أحدثت «مذكرة التفاهم» الأميركية - الإيرانية، وما حملته من «هدايا» للنظام الإيراني، حالة ارتياح لمحور الممانعة. لم يكن في الأمـر أي افتعال، إذ بدت أشبه بمشروع «سلام إقليمي» بين الولايات المتحدة وحلفائها وإيـــران ومـحـورهـا. عـم الإنـكـار مـن طهران إلــى الضاحية الجنوبية، وســـاد مـنـاخ بــأن حصيلة الحرب ستمنح الأذرع اعترافا أميركيا بوضعها كجزء من الحالة الإيرانية تحوز الحماية. قفز الشيخ نعيم قاسم فوق الكارثة: إبادة بشرية ألفا بين قتيل وجريح سقطوا، واقتلاع 20 طالت نحو الــجــنــوب بتهجير مـلـيـون مـــواطـــن، وتــجــريــف الـقـرى الأمامية ومسحها عن الخريطة، واحتلال إسرائيلي فـــي المـــائـــة مـــن مــســاحــة لـبـنـان، 10 مــبـاشــر وبــالــنــار لـــــ وتهديد النبطية وصور، كبرى مدن الجنوب بمصير بنت جبيل! وراحــت الميليشيا التي حظرت الحكومة عملها العسكري والأمـنـي، تــردد روايـــات عن مآثرها في «الميدان»! اتسعت حملة تخوين السلطة لقرارها الذهاب إلى مفاوضات مباشرة، لأنَّها «الأقل تكلفة»، وفق رئــيــس الــحــكــومــة نــــواف ســــام، لـحـمـايـة الأرواح، ولإخـــراج البلد مـن حــروب استباحته منذ «اتفاق ، فأحلَّت البؤس في لبنان وفاقمت 1969 » القاهرة الـــهـــجـــرة. لــتــكــشــف الــحــمــلــة عــــن حــقــيــقــة الأهــــــداف المستبطنة: تثبيت مـوقـع إيـــران بوصفها شريكا فـــي المــلــف الـلـبـنـانـي بـــأي تــســويــة. وهـــكـــذا يستمر الاحــــتــــال الإســـرائـــيـــلـــي يــقــابــلــه ســـــاح لا شــرعــي »2 وهيمنة إيـرانـيـة. وبــدأ الـتـرويـج لمؤتمر «دوحـــة بهدف «إعـــادة تنظيم السلطة في لبنان»، ليسقط بـالـتـالـي نـــزع الــســاح واســتــعــادة مــشــروع الــدولــة الــقــادرة على حماية الـنـاس والأرض.تــزامــنــا شكَّل «اتـفـاق الإطـــار» اخـتـراقـا نوعيا بـن أبـــرز عناوينه أن إنـقـاذ لبنان يـبـدأ مـع منع إيـــران مـن التفاوض باسمه، وأعطى مصداقية لإعلان الرئيس جوزيف عــــون عــــدم الــقــبــول «إل بـــــزوال الاحـــتـــال وســقــوط الـــوصـــايـــات الـــخـــارجـــيـــة». فـنـجـح «اتـــفـــاق الإطـــــار» في رسـم سياق لإنهاء الاحـتـال الإسرائيلي: «مع اســـتـــعـــادة الــجــيــش الــلــبــنــانــي سـلـطـة الـــدولـــة على الأرض تــبــدأ إعـــــادة انــتــشــار الـجـيـش الإسـرائـيـلـي خارج الأراضـي اللبنانية». أي لا بقاء لحزام أمني ولا لـنـقـاط خــمــس. وحــمــل «اتـــفـــاق الإطـــــار» إعـانـا مــن إســرائــيــل «بـأنـهـا لا تـمـلـك أي أطــمــاع إقليمية في لبنان». بهذا السياق يكون «اتفاق الإطــار» قد تـــجـــاوز مـطـبـات حملتها «مـــذكـــرة الــتــفــاهــم» الـتـي استغلتها طهران لإعادة ربط لبنان بإيران مجدداً، والأهـم أنها جعلت الانسحاب الإسرائيلي ممكناً، وكذلك العودة المستدامة للنازحين. على سبيل 13 ما حصل ليس من دون ثمن. المادة المثال خطيرة، لأنها تضمن قبولا لبنانيا مسبقا بعدم مقاضاة العدو الإسرائيلي على الجرائم التي ارتكبها بحق اللبنانيين. ولئن كان لبنان السلطة، ليس الجهة التي أعلنت الحرب، فإنه معني بنتائجها الكارثية. والقاعدة أن المهزوم لا يضع كل شروط نهاية الحرب، ولا يبدِّل النتيجة الإنكار وعدم الإقرار بالواقع. إن الـحـقـيـقـة الــــبــــارزة هـــي أن لــبــنــان مــنــذ اتــفــاق ، لـــم يــعــلــن ولا مــــرة الـــحـــرب على 1949 الـــهـــدنـــة عــــام إسرائيل، وكل الحروب التي حدثت وطحنت مواطنيه وأضـــعـــفـــت ســلــطــاتــه وشــــرذمــــت مــواطــنــيــه وأحـــدثـــت تغييرات ديمغرافية، كانت من فعل قـوى استباحت أرضـــــه وانــتــهــكــت ســـيـــادتـــه. ووحــــدهــــا طـــهـــران قـــررت مـنـفـردة عبر وكيلها «حـــزب الـلـه»، الـــذي تفاخر على حروب 3 الدوام بأنه «إيران في لبنان»، أخذه إلى آخر وحــربــي «الإســـنـــاديـــن» عـام 2006 دمـــرتـــه: حـــرب عـــام ، من دون أن ننسى جريمة الحرب على 2026 و 2023 الشعب السوري. لكل ذلـك ينبغي أن يوضع في سياقه الصحيح كــــل مـــا يـــقـــال عـــن أن تـنـسـيـقـا مـــا ســيــتــم مـــع الـــقـــوات الإســـرائـــيـــلـــيـــة، وأن لــبــنــان يـــرحـــب بــمــســانــدة دولـــيـــة، أمـيـركـيـة مـــثـــاً، لـضـمـان الــنــجــاح فـــي بـسـط الـسـيـادة على «المناطق التجريبية»، لا سيما أن كل ذلك يندرج في سياق تحقيق الهدف المحوري، وهو الانسحاب، وإن اتخذ صفة المـتـدرج. فالأساس هنا لإنقاذ لبنان انــطــاقــا مـــن جــنــوبــه، أن تــعــزز الـسـلـطـة دورهـــــا على الأرض، والــبــدايــة إلـــى الـنـجـاح فــي تـجـربـة «المـنـاطـق الـتـجـريـبـيـة»، جـعـل بــيــروت آمـنـة خـالـيـة مــن الـسـاح، فيتعزز دور المفاوض اللبناني ومكانته. إن المطلوب ينطلق من تنفيذ القرارات اللبنانية لـجـهـة حـصـر الـــســـاح بـيـد الـــقـــوى الـشـرعـيـة تطبيقا واتفاق وقف الأعمال 1701 للدستور والقرار الدولي الـــذي 2024 ) نـوفـمـبـر (تــشــريــن الــثــانــي 27 الــعــدائــيــة جـــهـــات رســـمـــيـــة، كــمــا قـــــرارات 6 حــصــر الـــســـاح بــيــد 2 و 2025 ) أغـسـطـس (آب 5 الـحـكـومـة الـلـبـنـانـيـة فـــي ... ويقيناً، مـا مـن قــوة فـي لبنان 2026 ) مـــارس (آذار أقوى من الشرعية! الانـتـقـال مـن «اتــفــاق الإطــــار» إلــى اتــفــاق نهائي، مسار صعب ومعقَّد لبلوغ ما سماها وزير الخارجية الأمــيــركــي مــــارك روبــيــو «ســـيـــادة كـامـلـة لـلـبـنـان على أراضـيـه وأمـــن إسـرائـيـل». فمن جهة لا يمكن الـركـون لـــنـــيّـــات حـــكـــومـــة بــنــيــامــن نــتــنــيــاهــو الــــــذي يــخــوض انتخاباته بدم اللبنانيين وأرضهم، وسبق له أن حاز التأييد الأميركي على استراتيجية «الدفاع المتقدم» كــــرد عـلـى كـــارثـــة «طـــوفـــان الأقـــصـــى»، أي الـــدفـــاع عن حدود الدولة العبرية من أراضي الغير، عبر الأحزمة الأمـنـيـة والأرض المــحــروقــة... ومــن الجهة الأخـــرى لا يمكن تجاهل نيّات طـهـران، حيث من المبكر التقدير بأنها تخلَّت عن مشروعها (إيـران الكبرى من قزوين إلى المتوسط). لكن صلابة الموقف السياسي الرسمي اللبناني والــــوضــــوح بـــــأن لا أولــــويــــة تـــفـــوق اســـتـــعـــادة الأرض وإنـــهـــاء الـهـيـمـنـة الــخــارجــيــة، يـمـكـن أن تــعــزز النهج المــتَّــبَــع المحتضن بـقـوة مــن أشــقــاء لـبـنـان وأصـدقـائـه فـي الـعـالـم، والـــذي يـحـوز تفهما أمـيـركـيـا. لكن تبقى الأخــطــار كـامـنـة، واحــتــمــالات الـتـخـادم الإسـرائـيـلـي - الإيراني لإسقاط هذا «الإطار»، الذي لا يمكن تقويضه بمظاهرة تـرفـع الأعـــام الإيـرانـيـة، أو تصعيد مـا في الــنــبــطــيــة ومــحــيــطــهــا وكـــذلـــك صـــــور، وكـــذلـــك مـضـي إسرائيل بالممارسات الإجرامية. هذا المشروع سيكون عـرضـة للسقوط إن قـــررت طـهـران إسـقـاط «التفاهم» و«الـتـصـالـح» مـع واشـنـطـن، والمكابشة حــول مضيق هرمز خطيرة ومن شأنها في لحظة ما أن تدفع إلى انزلاق كبير. Issue 17381 - العدد Tuesday - 2026/6/30 الثلاثاء في مثْل هذا الشهر الحافل بعصيان نـتـنـيـاهـو لمـــا ارتــــــآه الـــرئـــيـــس تـــرمـــب حــا متوازنا للحرب مع إيـــران، رحـل أستاذنا غسان تويني يوم الثامن من شهر يونيو ، عــن ســت وثـمـانـن سنة 2012 ) (حـــزيـــران كـانـت عــطــاء ثقافيا وإعـامــيــا وسياسيا على مـراحـل؛ منذ أن تـخـرَّج مـن الجامعة الأميركية في بيروت ثم التحاقا بجامعة هارفارد، فتسلُّمه عبء صحيفة «النهار» حيث جعل منها منبرا إعلاميا مضيئاً؛ ســـنـــوات عــطــاء تـــعـــزَّزت بــإســنــاد مناصب وزارية إليه، ثم كان ختامها تولِّيه منصب مــنــدوب لـبـنـان الــدائــم لـــدى الأمـــم المتحدة على مدى خمس سنوات أثمرت استكمال حضور دولي للبنان بدأه شارل مالك. كان مِن محاسِن الفُرص أنني وجدْت في شخص غسان تويني رحابة صدر لكي أبـــدأ فـي «الـنـهـار» السعي لكي أكـــون مثل سائر الزملاء الذين يبرزون في المجالات الـــتـــي يــشــغــلــونــهــا بــالــصــحــيــفــة. وكـــانـــت سنواتي على مـدى ربـع قـرن تجربة على درجة من الحيوية، كوْنها جعلت قضايا العالم العربي مِن أحداث وانقلابات وقمم عـــربـــيـــة وإســـامـــيـــة وخــلــيــجــيــة غـطـيّــتـهـا ميدانيا بـن المحيط والخليج، مطروحة أمـــام المـــواطـــن الـبـاحـث عــن الـحـقـيـقـة، ومـا خفي مِن الوقائع، وكانت أحيانا أعظم. وأهــــمــــيــــة هــــــذه الــــســــنــــوات فـــــي أنـــهـــا جعلتْني أحلل في مقالات قضايا عربية شائكة، ثم شاءت ظروف الحرب في لبنان أن أغادر إلى فرنسا ثم بريطانيا، وكانت الهجرة مناسبة لكي أقف على كُنه اهتمام هـاتـن الـدولـتـن بــالــذات، كما سـائـر دول الكوكب الأوروبي، بلبنان. وهذا الاهتمام لمسناه عندما وقـعـت الـواقـعـة فـي الوطن المــحــســود مــن جـهـة والمــتــكــاثــرة فــي شأنه الاقـــتـــراحـــات، وآخــرهــا ولا نـظـن أخـيـرهـا، ما يسوِّق له المبعوث الأميركي توم براك، الــــــذي أطـــلـــق قـــبْـــل ثـــاثـــة أشـــهـــر اقـــتـــراحـــا صـادمـا خلاصته إلـحـاق لبنان بسوريا، ويـــتـــم إطـــــاق هــــذا الاقــــتــــراح فـيـمـا هـنـالـك حـــــراك حـــزبـــي وســـيـــاســـي يــطــالــب الـــدولـــة بإنهاء معاهدة سبق أن أبرمها الرئيس الــلــبــنــانــي إلـــيـــاس الــــهــــراوي مـــع الــرئــيــس السوري الراحل حافظ الأسد، وبقيت هذه المعاهدة قائمة إنما من دون تفعيل بعدما بات موقِّعاها كثيرا الاعتزاز بها في ذمة الله. بــــالــــعــــودة إلــــــى مـــــا بــــــدأنــــــاه، نـسـجـل بوصفنا صحافيين إنـجـازا حققه غسان تـويـنـي قــبْــل الـرحـيــل بــأربــع عــشــرة سنة، وكــــأنــــمــــا كــــــان فــــي اخــــتــــيــــاره لــلــمــوضــوع وهـو «كتاب الاستقلال» كمن يريد القول لمــن بــعــده مِـــن جـيـل الأبـــنـــاء والأحـــفـــاد، إن اســـتـــقـــال لــبــنــان هــــو فــــي تــــوحُّــــد أطــيــافــه حـول الكيان، وفـي غياب التوحُّد يصبح اســـتـــســـهـــال حـــــــدوث مـــفـــاجـــأة مــــثْــــل الــتــي متمثلة 1992 ) مــايــو (أيـــــار 22 تـمـت يـــوم ﺒ«معاهدة الأخـــوَّة والتعاون والتنسيق» بين لبنان وسوريا. والـــــــافـــــــت فــــــي كـــــتـــــاب «الاســـــتـــــقـــــال بــــــالــــــصــــــور والـــــــــوثـــــــــائـــــــــق» ذي الــــحــــجــــم المـوسـوعـي؛ ليس فقط التسجيل المصوَّر لمـراحـل الاسـتـقـال، وإنـمـا الخشية ضمنا مِن يوم يصبح فيه الاستقلال مهددا حقاً، فــي ظــل الانـقـسـام الـــذي يــــزداد تــأصــا في المجتمع اللبناني، السياسي والحزبي. ويــــبــــقــــى المـــــهـــــم الآن طـــــي الـــصـــفـــحـــة الأمــــــيــــــركــــــيــــــة مـــــــن خـــــــــال نـــــــوايـــــــا تــــرمــــب ومــحــاولات مبعوثه تــوم بـــرّاك على نحو ما سبق وأشرنا إليه. ويبدو أن ما سبق ورمــاه تصريحا بــرّاك وزاده تثبيتا طلب الرئيس ترمب مِن الرئيس الشرع التدخل في لبنان، إنما هو مقدّمات لما قد يسمعه رئـــيـــس الــجــمــهــوريــة الــلــبــنــانــيــة جــوزيــف عون، عند زيارة مرتقَبة له إلى واشنطن، وبـــذلـــك يـــكـــون قـــد حـــط رحـــالـــه فـــي الـبـيـت الأبيض، مستكمِلا بذلك محادثات أُجريت معه قبل الترؤس (يوم كان قائدا للجيش) في «البنتاغون» الذي بات يُسمى «وزارة الحرب». حمى الله استقلال لبنان. بلغت الـحـالـة اللبنانية مـسـتـوى مــن الـخـطـورة يتجاوز مسألة الـدولـة داخــل الــدولــة، وســاح «حـزب الـــلـــه»، وخـطـابـه المــضــاد لمـنـطـق الـــدولـــة؛ إلـــى شرعنة تـأرجـحـه بــن أن يـكـون ملفا تـابـعـا لإيــــران، أو ذراعـــا مــصــطــنــعــة تـــتـــحـــول إلـــــى جـــــزء عـــضـــوي مــــن الـجـسـد الـسـيـاسـي الإيـــرانـــي، وبـــن الـصـمـت عـلـى الاستباحة الإســرائــيــلــيــة لـــحـــدوده الــجــنــوبــيــة، وكـــأنَّـــهـــا مـسـاحـة مفتوحة للردع والاستهداف بحجة أمن إسرائيل. رغم كارثية الواقع اللبناني، فإن الخطر الأعمق ليس في تردي الأمن والاقتصاد فقط؛ بل في محاولة التعايش مع العطب الذي أصابه منذ عقود، من خلال الـتـعـامـل مـــع «حــــزب الـــلـــه» كـتـابـع لإيـــــران، أو كممثل للبنان قابل للاستهداف، وتحويل هــذا العطب إلى «حقيقة» لا بد من إدارتها، بينما يراد أن تموت الفكرة الأبسط: لبنان دولـة ذات سيادة، لا ساحة تجريبية لمشاريع الأغيار. قصَّة التسوية مع إيـران، التي يراد إقحام لبنان فيها عبر اختزاله في «حزب الله»، لا ينبغي أن تضيع فـي زحـــام الاستحقاقات الضيقة. فيجب عــدم قــراءة أي تـفـاهـم أمــيــركــي- إيـــرانـــي جــديــد مـــن نـــافـــذة المـلـف النووي وحـده، ولا من خلال العقوبات وأمـن الملاحة فـــي مـضـيـق هـــرمـــز. الأخـــطـــر أن يــتــحــوَّل الاتـــفـــاق إلـى اعتراف غير مباشر بحق إيــران في امتلاك امتدادات ميليشياوية داخـــل دول عربية ذات ســيــادة، بحجة توحيد الـسـاحـات، بينما كشفت الأزمـــة الإيـرانـيـة أن الشرق الأوســط ساحة واحــدة لا تنفصل معضلاتها عــــــن فـــــوضـــــى الـــــتـــــدخـــــل الــــــســــــيــــــادي، وعــــــــن الـــصـــلـــف الإسرائيلي أيضاً. تـضـمـن لــبــنــان فـــي أي اتـــفـــاق مـــن زاويـــــة «حـــزب الــلــه» خـطـر عـلـى المـنـطـقـة، ولا يـمـكـن شـرعـنـتـه مهما بلغت الرغبة في الهروب منها. لأن معنى ذلك تحويل بـــيـــروت -وربـــمـــا عـــواصـــم أخـــــرى لاحـــقـــا- إلــــى مـلـفـات إيرانية، وهو ما يعني أن الدول ذات السيادة لا تعود صــاحــبــة الـــقـــرار الأول فـــي ضــبــط الـــسِّـــاح واحــتــكــار العنف، وهما من أهم أركـان مفهوم الدولة الحديثة، وهـــذا الاسـتـسـهـال الـتـفـاوضـي مـقـلـقٌ؛ ليس كسلوكٍ؛ بل حتى كلغة سياسية حين يُطلب من إيـــران تقديم ضمانات حول سلوك «حزب الله» بدل إنهاء تبعيته. لم تكن محاولات إيران وإسرائيل تحويل لبنان إلـــى ســاحــة حـــرب بــالــوكــالــة مـمـكـنـة، لـــولا الـهـشـاشـة الـلـبـنـانـيـة، وهــــي هــشــاشــة لـــم تـــبــدأ فـــي الــســابــع من أكتوبر (تشرين الأول)؛ بل تعود إلى اتفاق القاهرة ، مـــع تــبــريــر انـــتـــهـــاك «مــنــظــمــة الـتـحـريـر 1969 عــــام الفلسطينية» للسيادة، وفتح أبواب فوضى السِّلاح الـخـارج عـن الـدولـة. وحـن اجتاحت إسـرائـيـل لبنان لإخراج «منظمة التحرير»، كان ذلك إيذانا 1982 عام بولادة مشوهة لذراع إيرانية أكثر تعقيدا وتوغلا في الداخل. ، وصــــولا 2006 ، ثـــم حــــرب 1982 ومــنــذ اجــتــيــاح إلى التصعيد بعد السابع من أكتوبر، أثبتت النظرة الحربية ومحاولة محو هذه الكيانات خارج السياسة أنَّها غير واقعية. صحيح أن إسرائيل تستطيع الحد من ترسانة «حزب الله»، وتصفية قادته، وضرب بناه العسكرية، ولكنها لا تستطيع خارج أقواس السياسة والــتــفــاوض اســتــعــادة لـبـنـان أو بــنــاء الـــدولـــة. بــل إن الإفــراط في الاستهداف العبثي يمنح سردية الحزب قُبلة حياة، ويعيد التحشيد إلى أجيال في الجنوب لم تعد تتذكر طعم الاطمئنان. المفارقة أن التحدث عن الأذرع كجزء من الجسد الإيراني هو تحول غير منطقي بعد الفشل الوظيفي لـــهـــذه الـــكـــيـــانـــات. فــقــد راهــــنــــت طــــهــــران طــــويــــا عـلـى أن «حــــزب الــلــه» والمـيـلـيـشـيـات الـعـراقـيـة والـحـوثـيـن و«حـمـاس» خطوط دفاعها المتقدمة، ولكن الحروب الأخيرة أثبتت أن تلك الأذرع لم تعد قادرة على إنتاج الـرَّدع كما تخيلته طهران. «حماس» خرجت منهكة، و«الـحـزب» تلقَّى ضربات موجعة طالت أهم قياديه، وبقية الأذرع راوحـت عند هامش وحـدود الرغبة في البقاء، وبقي الضرر الحقيقي الذي تتجرعه الدول إلى اليوم، وهو أن تلك الكيانات استبدلت بوظيفة الردع تـأزيـم الـداخـل وتعطيل الـدولـة، وهــذا مـا يفسر قـدرة «الحزب» على الوقف كحجر عثرة طوال هذه السنوات أمام مشروع استعادة الدولة اللبنانية. الواقعية التي يتم التذرع بها بلُغة سياسية هي رهــن للبنان بكل تنوعه ومـقـدراتـه لأن يـكـون أسيرا بـن الاستتباع الإيــرانــي والصلف الإسـرائـيـلـي، وأي تفاوض على بقاء هذه الحالة خطير وله تبعاته على المنطقة. صحيح جدا أن نزع سلاح «الحزب» وإدارته سـيـاسـيـا مــلــف شــــاق جــــداً، ولــكــن صــعــوبــتَــه لا تـبـرر الاستسلام لـه، ولا الانشغال بأعراض الــداء العضال بحجة أنَّه لا شفاء منه. لا تكفي مطالبة إيـــران وإسـرائـيـل بـالـخـروج من لبنان أو احـتـرام سيادته. الأهــم أن يخرج لبنان من مخيال طـهـران كساحة نـفـوذ، ومـن مخيال إسرائيل كمنطقة عازلة قابلة للانفجار، ومن تدخلات القوى الدولية التي تحاول استغلالَه كورقة في صفقة أكبر. بــعــد الاتـــفـــاق الـــهـــش لـــم تـــعـــد الـــحـــرب ومـآسـيـهـا أخطر تحديات اليوم التالي. الأخطر أن يُطَبِّع العالم مـع هــذه الـتـشـوهـات السياسية الـتـي تنتهك سـيـادة الدول، وتقامر بمصائر العباد والبلاد. ما سبق ورماه تصريحا برّاك وزاده تثبيتا طلب الرئيس ترمب مِن الرئيس الشرع التدخل في لبنان، إنما هو مقدّمات لما قد يسمعه الرئيس عون في واشنطن فؤاد مطر يوسف الديني حنا صالح OPINION الرأي 14 رجوع لبنان إلى أهله زمن التلاعب بالاستقلال إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky