وصفت جورج صاند القيظ الذي بأنه 1870 طال فرنسا عام «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدة على جريمة الثقافة CULTURE 18 Issue 17387 - العدد Monday - 2026/7/6 الاثنين لا يغيّر المناخ وحده بل الإنسان من الداخل الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟ فـي هــذا الصيف، تتصاعد درجــات الـحـرارة في عواصم الـقـارة العجوز إلى مستويات كـانـت حتى وقــت قـريـب تُعد اســـتـــثـــنـــاءً، فـتـنـبـثـق مـــن ثــنــايــا الـــذاكـــرة تـــلـــك الـــنـــصـــوص الأدبــــيــــة الـــكـــبـــرى الــتــي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسـبـقـت المـتـنـبـئـن الــجــويــن إلـــى إدراك حقيقة ساطعة: الـحـرارة، حين تبلغ حد الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحـده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل. ومـن أهــم سـرديـات القيظ مـا كتبته الــــروائــــيــــة جــــــورج صـــانـــد فــــي الــخــامــس ، في 1870 عشر من سبتمبر (أيلول) عام قرية «نــوهــان» الصغيرة وســط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولـم تكن تكتب روايـــــة، بــل كــانــت تُـــــدوّن مــا تــــراه بعيون لا تــكــاد تُـــصـــدّق مـــا تــــرى. الـكـاتـبـة الـتـي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجـــرأتـــهـــا الاجــتــمــاعــيــة غــيــر المـسـبـوقـة، وقـفـت أمـــام صـيـف لــم تـعـرفـه فـرنـسـا من قــبــل، فـكـتـبـت فـــي «يـــومـــيـــات مــســافــر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفــيــو دو دو مــونــد»: «صـيـف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكنا في مناخنا المعتدل: أيـام كـان فيها الزئبق في الظل يـــرتـــفـــع إلـــــى خـــمـــس وأربــــعــــن درجـــــــة، لا بـقـعـة عــشــب، لا زهــــرة واحــــدة فــي مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفر وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوما بعد يوم...». ومـــــا يــجــعــل هـــــذا المـــقـــطـــع أكـــثـــر مـن مـجـرد شــهــادة مناخية هــو مــا يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عـــن الأوبــــئــــة الـــتـــي تـنـتـشـر فـــي المــنــاطــق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس». فصاند لا تصف مشهدا طبيعياً، بل تُــؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الــريــفــيــة الــفــرنــســيــة حـــن تـتـخـلـى عنها الــســمــاء. وقـــد وصــفــت ذلـــك كـلـه بـعـبـارة أشد قسوة من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم». ولأن هــــذا الـــوصـــف صــــدر مـــن قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حربا مهلكة ضد بروسيا، فـــإن الـطـبـيـعـة والـــتـــاريـــخ يـتـشـابـكـان في يـومـيـاتـهـا تـشـابـكـا يـجـعـل الـقـيـظ يـبـدو عقابا كونيا لا ظاهرة عارضة. وبـــــعـــــد صـــــانـــــد بـــســـبـــعـــة وســـبـــعـــن عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطل هذه المرة على الـبـحـر الأبـــيـــض المــتــوســط. فـفـي روايــتــه ، يرتكب 1942 «الــغــريــب» الـــصـــادرة عـــام مــورســو جـريـمـتـه عـلـى شـاطـئ جـزائـري تــحــت وطـــــأة شــمــس لا تـــعـــرف الــرحــمــة، وما يجعل هذا المشهد علامة في تاريخ الــروايــة الحديثة هـو أن الشمس ليست فـيـه خـلـفـيـة مــوصــوفــة بـــل فــاعــل درامــــي بـامـتـيـاز: فـهـي الـتـي تـدفـع الــحــدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمـام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نــتــقــدم بـخـطـى مــتــســاويــة نــحــو الــعــرب، وكـانـت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفة بأكملها. فالشمس ليست رمزا يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحية قبل أن يـكـون جـانـيـا. وحـــن تـسـألـه المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والـجـواب طبعا هـراء فـــي مـنـطـق الـــقـــانـــون، لـكـنـه يـحـمـل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والـــــحـــــرارة لا تُـــحـــاكَـــم. وفــــي مـجـمـوعـتـه الـتـأمـلـيـة «أعــــــراس» الــتــي أصـــدرهـــا عـام ، يمنحنا كامو الوجه الآخــر لهذه 1936 الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تـبـسـط الإنــــســــان عــلــى الأرض وتـجـعـلـه يــشــعــر بـــأنـــه جــــزء مـــن شــــيء أكـــبـــر مـنـه، حـــــرارة تــصــالــح لا حـــــرارة تــقــتــل». وبــن الـكـتـابـن يـقـيـم كــامــو عـلـى حـــد الـسـكـن: فالشمس يمكن أن تـكـون نعمة ويمكن أن تــكــون لـعـنـة، ومـــا الــــذي يُـــقـــرّر أيّــهـمـا هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى. أمـــا لــويــس فــرديــنــانــد سـيـلـن، فقد اخـــتـــار لـــلـــحـــرارة وجـــهـــا لا مــــراوغــــة فيه ولا شـــاعـــريـــة. فـــفـــي مـلـحـمـتـه الـــروائـــيـــة «الــســفــر إلـــى آخـــر الــلــيــل» الـــصـــادرة عـام ، تسكن الــحــرارة الـنـص منذ أولـى 1932 صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة الـعـابـرة يُــقـيـم سيلين برنامجه السردي بأكمله. فـــالـــحـــرارة عــنــده لـيـسـت مـوضـوعـا يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحـــن يـصـف بطله فـيـرديـنـان بــاردامــوا تـــجـــربـــتـــه فــــي أفـــريـــقـــيـــا الاســـتـــعـــمـــاريـــة، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الـــكـــبـــار، بـكـلـمـات قــاطــعــة وجـــافَّـــة تُـــعـــدّد الــعــذابــات دون أن تـطـلـب تـعـاطـفـا. وفـي ،1936 «مـــوت بالتقسيط» الــصــادر عـــام يــذهــب سـيـلـن خـــطـــوة أبــعــد نـحـو رؤيـــة الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق. فــــــالــــــحــــــرارة عـــــنـــــده لا تُـــــــــــــؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بـل تُــعـاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجة تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكـــامـــو هـــو أنــــه يُـــجـــرّد الــــحــــرارة مـــن أي بُعد شـاعـري: فعنده هي سجن إضافي يُـــــضـــــاف إلــــــى ســــجــــون الـــفـــقـــر والــــحــــرب والمـــــرض، تـلـك الـسـجـون الـتـي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ. وفــــــــي المــــشــــهــــد الأدبـــــــــــي الـــفـــرنـــســـي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هــــذا الــتــقــلــيــد لـــم يـــخـــتـــفِ، بـــل تــجــدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عـــن دار نـشـر «فـــامـــاريـــون»، 2019 عــــام والتي لاقـت استحسان النقاد ورُشّحت لـــــعـــــدة جـــــــوائـــــــز، يــــضــــع بــــطــــلــــه الــــشــــاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعج بـــالأجـــســـاد والــضــجــيــج. هــنــاك يكتشف جسدا ميتا ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى. والـــحـــرارة فــي هـــذه الـــروايـــة ليست ديــــكــــورا بـــل طـــاقـــة خــــام تُـــذيـــب الـــحـــدود بــن المـسـمـوح والمــحــظــور، بــن مــا نفعله ومــــا نُـــقـــر بـفـعـلـه. إذ قــــال جــيــســتــان، في أحــــد حــــواراتــــه، إن غــايــتــه كـــانـــت «جـعـل الاخـتـنـاق الأخــاقــي يـمـر عـبـر الـجـسـد»، بحيث تفضح الـحـرارة ما يعجز الوعي عن تسميته. وهـنـا تلتقي روايــتــه مــع السلسلة الأدبـــــيـــــة الـــكـــامـــلـــة الــــتــــي ســـبـــقـــتـــه: فـمـن يـــومـــيـــات صـــانـــد إلـــــى روايـــــــة كـــامـــو إلـــى مــلــحــمــة ســـيـــلـــن، يـــوجـــد وعــــــي مـشـتـرك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلا في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تـــســـقـــط فـــيـــهـــا الـــــحـــــواجـــــز المـــصـــطـــنـــعـــة، وينكشف فيها الإنــســان عـلـى حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية. ولــــعــــل مــــا يــجــعــل هـــــذه الــنــصــوص مجتمعة أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة مـوضـوع، هـو أنها تُــقـدّم، كـل في طـــريـــقـــتـــهـــا، إجـــــابـــــة عــــن ســــــؤال يــطــرحــه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حد سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟ باريس: أنيسة مخالدي فيكتور جيستان جورج صاند ألبير كامو السلطاني يبحث في الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعدها معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية أن يُقحِم المرء الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مـــع الــتــاريــخ والــــذاكــــرة والمـــكـــان والــهــويــة، فـذلـك عمل لا ينهض بـه ســوى بشر قــدّوا مــن قـمـاشـة خــاصــة: شــعــراء يـصـغـون إلـى ارتعاشات اللغة، مدجّجين بــأدوات النقد الأدبـــــــــي، أو نــــقــــاد تـــعـــايـــشـــوا مــــع الــشــعــر تـطـبـيـقـيـا ونـــظـــريـــا. عـــنـــد هـــــذي الـــتـــخـــوم، يقف فاضل السلطاني، فـي كتابه «الإرث الكولونيالي والـحـداثـة ومـا بعد الحداثة عند تجارب أربعة شعراء معاصرين - دار »، مـسـتـنـدا إلـــى كونه 2025 الـتـكـويـن عـــام شاعرا وناقداً، ليتولى، مُجلياً، ذلك الربط الصعيب. في صفحات الكتاب تغدو القصيدة أبــعــد بـكـثـيـر مـــن بــنــاء لــغــوي أو مـمـارسـة جـمـالـيـة، فـكـأنـهـا أداة مــعــرفــة، ونــهــج في مجابهة العالم، ووليمة فكرية. 1930( يقرأ السلطاني ديريك والكوت ) - شـــاعـــر ومـــســـرحـــي مــــن ســانــت 2017 - لوسيا/ الكاريبي، حائز «نوبل» في الأدب ، وبيرناردين إيفارستو (مواليد 1992 لعام ) - كـاتـبـة وأكـاديـمـيـة بريطانية من 1959 أصــــــل نـــيـــجـــيـــري تُـــــوجِّـــــت بــــجــــائــــزة بــوكــر 1939( -، ولي هـاروود 2019 الدولية لعام ) - شاعر بريطاني بـارز -، وفرانك 2015 - ) - شـــاعـــر ونــاقــد 1966 - 1926( أوهـــــــارا فــنــي أمـــيـــركـــي مـــن أبـــــرز أقـــطـــاب «مـــدرســـة نيويورك» - بوصفهم شعراء يقفون عند مــفــارق حـضـاريـة مـتـوتـرة: اسـتـعـمـار تـرك أثره في اللغة والاسـم والأجساد، وحداثة زعــزعــت المــكــان والـــزمـــان، ومـــا بـعـد حـداثـة دفعت اليومي الصغير إلى واجهة المعنى. قـيـمـة المـــقـــالات الـــثـــاث الــتــي يضمها الـكـتـاب مـتـأتـيـة مــن قـدرتـهـا عـلـى تحويل الــشــعــر إلــــى مـخـتـبـر فـلـسـفـي بــكــل مـــا في الـكـلـمـة مـــن مـعــنــى. فـالـسـلـطـانـي يتعامل مــع الـنـصـوص الـشـعـريـة بوصفها وقـائـع فــكــريــة حـــيـــة، تـكـشـف عـــن اشـــتـــبـــاك الــــذات الـــهـــشّـــة مـــع قــــوى هـــائـــلـــة: الإمـــبـــراطـــوريـــة، والـــذاكـــرة، والمــديــنــة، والــفــضــاء، والـجـسـد، والأشـــيـــاء. ولـذلـك تـأتـي قــراءتــه أقـــرب إلى إقامة طويلة داخـل القصيدة، متنقلا بين النظرية والتأويل، وبين باشلار ولوفيفر ودوريـــن ماسي، وبـن ما بعد الاستعمار وجــمــالــيــات المـــكـــان، وبــــن تـــحـــولات الـلـغـة وأسئلة الذات. هذا الاشتغال يمنح الكتاب إيـــقـــاعـــا مـــعـــرفـــيـــا خـــاصـــا يــــســــاءل الــشــعــر مــــن داخـــــلـــــه، وفـــــي الــــوقــــت نـــفـــســـه يـفـتـحـه مـشـرعـا عـلـى حــقــول الــتــاريــخ، والفلسفة، والاجتماع، والجماليات. فـي الفصل الأول، يـقـارب السلطاني مـلـحـمـة «أومـــــيـــــروس» لـــوالـــكـــوت وروايـــــة «لارا» الـــشـــعـــريـــة لإيـــفـــارســـتـــو مــــن زاويـــــة الـهـويـة الهجينة الـتـي تتخلق فــي صــدام الأعـــــــــــــراق والـــــــتـــــــواريـــــــخ والــــــلــــــغــــــات. عــنــد إيـــفـــارســـتـــو، تـــتـــحـــرَّك الــــــذات داخـــــل ذاكــــرة عـائـلـيـة مـمـتـدة، تـبـحـث عــن جـــذورهـــا بين بريطانيا ونيجيريا وأوروبـــا والبرازيل، وتــعــيــد بـــنـــاء نـفـسـهـا عــبــر الإنــــصــــات إلــى ســلــســلــة الأســـــــــاف. الـــهـــويـــة لـــديـــهـــا عـمـل ترميمي، وشخصي، وحميم، ينطلق من الجرح الأسـري كي يبلغ معنى اجتماعيا أوسع، فالذات الهجينة تئن تحت حاجتها إلى أن ترى نفسها في مرآة ماضيها، وأن تمنح تشتتها شكلا قابلا للسرد. أما والكوت فيذهب أبعد في معركته ليقف أمـام الفكرة الأوروبـيـة عن التاريخ، ويـــعـــيـــد مـــســـاءلـــتـــهـــا مــــن مــــوقــــع كـــاريـــبـــي تشكّل مـن الــرّكــام، والاقــتــاع، والعبودية، والـهـجـرات، وتـداخـل الأعـــراق. شخصياته تـــتـــحـــرَّك بــــن الــــجــــزر وأفـــريـــقـــيـــا وأوروبـــــــا وأميركا، وتبحث عن اسم ضائع، وجذور مقطوعة، ومعنى يمنح الـوجـود شرعية روحــــيــــة. فــــي قـــــــراءة الـــســـلـــطـــانـــي، تـصـبـح الذاكرة عند والكوت مجالا لإعادة بناء ما هشمه التاريخ، ووسيلة لاسـتـرداد الـذات من قبضة السرديّة الاستعمارية. العبارة المكثفة التي يلتقطها الكتاب، حين يصير أخـيـل «ذاكـــرتـــه»، تـزيـح النقاب عـن جوهر هـــذه الــرؤيــة لـإنـسـان لـيـس بـوصـفـه كتلة بيولوجية تمشي في الحاضر، بل بوصفه تاريخا مستعاداً، واسما مسترداً، وجرحا عميقا ينقلب وعياً. تـتـقـاطـع مـــقـــالات الــكــتــاب عــلــى رؤيـــة الـهـويـة كــمــادة جـدلـيـة وعـمـلـيـة مستمرة. فهي عند هؤلاء الشعراء معبر، ومواجهة، وتفاعل دائم بين الذاكرة والحاضر، وبين الأصـــل والــتــحــول، وبـــن الــــذات كـمـا تـراهـا نـفـسـهـا والــــــذات كــمــا صــاغــهــا الآخــــــر، فلا تظهر كجوهر صاف مغلق، وإنما كطاقة تشكّل دائمة، تولد من الاختلاط، وتتغذى على الـتـوتـر، وتكبر فـي الاشـتـبـاك. وتلك واحدة من أهم نقاط قوة قراءة السلطاني الذي يبتعد عن الرثاء السهل لفكرة الجذر المـفـقـود، ويـتـجـه إلـــى فـهـم الــجــذر بوصفه حركة، وبحثاً، ووعيا يكتسب نضجه من قدرته على حمل التناقض. فـــي الــفــصــل الـــثـــانـــي، يـنـتـقـل الـكـتـاب إلـــى تـجـربـة هـــــاروود عـبـر ثـنـائـيـة «المـكـان والـــفـــضـــاء»، الــــذي يـــقـــرأه الــكــاتــب بوصفه شــــاعــــرا تـــتـــحـــرك قــصــيــدتــه بــــن الانـــفـــتـــاح والانـغـاق، والحاضر والمـاضـي، والحركة والـسـكـون، والـــدّاخـــل والـــخـــارج. المـكـان في بــدايــات هـــذا الـشـاعـر الـــذي ارتــبــط بحركة إحـيـاء الشعر البريطاني وتـأثـر بمدرسة نـيـويـورك يـبـدو حسياً، ملموساً، مشبعا بـالأشـيـاء والمـشـاهـد، ثـم يتطور تدريجيا إلـى فضاء ذهني، حيث تصبح القصيدة مـــيـــدانـــا لــتــجــربــة أكـــثـــر تــعــقــيــداً: عـــن كيف يــســكــن الإنــــســــان الـــعـــالـــم، وكـــيـــف يــتــحــوَّل الـبـيـت إلـــى ذاكـــــرة، وكــيــف يـنـتـج المجتمع فضاءه، وكيف تكشف المدينة الحديثة عن اغترابها حين تهدم معالمها وتعيد تشكيل الناس وفق منطق القوة والرأسمال. اســــــتــــــدعــــــاء الــــســــلــــطــــانــــي لــــبــــاشــــار ولوفيفر وماسي يمنح هـذا الفصل عمقا اسـتـثـنـائـيـا. فــالمــكــان عــنــد بـــاشـــار مـــأوى للخيال والـــذاكـــرة، والـفـضـاء عند لوفيفر نـتـاج اجـتـمـاعـي وسـيـاسـي، وعـنـد ماسي مجال مفتوح لتزامن القصص وتعددها. عـــبـــر هـــــذه الإضــــــــــاءات، لا تـــعـــود قـصـيـدة هـــاروود وصفا لمنظر أو انتقالا بـن مدن بـقـدر مـا هـي اخـتـبـار لعلاقة الإنــسـان بما حـــولـــه. فـحـن يـسـتـقـر الــشــاعــر فـــي الـريـف بــعــد تــقــلــب عــبــر المـــنـــافـــي الــقــلــقــة، يصبح المكان مصالحة داخلية، فتتراجع أشباح الغربة، وتتبلسم جروح الترحال، وتتدفق رغبة عميقة فـي أن يكون الإنـسـان هناك، في جسد واحـد، وعينين في علاقة توحد مــع الــتــراب والــضــوء والــحــقــول. عـنـد هـذه اللحظة، يقترب الشعر من درجـة الحكمة الـــــهـــــادئـــــة: الــــــوجــــــود يــــحــــتــــاج إلـــــــى مـــكـــان يـصـدّقـه، والمــكــان يحتاج إلــى لغة تجعله مأهولا بالمعنى. أمــــــــا الــــفــــصــــل الــــــثــــــالــــــث، المـــخـــصـــص لأوهــــــارا، فيمثل ذروة أخــــرى فــي الـكـتـاب تـنـقـل الــتــأمــل مــن قـضـايـا الــهــويــة والمــكــان إلى جماليات اليومي والأشياء الصغيرة. الــــســــلــــطــــانــــي يـــــقـــــرأ الـــــشـــــاعـــــر الأمــــيــــركــــي خــــارج الـتـصـنـيـف المـــريـــح والمــبــاشــر الـــذي يـحـصـره فــي مــدرســة نــيــويــورك، ويمنحه خصوصيته بوصفه مبدعا اقترف جريمة جعل الحياة اليومية مادة شعرية كاملة. فـنـجـان الــقــهــوة، والــــشــــوارع، والـشـطـائـر، وأضواء النيون، ووجبة الغداء، والوجوه العابرة، والجريدة اليومية، والأشياء التي تبدو عادية جـداً، كلها تدخل عند أوهـارا في نسيج القصيدة بوصفها إشارات إلى امــتــاء الــعــالــم. إنّـــه يـتـجـرأ عـلـى أن يهبط بالشعر إلـى الـشـارع كي يرفعه من جديد إلـــى مـسـتـوى الـــوجـــود، وفـــي ذلـــك لا يقوم بتجميل الــعــادي، وإنـمـا يستدعي طاقته الداخلية. الأشياء في شعره لا تحتاج إلى نبل خـارجـي كـي تصير مـــادّة شـعـريّــة، إذ حضورها الفيزيائي نفسه يحمل دلالــة، وصـابـتـهـا الـيـومـيـة تمنحها قــــدرة على مقاومة الفراغ. وهكذا تتأسس «جماليات الأشــــيــــاء الـــصـــغـــيـــرة» الـــتـــي يــحــتــفــي بـهـا الــســلــطــانــي: الــشــعــر قـــــادر عــلــى أن يمكن القارئ من رؤية ما اعتاد الآخرون تجاوزه، وأن يــعــيــد إلــــى الـــعـــن دهــشــتــهــا الأولـــــى. فــي هـــذه الـــرؤيـــة، يـصـبـح الــيــومــي مـيـدانـا فلسفياً، والتفاصيل العابرة علامات على وحـــدة الـحـيـاة والمـــــوت، والــســرعــة وهـــدوء التأمل، والمدينة والفرد، والعادي والرفيع السامي. الــــافــــت فــــي الـــكـــتـــاب أن الــســلــطــانــي يـتـعـامـل مــع الــشــعــراء الأربـــعـــة بتجاربهم المــتــبــاعــدة كــأســمــاء مـــتـــجـــاورة ومـــســـارات متداخلة في ســؤال واحــد: كيف يستطيع الشعر أن يقارع العالم ويفهمه؟ والكوت وإيــفــارســتــو يـــبـــارزان الــتــاريــخ مــن جانب الـــذاكـــرة والـــهـــويـــة، وهــــــاروود يـشـتـبـك مع الاغــــتــــراب عــلــى جــبــهــة المـــكـــان والـــفـــضـــاء، بينما أوهـارا يحارب البلادة الحديثة من بــوابــة الأشــيــاء الـصـغـيـرة وإيــقــاع الحياة اليومية. وفي كل حالة، تتحوَّل القصيدة إلـى وسيلة مقاومة معرفية تعيد تنظيم الحساسية الإنسانية تجاه تجربة العيش برمتها. تــــقــــرأ الــــكــــتــــاب فــتـــحـــضـــر فـــــي الـــذهـــن فكرة الشعر كوليمة تنعش القلب: تجربة مشاركة، وتـذوق، وإصغاء، وانفتاح على طـبـقـات مــتــعــددة مــن المــعــنــى. كــتــاب يـقـدِّم الـشـعـر بــهــذه الــــــروح، كــمــائــدة تـغـص بما لـــذ وطـــاب مــن عناقيد الـتـاريـخ والفلسفة والذاكرة والجمال، لا شك يغري بالتورط في علاقة أكثر عمقا مع الأدب. فالقصيدة الــجــيــدة، كـمـا تــوحــي الـنــصــوص الـثـاثـة، تمنح قـارءهـا زادا فكريا وروحـيـا فـي آن، لأنها تعطي الألم شكلاً، والضياع اتجاهاً، والتفاصيل العابرة مقاما في الوعي. تتمظهر قـــوة المــراجــعــة الـنـقـديـة لـدى الـسـلـطـانـي فـــي مـيـلـهـا إلــــى الــــتــــوازن. فهو يـشـتـبـك مـــع الـــحـــداثـــة ومــــا بــعــدهــا والإرث الـــكـــولـــونـــيـــالـــي ونـــظـــريـــات المــــكــــان والـــلـــغـــة، مــــــن مـــــوقـــــع يــــقــــظ يـــبـــتـــعـــد عــــــن الانــــفــــعــــال الآيـديـولـوجـي الـجـاهـز، فـا يختزل الشعر فــــي الـــســـيـــاســـة أو يــفــصــلــه عــــن الـــتـــاريـــخ، ويـــضـــعـــه، فــــي المـــقـــابـــل، قـــيـــد مــنــطــقــة أكــثــر خصوبة، يكون الفعل الجمالي فيها ممرا لإدراك العالم. وهذا ما يجعل الكتاب جديرا بــالــقــراءة، إذ يعبر بـالـشـعـراء وعملهم من صـــرامـــة الـتـحـلـيـل الــنــقــدي الأكـــاديـــمـــي إلـى فضاء تصبح فيه القصيدة تجربة إنسانية كـامـلـة، تــواجــه الـكـسـر، وتستعيد المعنى، وتؤسس للإنسان قـدرة أوسـع على تجرّع غموض المصير، وقلق الوجود. «الإرث الـكـولـونـيـالـي والــحــداثــة ومـا بــعــد الـــحـــداثـــة» قـــــراءة عـمـيـقـة فـــي الـشـعـر بــوصــفــه فــنــا لـلـنـجـاة المــعــرفــيــة. فـالـهـويـة فـيـه ليست معطى نـهـائـيـا، والمـــكـــان ليس خـلـفـيـة مــحــايــدة، والــيــومــي لـيـس سطحا فـارغـا، وكـل شـيء يتحول داخـل القصيدة إلـــــى ســـــــؤال: الاســـــــم، والـــبـــيـــت، والمـــديـــنـــة، والـعـبـوديـة، والمـنـفـى، وأضــــواء الـطـرقـات، وعـلـبـة الــقــهــوة، والــبــحــر، والــــذاكــــرة. بهذا الاتـــســـاع، وبـــهــذه الـــجـــرأة، يـصـبـح الشعر ساحة لمواجهة العالم عبر فهمه، ووسيلة لإعادة بناء الذات وسط العنف التاريخي وتحولات الأزمنة. ندى حطيط
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky