من كبرى المشكلات التي يواجهها قطاع الذكاء الاصـطـنـاعـي فــي الــصــن هــي عـــدم ابـتـكـار أي شركة لتطبيق ذكاء اصطناعي ممتاز وساحق. لقد اندفعت شركات التكنولوجيا العملاقة والشركات الناشئة، على حد سواء، نحو السوق، وأحدثت قدرا كبيرا من الإثـارة، لكن المنافسة جعلت من الصعب على أي من هذه المنتجات التميز عن الآخرين. مــــع ذلــــــك، مــــــاذا لــــو كـــــان مـــخـــبَّـــأ عـــلـــى مــــــرأى مـن الجميع طوال الوقت؟ أكـــــدت شـــركـــة «تـيـنـسـنـت هــولــديــنــغــز لـيـمـتـيـد» خــال الأسـبـوع الـحـالـي، أنـهـا تختبر «مساعد ذكـاء اصطناعي» أصيلا داخل تطبيق «وي تشات»، وهو الـتـطـبـيـق الــفــائــق الــــذي يـسـتـخـدمـه أكــثــر مـــن مـلـيـار شخص، والـذي يُمثل أيضا نوعا من البنية الرقمية للحياة اليومية فـي أكـبـر ثـانـي اقتصاد فـي العالم. ولطالما صُنفت الشركة، التي يوجد مقرها في مدينة شنغن (شينتشين)، بأنها بطيئة في سباق التدافع بعالم الـذكـاء الاصطناعي المحلي، مقارنة بشركات أخــرى أكثر عدائية مثل «علي بابا غــروب هولدينغ ليمتيد» و«بايت دانس ليمتيد». وهي تكشف حاليا عن الأمر الذي كانت تخبئه طوال ذلك الوقت. يُــمـثـل «وي تـــشـــات»، الــــذي يُـــعـــرف أيــضــا بـاسـم «ويسين»، نوعا من خندق مائي لا يمكن للمنافسين أن يــروه إلا فـي أحلامهم. ويمكن، إذا مـا نُفذ بشكل صــحــيــح، أن يـصـبـح نــظــامــا بـيـئـيـا مـثـالـيـا لـتـدشـن وكـــاء؛ حيث تتميز المرحلة المقبلة مـن سباق تبني الــذكــاء الاصـطـنـاعـي بـوجـود أنظمة تـتـجـاوز برامج الدردشة، وتتخذ المواقف نيابة عن المستخدم. وفــــي الـــوقـــت الـــــذي يــتــم فــيــه اخـــتـــبـــار الـتـطـبـيـق وتجربته ضمن مجموعة صغيرة مــحــدودة، ذكـرت شـــركـــة «تـــيـــنـــســـنـــت» أن المـــســـتـــخـــدمـــن يـسـتـطـيـعـون التفاعل مع المساعد الجديد، الذي يُعرف أيضا باسم «سـيـاوي»، نصيا أو صوتيا داخـل التطبيق. وربما تكون هذه هي الخطوة الأولـى في بـزوغ «تينسنت» بقوة في عالم الذكاء الاصطناعي. يـفـهـم المـسـتـثـمـرون الأســـهـــم؛ حـيـث أدى ظـهـور تـــقـــاريـــر فـــي وقــــت مــبــكــر مـــن الــشــهــر الـــحـــالـــي، تُــفـيـد بعمل شـركـة «تينسنت» على وكـيـل لــــ«وي تـشـات»، إلى ارتفاع أسهم الشركة فيما يعد أكبر قفزة داخل . وفــي مـــارس (آذار) ذكــر موقع 2022 الـيـوم لها منذ «ذا إنــفــورمــيــشــن» أن الـــشـــركـــة تـصـنـع وكـــيـــل ذكـــاء اصــطــنــاعــي جـــديـــدا داخــــل تـطـبـيـقـهـا الـــفـــائـــق، ضمن مبادرة «ذات أولوية كبيرة وسرية تامة» منذ نهاية العام الماضي. ويـعـد هـذا النهج المتكتم منطقيا بالنسبة إلى شـركـة لا تستطيع تحمل نتيجة حـــدوث أي أخطاء أخــــرى فـــي هـــذا الأمـــــر. إن «وي تـــشـــات» لـيـس مـجـرد منصة تـواصـل اجـتـمـاعـي، لكنها مساحة يستطيع الــــنــــاس مــــن خـــالـــهـــا الـــقـــيـــام بـــــأي شـــــيء بــــــدءا بــدفــع الفواتير، وصولا إلى إدارة الأعمال التجارية. يختلف السباق على تطوير الوكلاء عن التدافع الأولـــي نحو مـجـال الــذكــاء الاصـطـنـاعـي. ولا يتعلق الأمـر بعمل نماذج أكبر وأفضل فحسب، بل يتطلب أيضا الثقة والهوية والمدفوعات وإمكانية الوصول إلى خدمات في العالم الحقيقي حتى يصبح مفيداً. ولدى النظام البيئي لتطبيق «وي تشات» ما تحتاج إليه عملية إقامة بنية تحتية للوكلاء، سيكون من الصعب على المنافسين بناؤها من الصفر. وفي الوقت ذاتـه، ستكون تكلفة الفشل مرتفعة لـلـغـايـة. ويـمـكـن تـجـاهـل مـخـرجـات بـرنـامـج دردشـــة غير موثوق به، لكن وكيلا منحرفا وغير موثوق به يرتكب خطأ داخل التطبيق الفائق السائد في الصين قـد يتسبب فـي انـهـيـار الثقة بالمؤسسة على نطاق واسع. لذا، يستدعي الأمر نهجا حذرا ومحدوداً. وقد أبدى مستهلكون صينيون رغبة في تجربة الأدوات المستقلة الناشئة. وقد فتنت حالة الحماسة المتقدة تجاه مساعد الذكاء الاصطناعي «أوبن كلو» البلاد في بداية العام الحالي، وكان الخوف من التأخر هو ما منحها دفعة قوية. وتحركت شركة «تينسنت» سريعاً، وقدمت خدمات لمساعدة المستخدمين على تثبيت البرنامج ذي المصدر المفتوح، وتدشين أدوات مستقلة مثل «كيو كلو» و«وورك بادي». مـــع ذلـــــك، تـخـتـلـف تــجــربــة الـــنـــاس لــلــوكــيــل عن اعتياد المستخدمين الوثوق به يوميا داخـل تطبيق «وي تشات». وستكون كل إشـارة تصدر عن اختبار النسخة التجريبية (بيتا) الذي يخضع له «سياوي» مــهــمــة وذات قــيــمــة كـــبـــيـــرة، بــمــا فـــي ذلــــك مـــا يـرغـب المستخدمون في طلبه من التطبيق، والمواضع التي يترددون فيها، وما إذا كان ذلك يجعل «وي تشات» يبدو أكثر نفعا أم أكثر تدخلاً. إن نجاح التطبيق أبعد ما يكون عن الحتمية؛ حيث تختبر «أنت غروب كامبني» التابعة لمجموعة «علي بابا غـــروب» أيضا وكـيـا داخــل تطبيق فائق مـنـافـس هـــو «عــلــي بـــــاي»، والـــــذي يـمـكـن اسـتـخـدامـه لــحــجــز الـــســـيـــارات أو طــلــب كــــوب مـــن الـــقـــهـــوة. وقــد تــفــاعــلــت تــطــبــيــقــات الــــذكــــاء الاصـــطـــنـــاعـــي المـنـافـسـة وتـــوافـــقـــت مــــع المــســتــهــلــكــن بـــقـــدر أكـــبـــر مـــمـــا فـعـلـت منتجات «تينسنت». وسـجّــل تطبيق «دوبــــاو» من شركة «بايت دانس» أكثر من ضعف تنزيلات تطبيق «يـوانـبـاو» من «تينسنت» منذ بداية العام الحالي، حـسـب بــيــانــات مـنـصـة «سـيـنـسـور تــــــاور». وتــراجــع مستوى تنزيل تطبيق «دوباو» كثيرا في مايو (أيار) بعد إضافة شركة «بايت دانـس» مستويات متميزة مدفوعة الأجــر، ما يُشير إلـى عـدم رغبة المستهلكين في دفع المال مقابل الحصول على خصائص الذكاء الاصــطــنــاعــي، وقــــد يـمـثـل ذلــــك مـشـكـلـة بـالـنـظـر إلــى احتمال ارتفاع تكاليف برامج الوكلاء سريعاً. وهــــنــــاك تـــحـــد آخـــــر مــنــطــقــي، وهـــــو أن تـشـغـيـل وكــــاء داخــــل تـطـبـيـق يـسـتـخـدمـه مـلـيـار شـخـص قد يتطلب قوة معالجة هائلة، وليس من الواضح بعد ما إذا كانت شركة «تينسنت» قادرة على توفير تلك السعة التشغيلية أم لا. مـع ذلـــك، قليل مـن شركات الــتــكــنــولــوجــيــا لــديــهــا فـــرصـــة أفـــضـــل لــجــعــل الـــذكـــاء الاصطناعي القائم على الوكيل نافعا حقاً، أو حتى حتمياً، على هذا النطاق. إذا كانت شركة «تينسنت» قــادرة على التحكم في الأمر فلن تكون هناك حاجة إلى تصنيع تطبيق الــذكــاء الاصـطـنـاعـي الصيني الـسـاحـق مــن الصفر؛ مليار 1.4 حيث سيكون موجودا بالفعل في جيوب شخص. * بالاتفاق مع «بلومبرغ» الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17381 - العدد Tuesday - 2026/6/30 الثلاثاء لحسن حداد *كاثرين ثوربيك الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى اعتاد العالم أن ينظر إلى القوة من خلال الجيوش والـعـتـاد والمــعــارك والعقائد العسكرية. لكن الأحـــداث الأخيرة، من إغلاق مضيق هرمز في خضم الحرب مع إيــران، إلـى السّباق المحموم على الذكاء الاصطناعي، وصــــولا إلـــى الـتـنـافـس المـحـتـدم عـلـى المــعــادن الــنــادرة، بــدأت تكشف أن مـوازيـن القوى العالمية تشهد تحولا عميقا نحو منظومة جديدة. لـم تـعـد الجغرافيا السياسية وحــدَهــا هـي التي تــحــرك الــعــاقــات الــدولــيــة، بــل بــــرز مــا يـمـكـن تسميته «الـجـغـرافـيـا الاقــتــصــاديــة»، بوصفها مــحــددا رئيسيا للتنافس والــصــراع. ولا يُقصد بـذلـك مـجـرد المصالح الاقتصادية التي كانت دائما حاضرة، بصورة مباشرة أو ضمنية، في مختلف النزاعات، وإنَّما امتلاك مفاتيح مـــواقـــع جـغـرافـيـة بعينها تـكـتـسـب أهـمـيـة اقـتـصـاديـة عـــالمـــيـــة، بـحـيـث يـصـبـح الــتــحــكــم فـيـهـا أو فـــي المـــــوارد والبنى التي تحتضنها مصدر نفوذ استراتيجي لا يقل أهمية عن القوة العسكرية، بل قد يفوقها في كثير من الأحيان. أي إن الــجــغــرافــيــا لـــم تــعــد تُـــقـــاس بــمــا تـحـتـويـه الأرض فقط، بل بما تعبره من تدفقات، وما تنتجه من تكنولوجيا، وما تتحكم فيه من سلاسل قيمة عالمية. أصــبــحــت الــســيــطــرة عــلــى الــتــدفــقــات ذات أهـمـيـة قصوى، وربما أكثر من السيطرة على الأراضـــي. فقد انــتــقــل مـضـيـق هـــرمـــز مـــن مـــجـــرد مـضـيـق بـــحـــري إلــى شـــريـــان حــيــوي لـلـطـاقـة الــعــالمــيــة؛ نـقـطـة عــبــور ضيقة أصبحت تؤثر في أسعار الطاقة، ومعدلات التضخم، وتسهم فـي تجدد التقلبات السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة وغيرها. وأصبح التحكم في هذه العُقَد الاستراتيجية أكثر أهمية، في كثير من الأحيان، مـــن احـــتـــال الأراضــــــي نـفـسـهـا. فــالــقــوة الـــيـــوم لـــم تعد تُقاس فقط بالسيطرة على المجال الجغرافي، بل أيضا بـالـقـدرة على التحكم فـي تدفقات الـطـاقـة، والـتـجـارة، والـــبـــيـــانـــات، وأشـــبـــاه المــــوصــــات، والمــــعــــادن الـــنـــادرة، وغيرها من الموارد الاستراتيجية. أما المعركة الثانية فهي معركة الذكاء الاصطناعي والـــســـيـــادة الـتـكـنـولـوجـيـة. فــالــحــرب الــــبــــاردة الـــدائـــرة بـن الـصـن والــولايــات المتحدة لـم تعد مـجـرد تنافس اقتصادي تقليدي، بل تحولت إلى صراع على مفاتيح التكنولوجيا التي سترسم مـوازيـن القوة في العقود المـقـبـلـة. فـقـد أصـبـحـت أشــبــاه المـــوصـــات، والـبـيـانـات، والــحــوســبــة الــســحــابــيــة، والــبــنــيــة الـتـحـتـيـة الـرقـمـيـة؛ أصــــــــولا ذات أهـــمـــيـــة اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة وجــيــوســيــاســيــة بالغة الحساسية. فمن يمتلك القدرة على إنتاج هذه الصناعات، وبناء هذه البنى التحتية، وامتلاك براءات اخــتــراعــهــا، والـتـحـكـم فـــي ســاســل تــوريــدهــا - وكلها عناصر تقع في صلب إشكالية الجغرافيا الاقتصادية - يتقدم في هذا السباق المحموم. وهذا ما يدفع أوروبا إلـــى الـسـعـي لتقليص اعـتـمـادهـا عـلـى كــل مــن الصين والــولايــات المتحدة فـي هـذه المـجـالات. والأهـــم مـن ذلك أن الـذكـاء الاصطناعي لـم يعد مجرد ثــورة تقنية، بل أصبح يعيد تشكيل مفهوم الأمن القومي نفسه. وفي السياق ذاته، أصبحت معادن مثل الليثيوم، والـكـوبـالـت، والمنغنيز، والعناصر الأرضـيـة الـنـادرة؛ تضاهي فـي أهميتها النفط فـي الـقـرن العشرين. ولم يعد الـصـراع يــدور حـول امـتـاك المـــواد الـخـام فحسب، بل حـول القدرة على تكريرها، وتصنيعها، والتحكم في سلاسل توريدها، أي في جغرافيتها الاقتصادية وســاســل قيمتها. وتـتـربـع الـصـن الــيــوم عـلـى عـرش هـذه السلاسل، بينما تحتاج الـولايـات المتحدة، وفق تـــقـــديـــرات عــــديــــدة، إلــــى ســـنـــوات طــويــلــة لــلــحــاق بـهـا. وقــــد بــــدأ الــســبــاق عــلــى تـــأمـــن ســـاســـل الـــتـــوريـــد منذ سـنـوات، وتسعى الـــدول الكبرى إلـى ضمان وصولها إلـــى هـــذه المـــعـــادن الــحــيــويــة، الــتــي أصـبـحـت أسـاسـيـة في الصناعات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والفضاء، والــطــيــران، والـتـقـنـيـات الـرقـمـيـة، بـعـيـدا عــن أي تبعية استراتيجية للآخرين. وفـــي المــقــابــل، يـتـحـول الــشــرق الأوســــط تدريجيا من مجرد مصدر للطاقة إلى مركز عالمي للاستثمار، والـلـوجـسـتـيـك، والـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي. ومـــن شـــأن هـذا التحول أن يعزز دوره في تأمين سلاسل الإمداد العالمية التي تربط آسيا بأفريقيا وأوروبا. وبالموازاة مع ذلك، تشهد الواجهة الأطلسية الأفريقية صعودا متسارعا بـــاعـــتـــبـــارهـــا فــــضــــاء واعـــــــدا لــاســتــثــمــار فــــي الـــطـــاقـــة، واللوجستيك، والمـعـادن الاستراتيجية، والصناعات الـتـكـنـولـوجـيـة. ويـــــؤدي المـــغـــرب دورا ريـــاديـــا فـــي هـذا التحول، إلى جانب دول محورية مثل نيجيريا وكوت ديفوار في غرب أفريقيا، ومصر في شمالها، وكينيا فــي شـرقـهـا، وجــنــوب أفـريـقـيـا فــي جـنـوب الـــقـــارة. ولـم تعد هذه الدول مجرد مصدّرة للمواد الخام، بل بدأت تتحول إلى مراكز إقليمية قادرة على الإسهام في أمن الطاقة، وتعزيز سلاسل الـتـوريـد، وجــذب الصناعات ذات القيمة المضافة. وهنا يتجلى أحد أهم التحولات في الجغرافيا الاقتصادية الجديدة؛ فالقيمة لم تعد في امتلاك الموارد الطبيعية وحدها، بل في تحويلها إلى قوة صناعية ولوجستية وتكنولوجية. ولـعـل هــذا هـو التحول الأكـبـر فـي الـقـرن الـحـادي والعشرين؛ فالجغرافيا لم تختفِ، لكنَّها غيّرت لغتها. لـــم تـعـد تــتــحــدَّث بـلـغـة الــــحــــدود، بـــل بـلـغـة الـتـدفــقــات، وسلاسل القيمة، والبيانات، والتكنولوجيا. ومـن لا يــدرك هـذا التحول، فسيجد نفسه خــارج مراكز صنع القوة في النظام الدولي الجديد. «وي تشات»... تطبيق الذكاء الاصطناعي الصيني الساحق
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky