تكشف المقدمة موقف المحطة من أبـرز أحـداث اليوم قبل الانتقال إلى تفاصيلها. وعـــــــادة مــــا يـــتـــولـــى رؤســـــــاء تـــحـــريـــر نـــشـــرات الأخـبـار كتابة هـذه المقدمة، فتأتي في قالب مقال تلفزيوني مباشر يتضمن رأيــا واضحا أو موقفا صـريـحـا مـــن الأحــــــداث. وفـــي أحـــيـــان أخــــرى تُــحـاك المقدمة بعناية من خلال انتقاء أحداث وربطها في سياق يخدم رؤية المحطة والرسالة التي ترغب في إيصالها إلـى المشاهد. أمـا الأسـلـوب الثالث، وهو الأكثر صعوبة، فيرتكز على مقاربة موضوعية في اخـتـيـار الأحــــداث، بحيث تـكـون الأولــويــة لقيمتها الخبرية، بغض النظر عما إذا كـانـت تنسجم مع توجه المحطة أو تخدم مصلحتها. ويــعــود تقليد مـقـدمـات نــشــرات الأخـــبـــار في المـحـطـات اللبنانية إلـــى ســنــوات الــحــرب الأهـلـيـة، حــن لــم تـعـد الــنــشــرة مــجــرد عــــرض لـــأحـــداث، بل تـــحـــولـــت إلـــــى مـــنـــبـــر يـــعـــكـــس الـــتـــوجـــه الــســيــاســي للمحطة وموقفها مـن الـتـطـورات المـيـدانـيـة. وكـان تلفزيون لبنان الرسمي مـن أوائـــل مـن اعتمد هذا الأســلــوب؛ إذ كانت مقدمة النشرة تعبّر بوضوح عن موقف السلطة اللبنانية من الأحداث الجارية. ومـع اشـتـداد الانقسامات السياسية، انعكس هذا الـــواقـــع عـلـى الــشــاشــة نـفـسـهـا، فــبــرز الـتـبـايـن بين نــشــرات مــركــزي المـحـطـة فــي منطقتي تـلـة الخياط (بــيــروت الغربية) والـحـازمـيـة (بــيــروت الشرقية). ولم يقتصر الاختلاف على طريقة عرض الأخبار، بل امتد إلى مقدمات النشرات، التي كانت تتحول أحيانا إلى سجال سياسي مباشر، يرد فيه رئيس تحرير أحد المركزين على الآخر بلغة نقدية لاذعة، في مشهد جسّد الانقسام الـذي كان يعيشه لبنان آنذاك. وسرعان ما انتقل هذا التقليد إلى محطات تلفزيونية أخرى، فأصبح جزءا أساسيا من هوية نشراتها الإخبارية. واعتمدته محطات عدة، منها «إل بي سي آي» و«الجديد» و«إم تي في» و«أو تي في» وغيرها، حتى غدت مقدمة النشرة ركنا ثابتا في برمجة الأخبار، واستُخدمت في مراحل كثيرة منصة لتبادل الرسائل والاتهامات السياسية بين المحطات. وليد عبود: مقدمة النشرة تعكس الهوية السياسية للمحطة يـتـولـى الإعـــامـــي ولــيــد عــبــود كـتـابـة مقدمة نـــشـــرات الأخــــبــــار فـــي تــلــفــزيــون «إم تـــي فـــــي»، من موقعه كرئيس تحرير، ومستندا إلى أبـرز أحداث اليوم ينسج منها نصا يربط بين الوقائع المحلية والـــتـــطـــورات الإقـلـيـمـيـة والـــدولـــيـــة. وفـــي كـثـيـر من الأحــيــان، تـفـرض الأحـــداث الـطـارئـة نفسها، فيجد نفسه مضطرا إلى إعـادة صياغة المقدمة بالكامل، أو حتى قلبها رأسا على عقب، لتواكب المستجدات. يــــقــــول ولــــيــــد عــــبــــود فـــــي حــــديــــث لـــــ«الــــشــــرق الأوسـط»: «تمثل مقدمة النشرة الهوية السياسية للمحطة. ســـواء حملت رسـائـل مباشرة أم جـاءت بـصـيـغـة غــيــر مـــبـــاشـــرة، فــــإن اخــتــيــار حــــدث معين وتــســلــيــط الـــضـــوء عــلــيــه، لا بـــد أن يــعــكــس تـوجـه المحطة وسياستها». ويـــؤكـــد أنــــه اضـــطـــر مــــــرارا إلــــى إعــــــادة كـتـابـة المقدمة بسبب تطورات متأخرة، كخطاب للرئيس الأميركي أو حدث أمني أو سياسي مفاجئ يطول لـــبـــنـــان. ويـــضـــيـــف: «يـــجـــب أن تـــواكـــب المـــقـــدمـــة أي مستجد بـارز على الأرض، وأحيانا تتغير المقدمة بــالــكــامــل قــبــل خــمــس دقـــائـــق فــقــط مـــن مـــوعـــد بث النشرة». وعن تأثيرها في المشاهد والأسلوب المعتمد لـــجـــذب انــتــبــاهــه يـــقـــول: «مــــن المـــهـــم جــــدا أن يـــدرك المــشــاهــد الــتــوجــه الـسـيـاسـي لـلـمـحـطـة. وعـــــادة ما يـتـحـول إلـــى المـحـطـة الـتـي تشبهه فـتـكـون بمثابة مرآة لمواقفه. ومن الضروري محاكاته ببساطة كي تصله رسائل المقدمة بسرعة؛ لذلك نحرص على أن تكون مكثفة، وواضحة، وسريعة الإيقاع، من دون الوقوع في الإثارة المجانية، وأن تعكس في الوقت نفسه رؤية المحطة للأحداث». مقدمات النشرات... خصوصية لبنانية تكاد تغيب عن الغرب يُعد أسلوب افتتاح نشرات الأخـبـار بمقدمة مـكـتـوبـة بـعـنـايـة، تـربـط بــن أحــــداث الــيــوم وتـقـدّم قـراءة سياسية لها، من الخصوصيات التي تميّز عـــــددا كــبــيــرا مـــن المـــحـــطـــات الــلــبــنــانــيــة والــعــربــيــة. أمـــا فــي معظم المـحـطـات الـغـربـيـة، فـتـبـدأ الـنـشـرات مباشرة بعرض أبـرز الأخـبـار. في المقابل، تعكس هذه المحطات توجهها التحريري من خلال طريقة اخــتــيــار الأخـــبـــار، وتـرتـيـبـهـا، وصــيــاغــة الـتـقـاريـر المــــصــــورة، فـــضـــا عـــن الــنــصــوص المـقـتـضـبـة الـتـي تسبقها أو ترافقها. أمـــا فـــي لــبــنــان، فـــا تـخـفـي غـالـبـيـة المـحـطـات هـــويـــتـــهـــا الـــســـيـــاســـيـــة، بــــل تــعــلــنــهــا بــــوضــــوح مـن خلال مقدمة النشرة التي تشكل مساحة للتعليق والـتـحـلـيـل ورســــم الإطـــــار الــــذي ســتُــقــرأ مـــن خـالـه أحـــــــداث الــــيــــوم. وعـــــــادة لا تـــتـــجـــاوز مـــــدة المــقــدمــة دقـيـقـتـن؛ لأن الإطـــالـــة تــدفــع المــشــاهــد إلـــى تغيير القناة والانتقال إلى أخرى. لذلك، يحرص المعدّون عـلـى التكثيف والإيـــقـــاع الـسـريـعـن، مــع المحافظة على شد انتباه الجمهور منذ اللحظات الأولى. علي نور الدين: مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة يــرى مـديـر الأخــبــار والـبـرامـج السياسية في تلفزيون «إن بـي إن»، علي نــور الــديــن، أن مقدمة النشرة تكاد تكون ظاهرة لبنانية بامتياز. ويعزو ذلك إلى طبيعة الجمهور اللبناني المسيّس، الذي يــمــيــل إلــــى مــتــابــعــة الــتــحــلــيــات وإبـــــــداء رأيـــــه في التطورات. ويشير في حديثه إلى «الشرق الأوسط» إلـى أن المقدمة تعكس الخط التحريري للمحطة، كما تمنح المـشـاهـد خـاصـة سريعة عـن مضمون النشرة واتجاهها العام. ويضيف: «لا تعتمد جميع القنوات الأسلوب نـفـسـه فـــي كــتــابــة المـــقـــدمـــات، فـبـعـضـهـا يــركــز على إيـــــصـــــال الــــرســــائــــل الــــتــــي تـــعـــكـــس رؤيــــــــة المــحــطــة وتوجهاتها. لكن القاعدة الأساسية تبقى أن تكون المقدمة مختصرة، ومكثفة، وقــادرة على تلخيص أبرز محاور النشرة وخطها التحريري». ويؤكد أن الاختصار دليل على الحرفية الصحافية، موضحاً: «كلما كانت المقدمة أكثر إيجازا ازدادت قوتها، إلا إذا فرض حدث استثنائي مساحة أوسع للشرح». ويعيد نور الدين نشأة هذا التقليد الإعلامي إلــى أواخـــر الـحـرب الأهـلـيـة، ومــا تـاهـا مـن مرحلة اتفاق الطائف وولادة محطات تلفزيونية جديدة؛ حيث سعت كل محطة إلى إبراز هويتها السياسية واســـتـــقـــطـــاب جـــمـــهـــور يــتــمــاهــى مــــع تــوجــهــاتــهــا. ويقول: «مقدمة النشرة تشبه المانشيت الرئيسي في الصحيفة، فهي تختصر الموقف وتحدد زاوية تناول الأحداث». وبحكم عمله فـي الصحافة المكتوبة أيضاً، يــرى نــور الـديـن أن «المـقـالـة الـبـصـريـة» بـاتـت أكثر تــأثــيــرا فـــي عـصـر وســـائـــل الــتــواصــل الاجـتـمـاعـي؛ حـيـث يـفـضـل الـجـمـهـور تـلـقـي المــعــلــومــات بسرعة واختصار. لذلك، تمتلك مقدمة النشرة قدرة كبيرة على التأثير وبث التفاعل؛ لأنها تقدم قراءة سريعة للأحداث بلغة مكثفة وسهلة التداول. ويتابع: «في النهاية، لا يمكن لأي محطة أن تكتفي بمخاطبة جمهور يشبهها سياسياً. فإذا أرادت الاسـتـمـرار، فعليها أن تتوجه إلــى شريحة أوســـــع مـــن المـــشـــاهـــديـــن، مـــن خــــال أســـلـــوب مهني يجذبهم، ســواء اتفقوا مـع توجهها أم اختلفوا». ويختم: «أعد قناة (إن بي إن) من المحطات التي لا تعتمد الإثارة أو الفضائح في نشراتها الإخبارية، وهذا ما يميزها». جان فغالي: المهنية قبل السياسة مـــــن جـــهـــتـــه، يــــؤكــــد رئــــيــــس تـــحـــريـــر نـــشـــرات الأخــبــار فــي «إل بــي ســي آي»، جـــان فـغـالـي، الــذي أمــضــى أكــثــر مــن أربــعــة عــقــود فــي هـــذا المـــجـــال، أن المحطة تعتمد في مقدماتها خطا مهنيا أكثر منه سياسياً، قائلاً: «نحرص في (إل بي سي آي) على الموضوعية والدقة في عرض الأخبار. لا ننحاز إلى أي طـــرف، إلا عندما يتعلق الأمـــر بانتقاد قضية تــمــس المـصـلـحـة الـــعـــامـــة». ويــشــيــر إلــــى أن بعض المـــقـــدمـــات الــتــي كـتـبـهـا لا تــــزال راســـخـــة فـــي ذاكــــرة الـجـمـهـور، حـسـب رأيــــه، ومـــن بينها المـقـدمـة التي اسـتُــهـلـت بــعــبــارة «شــعــب بـــا مـــخ» خـــال جائحة كورونا. ويوضح: «هذا النوع من المقدمات ينطلق من موقف واضح تجاه سلوك أو حدث معين، أكثر مما يقدم مجرد تلخيص للأخبار». ويكشف فغالي أن أي مقدمة لا تُبث قبل إطلاع إدارة المـحـطـة عـلـيـهـا، مـوضـحـا: «صــاحــب المحطة يتابع النشرة، ولديه أيضا رؤيته السياسية؛ لذلك لا تمر أي مقدمة قبل موافقته». أمــــــــا عــــــن مـــــواصـــــفـــــات المـــــقـــــدمـــــة الــــنــــاجــــحــــة، فيختصرها بـالـقـول: «يـجـب أن تـكـون مختصرة، وسريعة، ومكتوبة بلغة بسيطة وجمل قصيرة؛ بـحـيـث تــصــل إلــــى جـمـيـع المــشــاهــديــن بــســهــولــة». ويختم مؤكدا أن غياب المقدمات عن نشرات الأخبار الــغــربــيــة لا يـعـنـي غــيــاب الــتــوجــهــات الـسـيـاسـيـة، مضيفاً: «لا توجد مؤسسة إعلامية من دون خط تحريري أو رؤيـة، لكن طريقة التعبير تختلف من وسيلة إعلامية إلى أخرى». علي نور الدين يشبّهها بمانشيت صحافي بعض مقدمات جان فغالي لا تزال في الذاكرة وليد عبّود يراها انعكاسا لهوية المحطة بيروت: فيفيان حداد تراجع تمويل «تدقيق الحقائق» يثير مخاوف من انتشار «الأخبار المضللة» أثــــــار تــــراجــــع تـــمـــويـــل شـــبـــكـــات ومـــؤســـســـات «تدقيق الحقائق» مخاوف بشأن انتشار «الأخبار المــضــلــلــة»، لا سـيـمـا مـــع زيــــــادة اســـتـــخـــدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وأرجع خبراء تراجع التمويل إلى «عدم اهتمام شركات التكنولوجيا بهذا الملف، وإلقاء عبء كشف التضليل على المستخدم». كان تراجع التمويل إحدى النقاط الرئيسية التي ناقشها المؤتمر السنوي لـ«الشبكة الدولية )» الـــتـــابـــعـــة لمـعـهـد IFCN( لـــتـــدقـــيـــق المـــعـــلـــومـــات «بوينتر»، الذي عُقد في ليتوانيا الشهر الماضي. وأشـــــــــار «مـــعـــهـــد نـــيـــمـــان لاب»، المـــتـــخـــصـــص فـي دراســــات الإعــــام، فـي تـقـريـره عـن المـؤتـمـر، إلــى أن «إدارة الــرئــيــس الأمــيــركــي دونـــالـــد تــرمــب أغلقت منحا كـانـت تـقـدم لمنظمات تدقيق 2024 فـي عــام المعلومات حول العالم». كــمــا أنــهــت شــركــة «مـــيـــتـــا»، الــعــالــم المــاضــي، برنامجها لتدقيق المعلومات عبر أطراف ثالثة في الــولايــات المـتـحـدة، والـــذي كــان مـصـدر دخــل مهما للشبكة الـدولـيـة لتدقيق المـعـلـومـات، وفــق تقرير «معهد نيمان»، الذي أشار إلى أن «أحد مؤشرات تراجع دعم شركات التكنولوجيا لمدققي الحقائق كــان ضعف تمثيلها فـي المـؤتـمـر، حيث لـم ترسل (ميتا) و(غوغل) وفدا للمؤتمر». وخـــاطـــبـــت إنـــجـــي دروبـــنـــيـــك هــــــولان، مــديــرة الشبكة الدولية لتدقيق المعلومات وزميلة «معهد ، فـــي كـلـمـتـهـا خـــال المـؤتـمـر، 2023 نــيــمــان» لــعــام منصات التكنولوجيا الغائبة عن المؤتمر، بقولها: «عــــــودوا إلــيــنــا فـــي الــعــمــل عــلــى جــعــل المـعـلـومـات الدقيقة وعالية الجودة متاحة للجميع». الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا»، مهران كيالي، قال في مقابلة مع «الشرق الأوســـــــــط» إن «مـــنـــصـــات الــــتــــواصــــل الاجـــتـــمـــاعـــي الـــكـــبـــرى اكـــتـــشـــفـــت بـــمـــرحـــلـــة مــــا أن الــــحــــرب ضـد (الأخـبـار المضللة) ليست حربها، وأن هـذا النوع مــن المـشـاريـع يوقعها بمسؤولية قـانـونـيـة تجاه المعلومات التي يتم نشرها عبر منصاتها، ناهيك بـالـضـغـوط الـسـيـاسـيـة المـتـوقـعـة ومـــا تسببه من ضغط تمويلي». وأضاف أن «ظهور أدوات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة كان سيفا ذا حدين على هذا النوع من المشاريع؛ فمن جهة تمكنت هذه الأدوات من أن تحل مكان شركات تدقيق المحتوى المكلفة، ومن ناحية أخرى بدأت أدوات الذكاء الاصطناعي بعمل محتوى يصعب على البشر معرفة مـا إذا كان حقيقيا أم مزيفاً». وتـــابـــع أن «أدوات الـــذكـــاء الاصــطــنــاعــي هي نعمة ونقمة في الوقت نفسه؛ والشعرة التي بين هـذيـن الطريقين هـي طريقة الاســتــخــدام»، مشيرا إلــــى «ســهــولــة إنـــتـــاج المــحــتــوى وســـرعـــة انــتــشــاره وانخفاض تكلفته». ولفت في هذا الصدد إلى «كم الفيديوهات المزيفة الـتـي تـم نشرها خــال وبعد .»2016 الانتخابات الأميركية في وحسب كيالي فإن «وسائل التواصل وحتى (غـوغـل) ألـقـت عــبء تدقيق المعلومات على عاتق المُستخدم، وجعلته يُبلغ عن أي معلومات مضللة»، مــشــددا عـلـى «ضــــرورة اهـتـمـام مـؤسـسـات الإعـــام بالعمل على تدقيق المعلومات وكشف التزييف». وتحدث التقرير السنوي للشبكة الدولية لتدقيق 62 المعلومات، في أبريل (نيسان) الماضي، عن أن التي 141 في المائة من منظمات تدقيق الحقائق الـ ، لكن 2025 شملها المسح زادت جماهيرها في عام في المائة فقط منها وصفت وضعها المالي بأنه 22 «مستدام». عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنـيـن، خالد القضاة، أكـد فـي لقاء مـع «الـشـرق الأوســط» أن «شركات التكنولوجيا الكبرى والجهات المانحة عـادة ما تركز منحها وتمويلها على موضوعات معينة تتغير من آن لآخـر حسب مستهدفات تلك الجهات، دون النظر إلى تأثير هذه البرامج الفعلي على الأرض». وأضـــاف أن «هـــذه الـشـركـات لـم تعد تــرى في تــدقــيــق الــحــقــائــق هــدفــا فـــي الـــوقـــت الـــحـــالـــي، مما يـوجـب عـلـى مـؤسـسـات الإعــــام وشـبـكـات تدقيق الحقائق إيجاد حلول تمويلية بديلة»، مشيرا إلى أن «زيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي حاليا يزيد من مخاوف انتشار التضليل المعلوماتي»، مـــوضـــحـــا أن «مــــؤســــســــات الإعـــــــــام ســـتـــظـــل هـي الحارس الرئيسي للمعلومات». بالفعل، وضــع تـراجـع التمويل مؤسسات تدقيق الحقائق في مفترق طرق، بحثا عن طرق جديدة لتحقيق الدخل، بالتوازي مع الاستمرار فـــي خــدمــة الــجــمــهــور، لا سـيـمـا مـــع انــتــشــار ما يسمى «تسميم نماذج اللغة الكبيرة» عبر إغراق الإنترنت بمقالات مضللة لتنعكس في المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، حسب تقرير معهد «نيمان لاب». القاهرة: فتحية الدخاخني

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky