issue17383

7 تحقيق FEATURES Issue 17383 - العدد Thursday - 2026/7/2 اخلميس على مدى عقدين، قام النظام في العراق على توازن ملتبس... ال هو محميّة أميركية وال تابع مطلق إليران ASHARQ AL-AWSAT بغداد ساحة جديدة للمواجهة األميركية ــ اإليرانية المقبلة أتـــاح االتـفـاق املرحلي بـن واشنطن وطـــهـــران وقــفــا إلطــــاق الـــنـــار، وتـأسـيـس مـرحـلـة جـــديـــدة مـــن املـــفـــاوضـــات املـقـبـلـة. ومــــن املـــرجـــح أن يــقــلــل هــــذا االتــــفــــاق من احــــتــــمــــاالت انـــــــــدالع مــــواجــــهــــة عــســكــريــة مـــبـــاشـــرة عـــلـــى املــــــدى الـــقـــصـــيـــر، لــكــنــه ال يــحــل أيــــا مـــن املــلــفــات األســـاســـيـــة الــتــي ال تـــزال مـوضـع خــاف عميق بـن الـواليـات املتحدة وإيران في الشرق األوسط، بل إن املنافسة بينهما تميل، على العكس، إلى االنتقال نحو ساحات ال تزال مصالحهما تتقاطع فيها، ويأتي العراق في مقدمتها. بـالـنـسـبـة إلــــى بـــغـــداد، يــنــطــوي هــذا التطور على مفارقة واضحة. فمن جهة، قـد يتيح االنـفـراج النسبي بـن واشنطن وطـــــهـــــران لـــحـــكـــومـــة عـــلـــي فــــالــــح الــــزيــــدي هامشا إضافيا ملواصلة إصلحاتها، من دون أن تتحمل بصورة مباشرة تداعيات أي تـصـعـيـد إقـلـيـمـي. ومـــن جـهـة أخـــرى، قـــد يـــــؤدي هــــذا االنــــفــــراج نـفـسـه إلــــى نقل سـاحـة الـتـنـافـس بــن الـقـوتـن إلـــى داخــل املؤسسات العراقية، بحيث تصبح الدولة العراقية هي ميدان الصراع الرئيسي. إضــافــة إلـــى ذلـــك، يعيد االتــفــاق بي واشنطن وطهران فتح امللف العراقي على جبهات جيوسياسية أخرى. فـمـن املـتـوقـع أن تعمل دول الخليج على تسريع استراتيجياتها الرامية إلى ترسيخ مصالحها اإلقليمية، ال سيما في ما يتعلق بالعراق وسوريا ولبنان. وفي الــوقــت نـفـسـه، ستسعى تـركـيـا، تـحـديـدًا عبر استراتيجيتها الجيوسياسية في مجالي الطاقة والـربـط اللوجستي، إلى تـعـزيـز مـوقـعـهـا فـــي الـــعـــراق. أمـــا الـصـن وروســيــا، فـسـتـحـاوالن بـدورهـمـا تثبيت حــــضــــورهــــمــــا فـــيـــمـــا تــــعــــدانــــه «الـــجـــبـــهـــة الجنوبية» للهجوم األميركي ــ والغربي عموما ــ في الفضاء األوراســـي، أي إيـران (إلـــــى جـــانـــب الــجــبــهــة الــغــربــيــة املـتـمـثـلـة بــأوكــرانــيــا، والـجـبـهـة الـشـرقـيـة املتمثلة بـــتـــايـــوان) ومـــا يـحـيـط بـهـا مـــن فــضــاءات اتصال وامتداد. ومـن املفترض أن يتمكن الـعـراق من االســـتـــفـــادة مـــن هــــذه املــنــافــســة الــجــديــدة عـــلـــى الـــنـــفـــوذ اإلقـــلـــيـــمـــي، وال ســيــمــا مـن خـــال جـــذب االســتــثــمــارات االقـتـصـاديـة، والحصول على دعم أكبر ملسار التطبيع واالندماج اإلقليمي. وســـــــــــوف يــــنــــعــــكــــس هـــــــــذا الــــتــــحــــول الــجــيــوســيــاســي، بـــصـــورة حــتــمــيــة، على مــــوقــــع الـــــعـــــراق داخـــــــل الـــتـــنـــافـــس الـقـائـم بـن واشـنـطـن وطــهــران. فعلى امــتــداد ما يـقـرب مـن عـقـديـن، قــام الـنـظـام السياسي الـــعـــراقـــي عـــلـــى تـــــــوازن مــلــتــبــس؛ فــــا هـو محمية أميركية، وال تابع مطلق إليـران، بــل فــضــاء مـفـتـوح لـلـتـفـاوض الـــدائـــم بي الـتـأثـيـرات الـخـارجـيـة، والـنـخـب املحلية، واألحـزاب الطائفية، والفصائل املسلحة، واملؤسسات الهشة، واالقتصاد الريعي. وأتـاح هذا النموذج، رغم هشاشته، قدرًا من االستقرار النسبي طوال سنوات، إال أن املؤشرات الحالية توحي بأنه يدخل الـيـوم مرحلة جــديــدة، يُــفـتـرض أن تتجه نحو ترسيخ الدولة ومؤسساتها. تحول في السياسة األميركية يبدو أن إدارة ترمب لم تعد مستعدة لـلـقـبـول الــكــامــل بـاملـنـطـق الـضـمـنـي الـــذي حــــكــــم املــــلــــف الـــــعـــــراقـــــي خـــــــال الــــســــنــــوات املـــاضـــيـــة، والـــقـــائـــم عــلــى نــــوع مـــن اإلدارة املشتركة، املباشرة أو غير املـبـاشـرة، بي واشنطن وطهران. فـــالـــرســـائـــل الـــتـــي صـــــدرت حــتــى اآلن تـــشـــيـــر إلــــــى تــــوجــــه أمــــيــــركــــي يــــقــــوم عـلـى إرســـــــاء نـــفـــوذ طـــويـــل األمـــــــد، يــســتــنــد إلـــى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية نفسها، بـحـيـث يـــــؤدي هــــذا الــتــعــزيــز، عــبــر أدوات تكنوقراطية، وربـمـا أيـضـا مـن خــال قدر أكبر من الحياد اآليديولوجي، إلى ترجيح كفة املصالح الوطنية العراقية، ال سيما االقــتــصــاديــة مـنـهـا، عـلـى حــســاب الـنـفـوذ اإليراني. ويـبـدو أن عــددًا مـن املـسـؤولـن داخـل اإلدارة األمــيــركــيــة يـتـبـنـون هـــذه الـــرؤيـــة؛ إذ يـــؤكـــدون أن الـــعـــراق يـمـكـنـه أن يتحرر تدريجيا من اعتماده على الدعم اإليراني إذا ما استعادت مؤسسات الدولة العراقية مصداقيتها وفاعليتها. وفي وقت يقترب فيه موعد االنسحاب الـعـسـكـري األمــيــركــي، املــقــرر فــي سبتمبر ، تـــبـــدو املـــقـــاربـــة األمــنــيــة 2026 ) (أيـــــلـــــول الـبـحـتـة غــيــر كــافــيــة، ال سـيـمـا إذا أخــذنــا فـي الحسبان أن عمليات اسـتـهـداف قـادة الفصائل املسلحة وبناها التنظيمية، لم تؤد إلى تغيير حقيقي في موازين القوى. ومــــــن بـــــن أبـــــــرز املــــدافــــعــــن عـــــن هـــذا التوجه يبرز توم برّاك، الذي يحتل موقعا خـاصــا داخـــل هـــذه املــقــاربــة. فـهـو السفير األمـيـركـي لـــدى تـركـيـا، وأحـــد املـقـربـن من دونالد ترمب، كما يُعرف بعلقته الوثيقة بــالــرئــيــس الــتــركــي رجــــب طــيــب إردوغــــــان واحـــــد أبـــــرز املـــدافـــعـــن عـــن فـاعـلـيـة الـنـظـم املركزية (بـل حتى التسلطية) فـي أحـداث انتقال، وهو اليوم أحد أبـرز الفاعلي في امللفي السوري والعراقي. وينتمي برّاك إلى املدرسة الكلسيكية التي تـرى أن أي نفوذ مستدام في الشرق األوســـــط ال يـمـكـن أن يــقــوم مـــن دون دول مـركـزيـة تتمتع بحد أدنـــى مـن املصداقية السياسية واملؤسساتية. مـن هـنـا، يدعم برّاك في سوريا مسارًا براغماتيا لتطبيع الــعــاقــات مــع الـحـكـم الـجـديـد فــي دمـشـق، بينما ينعكس األمر في العراق في اهتمام خاص بتعزيز دور بغداد، من دون إغفال أهمية أربيل ومكانتها. توتر بغداد ـــ أربيل لــــهــــذا الـــســـبـــب يـــنـــبـــغـــي فـــهـــم إعــــــادة تـنـشـيـط عــــدد مـــن املـــلـــفـــات خــــال الــفــتــرة األخـيـرة؛ فاملساعي الرامية إلـى تخفيف الـتـوتـر بــن بــغــداد وأربـــيـــل، والــرغــبــة في تشجيع تنسيق أوثق بي بغداد ودمشق، وكذلك االهتمام املتجدد ببعض املشاريع اإلقــلــيــمــيــة، ال تــعــكــس مـــجـــرد اعـــتـــبـــارات دبـلـومـاسـيـة، بــل تــنــدرج جميعها ضمن مــنــطــق واحـــــــد، يـتــمـثــل فــــي تـعـزيـز قــــدرة الـدولـة العراقية تدريجيا على استعادة دورهــــــــا بـــوصـــفـــهـــا الـــفـــاعـــل املـــــركـــــزي فـي التوازنات اإلقليمية. وسيؤدي التوصل إلـــــــى تــــســــويــــة لــــلــــخــــافــــات املــــزمــــنــــة بــن الـحـكـومـة االتــحــاديــة وإقـلـيـم كـردسـتـان ــ سواء فيما يتعلق باملوازنة، أو صادرات النفط، أو إدارة مــوارد الطاقة، أو توزيع الـصـاحـيـات ــــ إلـــى تـعـزيـز مــوقــع بــغــداد، ومــــن ثـــم إلــــى تـقـويـة مــوقــع عـلـي الــزيــدي نفسه. وينطبق املنطق نفسه على العلقات بي بغداد ودمشق؛ إذ يبدو أن السلطات األمـــيـــركـــيـــة (تــــحــــت تـــأثـــيـــر بـــــــــرّاك) بــاتــت تفضل اليوم قيام تنسيق براغماتي بي العاصمتي، رغبة في تحقيق االستقرار في منطقة حدودية أصبحت ذات أهمية بالغة لألمن اإلقليمي. فل تزال الحدود العراقية - السورية تــمــثــل رهـــانـــا اســتــراتــيــجــيــا رئــيــســيــا في مكافحة الـجـمـاعـات املـسـلـحـة، وعمليات التهريب، لكنها، أيضا يمكن أن تستعيد دورها فضاء للتبادل االقتصادي وحركة الطاقة. وفــــي هــــذا الـــســـيـــاق، تـسـتـعـيـد فـكـرة إعـــــــادة تــشــغــيــل خــــط أنـــابـــيـــب كــــركــــوك – بــانــيــاس أهــمــيــة خـــاصـــة؛ فــهــذا املــشــروع يحمل أيضا دالالت جيوسياسية عميقة، ومن شأنه أن يوفر للعراق منفذًا إضافيا لـــتـــصـــديـــر نـــفـــطـــه عـــبـــر الـــبـــحـــر األبـــيـــض املتوسط، يقلل، ولو جزئيا، من اعتماده عــلــى املــــســــارات الــحــالــيــة الـــتـــي تــمــر عبر الخليج أو تركيا. الحكم في ظل القيود المالية غـيـر أن حـكـومـة عـلـي الـــزيـــدي ورثـــت أوضـــــاعـــــا مـــالـــيـــة مـــــتـــــدهـــــورة. وتــقــلــصــت هــــوامــــش حـــركـــة الـــــدولـــــة بــــصــــورة كــبــيــرة نـتـيـجـة االلــــتــــزامــــات الـــتـــي تـــراكـــمـــت خــال الـــــــســـــــنـــــــوات األخــــــــــيــــــــــرة، خـــــصـــــوصـــــا فـــي عــهــد حــكــومــة مــحــمــد شـــيـــاع الـــســـودانـــي. وبــاتــت كـتـلـة الـــرواتـــب فــي الــقــطــاع الــعــام، واإلنـفـاق االجتماعي، والـديـون الداخلية، وااللـــتـــزامـــات املــالــيــة املـخـتـلـفـة، تستنزف جـــــزءًا كــبــيــرًا مـــن مــــــوارد الــــدولــــة. يـضـاف إلـــى ذلـــك مــا يـحـيـط بـــصـــادرات الـنـفـط من صعوبات. ومن ثم، فإن األزمة الحالية ال تعكس مـجـرد ظـــرف اقـتـصـادي عــابــر، بــل تكشف الــــحــــدود الــبــنــيــويــة لــلــنــمــوذج الـسـيـاسـي واالقــــتــــصــــادي الــــــذي تـــأســـس فــــي الـــعـــراق حـــيـــث تـــحـــولـــت الــــدولــــة 2003 بـــعـــد عــــــام العراقية تدريجيا إلى آلية واسعة إلعادة تــوزيــع الــريــع الـنـفـطـي. وأصـبـحـت رواتـــب املوظفي، ومعاشات التقاعد، واإلعـانـات االجـــــتـــــمـــــاعـــــيـــــة، والـــــعـــــقـــــود الـــحـــكـــومـــيـــة، والـــشـــركـــات الـــعـــامـــة، وشــبــكــات املـــقـــاوالت الـثـانـويـة، تشكل األدوات األسـاسـيـة التي يــــجــــري مـــــن خـــالـــهـــا تـــنـــظـــيـــم الــــتــــوازنــــن السياسي واالجتماعي. ويــــعــــتــــمــــد بــــــصــــــورة مـــــبـــــاشـــــرة عــلــى مــايــن 5 املـــالـــيـــة الـــعـــامـــة مــــا يــــقــــرب مــــن مـــوظـــف حـــكـــومـــي، يـــضـــاف إلــيــهــم مـايـن املتقاعدين واملستفيدين من برامج الرعاية االجتماعية. وأي اضطراب طويل األمد في هـذا النظام قـد يــؤدي سريعا إلـى انفجار تــــوتــــرات اجــتــمــاعــيــة واســــعــــة، ويـــزيـــد من هـشـاشـة حـكـومــة تـــواجـــه أصــــا تـحـديـات سياسية متعددة ومتزامنة. أمـــا الــخــيــارات املـتـاحـة أمــــام السلطة الــتــنــفــيــذيــة، فــتــظــل مــــحــــدودة؛ فــقــد يـوفـر إصــــــــــدار الـــــســـــنـــــدات الـــحـــكـــومـــيـــة ســـيـــولـــة مالية مؤقتة، لكنه لـن يعالج االخـتـاالت الـبـنـيـويـة الـعـمـيـقـة، كــمــا أن الــلــجــوء إلــى االقـــتـــراض الـداخـلـي يبقى مـقـيـدًا بضعف الــــســــيــــولــــة املـــــتـــــوافـــــرة داخـــــــــل االقــــتــــصــــاد العراقي. ويبقى خيار االستعانة بالبنك الــدولــي أو صـنـدوق النقد الــدولــي قائما، غير أنه سيقترن بشروط صارمة. وقد تسهم هذه اإلجراءات في طمأنة الــــشــــركــــاء الــــدولــــيــــن، لــكــنــهــا تـــحـــمـــل فـي املقابل مخاطر تغذية حالة من االستياء االجتماعي في بلد ال تزال الدولة فيه تمثل صــاحــب الـعـمـل األكـــبـــر، كـمـا تـمـثـل شبكة األمان األساسية التي تمتص آثار األزمات االقتصادية. الفصائل بين المأسسة وإعادة التشكل ترتبط األزمة االقتصادية في العراق ارتباطا وثيقا باملسألة األمنية؛ ألن الدولة لــم تـعـد مــجــرد دولــــة ريـعـيـة تــــوزع عـوائـد الــنــفــط، بـــل أصـبـحـت فـــضـــاء تــتــداخــل فيه مــؤســســات الـــدولـــة مـــع شــبــكــات سياسية وإداريــة واقتصادية وعسكرية متشابكة، تتغذى جميعها، بــدرجــات مـتـفـاوتـة، من الـريـع الــعــام. ومــن هـنـا، لـم تعد الفصائل املـــســـلـــحـــة تـــســـتـــمـــد قـــوتـــهـــا مـــــن قـــدراتـــهـــا العسكرية وحدها، بل من عملية مأسسة طويلة شهدتها خلل العقدين املاضيي، جعلتها تمتلك امـــتـــدادات داخـــل الـبـرملـان والسلطة التنفيذية، وحضورًا في أجهزة اإلدارة الـعـامـة، ومــــوارد مـالـيـة، وشبكات ومـــكـــاتـــب اقــــتــــصــــاديــــة، ومـــكـــاتـــب حــمــايــة لـلـعـمـل مـــع الــشــركــات الـنـفـطـيـة، ووســائــل إعــــام، ومـنـظـمـات اجـتـمـاعـيـة، فــضــا عن بعض «الشرعية» التي اكتسبها عدد منها خلل الحرب ضد تنظيم «داعش». وبذلك، فإن النظر إلى هذه الفصائل بـوصـفـهـا مــجــرد جــمــاعــات مـسـلـحـة تقف خـــــــارج الـــــدولـــــة لـــــم يـــعـــد يـــعـــكـــس الــــواقــــع ؛ لهذا، 2003 العراقي كما تشكل بعد عـام فإن التداخل بي الدولة والفصائل لم يعد مجرد اختراق ملؤسسات الدولة، بل أصبح جزءًا من طريقة اشتغالها نفسها. وهـذا الواقع يدعو أيضا إلى تجاوز تبسيط آخر كثيرًا ما يتكرر في األدبيات الغربية، وهــو اخـتـزال هــذه الفصائل في كونها «أذرعــا إيرانية»؛ فليست جميعها على الدرجة نفسها من القرب من طهران، وال تتمتع باملستوى نفسه مـن االرتـبـاط الــســيــاســي أو الــعــســكــري بـــهـــا؛ فبعضها يمتلك هـامـشـا مـعـتـبـرًا مــن االسـتـقـالـيـة، ويضع حساباته العراقية في املقام األول، بينما يبقى بعضها اآلخـر أكثر اندماجا فــي الـشـبـكـات اإلقـلـيـمـيـة لــطــهــران؛ ولـذلـك يـبـدو أدق الـحـديـث عــن «فـصـائـل عراقية قـريـبـة مــن إيـــــران» بــــدال مــن اخـتـزالـهـا في كونها مجرد امــتــدادات مباشرة لها؛ ألن هـــــذا االخـــــتـــــزال يــحــجــب الـــتـــحـــوالت الــتــي عرفتها هـــذه التنظيمات داخـــل املجتمع والدولة العراقيي. وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لفهم النقاشات حول مستقبل الفصائل؛ إذ يبدو أن قسما منها أصبح مستعدًا لبحث تنظيم وضـعـه تـدريـجـيـا، بينما ال تــدور املفاوضات القائمة مع الحكومة حول نزع السلح بصورة فورية، بقدر ما تتمحور حــــول تـعـمـيـق انــــدمــــاج هــــذه الـتـنـظـيـمـات داخــــل «هـيـئـة الـحـشـد الـشـعـبـي»، وإقــامــة فـــصـــل أوضـــــــح بـــــن الــــنــــشــــاط الـــســـيـــاســـي والقيادة العسكرية. وفي املقابل، تبدي تنظيمات أخرى، وفي مقدمتها «كتائب حزب الله»، و«حركة الـــنـــجـــبـــاء»، و«كـــتـــائـــب ســـيـــد الـــشـــهـــداء»، تحفظا أكبر تجاه أي مسار يمكن أن يؤدي إلــى تقليص هـامـش استقللها أو إعــادة تعريف علقتها بالدولة. غـيـر أن الـــســـؤال الـحـقـيـقـي ال يتعلق بـــمـــدى واقـــعـــيـــة الـــفـــصـــل بــــن الــجــنــاحــن الــســيــاســي والــعـــســكـــري بـــقـــدر مـــا يتعلق بطبيعة الــدولــة نفسها. فهل يمكن فعل الــفــصــل بـــن الــســيــاســة والــــســــاح، بينما كـاهـمـا يـتـحـرك ضـمـن البنية املؤسسية نـــفـــســـهـــا؟ وهـــــــل يـــمـــكـــن تـــطـــبـــيـــق نــــمــــاذج تـقـلـيـديـة لــنــزع الـــســـاح، وإعـــــادة اإلدمــــاج على تنظيمات لم تعد تقف خارج الدولة؟ والــيــوم، لـم تعد الفصائل تـدافـع عن ترساناتها العسكرية، بقدر ما تدافع عن مواقعها داخــل الـدولـة، وعـن حصتها من املوارد العامة، وعن شبكاتها االقتصادية، وعــــــن جـــمـــهـــور اجـــتـــمـــاعـــي بــــــات يــعــتــمــد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ما تـــوفـــره مـــن وظـــائـــف، ورواتــــــب، وخــدمــات، ورعـــايـــة. وتـشـيـر الــتــقــديــرات إلـــى أن عـدد 300 ألف و 200 املنتسبي إليها يتراوح بي ألف عنصر، وهو رقم يعني، مع احتساب أســـرهـــم، أن مـــايـــن الــعــراقــيــن أصـبـحـوا مرتبطي بهذه املنظومة بدرجات مختلفة؛ ولهذا، فإن أي مشروع إلعادة هيكلتها أو تقليص دورهـا سيجد نفسه أمام معادلة شــديــدة التعقيد: ضـغـوط أمـيـركـيـة تدفع باتجاه حصر السلح بيد الدولة، ونفوذ إيـرانـي يسعى إلــى الحفاظ على جــزء من منظومة الردع اإلقليمية، ومصالح محلية واســعــة أصـبـحـت تـــرى فــي اســتــمــرار هـذه الـفـصـائـل ضـمـانـا ملـواقـعـهـا االقـتـصـاديـة والسياسية. وعـلـيـه، لــم يـعـد الـــســـؤال: كـيـف يمكن نزع سلح الفصائل؟ بل كيف يمكن إعادة بناء دولة؟ الزمن بوصفه عنصرا في ميزان القوى يــضــاف إلـــى هـــذا الـتـعـقـيـد املـؤسـسـي بـــعـــد آخـــــر غـــالـــبـــا مــــا يـــجـــري الــتــقــلــيــل مـن أهـمـيـتـه، هــو الـعـاقـة بـالـزمـن. فـالـواليـات املتحدة تفكر عادة وفق أفق زمني سياسي قـــصـــيـــر نـــســـبـــيـــا، تـــحـــكـــمـــه مـــــــدة الـــــواليـــــة الــرئــاســيــة، والــبــحــث عـــن نـتـائـج سـريـعـة، واالستحقاقات الدبلوماسية القريبة. أمــــا الــفــصــائــل الــعــراقــيــة الــقــريــبــة من إيران، شأنها شأن طهران نفسها، فتتحرك ضــمــن أفــــق زمـــنـــي مـخـتـلـف تـــمـــامـــا؛ فهي تـعـرف كيف تنتظر، وكـيـف تـؤجـل اتخاذ الــــــقــــــرارات، وكـــيـــف تــســتــوعــب الـــضـــغـــوط، وتكثر من الوساطات، وتحول الزمن نفسه إلى مورد سياسي. وفــــي الــــعــــراق، يـشـكـل الـــزمـــن فـــي حد ذاته أحد عناصر ميزان القوى؛ فالفاعلون األكــــــثــــــر رســــــوخــــــا هــــــم الــــــذيــــــن يــــعــــرفــــون كــيــف يــصــمــدون أمـــــام تـغـيـر الــحــكــومــات، والــعــقــوبــات الـــدولـــيـــة، وتـــبـــدل الــتــوازنــات السياسية، واألزمات اإلقليمية. وهــــــذه الــــقــــدرة عـــلـــى الـــعـــمـــل بـمـنـطـق الزمن الطويل تفسر ملاذا أسفرت املحاوالت املتعاقبة إلعـادة هيكلة املجال األمني عن نتائج متواضعة. كما تساعد هذه الفوارق الزمنية على فهم الكيفية التي جـرى بها تلقي الحرب األخيرة بي إيران والواليات املــتــحــدة وإســـرائـــيـــل داخـــــل جــــزء مــهــم من املشهد السياسي العراقي. فقد ترسخ االعتقاد بأن إيران خرجت مــن هـــذه املــواجــهــة أكـثـر قـــوة مــن الناحية الـسـيـاسـيـة، وال يـعـنـي ذلـــك أن طــهــران لم تــتــكــبــد خـــســـائـــر، بــــل يــعــنــي بــبــســاطــة أن النظام اإليـرانـي لم يسقط، ولـم يُدفع إلى هــامــش املــعــادلــة اإلقـلـيـمـيـة، بـحـيـث يقول كثيرون الـيـوم: إذا كانت إيــران نفسها قد حـافـظـت عـلـى قـدراتـهـا اإلقـلـيـمـيـة، فلماذا تقدم الفصائل، داخل العراق، تنازالت؟ وفـي املحصلة، فـإن تحدي الحكومة الجديدة اليوم ليس في نجاحها في إدارة شــــؤون الـــبـــاد، بــل فــي مـعـرفـة مــا إذا كـان الـعـراق قـــادرًا، على إعـــادة بناء دولــة أكثر مــصــداقــيــة، ضـمـن الـــتـــوازنـــات السياسية الـقـائـمـة الــتــي وفــــرت قــــدرًا مـــن االســتــقــرار النسبي. وفــــــي هــــــذه املـــنـــطـــقـــة الــــفــــاصــــلــــة، بـن اإلصـاح واالستمرار، وبي سلطة الدولة وسلطة شبكات الـنـفـوذ والهيمنة، وبي اإليـقـاعـات الوطنية واإلقليمية املختلفة، سيتحدد، على األرجـــح، مستقبل العراق السياسي خلل السنوات املقبلة. *باحث في األنثروبولوجيا السياسية املركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي مايو 14 بعد أكثر من شهر على نيلها ثقة البرملان، في ، ال تــــزال حـكـومـة عـلـي الـــزيـــدي غـيـر مكتملة 2026 ) (أيـــــار حقائب وزارية لم تُحسم بعد، من 10 التشكيل، فما يقرب من بينها وزارتان تحتالن موقعًا محوريًا في بنية الدولة العراقية، هما الداخلية والدفاع. وفي بلد كثيرًا ما تولد فيه الحكومات بعد مفاوضات طويلة بني األحزاب، والكتل البرملانية، وشبكات النفوذ، والقوى اإلقليمية، قد يبدو هذا البطء مألوفًا، غير أن هــذا االنـطـبـاع ال يصح إال ظـاهـريـ؛ فـعـدم اكـتـمـال التشكيلة الحكومية ال يعكس الـصـعـوبـات املـعـتـادة املرتبطة بتقاسم املناصب فحسب، بل يكشف، قبل كل شـيء، أن التسويات التي أتاحت وصول علي الزيدي إلى السلطة لم تُفض بعد إلى توازن حكومي حقيقي. وبذلك، يتمتع رئيس الوزراء بشرعية برملانية، لكنه ال يسيطر بصورة كاملة على جهازه التنفيذي. وحكومته قائمة قانونيًا، لكنها تبقى ناقصة سياسيًا. ولم تعد املسألة األساسية تتمثل في استكمال تشكيل الحكومة، بـــل فـــي هــامــش املـــنـــاورة الــــذي سـيُــمـنـح لـــه لتنفيذ بـرنـامـجـه السياسي واالقتصادي واألمني. فهل سيكون علي الزيدي مجرد مدير لتسوية أبرمتها القوى الرئيسية داخل املعسكر الشيعي، أم سيتمكن تدريجيًا من تحويل هذه التسوية إلى رافعة حقيقية للعمل السياسي، واستعادة جزء، ولو محدود، من قدرة الدولة العراقية على املبادرة؟ نفوذ الفصائل يتجاوز السالح... وحكومة الزيدي أمام «امتحان الدولة» *هشام داود صورة أرشيفية لمقاتلي إحدى الميليشيات العراقية في شمال غربي مدينة تكريت بالعراق (رويترز)

RkJQdWJsaXNoZXIy MjA1OTI0OQ==