الثقافة CULTURE 17 Issue 17379 - العدد Sunday - 2026/6/28 الأحد أحمد عبد المعطي حجازي خطأ نحتاج لتصحيحه! هناك إحساس عام أو انطباع لدى كثيرين بأن الإنتاج الأدبي والثقافي عامة في بـاد المغرب العربي، لم يبلغ في الكم أو في الكيف المستوى الذي يكون معه تراثا معدودا أو مذكورا عند الحديث عن الثقافة العربية؛ لا في هذا العصر الحديث ولا في العصور التي مضت. هذا الانطباع يظهر في قلة ما يُنشر أو يتداول في المشرق من هذا الإنتاج وفيما يُنشر عنه كذلك، إلا استثناءات قليلة ومتناثرة، وقـد تبدو في نظر البعض امتدادا لإنتاج المشارقة، أكثر مما تشهد بوجود إبداع مغربي يعاصر الإبداع المشرقي، ويكافئه، ويكمله. شعر أبي القاسم الشابي يقدم في كثير من الأحيان كأنه استثناء، وربما اعتُبر في كتابات أخـرى امتدادا لشعر المشرق أو لجماعة «أبوللو» المصرية ولـلـشـعـر المــهــجــري، ولــيــس إنـتـاجـا تـونـسـيـا مـغـربـيـا أصـــيـــاً، وكــــأن عبقرية الشابي تنسبه للمشرق، ولا تنسبه لوطنه الذي نشأ فيه، وتربى، وظهرت فيه موهبته، وتأثرت بطبيعته وثقافته وعاداته وتقاليده، وكأن تونس أو المغرب عـامـة ليس مـؤهـا لأن يظهر فيه الـشـابـي، أو محمود المـسـعـدي، أو الطاهر وطار، أو المجاطي، أو سواهم ممن يمكن أن يتطرق إليهم حديثنا. من هنا خلت المؤلفات الصادرة في المشرق عن تاريخ الأدب العربي من أي حـديـث عـن أدب المــغــرب. مـؤرخـو الأدب يتحدثون عـن العصر الجاهلي، وينتقلون إلى صدر الإسلام والعصر الأموي، ثم إلى العصر العباسي، ثم إلى الأندلس، فالعصر التركي، ثم إلى العصر الحديث، فإن ذُكر المغرب فهو يُذكَر ضمنا في الحديث عن ابن خلدون الذي وُلد في تونس لعائلة أندلسية، وظل يتنقل بين مدن الأندلس والمغرب والمشرق حتى استقر في مصر. هذه المسألة ليست جديدة بالنسبة لي، وإنما كانت واحـدة من المسائل التي شغلتني في العقود الأخيرة التي نحتاج فيها لأن نكون معاً؛ خصوصا وقـــد اخــتُــصــرت المــســافــات واخــتــفــت الـــحـــدود الـفـاصـلـة أو كــــادت، وأصـبـحـت الأحداث والتطورات أخبارا مرئية منشورة متداولة، فضلا عن ظروف خاصة أتاحت لي أن أتعرف على الأشقاء المغاربة وأزور بلادهم مـرَّات، وأشـارك في نشاطهم الـثـقـافـي، كـمـا يـشـاركـونـنـا هــم أيـضـا فــي نـشـاطـنـا، وأعــاشــرهــم في فرنسا خلال السنوات التي قضيناها هناك، فأرى صورة أخرى تختلف تماما عن الـصـورة الشائعة، بما تـدل عليه من الجد والكفاءة والموهبة، جعلتني أتساءل عما نعرفه نحن المشارقة عن ثقافة أشقائنا المغاربة؟ إنهم يعرفون شعراءنا، وقصَّاصينا، ونقادنا، وممثلينا، ومطربينا، فماذا نعرف نحن من إنجازاتهم في مختلف ميادين الأدب والفن؟ وكان هذا بعض ما كتبت عنه منذ نحو أربعين سنة، ونشرته بعنوان «سؤال المغاربة للمشارقة»، وحول هذا السؤال الذي لا أعدُّه مطروحا على المشتغلين بالثقافة وحدهم، وإنما هو مطروح بالفعل على الجميع؛ لأن الثقافة بالنسبة للعرب جميعا شرط وجود، وهذا ما قلتُه من قبل وأعدت قوله، فلا بد من أن تشغلنا جميعاً، وأن تفرض علينا مراجعة هذا الانطباع السلبي عن الإنتاج الثقافي فــي أقــطــار المــغــرب الــعــربــي؛ لأنـــه لا يــــزال مـــوجـــوداً؛ لـيـس فـقـط فــي الأوســــاط المشرقية؛ بل حتى في بعض الأوساط المغربية. *** ومنذ أيام كنت أنظر فيما لدي من أدب المغرب العربي، فوجدت في مقالة مكتوبة حول الموضوع عبارات منسوبة لشاعر مغربي جدير بأن نعرفه في المشرق كما يعرفه المغرب، وهو أحمد المجاطي الذي كان يتحدث عن الشعر في وطنه، المغرب الأقصى، فيقول: «الشعر المغربي في شموليته كان متخلفا في مختلف العصور السابقة بالنسبة للأقطار العربية الأخـرى... أؤمن بأن المجتمع المـغـربـي قـضـى عــصــورا طـويـلـة لــم يستطع فيها أن ينجب شـعـراء حقيقيين»! هــذا الـشـعـور الــفــادح بـالألـم يعتبره كـاتـب المـقـالـة الـــذي استشهد بكلام المجاطي «وعيا فاجعاً»، ويؤكده باعتراف مماثل منسوب لشاعر مغربي آخر هو عبد الكريم الطبال الذي «تحدث عن حركة التحديث في المشرق العربي، فقال فـي نـوع مـن المكاشفة التي تجمع إلـى حـــرارة الاعـتـراف مـــرارة التسليم والاستكانة: (وجدت في هذه الحركة الخلاص لي وشعري)». *** ثم إنني عدت للماضي أبحث في التراث عن أصل لهذا الانطباع، فوجدت مـا يشير إلــى أن هــذا الانـطـبـاع كــان حـاضـرا فـي المـاضـي أيـضـا، وأن القدماء -أو بعضهم- كـانـوا يـقـارنـون بـن مـا ينتجه المـغـاربـة ومــا ينتجه المـشـارقـة، ويفاضلون بين هؤلاء وهؤلاء، وكانوا يعبِّرون أحيانا عن شعور بأن حقهم مهضوم فـي المـشـرق. وهــذا مـا نجده خاصة فـي العصور التي انفصل فيها المغرب والأندلس عن المشرق من الناحية السياسية، وتحولت أقطارهم إلى ساحات حرب بين الأمـراء الطامعين المتصارعين، وبين العرب والبربر، وبين هــؤلاء جميعا والفرنجة. وهـكـذا تـراجـع الـوجـود الإسـامـي العربي فـي تلك الأقـطـار، واضـطـر أهـل المــدن التي سقطت فـي أيــدي الفرنجة للهجرة، وسـاد الشعور الألـيـم بالقهر والـخـسـارة، وبالحاجة الـشـديـدة للدفاع عـن النفس، وبالحنين للماضي، والـتـذكـيـر بما قـدمـه الأنـدلـسـيـون والمـغـاربـة للحضارة الـعـربـيـة الإســـامـــيـــة، وهــــذا مـــا نــجــده عـنـد بـعـض الــنــقــاد المــغــاربــة الـــذيـــن لم يتحدثوا عما يمتاز به شعراؤهم فحسب؛ بل عبروا عن سخطهم وغضبهم في نقد عنيف لشعراء المشرق الكبار، كما نرى في كلام الناقد القيرواني ابن شـرف عن امـرئ القيس، وعـن زهير، وعـن أبـي نــواس، وعـن المتنبي. وبوسع القراء الأعــزاء أن يقرأوا ما قاله هذا الناقد في كتاب الدكتور إحسان عباس «تاريخ النقد العربي». هذا العنف كان نوعا من الدفاع عن النفس في مواجهة المشارقة الذين تجاهلوا الإنتاج المغربي، إلى الحد الذي أصبح فيه هذا التجاهل أمرا معتادا حتى لدى المغاربة والأندلسيين الذين أصبحوا يتجاهلون أنفسهم في كثير مما كتبوه، ومنه كتاب الشاعر الناثر ابن عبد ربه «العقد الفريد» الذي يُعد من أمهات الكتب الموسوعية التي أحاطت بثقافة العصر في الأدب، وفي التاريخ، والأنساب، والأمثال، وفي الشعر والعروض، وحتى في الطب، وفي الموسيقى، وما تُرجم عن اليونان والفُرس، والهنود. وقد طُبع هذا الكتاب أخيراً، فكان خمسة مجلدات، عدد صفحاتها أكثر من ألف صفحة، لم يذكر فيها المؤلف الأندلسي وطنه بكلمة واحـــدة. وهـذا ما أدهــش المشارقة الذين اطَّلعوا على هذا الكنز فقالوا: «هذه بضاعتنا، رُدَّت إلينا!» وهذا خطأ نحتاج لتصحيحه. وسوف نواصل. على ضوء اللسانيات والأنثروبولوجيا في استحالة «حي بن يقظان» قصَّة حي بن يقظان أحد أكثر النصوص الـفـلـسـفـيـة الــعــربــيــة جـــــرأة فـــي اخــتــبــار حـــدود العقل الإنساني وإمكاناته. تُنسب في صيغها المختلفة إلى ابن سينا، والسهروردي المقتول، وابـــن طفيل، وابـــن النفيس، غير أن الصياغة الأكـــثـــر شـــهـــرة وتـــأثـــيـــرا هـــي الــتــي قــدّمــهــا ابــن طفيل الأندلسي في القرن الـسـادس الهجري، فأصبحت، لاحقاً، أحد النصوص المؤسِّسة في تـاريـخ الفلسفة المـقـارنـة، بعد أن تُرجمت إلى اللغة اللاتينية على يد إدوارد بوكوك، ونُشرت م بعنوان: «الفيلسوف 1671 في أكسفورد سنة الــــعــــصــــامــــي». ويــــصــــف أهـــمـــيـــة هــــــذه الــقــصــة الفيلسوف عبد الـرحـمـن بـــدوي بـقـولـه: «ومـن الـذيـن أُعـجـبـوا بقصَّة حـي بـن يقظان ليبنتز الفيلسوف المشهور، فقد أطراها إطـراء بالغاً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر والدراسات حـولـهـا فـــي أوروبــــــا تــتــوالــى فـــي غـيـر انـقـطـاع وبمختلف اللغات حتى الآن، حتى ليمكن أن نقرّر في اطمئنان أن قصَّة حي بن يقظان كانت أوفر الكتب العربية حظا من التقدير والعناية والتأثير في أوروبا في العصر الحديث». وابـــن طفيل هــو أبـــو بـكـر محمد بــن عبد م). 1185/ هـــــــــ 581 المــلــك الـقـيـسـي الأنــدلــســي (ت أصــبــح طـبـيـبـا للخليفة أبـــي يـعـقـوب يـوسـف المـــنـــصـــور، ولـــــم يــصــلــنــا مــــن كــتــبــه إلا قـصَّــتـه الفلسفية المشهورة حي بن يقظان. يـبـدأ بـنـاؤهـا الــســردي برضيع ينشأ في جزيرة نائية لا بشر فيها، تحت رعاية ظبية ترضعه وتغذيه، ثم يُترك بعد موتها ليواجه الــعــالــم بــــأدواتــــه الإدراكــــيــــة الأولـــيـــة فـــي مـسـار تـــصـــاعـــدي لـــلـــمـــعـــرفـــة، فــيــنــتــقــل مــــن المــاحــظــة الــحــســيــة إلـــــى الـــتـــجـــربـــة، ومـــــن الـــتـــجـــربـــة إلـــى الـتـحـلـيـل، ثـــم إلــــى الــتــجــريــد الــعــقــلــي، وصــــولا إلـى بناء نسق ميتافيزيقي متكامل يفسر به الـعـالـم والــوجــود والـعـلـيـة والـغـايـة. ويكتشف بـــالـــحـــواس والـــتـــجـــربـــة قـــوانـــن الـــعـــالـــم المــــادي ومـراتـب الـوجـود، ثـم يهتدي إلـى وجــود فاعل كامل يقف وراء نظام العالم، فتتجه عنايته من معرفة المـوجـودات إلى معرفة موجدها. وعند الخامسة والثلاثين ينصرف إلى طلب الواجب الــوجــود، متخذا الـريـاضـة والـزهـد سبيلا إلى ذلـــــك، فـــا يـــأخـــذ مـــن الـــطـــعـــام والــــشــــراب إلا ما يقيم أَوَدَه، وفي الثلث الأخير من القصة تظهر شـخـصـيـتـا أبـــســـال وســــامــــان، وهـــمـــا رفـيـقـان يعيشان في جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ فيها حــيٌّ. فأما أبـسـال «فـكـان أشــد غوصا في الباطن، وأكثر عثورا على المعاني الروحانية، وأطـمـع فـي الـتـأويـل، وأمـــا سـامـان فـكـان أميل إلى ظاهر الشريعة، وكلاهما مجد في الأعمال الظاهرة ومحاسبة النفس ومجاهدة الهوى». يـشـكّــل لـقـاء حـــي بـأبـسـال نقطة الـتـحـوُّل الكبرى؛ فبعد أن نشأ حي مـعـزولا عن البشر وبـلـغ بعقله وتـأمـلـه مـعـرفـة الـحـقـائـق العليا، وصل أبسال إلى جزيرته طلبا للعزلة والعبادة. وعندما يلتقي بحي يعلّمه اللغة، فيطلع كل منهما عـلـى تـجـربـة الآخــــر، ويــــدرك أبــســال أن المــعــارف الـتـي بلغها حــي بالعقل والمـشـاهـدة تتوافق في جوهرها مع ما جاءت به الشريعة التي يدين بها، فيزداد يقينا بصدق الدين. أما حي فيجد في الشريعة تمثيلا رمزيا للحقائق الــتــي أدركـــهـــا بـنـفـسـه، لــذلــك يــؤمــن بـالـرسـالـة ويـلـتـزم فـرائـضـهـا. ثــم يـنـتـقـان إلـــى الـجـزيـرة الـــتـــي قــــدم مـنـهـا أبـــســـال لـنـقـل هــــذه الـحـقـائـق إلــى الـنـاس، غير أن محاولتهما تخفق؛ إذ لا يمتلك الناس أدوات التأمل العقلي ولا تقنيات التجريد الفلسفي، فهم يدركون الحقيقة عبر العادة والظاهر لا البرهان، فيستقر في وعي حي أن التواصل بين المستوى الفلسفي العميق والوعي الجماعي العام محدود للغاية، فيعود مع صاحبه أبسال إلى جزيرته التي نشأ فيها مؤثرا العزلة والعبادة والتأمل الروحي. يطرح ابـن طفيل في هـذه القصة تصورا مــتــكــامــا لــتــطــور الإنــــســــان مــعــرفــيّــا وروحـــيّـــا وأخــــاقــــيّــــا، ويـــبـــنـــي تــســلــســا هـــرمـــيّـــا لمـــراتـــب البشر: فأعلاها مرتبة الفيلسوف، أي حي بن يقظان، تليها مرتبة الصوفي، أي أبسال، ثم مـرتـبـة الـفـقـيـه، أي ســامــان، ثــم الـعـامـة الـذيـن يكتفون بالتقليد والانقياد للعادات دون بحث عقلي أو تأمل فلسفي. اكـــتـــســـبـــت هــــــذه الـــقـــصـــة عـــبـــر تـــاريـــخـــهـــا الطويل قــوة برهانيةً؛ إذ بـدت وكأنَّها تُظهر استقلال العقل الإنساني عن المجتمع والتقليد والـــــوحـــــي مــــعــــا. غـــيـــر أن قـــــوة هـــــذا الـــنـــمـــوذج الفلسفي لا تخفي إشكاله العميق: هل يمكن أصـــــا تـــصـــور عــقــل إنـــســـانـــي يـعـمـل فـــي فــــراغ اجـتـمـاعـي كـامـل؟ وهــل يمكن للغة والتجريد والتفكير المفهومي النشوء في عزلة مطلقة؟ هنا يمكن تفكيك الأساس الذي تقوم عليه هذه التجربة الفكرية، لا من حيث نتائجها، بل من حيث شرط إمكانها نفسه. إن إعـــادة قـــراءة حـي بـن يقظان فـي ضوء الــلــســانــيــات الــبــيــولــوجــيــة، والأنــثــروبــولــوجــيــا المعرفية، والأنثروبولوجيا التأويلية تكشف عـــن مـشـكـلـة أعــمــق فـــي نـــمـــوذج (الــعــقــل مـــا قبل الاجتماعي) الذي تقدمه هذه القصة. فقد دلَّلت بــحــوث اكـتـسـاب الـلـغـة أن الـلـغـة لـيـسـت مجرد وسيلة للتواصل، بل إنها شرط أساسي لتطور القدرات الرمزية والمفاهيمية التي يقوم عليها الـتـفـكـيـر المـــجـــرد. وفـــي هـــذا الــســيــاق قــــدّم إريـــك Biological( ) في كتابه Eric Lenneberg( لينبرغ ) ما عُرف بـ(فرضية Foundations of Language )Critical Period Hypothesis( ) الفترة الحرجة لاكـتـسـاب الـلـغـة، والــتــي تفيد بـــأن الــقــدرة على اكتساب اللغة الطبيعية ترتبط بمرحلة نمو عصبي مبكرة، وأن الـحـرمـان اللغوي فـي تلك المرحلة يــؤدي إلــى عجز دائــم أو شبه دائــم في اكتسابها لاحقاً. وقد استند إلى حالات الأطفال الـــذيـــن نـــشـــأوا فـــي عـــزلـــة شـــديـــدة عـــن الـتـفـاعـل الـلـغـوي الإنــســانــي، فـــأدى الـحـرمـان مــن البيئة الاجــتــمــاعــيــة إلــــى ضــعــف فـــي الـــتـــواصـــل وإلـــى اخــتــالات أعـمـق فــي الــقــدرة عـلـى بـنـاء تراكيب نحوية ومعرفية معقَّدة. ومـن ثـم فــإن اللغة لا تـبـدو مـهـارة فـرديـة تُكتسب تلقائيّاً، بـل بنية اجــتــمــاعــيــة - بــيــولــوجــيــة لا تـــتـــكـــوّن إلا داخـــل مجتمع لغوي. وإذا انتقلنا من مستوى اللغة إلى مستوى بنية الإدراك الإنساني ذاته، فإن الصورة تتضح أكثر في دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية، ففي أعـمـال مايكل توماسيلو، ولا سيما «الأصــول The Cultural Origins( » الثقافية للإدراك البشري ) و«أصــــــــول الـــتـــواصـــل of Human Cognition ،)Origins of Human Communication( » البشري يـتـبـن لـنـا أن مــا يـمـيـز الـعـقـل الإنــســانــي ليس قدرات فردية معزولة، بل القدرة على (المقصدية )؛ أي الـقـدرة shared intentionality( ) المشتركة على بناء معان ومقاصد مشتركة داخــل إطار اجتماعي. ووفــق هـذا التصور، فــإن العمليات الذهنية العليا، مثل الاستدلال السببي، وبناء المفاهيم المـجـردة، وتكوين المعايير الأخلاقية، بل حتى الوعي بالذات، لا تنشأ في عزلة فردية، بل تتشكَّل تدريجيّا عبر التفاعل الاجتماعي، والـتـعـلـم الـثـقـافـي، والــتــواصــل الـلـغـوي. وبـذلـك يــصــبــح الـــعـــقـــل الإنـــســـانـــي نـــتـــاجـــا تـــاريـــخـــيّـــا - اجتماعيّاً، لا بنية طبيعية مكتفية بذاتها. وتـــدفـــع الأنــثــروبــولــوجــيــا الـتـأويـلـيـة هـذا الاعــــــتــــــراض إلــــــى مــــــــداه الأقـــــصـــــى، حـــــن تـــقـــرّر Clifford( فـــي تحليلها عـنـد كـلـيـفـورد غـيـرتـز ) فـــي مـقـالـه «أثــــر مـفـهـوم الـثـقـافـة على Geertz The Impact of the Concept( » مفهوم الإنـسـان )، أن البشر of Culture on the Concept of Man حـيـوانـات غير مكتملة، وأن الثقافة هـي التي تـكـمّــلـهـا داخــــل شــبــكــات المــعــنــى الــتــي تنتجها الثقافة، فغياب الثقافة لا يعني وجـود إنسان (نــــاقــــص الـــثـــقـــافـــة)، بــــل غـــيـــاب شــــــروط تــشــكّــل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه؛ لأن الإنسان لا يعيش إلا في عالم مشبع بالرموز والمعاني: اللغة، الدين، العادات، والتصورات الجماعية. وهــــذه الـبـنـى شــــروط أســاســيــة لــتــكــوُّن الـخـبـرة الإنسانية نفسها. ومن هنا فإن فصل الإنسان عن هذا الوسط الرمزي لا يعني تحرير العقل، بل يعني تفكيك شروط إمكانه. وفـــي ضـــوء ذلــــك، يـمـكـن إعـــــادة الـنـظـر في إحـــــــدى أكــــثــــر قـــضـــايـــا عـــلـــم الــــكــــام الإســــامــــي مــركــزيــة، وهـــي مـسـألـة (الـتـحـسـن والـتـقـبـيـح): أهي أحكام تُؤسَّس على دلالة الشرع كما ذهب الأشاعرة، أم على معطيات عقلية مستقلة كما قرّر المعتزلة؟ * باحث سوري. *محمد أمير ناشر النعم غياب الثقافة لا يعني وجود إنسان (ناقص الثقافة)، بل غياب شروط تشكّل الإنسان نفسه بالمعنى الذي نعرفه كتاب في اللسانيات بالكردية صدر حديثاً، عن «دار الزمان» في دمشق كــتــاب جــديــد بــعــنــوان «عــلــم الــلــغــة: مستويات التحليل الألسني»، باللغة الكردية الكرمانجية مــن تـألـيـف الــبــاحــث فــي الـلـسـانـيـات الـدكـتـور برزو محمود. ويتناول بإيجاز ستة مستويات رئيسية في تحليل اللغة: علم الأصوات، وعلم الـفـونـولـوجـيـا، وعــلــم الـــصـــرف، وعــلــم الـنـحـو، وعـــلـــم الــــدلالــــة والـــتـــداولـــيـــة. ويـــعـــرض المــؤلــف مفاهيم ونظريات وأمثلة تطبيقية محددة من اللغة الكردية ومـن اللغة الإنجليزية، ويشرح مكوناتها من الصوت إلى المعنى، ويعتمد على مراجع إنجليزية أساسية. ويهدف الكتاب إلى تعريف الطلاب والباحثين بأسس علم اللغة، وأن يكون مرجعا علميا لدراسة اللغة الكردية. ورغــــــــــم صــــعــــوبــــة الــــــخــــــوض فــــــي مـــجـــال الـــلـــغـــويـــات بـــســـبـــب وجـــــــود كـــمـــيـــة كـــبـــيـــرة مـن المصطلحات اللسانية التي تغطي المستويات الــســت، والــتــي تتطلب تـقـديـم مصطلح كــردي بـصـفـتـه مــقــابــا وبـــديـــا وصـــادقـــا مـــع المـفـهـوم والــــتــــعــــريــــف الــــلــــســــانــــي، إلا أن إلمـــــــام الـــكـــاتـــب باللهجتين الكرمانجية والسورانية وخبرته الــطــويــلــة فـــي الــكــتــابــة بــالــكــرديــة ســــاعــــداه في التغلب عـلـى الـصـعـوبـات الاصـطـاحـيـة. ومـن الـطـبـيـعـي الـــقـــول إنــــه قـــد بــــذل جـــهـــودا حثيثة ومضنية في سد الفجوة المصطلحية. ويعتمد الـكـتـاب التحليل الـلـغـوي إطـــارا هرمياً، فيُقسمه إلـى وحــدات أصغر مترابطة. بـــدءا مــن أصـغـر الأصــــوات الفيزيائية وصـــولا إلــــى المـــحـــادثـــات الاجــتــمــاعــيــة الأوســــــع، تشمل مستويات التحليل الرئيسية: المــــســــتــــوى الأول: عــــلــــم الــــصــــوتــــيــــات أو الـــفـــونـــوتـــيـــك والـــفـــونـــولـــوجـــيـــا، وهـــمـــا فـــرعـــان رئـــيـــســـيـــان مــــن فــــــروع عـــلـــم الـــلـــغـــة، يُـــعـــنـــى كـل منهما بـدراسـة أصــوات الكلام البشري. ورغم ترابطهما الـوثـيـق، فإنهما يحللان الأصـــوات مــن مـنـظـوريـن مـخـتـلـفـن: المــنــظــور الـفـيـزيـائـي والمــــنــــظــــور الإدراكــــــــــــــي. فـــالـــفـــونـــتـــيـــك يـــتـــنـــاول الـــخـــصـــائـــص الـــفـــيـــزيـــائـــيـــة الــفــعــلــيــة لأصـــــوات الكلام، ويهتم بكيفية إنتاج الأصــوات ونقلها وإدراكـــهـــا، بغض النظر عما إذا كـانـت تُشكّل لــغــة مُـــحـــددة أم لا. ويـنـقـسـم إلـــى ثــاثــة فـــروع رئيسية: علم الصوتيات النطقي: دراسة كيفية إنـــتـــاج الــجــهــاز الــصــوتــي (الــشــفــتــان والــلــســان والحلق والأحـبـال الصوتية) لأصــوات الكلام، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة الخصائص الفيزيائية للموجات الصوتية أثناء انتقالها عبر الهواء، وعلم الصوتيات السمعي: دراسة كيفية استقبال الأذن البشرية والــدمــاغ لهذه الموجات الصوتية ومعالجتها. أما المستوى الثاني، فيركز على التنظيم الـذهـنـي المـــجـــرَّد لـــأصـــوات داخـــل لـغـة مُــحـددة أو عـبـر لــغــات مُــخـتـلـفـة. ويـــــدرس كـيـفـيـة عمل الأصوات كنظام لنقل المعنى، وتكوين الكلمات، والتحكم في قواعد النطق. ويـــــتـــــنـــــاول المــــســــتــــوى الــــثــــالــــث الــــصــــرف (المـــورفـــولـــوجـــيـــا) وهـــو دراســـــة كـيـفـيـة تشكيل الكلمات معجمياً، وكيفية ارتباطها ببعضها بـــعـــضـــا داخـــــــل الـــلـــغـــة نـــحـــويـــا. تـــبـــحـــث مـعـظـم مــنــاهــج عــلــم الـــصـــرف فـــي بــنــيــة الــكــلــمــات من حـيـث المــورفــيــمــات، وهـــي أصـغـر الـــوحـــدات في الـلـغـة ذات مـعـنـى مستقل أو وظـيـفـة نـحـويـة. تـتـضـمـن المــورفــيــمــات جـــــذورا يـمـكـن أن تـوجـد كـكـلـمـات بـحـد ذاتـــهـــا، ولـكـنـهـا تـتـضـمـن أيـضـا فئات، مثل اللواحق التي يمكن أن تظهر فقط كجزء من كلمة أكبر. يحلل علم الصرف أيضا كـيـفـيـة تـــصـــرف الــكــلــمــات كــــأجــــزاء مـــن الـــكـــام، وكــيــف يـمـكـن تـصـريـفـهـا للتعبير عـــن الـفـئـات النحوية، مثل العدد والزمن والجانب. يتعلق علم الصرف أيضا بالإنتاجية، أو كيفية إنشاء المتحدثين للكلمات في سياقات محددة. أما المستوى الرابع، فهو «السينتاكس»، أو النحو، وهـو مجموعة القواعد التي تحكم كيفية ترتيب الكلمات والعبارات لتكوين جمل سـلـيـمـة وذات مـعـنـى فـــي الـــلـــغـــة. وهــــو يـحـدد ترتيب الكلمات، وبنية الجملة، والعلاقات بين أجــــزاء الــكــام المختلفة. وغـيـر ذلـــك مــن فصول الكتاب. برلين: «الشرق الأوسط» النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky