علوم SCIENCES 16 Issue 17387 - العدد Monday - 2026/7/6 الاثنين دراسة صينية تضع خريطة توزيع البروتينات في مواقع جسم الإنسان بعد الجينوم... هل حان وقت «الأطلس البروتيني»؟ عـنـدمـا أُعــلــن عــن فــك الـشـيـفـرة الجينية للبشر مطلع هـــذا الـــقـــرن، اعـتـقـد كـثـيـرون أن العلماء باتوا يمتلكون المفتاح الكامل لفهم أســـرار جسم الإنــســان. لكن الـسـنـوات التالية كـشـفـت أن الــجــيــنــات وحـــدهـــا لا تـكـفـي لفهم الـــقـــصـــة كـــامـــلـــة؛ فـــالـــجـــن يــمــثــل الـتـعـلـيـمـات البيولوجية المكتوبة، أمــا البروتينات فهي الـــتـــي تـنـفـذ تــلــك الـتـعـلـيـمـات وتــــــؤدي معظم الوظائف الحيوية داخــل الخلايا والأنسجة والأعضاء. ولـــهـــذا الــســبــب، يـتـجـه اهــتــمــام الـعـلـمـاء الـــــيـــــوم بـــــصـــــورة مـــــتـــــزايـــــدة نــــحــــو الـــتـــدقـــيـــق ؛)Proteome( » فــيــمــا يُـــعـــرف بــــ«الـــبـــروتـــيـــوم أي مـجـمـوعـة الــبــروتــيــنــات المــــوجــــودة داخـــل الجسم وكيفية توزيعها وتفاعلها وتغيرها فــي الـصـحـة والمـــــرض. وفـــي خــطــوة قــد تمثل مــحــطــة مــهــمــة فــــي هـــــذا المــــجــــال، نُــــشــــرت فـي ، دراســــة واســعــة في 2026 ) يـونـيـو (حـــزيـــران » قــــادهــــا الـــبـــاحـــث الـصـيـنـي Nature« مــجــلــة ) مـن جامعة الطب في Liang Yue( ليانغ يـو Hangzhou Medical( هــانــغــتــشــو بـــالـــصـــن )، بالتعاون مع فريق دولي University, China من الباحثين، نجح في بناء واحــدة من أكثر الـخـرائـط المكانية للبروتينات شـمـولا حتى اليوم. ألـــف 13 وشـــمـــلـــت الــــــدراســــــة أكــــثــــر مـــــن بـروتـن مـوزعـة على آلاف العينات المـأخـوذة من أعضاء وأنسجة بشرية مختلفة، إضافة نوعاً 58 نوعا من الأورام السرطانية و 25 إلى نوعا فرعياً، في 251 من الأنسجة الرئيسية و محاولة لرسم ما يشبه «الأطلس البروتيني المكاني» لجسم الإنسان. من الجينوم إلى البروتيوم الـــجـــيـــنـــات والــــبــــروتــــيــــنــــات: إذا كـــان > الـــجـــيـــنـــوم يــمــثــل مــجــمــوعــة الـــجـــيـــنـــات الــتــي يــحــمــلــهــا الإنـــــســـــان، فـــــإن الـــبـــروتـــيـــوم يـمـثـل مــجــمــوعــة الـــبـــروتـــيـــنـــات الـــتـــي تـنـتـجـهـا تلك الــجــيــنــات وتــنــفــذ وظــائــفــهــا داخـــــل الــجــســم. وبـــعـــبـــارة مــبــســطــة، تــخــبــرنــا الــجــيــنــات بما يـمـكـن أن يــحــدث بـيـولـوجـيـا، بـيـنـمـا تكشف البروتينات ما يحدث فعليا في لحظة معينة. وتــكــتــســب الــبــروتــيــنــات أهــمــيــة خـاصـة لأنها تشكل المحرك الحقيقي لمعظم العمليات الحيوية؛ فهي تشارك في إنتاج الطاقة، وبناء الــخــايــا والأنـــســـجـــة، وتـنـظـيـم الاســتــجــابــات المناعية، ونقل الإشارات العصبية، إضافة إلى دورها في النمو والشفاء ومقاومة الأمراض. كما أن توزيعها يختلف من عضو إلى آخر، ويتغير بصورة مستمرة تبعا للعمر والبيئة ونمط الحياة والحالة الصحية. والأهــــم مــن ذلـــك أن كـثـيـرا مــن الأمــــراض يـتـرك بصمته الأولــــى عـلـى الـبـروتـيـنـات قبل ظـــهـــور الأعــــــــراض الـــســـريـــريـــة، أو حـــتـــى قـبـل حــدوث تغيرات يمكن رصـدهـا على مستوى الجينات. ولذلك، أصبحت دراسة البروتيوم تــمــثــل نــــافــــذة جــــديــــدة لــفــهــم آلــــيــــات المـــــرض، واكتشاف المؤشرات الحيوية المبكرة، وتطوير علاجات أكثر دقة وتخصيصاً. ولـــهـــذا، ينظر عـــدد مـتـزايـد مــن العلماء إلـى البروتيوم بوصفه الخطوة التالية بعد الجينوم في رحلة استكشاف جسم الإنسان، وربما أحد أهم مفاتيح الطب الشخصي خلال العقود المقبلة. دراســة جديدة: مـاذا أضافت الدراسة > الـــجـــديـــدة؟ اعــتــمــد الـــبـــاحـــثـــون عــلــى تـقـنـيـات متقدمة لتحليل البروتينات ورسم مواقعها الدقيقة داخل الأنسجة البشرية، وذلك ضمن مـشـروع دولــي واســع شـاركـت فيه مؤسسات بـــحـــثـــيـــة مــــرمــــوقــــة ومـــتـــخـــصـــصـــة فـــــي عـــلـــوم البروتيوم والبيولوجيا المكانية، من بينها ،)Westlake University( جـامـعـة ويـسـتـلـيـك وعـدد من المـراكـز البحثية الـرائـدة في الصين وأوروبا. ولـــــــــم يــــقــــتــــصــــر الـــــعـــــمـــــل عـــــلـــــى تـــحـــديـــد البروتينات المـوجـودة فـي الجسم؛ بـل سعى إلى فهم أماكن وجودها وعلاقاتها بالخلايا المحيطة بـهـا، وكيفية تغيرها خــال مراحل الـــنـــمـــو المــخـــتــلـــفــة، وفـــــي الــــحــــالات المـــرضـــيـــة. وبـــذلـــك، انـتـقـلـت الـــدراســـة مــن مــجــرد «قـائـمـة لــلــبــروتــيــنــات» إلــــى خــريــطــة مــكــانــيــة دقـيـقـة تــوضــح كـيـفـيـة تــــوزع هـــذه الــجــزيــئــات داخـــل الأنسجة البشرية. ويــــرى الـبـاحـثـون أن هـــذه الـخـريـطـة قد تساعد في اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض، وتحديد أهداف علاجية أكثر دقة، وفهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء كثير من الاضطرابات المعقدة. كما يمكن أن تسهم فــــي تـــطـــويـــر عــــاجــــات مـــوجـــهـــة تــعــتــمــد عـلـى الخصائص البروتينية الـفـريـدة لكل نسيج أو مرض، وهو ما قد يفتح آفاقا جديدة أمام الــطــب الـشـخـصـي والـتـشـخـيـص المـبـكـر خـال السنوات المقبلة. أطلس بروتيني عربي خـــصـــائـــص بــــروتــــيــــنــــات الــــعــــرب: > إذا كــــان الــعــقــد المـــاضـــي قـــد شــهــد سـبـاقـا عـالمـيـا نـحـو بـنـاء خــرائــط الـجـيـنـوم، فقد يــــكــــون الـــعـــقـــد المـــقـــبـــل عـــصـــر «الأطـــــالـــــس البروتينية». وهنا يبرز سـؤال لا يخص العلماء وحدهم؛ بل صناع القرار الصحي في العالم العربي أيضاً: هل سنكتفي بما حققناه في مجال الجينوم؟ أم سنشارك في رسم الخريطة التالية للطب الدقيق؟ لــقــد حـقـقـت دول عــربــيــة عــــدة إنـــجـــازات مـهـمـة فـــي هــــذا المـــجـــال؛ فـأطـلـقـت الـسـعـوديـة مــشــروع الـجـيـنـوم الــســعــودي، وطــــورت قطر بــــرنــــامــــج الـــجـــيـــنـــوم الــــقــــطــــري، كـــمـــا وســعــت الإمـــــــــارات اســـتـــثـــمـــاراتـــهـــا فــــي الـــطـــب الــدقــيــق والــــدراســــات الـسـكـانـيـة الـجـيـنـيـة. وأسـهـمـت هذه المبادرات في بناء قواعد بيانات وراثية تعد من بين الأهم في المنطقة، ووفرت أساسا علميا لفهم كثير مــن الـخـصـائـص الـوراثـيـة والأمراض الشائعة بين السكان العرب. غــيــر أن الـــتـــطـــورات الأخــــيــــرة فـــي عـلـوم الـبـروتـيـنـات تـطـرح ســـؤالا جــديــداً: هـل تكفي معرفة الجينات لفهم صحة الإنسان العربي ومستقبله المرضي؟ ورغـــــــم الـــتـــقـــدم المـــلـــحـــوظ فــــي مـــشـــاريـــع الـجـيـنـوم، لا يـــزال الـعـالـم الـعـربـي يفتقر إلـى مـــشـــروع بـــروتـــيـــومـــي واســـــع الـــنـــطـــاق يـهـدف إلـــى بـنـاء أطـلـس بـروتـيـنـي عــربــي، أو دراســـة الـــخـــصـــائـــص الـــبـــروتـــيـــنـــيـــة لـــلـــســـكـــان الـــعـــرب بـــصـــورة منهجية وشــامــلــة. ومـــا زال معظم الأبحاث الحالية يتركز في دراســات متفرقة تـسـتـهـدف أمـــراضـــا مـــحـــددة؛ مــثــل الــســرطــان والــســكــري وأمـــــراض الــقــلــب، مـــن دون وجـــود قاعدة بيانات بروتينية عربية متكاملة يمكن أن تـدعـم الـجـيـل المـقـبـل مــن الـطـب الشخصي والعلاجات الموجهة. ومع تزايد الاعتماد العالمي على الذكاء الاصطناعي فـي تحليل البيانات الحيوية، قــد يصبح امــتــاك خــرائــط بـروتـيـنـيـة عربية دقيقة ليس مجرد مشروع بحثي طموح؛ بل ضرورة استراتيجية لضمان أن تُبنى أدوات التشخيص والعلاج المستقبلية على بيانات تمثل المجتمعات العربية نفسها، لا أن تعتمد حـــصـــرا عــلــى بـــيـــانـــات مــســتــمــدة مـــن شـعـوب أخرى تختلف وراثيا وبيئيا وغذائياً. لمــــــاذا نـــحـــتـــاج إلـــــى أطـــلـــس بــروتــيــنــي > عربي؟ تكمن أهمية أي أطلس بروتيني عربي مستقبلي في أنه قد يساعد في فهم الصورة الـــبـــيـــولـــوجـــيـــة الــحــقــيــقــيــة لـــــأمـــــراض الأكـــثـــر انـتـشـارا فـي المنطقة؛ مثل السكري وأمـــراض الــقــلــب والــســمــنــة وبـــعـــض أنــــــواع الـــســـرطـــان. فبينما تـتـشـابـه الـجـيـنـات الـبـشـريـة بـدرجـة كــبــيــرة بـــن الـــشـــعـــوب، فــــإن أنـــمـــاط الـتـعـبـيـر البروتيني قد تختلف تبعا للعوامل الوراثية المحلية والبيئة والغذاء ونمط الحياة، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في كيفية ظهور المرض وتطوره واستجابة المرضى للعلاج. وتزداد أهمية هذا الأمر في العالم العربي الــــذي يـشـهـد مـــعـــدلات مـرتـفـعـة مـــن الأمــــراض المــــزمــــنــــة، إلــــــى جــــانــــب خـــصـــائـــص ســكــانــيــة وجينية مميزة فـي بعض المجتمعات. ومن هـنـا، فـــإن فـهـم البصمة البروتينية للسكان الـــعـــرب قـــد يـكـشـف مـــؤشـــرات حـيـويـة جـديـدة لــلــتــشــخــيــص المـــبـــكـــر، ويـــســـاعـــد فــــي تــطــويــر عــــاجــــات أكـــثـــر دقـــــة ومــــاءمــــة لاحــتــيــاجــات المرضى في المنطقة. كما أن معظم قواعد البيانات البروتينية العالمية الحالية بُني اعتمادا على عينات من أوروبـــا وأمـيـركـا الشمالية وشـــرق آسـيـا، في حـن لا يـــزال تمثيل الـسـكـان الـعـرب مـحـدودا نسبياً. ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلــــى مـــجـــالات الــتــشــخــيــص والـــطـــب الــدقــيــق، تـــــزداد أهـمـيـة امـــتـــاك بــيــانــات حـيـويـة تمثل المجتمعات العربية نفسها، لأن دقة النماذج الـطـبـيـة المستقبلية ستعتمد إلـــى حــد كبير على نوعية البيانات التي دُربت عليها. ومــن هــذا المنطلق، قـد لا يـكـون الأطلس الــبــروتــيــنــي الـــعـــربـــي مـــجـــرد مـــشـــروع علمي جــــديــــد؛ بــــل خــــطــــوة اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة لــضــمــان مشاركة العالم العربي في رسم ملامح الجيل القادم من الطب الشخصي، بدلا من الاكتفاء بدور المستفيد من نتائج أبحاث أُجريت على مجتمعات أخرى. وتـشـيـر دراســــة «نـيـتـشـر» إلـــى أن الطب العالمي قد بدأ بالفعل الانتقال التدريجي من عـصـر الـجـيـنـوم إلـــى عـصـر الــبــروتــيــوم. وإذا كــان العقد المـاضـي قـد شهد إطـــاق مشاريع الجينوم الوطنية في عدد من الدول العربية، فـقـد يشهد الـعـقـد المـقـبـل سـبـاقـا عـالمـيـا لبناء الأطــــالــــس الــبــروتــيــنــيــة الـــتـــي ســتــشــكــل أحـــد الأســـــس الــرئــيــســيــة لــلــطــب الـــدقـــيـــق والـــذكـــاء الاصطناعي الطبي. لقد ساعدنا الجينوم في فهم ما نحمله مــن اســتــعــدادات وراثـــيـــة، لـكـن الـبـروتـيـوم قد يــســاعــدنــا فـــي فــهــم مـــا يـــحـــدث فـعـلـيـا داخـــل أجسامنا فـي الصحة والمــــرض. ومــن خلاله، قــد يـصـبـح بــالإمــكــان اكــتــشــاف الأمـــــراض في مـــراحـــل أبـــكـــر، وتـصـمـيـم عـــاجـــات أكــثــر دقـــة، وفهم الفروق البيولوجية الدقيقة بين الأفراد والمجتمعات. وبــالــنــســبــة لــلــعــالــم الـــعـــربـــي، لا يتعلق الأمــــر بــمــجــرد مــواكــبــة اتـــجـــاه عـلـمـي جــديــد؛ بل بالمشاركة في بناء المعرفة الحيوية التي سـتـعـتـمـد عـلـيـهـا أنــظــمــة الـــرعـــايـــة الـصـحـيـة المــســتــقــبــلــيــة. وكـــمـــا أدركـــــــت المــنــطــقــة أهـمـيـة الاســـتـــثـــمـــار فــــي الـــجـــيـــنـــوم خـــــال الـــســـنـــوات المـاضـيـة، فقد يـكـون الـوقـت قـد حــان للتفكير في الخطوة التالية. وربما لا يكون السؤال الذي تطرحه هـــــذه الـــــدراســـــة الــــيــــوم: هــــل نـــحـــتـــاج إلـــى أطــــلــــس بـــروتـــيـــنـــي عـــــربـــــي؟ بـــــل الــــســــؤال الأكثر إلحاحاً: هل سنشارك في صناعة مــســتــقــبــل الـــطـــب الــــدقــــيــــق؟ أم سـنـكـتـفـي باستخدام ما يطوره الآخرون؟ لندن: د. عميد خالد عبد الحميد اكتشاف جيني جديد قد يقدّم الإجابة لماذا يصيب التوحد الأولاد أكثر من البنات؟ يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضـطـرابـات النمائية الـتـي تُظهر نمطا ثـابـتـا ومــثــيــرا لــلــجــدل؛ إذ يُــشــخَّــص لـدى الأولاد بمعدل يـقـارب أربـعـة أضـعـاف ما يُشخَّص لدى الفتيات. ولـــعـــقـــود طـــويـــلـــة اعـــتـــقـــد الــبــاحــثــون أن هـــذا الــفــرق يــعــود بـشـكـل أســاســي إلـى تـــحـــيـــزات فـــي الــتــشــخــيــص؛ إذ إن معظم ) وأدوات الفحص ASD( أبـحـاث الـتـوحـد المبكر طُــــوّرت اعـتـمـادا على كيفية ظهور الأعــــــــراض لـــــدى الـــــذكـــــور. ونــتــيــجــة لــذلــك أصــبــحــت المــعــايــيــر الــســريــريــة تـمـيـل إلــى «الشكل الـذكـوري» للتوحد، مما أدى إلى تـــأخـــر تـشـخـيـص الــفــتــيــات أو إغـــفـــالـــه أو الخلط بينه وبـن اضطرابات أخـرى مثل الـقـلـق أو فـــرط الـحـركـة وتـشـتـت الانـتـبـاه. لـكـن هـــذا الـتـفـسـيـر رغـــم أهـمـيـتـه لا يـبـدو كافيا وحده. وقد أدى انخفاض تشخيص التوحد لـــدى الإنــــاث إلـــى تمثيل ضعيف لـهـن في الدراسات العلمية، مما خلق حلقة مفرغة: قلة فـي التشخيص تعني قلة البيانات، وقـلـة الـبـيـانـات تعني فهما أقـــل لطبيعة التوحد لـدى الفتيات. وهــذا الخلل جعل من الصعب على العلماء التمييز بين ما إذا كانت الفجوة بين الجنسَين ناتجة عن عوامل اجتماعية وتشخيصية فقط أم أن هناك أساسا بيولوجيا أيضاً. «الحماية الأنثوية» «الـحـمـايـة الأنــثــويــة» فـرضـيـة تتقدم إلـــــى الــــواجــــهــــة؛ إذ بــــــرزت فــــي الـــســـنـــوات الأخـــيـــرة فـرضـيـة تُـــعـــرف بــاســم «الـتـأثـيـر female protective( » الوقائي لـدى الإنــاث ) الـــتـــي تـــفـــتـــرض أن الـــفـــتـــيـــات قـد effect يمتلكن مـقـاومـة بـيـولـوجـيـة أعــلــى تجاه التوحد مقارنة بالأولاد. وتـــــدعـــــم هــــــذه الـــفـــرضـــيـــة دراســــــــات جـيـنـيـة أظـــهـــرت أن الــفــتــيــات المــصــابــات بــالــتــوحــد غــالــبــا مـــا يـحـمـلـن عـــــددا أكـبـر مــــن الــــطــــفــــرات الـــجـــيـــنـــيـــة، أو مــــا يُـــعـــرف ،)Genetic strikes( » بـ«الضربات الجينية مــقــارنــة بـــــــالأولاد، مــمــا يـشـيـر إلــــى أنـهـن يـحـتـجـن إلــــى وجـــــود عــــبء وراثــــــي أكـبـر لظهور الأعراض. لكن الآلية البيولوجية الـــدقـــيـــقـــة وراء هــــــذه الـــحـــمـــايـــة لـــــم تـكـن واضحة حتى وقت قريب. ) في X( » ويــقــع كـــرومـــوســـوم «إكـــــس قـلـب التفسير الــجــديــد؛ إذ قــدمــت دراســـة Nature« تــحــلــيــلــيــة نُـــــشـــــرت فـــــي مـــجـــلـــة ،2026 ) مـــــارس (آذار 30 » فـــي Genetics تفسيرا محتملا لهذه الظاهرة من خلال الــتــركــيــز عــلــى هــــذا الـــكـــرومـــوســـوم. وقـــاد الـــدراســـة الــبــاحــث ديـفـيـد بـيـج مـــن معهد وايـــتـــهـــيـــد فـــــي مـــعـــهـــد مـــاســـاتـــشـــوســـتـــس لـــلـــتـــكـــنـــولـــوجـــيـــا بــــــالــــــولايــــــات المــــتــــحــــدة، وبمشاركة الباحثة مايا تالوكدار. يمتلك الذكور كروموسوما واحدا من )، وكروموسوما واحدا من X( » نوع «إكس )، فــي حــن تمتلك الإنـــاث Y( » نـــوع «واي نــســخــتــن مــــن «إكــــــــس». ولــتــجــنــب زيـــــادة نــشــاط الــجــيــنــات تُــعــطــل إحــــدى نسختي «إكس» في خلايا الإناث عبر عملية تُعرف X stabilize( » بـ«تعطيل كروموسوم إكس ). لكن الفرضية التقليدية التي or buffer اعـــتـــبـــرت أن الـــنـــســـخـــة المـــعـــطـــلـــة صــامــتــة بالكامل لم تعد دقيقة. وتــكــشــف الأبــــحــــاث الــحــديــثــة عـــن أن بعض الجينات على كروموسوم «إكس» لا يتم تعطيلها بالكامل، بـل تستمر في الـعـمـل وتُــعــرف بـاسـم «جـيـنـات الــهــروب» ). وهــــذه الـجـيـنـات تلعب escape genes( أدوارا أساسية في تنظيم نشاط الجينات الأخرى في الجسم، بما في ذلك الجينات المـرتـبـطـة بنمو الــدمــاغ وتـكـويـن المشابك العصبية ونقل الإشارات العصبية، وهي عــمــلــيــات مــرتــبــطــة مـــبـــاشـــرة بـــاضـــطـــراب التوحد. وبما أن الإناث يمتلكن نسختين من كروموسوم «إكس» فإن لديهن مستويات أعلى من نشاط هذه الجينات التنظيمية، مـــمـــا قــــد يــمــنــح الــــدمــــاغ قــــــدرة أكـــبـــر عـلـى التوازن والتعويض في مواجهة الطفرات الجينية الضارة. أمــــــــــا الـــــــــذكـــــــــور الــــــــذيــــــــن يـــمـــتـــلـــكـــون كـــــرومـــــوســـــوم «إكـــــــــس» واحـــــــــدا فـــقـــط فـا يملكون هذا النظام الاحتياطي. إعادة التفكير في فهم الأمراض العصبية ويـــرى الـبـاحـثـون أن هــذا النموذج لا يـــفـــسّـــر الـــتـــوحـــد فـــقـــط، بــــل قــــد يـمـتـد لـــيـــشـــمـــل اضـــــطـــــرابـــــات نـــمـــائـــيـــة أخـــــرى تـظـهـر بـنـسـب أعــلــى لــــدى الـــذكـــور مثل بعض التشوهات الخلقية واضطرابات النمو. وتوضح الباحثة مايا تالوكدار أن الــعــديــد مـــن هــــذه الـــحـــالات لا تـتـأثـر بالتحيز التشخيصي، مما يعزّز فكرة أن الاخـتـافـات بـن الجنسين قـد تكون نـــاتـــجـــة عــــن عــــوامــــل وراثـــــيـــــة حـقـيـقـيـة وليست اجتماعية فقط. ومن الأمثلة التي يطرحها الباحثون ،)Pyloric stenosis( » تضيّق «بواب المعدة وهي حالة تصيب الرُّضع وتؤدي إلى قيء شــديــد، وتـظـهـر أيـضـا بـمـعـدل أعـلـى لـدى الـذكـور، مع ملاحظة أن الإنــاث المصابات غالبا ما يحملن عبئا جينيا أكبر. تــشــيــر هـــــذه الــنــتــائــج إلـــــى ضـــــرورة إعـــــــادة الــنــظــر فــــي تــفـسـيـر الـــفـــجـــوة بـن الــجــنــســن فـــي الـــتـــوحـــد. فـبـيـنـمـا تبقى الـــعـــوامـــل الـتـشـخـيـصـيـة والاجــتــمــاعــيــة مـــهـــمـــة، يــــبــــدو أن هــــنــــاك أيــــضــــا أســـاســـا بــــيــــولــــوجــــيــــا عـــمـــيـــقـــا يُــــســــهــــم فــــــي هــــذا الاختلاف. كــــمــــا أن فــــهــــم دور كــــرومــــوســــوم «إكس» وجينات الهروب قد يفتح الباب أمــــــام تـــطـــويـــر أدوات تــشــخــيــص أكــثــر دقـــة تــأخــذ بـعـن الاعــتــبــار الـــفـــروق بين الجنسين بدلا من الاعتماد على نموذج واحد موحد. ويرى الباحثون أن إدراك هذه الفروق لا يقتصر على التوحد فقط بل قد يغيّر طـريـقـة فهمنا لكثير مــن الأمـــــراض التي تختلف في انتشارها بين الذكور والإناث مـــثـــل أمــــــــراض المــــنــــاعــــة الــــذاتــــيــــة وبــعــض السرطانات. ويؤكد العلماء أن الهدف ليس القول إن أحـــد الـجـنـسـن «أكـــثـــر عـــرضـــة» بشكل مــطــلــق، بـــل فــهــم كــيــف تـتـفـاعـل الـجـيـنـات مع الجنس البيولوجي لتشكيل المخاطر الصحية. وفي النهاية تشير هذه الأبحاث إلى أن الفجوة بين الأولاد والبنات في التوحد لـيـسـت مـــجـــرد مــســألــة تـشـخـيـص، بـــل قد تكون انعكاسا لتوازن جيني دقيق داخل كــرومــوســوم صـغـيـر، لـكـنـه يـحـمـل تـأثـيـرا كبيرا على الدماغ والسلوك. لندن: د. وفا جاسم الرجب يسهل الأطلس اكتشاف مؤشرات حيوية جديدة للأمراض وتحديد أهداف علاجية أكثر دقة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky