issue17379

لـــم تـعـد قــريــة وسـتـمـنـسـتـر تــتــســاءل متى يغادر كير ستارمر رئاسة الحكومة، بل كيف سيحكم خلفه أندي بيرنهام بريطانيا، المرجح أن يتولى رئاسة الــوزراء قريباً. لكن الامتحان الحقيقي يبدأ مـع تشكيل الحكومة الجديدة؛ فهو أهم من أي خطاب سياسي قد يلقيه أمام داونينغ ستريت». 10« الباب الشهير لرقم وقـد شهدت بريطانيا خـال العقد الأخير ظـاهـرة باتت تتكرر بـصـورة لافـتـة، وهــي بقاء رؤساء وزراء في مناصبهم بعد أن فقدوا عمليا سلطتهم السياسية داخل أحزابهم. وخلال هذه المرحلة الانتقالية تبدأ الأنظار داخل الحكومة نفسها بالتوجه نحو الإدارة المقبلة، في حين تضعف تدريجيا المسؤولية الوزارية الجماعية الــتــي تُــعــد أحـــد أهـــم أعـــــراف الــنــظــام الـبـرلمـانـي البريطاني. ولا تعود القضية مرتبطة بشخص رئيس الوزراء، بل بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة انتقال السلطة من دون أن تفقد الحكومة تماسكها. ولـــعـــل الـــخـــافـــات الـــتـــي ظـــهـــرت أخـــيـــرا بين بـــعـــض الـــــــــوزراء حـــــول ســـيـــاســـة الـــهـــجـــرة، ومـــا رافقها مـن تسريبات وخـافـات علنية، ليست ســــوى أحــــد مــظــاهــر هــــذه المــرحــلــة الانــتــقــالــيــة. فالاهتمام داخل الحكومة بدأ يتحول من الدفاع عن الحكومة الحالية إلى التفكير في الحكومة المقبلة، وهــو أمــر عرفته وستمنستر أكـثـر من مـــرة كـلـمـا اقــتــربــت نـهـايـة عـهـد رئــيــس وزراء. ولهذا السبب، فإن أول ما ستتجه إليه الأنظار لن يكون برنامج بيرنهام السياسي، بل أسماء الوزراء الذين سيختارهم، وفي مقدمتهم وزير المــالــيــة، ووزيـــــر الــداخــلــيــة، ووزيـــــر الـخـارجـيـة، ووزير الدفاع. ويـــكـــتـــســـب مـــنـــصـــب وزيـــــــر المـــالـــيـــة أهــمــيــة خاصة؛ لأن رئيس الـوزراء ووزيـر المالية شكّلا تـقـلـيـديـا الــشــراكــة الأســاســيــة فــي إدارة الــدولــة البريطانية. ومن هنا، فإن الإبقاء على راشيل ريفز سيُفسَّر باعتباره رسالة استمرارية، في حين سيعني اختيار شخصية أخرى أن رئيس الوزراء الجديد يريد أن يفتح صفحة اقتصادية مختلفة. ولـــم يـكـن مـــن قـبـيـل المــصــادفــة أن تـحـرص ريـفـز، فـي مقابلاتها الأخـيـرة، على الـدفـاع عن سجلها الاقتصادي، والتشديد على الانضباط المـــالـــي، ومــــا تـعـتـبـره إنــــجــــازات وزارة المــالــيــة. وفُـــســـرت هــــذه الــتــصــريــحــات فـــي وستمنستر بأنها رسالة تدعو إلى استمرارها في المنصب. وفـــي المـقـابـل، بـــدأت التكهنات تـــدور حـول أســـمـــاء أخـــــرى، مـــن بـيـنـهـا إد مـيـلـيـبـانـد، الـــذي ارتـبـط اسـمـه خــال الـسـنـوات الأخـيـرة بالدفاع الــــقــــوي عــــن ســـيـــاســـات الـــتـــحـــول إلـــــى الـــحـــيـــاد الكربوني، حتى عندما أثـارت هذه السياسات جدلا واسعا بسبب تأثيرها في أسعار الطاقة، ومــســتــقــبــل صـــنـــاعـــة الـــنـــفـــط والــــغــــاز فــــي بـحـر الــشــمــال، ومـــا تــرتــب عـلـى ذلـــك مــن انـعـكـاسـات سياسية في بعض الدوائر الانتخابية. وقد لا تصح هـذه التكهنات، لكن مجرد تــداول اسمه يـــوضـــح مــــدى حـسـاسـيـة الأســــــواق المــالــيــة لأي إشـــــارة قـــد تُــفــهــم عــلــى أنـــهـــا تـــحـــول اقــتــصــادي جــــديــــد. فـــقـــبـــل أن تُــــعــــرض أول مـــــوازنـــــة عـلـى البرلمان، ستكون هوية وزير المالية أول رسالة اقتصادية تبعث بها الحكومة الجديدة. أمـــــا وزارة الـــداخـــلـــيـــة، فــســيــكــون أمــامــهــا اختبار لا يقل صعوبة. فقضايا الهجرة غير الـشـرعـيـة، وأمـــن الــحــدود، والـجـريـمـة، مـا زالـت تـتـصـدر اهـتـمـامـات الـنـاخـب الـبـريـطـانـي، كما تـفـسـر جــانــبــا مـهـمـا مـــن اســـتـــمـــرار تــقـــدم حــزب الإصـاح بقيادة نايجل فـاراج في استطلاعات الــــــرأي. ومــــن ثــــم، فــــإن اخــتــيــار وزيــــر الـداخـلـيـة ســـيـــكـــون مــــؤشــــرا مـــبـــكـــرا عـــلـــى كــيــفــيــة تــعــامــل الحكومة الجديدة مع واحدة من أكثر القضايا حساسية في السياسة البريطانية. وتـضـيـف الـسـيـاسـة الــخــارجــيــة بــعــدا آخـر لــهــذا الامـــتـــحـــان. بــيــرنــهــام سـيـجـد نـفـسـه منذ أيـــامـــه الأولـــــى أمــــام مـلـفـات مـعـقـدة تـشـمـل قمة «حــلــف شــمــال الأطـــلـــســـي»، ومـسـتـقـبـل الإنــفــاق الدفاعي، والعلاقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى جانب علاقات بريطانيا مع أوروبــا ودول الخليج. ولن يكون أمامه متسع من الوقت قبل أن يبرهن لحلفاء بريطانيا أن تغيير القيادة لن يعني بالضرورة تغييرا في التزامات لندن الدولية. وتــشــيــر اســتــطــاعــات الـــــرأي الأخـــيـــرة إلــى أن بـيـرنـهـام يـتـمـتـع بـشـعـبـيـة شـخـصـيـة أعـلـى من تلك التي كان يحظى بها ستارمر، غير أن ذلــك لا يعني أن حــزب الـعـمـال اسـتـعـاد موقعه الــســيــاســي. فــمــا زال حــــزب الإصــــــاح يـتـصـدَّر بعض استطلاعات نيات التصويت، فـي حين بدأت زعيمة المحافظين كيمي بادنوك تستعيد جـــانـــبـــا مـــهـــمـــا مــــن الـــتـــأيـــيـــد، حـــتـــى إن بـعـض الاستطلاعات يشير إلى تقدم المحافظين مجددا على حزب العمال. وهـــــذا يـعـنـي أن تـغـيـيـر الـــقـــيـــادة وحـــــده لا يكفي لاسـتـعـادة ثقة الناخبين، وأن الحكومة الجديدة ستواجه معارضة أكثر قوة وتنظيما مما واجهه ستارمر عند وصوله إلى السلطة. فالتاريخ السياسي البريطاني يبين أن تغيير رئــــيــــس الــــــــــوزراء لا يــغــيــر بــــالــــضــــرورة اتـــجـــاه الدولة. غير أن اختيار الوزراء الرئيسيين، وفي مقدمتهم وزيــر المالية ووزيــر الداخلية ووزيـر الــخــارجــيــة، يـمـثـل أول تـرجـمـة عـمـلـيـة لاتـجـاه الــحــكــومــة الـــجـــديـــدة. ولـــهـــذا، فــــإن الأنـــظـــار في وستمنستر، كما في الأسواق المالية والعواصم الغربية، تتجه الـيـوم إلـى أسـمـاء الـــوزراء أكثر مما تتجه إلى الخطب أو الشعارات. Issue 17379 - العدد Sunday - 2026/6/28 الأحد فــي ضـــوء نـتـائـج تحققت بــأمــل استكمال ما مِن شأنه وضْــع المنطقة، ونكاد نقول سائر دول الـــعـــالـــم، فـــي مـــــدار اســـتـــراحـــة طــويــلــة مِــن الـــــذي نـعـيـشـه مــنــذ بــــدء الــــعــــدوان الإســرائــيــلــي على غــزة، فالمواجهة الأميركية - الإسرائيلية المستهدِفة إيـــران، حيث تجد الأمـتـان العربية والإسلامية أنهما للمرة الأولى تعيشان ظاهرة غـيـر مـسـبـوقـة، وهـــي أنـــه بـــات لـأمـتـن وسيط مــتــجــرد وحـــريـــص وصـــبـــور يــعــالــج دون كـلـل، تعقيدات علاقات تشابكت وكما لم يحدُث مثْل هذا التشابك مِن قبْل، ويجد هذا الوسيط آذانا مصغية ومــامــح تـفـتُّــح إزاء ثــوابــت اعتمدها وكانت السبب فيما آلت إليه الأمور. كــــان الــوســيــط المــتــجــرد المـتـمـثـل بـالـقـيـادة الـــســـيـــاســـيـــة - الـــعـــســـكـــريـــة - الـــدبـــلـــومـــاســـيـــة الباكستانية حـالـة لــم يسبق حـدوثـهـا عندما تـتـطـور الأزمــــات بــن دولـــة عـربـيـة أو إسلامية مـــع الــــولايــــات المـــتـــحـــدة أو إحـــــدى دول الـــقـــارة الأوروبية. ما كان يحدُث هو أن تلك الدول توفد إلـى المنطقة مبعوثين لا يعنيهم سـوى موقف حكومتهم، فيما سُعاة التهدئة بأمل التوافق، ونــعــنــي بـــهـــؤلاء رئـــيـــس الــــدولــــة الـبـاكـسـتـانـيـة آصــف علي زرداري ورئـيـس الحكومة شهباز شـــريـــف وقـــائـــد الــجــيــش عـــاصـــم مــنــيــر ووزيــــر الـخـارجـيـة إســحــاق دار، كــانــوا ينشطون لـدى طــــرفــــي الـــــصـــــراع: الإدارة الــتــرمــبــيــة والـــنـــظـــام الإيـرانـي، وكأنَّما يتطلعون إلـى تفهُّم فتفاهم فالاستفادة مـن مـواقـف تقال عبْر المنصات أو عند التحادث. ولـــقـــد اعـــتـــمـــد الـــوســـيـــط الــبــاكــســتــانــي فـي السعي لتقريب الموقفي المتباعديْن العبارات الــتــي تُــحــنِّــن لـتـفـويـت الــفــرصــة عـلـى تـلـك الـتـي تُــجــنــن. وفــــي هــــذا الــســعــي المـــســـانَـــد مـــن جـانـب المـرجـعـيـة الـعـربـيـة الأكـــثـــر حـــضـــورا واحــتــرامــا فــي رؤى الإدارة الـتـرمـبـيـة والــنــظــام الإيـــرانـــي، كان الوسيط الباكستاني الذي يخوض للمرة الأُولــــى تجربة التوفيق فـي الـحـد الـوسـط بين الدولة العظمى الولايات المتحدة وإحدى الدول في منطقة الشرق الأوســط، يأخذ في الاعتبار حـسـاسـيـة الــعــاقــة الأمــيــركــيــة - الإسـرائـيـلـيـة، فلا تشمل هذه سعيه على الأقل ظاهرياً. وهو فــي ذلـــك جـعـل الإدارة الأمـيـركـيـة تـتـصـرف بما يجعل مـسـيـرة الــوســاطــة لا تتعثر، كـمـا جعل النظام الإيـرانـي يأخذ في الاعتبار أن سحابة أجـــواء مضت حافلة بالتخاطب الـــذي يستند إلى التحدي مِن المستحسن انقشاعها، فما قيل بـــات مــن المــاضــي، ومـــا مِـــن المصلحة المشتركة لكلا الدولتي تجاوُز مفردات عمَّقت التجافي. والمـــــأمـــــول حــــدوثــــه تَــــجــــاوز مــــا كـــــان يــقــال بــغــرض تـصـلـيـب المـــوقـــف، والــــقــــراءة بـــتـــأن في المسعى الباكستاني التوفيقي المطعَّم بحيوية دبـلـومـاسـيـة قَــطَــريــة فـاعـلـة ومــــــؤازرة عُــمـانـيـة أهـمـيـتـهـمـا فـــي أن كــــا مِــــن الإدارة الأمـيـركـيـة والـــنـــظـــام الإيـــــرانـــــي يـــأخـــذانـــهـــا فــــي الاعـــتـــبـــار، وأنهما يصغيان بكثير من الاهتمام إلى نقاط كـــان هـنـالـك بـعـض التحفظ المـعـنـوي والتقني إزاءهـــا. وكثيرا ما كـان الموقف المتشدد نسبيا يـلـن عـنـد دخــــول الـسـعـي الــعُــمــانــي - الـقـطَــري طرفا يساند، وبذلك يصبح المسعى مشتركا من الجانب الباكستاني ثم الجانب المعلَن دوره. ونقول ذلك على أساس أن الجانب العربي صـاحـب الـدعـم المـؤثـر للوساطة الباكستانية، يــهــمــه إثـــمـــار الــســعــي لــيــس بـــغـــرض احــتــســاب حصة من الجنيْ، وإنما من أجْل أن يأخذ الدور الـبـاكـسـتـانـي غـيـر المـسـبـوق مـــداه مِـــن الـنـجـاح، وحـجْــز مكان لـه للتوسط فـي حــالات حاضرة، وأُخـــــــرى تــتــفــاعــل تــداعــيــاتــهــا بــحــيــث إن عــدم إحجام مَن يجعل الصراع العربي - الإسرائيلي لا يلقى فـرصـة نـجـاح وعـلـى قــاعــدة مــا ارتـأتـه ) التي اتخذت 2002( القمة العربية في بيروت الحل الواقعي للصراع العربي - الإسرائيلي، وهـو إقامة دولـة فلسطينية إلـى جانب الدولة سـنـة، ولا تـــزال إسرائيل 78 الـتـي احـتُــلـت قـبْــل تــقــونــن احــتــالــهــا غــيــر عــابــئــة بــــقــــرارات الأمـــم المتحدة، وتتمدد بحيث باتت هنالك مساحات من جنوب لبنان تحت الاحتلال. ومن دون أن يأخذ نتنياهو في الاعتبار أن ما جرى سابقا لن يدوم، وأن مفاعيل الوساطة الباكستانية ستشمل عاجلا القول من جانب الإدارة الأميركية لحليفه الإسرائيلي: قِف عند حدّك. وهذا قرأناه في نص الكاتب الإسرائيلي درعــــون لـيـفـي المــتــرجَــم عــن الـعـبـريـة والمـنـشـور يونيو 23 في صحيفة «هآرتس» يوم الثلاثاء . فــفــي خــاتــمــة مـــقـــال الـكـاتـب 2026 ) (حـــــزيـــــران نقرأ الآتـــي: «لقد ظهرت الشقوق الأُولـــى فعلاً، وبشكل واضح: اتفاق مع إيران وتجاهُل كامل لإســـرائـــيـــل، الــتــي تـجـاهـلـت الــعــالــم والـــولايـــات المـــتـــحـــدة طـــــــوال أعـــــــــوام. وهـــــــذه لـــيـــســـت ســـوى البداية: فالعالم، الذي هاله ما فعلتْه إسرائيل فـي قـطـاع غـــزة، سيحاسبها. ولــن تـعـود دولـة تُرتكب فيها إبـادة جماعية مدللة الغرب. ولن تبقى دولة، يشارك مواطنوها في تنفيذ مذابح (بــروغــرومــات) يومية بـالـتـعـاون مـع جيشهم، شريكا في أُسـرة الأمـم. لقد بدأ الحلم يتحقّق. وسيكون كابوساً». خـاصـة الــقــول: ارتــدعــت إسـرائـيـل عـاجـاً، أو لا بـــد مـــن ارتـــداعـــهـــا آجـــــاً، مـــا هـــو مـهـم أنـه بــــات لــأمــتــن الــعــربــيــة والإســـامـــيـــة الـوسـيـط الــــذي بـتـعـاون مــع مـرجـعـيـات خـلـيـجـيـة، يتقن الـتـخـاطـب، وصــبــور إلـــى درجـــة أن التعقيدات الاســتــفــزازيــة لا تـسـتـوقـف المـهـمـة المــوكــولــة من الأمتين له. بوركت هِمم سُعاة الخير. يعكس الاجتماع الـــوزاري الخليجيالأمـــــيـــــركـــــي، الـــــــــذي عُـــــقـــــد فـــــي الـــعـــاصـــمـــة 25 الـــبـــحـــريـــنـــيـــة المــــنــــامــــة يــــــوم الـــخـــمـــيـــس يـونـيـو (حــــزيــــران) الــحــالــي، ومـــا تضمنه مـــــن بــــحــــث لــــلــــمــــفــــاوضــــات الـــــجـــــاريـــــة بــن الولايات المتحدة وإيــران، أن دول الخليج لا تــنــظــر إلــــى مـــذكـــرة الــتــفــاهــم بـوصـفـهـا شــأنــا ثـنـائـيـا بــن واشــنــطــن وطـــهـــران، بل مــســار سـتـنـعـكـس نـتـائـجـه مــبــاشــرة على أمــــن المــنــطــقــة واســـتـــقـــرارهـــا ومـصـالـحـهـا الحيوية. فالتفاهم المبدئي يمثّل خطوة مهمة في اتجاه خفض التصعيد وإنهاء العمليات العسكرية والانتقال من منطق المـــواجـــهـــة إلــــى مــســار الـــتـــفـــاوض، غــيــر أن قـيـمـتـه الـحـقـيـقـيـة ســتُــقــاس بــقــدرتــه على التحول إلى اتفاق دائم يعالج جذور الأزمة ويمنع تكرارها. ومــــن هــنــا، فــــإن الــتــرحــيــب الخليجي بـمـذكـرة الـتـفـاهـم، ودعـــم جـهـود الوساطة والتهدئة التي بذلتها باكستان وقطر، لا يعني الاكتفاء بوقف الحرب أو انتظار ما ستنتهي إليه المفاوضات، بل يؤكد أهمية أن تـــراعـــي أي تــرتــيــبــات مـقـبـلـة مـصـالـح دول الــخــلــيــج، وأن تــعــيــد حـــريـــة المــاحــة في مضيق هرمز إلـى وضعها الطبيعي، وتــــعــــزز أمـــــن المــنــطــقــة والــــعــــالــــم، وتــحــتــرم سـيـادة الـــدول وعــدم التدخل فـي شؤونها الداخلية، بحيث يكون أمـن الخليج جزءا أصــيــا مــن مـضـمـون الاتــفــاق الـنـهـائـي، لا نتيجة لاحقة له. وبـــــالـــــتـــــالـــــي يــــــكــــــون الــــــــســــــــؤال المــــهــــم والـجـوهـري ليس مـا تـريـده واشـنـطـن من طـهـران، أو مـا تسعى طـهـران إلـى انتزاعه مــن واشـنـطـن فـحـسـب، بــل مــا تــريــده دول الخليج من هذا الاتفاق. فهذه الـدول، وإن لم تكن طرفا مباشرا في الحرب، كانت في قلب تداعياتها الأمنية والاقتصادية؛ لأن المنطقة هي المجال المباشر الــذي ستظهر فيه آثار أي اتفاق، نجاحا أو إخفاقاً. ومن ثم، فإن أي تسوية قابلة للاستمرار ينبغي أن تنظر إلـــى أمـــن الـخـلـيـج بـوصـفـه جــزءا من جوهر الاتـفـاق، لا ملفا مؤجلا إلـى ما بعده. ولـــذلـــك فـــــإن أول المــطــالــب الخليجية هـــو أن تـــكـــون دول الــخــلــيــج حـــاضـــرة في المــــشــــاورات المـرتـبـطـة بـــالاتـــفـــاق، ومطلعة على مـسـارات التفاوض وتـطـوراتـه، ليس من باب المشاركة الشكلية، بل لأن أي تفاهم بـــن واشــنــطــن وطـــهـــران سـتـتـجـاوز آثـــاره حدود الطرفين لتنعكس مباشرة على أمن الخليج، وحرية الملاحة، وأسـواق الطاقة، واستقرار المنطقة. وبالتالي فإن التشاور المنتظم مـع دول الخليج ومشاركتها في أي اجتماعات لن يعرقل مسار التفاوض، بـل بالعكس ســوف يعطيه واقـعـيـة أكبر، ويـــضـــمـــن أن تُــــصــــاغ الـــتـــرتـــيـــبـــات المـقـبـلـة عــلــى نــحــو يـــراعـــي مــصــالــح الـــــدول الأكــثــر تأثرا بتداعيات التصعيد. فـدول الخليج لا تـريـد أن يـكـون الاتــفــاق تـسـويـة ثنائية تـــوقـــف الـــحـــرب مـــؤقـــتـــا، وتـــتـــرك هــواجــس الــجــوار معلقة، بـل هـو إطـــار أوســـع يضع أمن المنطقة في صلبه، ويجعل الاستقرار نتيجة مشتركة، لا ترتيبا يقرر بعيدا عمن ستنعكس عليه كلفته. فلا نريد تكرار ما حدث في تجربة الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد الرئيس الأسبق باراك 2015 عام أوبــــامــــا. فــقــد جــــرت تــلــك المـــفـــاوضـــات بين »، فــي حــن غابت 1+5« إيــــران ومـجـمـوعـة دول الـخـلـيـج عــن طــاولــة الــتــفــاوض، رغـم أنها كانت الأقرب جغرافيا والأكثر تعرضا لتداعيات السلوك الإيراني في المنطقة. وبالتالي كان الاتفاق ناقصاً، وعالج جــانــبــا مـــن المـــلـــف الــــنــــووي وتـــــرك المـلـفـات المـهـمـة الأكــثــر اتــصــالا بـأمـن دول الخليج خــــــارج المـــعـــالـــجـــة، مـــثـــل دعـــــم الــجــمــاعــات المسلحة، والتدخلات الإقليمية، وتطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. وعـلـيـه جـــاء هـشّــا ثــم تعثر لاحــقــا، لأن أي اتــــفــــاق مــــع إيــــــــران لا يــنــعــكــس فـــقـــط عـلـى ميزان القوى الدولي، بل على أمن الجوار المباشر. كـمـا أن حـريـة الـعـبـور فــي مضيق هرمز تــأتــي فـــي قــمــة المــطــالــب الـخـلـيـجـيـة، بصفته شـــريـــانـــا حـــيـــويـــا لأمـــــن المــنــطــقــة والاقـــتـــصـــاد العالمي. والمطلوب هنا ليس فقط إعـادة فتح المضيق بعد إغلاقه أو تهديده، وإنما ضمان أن تبقى الملاحة فيه طبيعية وآمنة ومستقرة فــــي كــــل الــــــظــــــروف، وألا يـــتـــحـــول إلــــــى ورقــــة تفاوض أو أداة ضغط تستخدم عند كل أزمة. فــــالمــــضــــيــــق مــــمــــر دولــــــــــي تــــتــــصــــل بــه مصالح دول الخليج والـعـالـم، ولا يجوز ربـــط حـريـتـه بـــأي مـبـاحـثـات سـيـاسـيـة أو تـــرتـــيـــبـــات مـــؤقـــتـــة أو قـــيـــود اســتــثــنــائــيــة. وعــلــيــه، فــــإن أي اتــفــاق نـهـائـي ينبغي أن يـكـرس بــوضــوح حـريـة الـعـبـور، وانـتـظـام حركة السفن والـطـاقـة والـتـجـارة، ورفـض أي محاولة لفرض سيطرة أحادية عليه، أو فرض رسوم أو ترتيبات مالية مباشرة أو غير مباشرة تمنح إيـــران قــدرة عملية على التحكم في الممر، فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إغـاق المضيق مـرة، بل في تحويل أمنه من حق دولي ثابت إلى ملف قابل للمساومة والابتزاز السياسي. كــــــذلــــــك هــــــنــــــاك الـــــتـــــهـــــديـــــد المــــرتــــبــــط بــالــجــمــاعــات المـسـلـحـة المــرتــبــطــة بـــإيـــران، الـــتـــي لا تــــــزال تـــمـــثّـــل أحـــــد أبــــــرز مـــصـــادر الـــقـــلـــق لأمـــــن الـــخـــلـــيـــج والمـــنـــطـــقـــة، والـــتـــي رأينا كيف تستطيع هـذه الجماعات نقل الـتـوتـر والـفـوضـى مــن سـاحـة إلـــى أخـــرى، مثلما حصل في لبنان وسـوريـا والعراق واليمن وغيرها من الـدول. وكيف انتقلت الصواريخ والطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية إلى هذه الجماعات، لتستخدم فـــي تــهــديــد المــــوانــــئ والمـــنـــشـــآت الـحـيـويـة وقــــطــــاع الـــطـــاقـــة والاســــتــــقــــرار الـــداخـــلـــي. وبـــالـــتـــالـــي، فــــإن أي اتـــفـــاق جــــاد يــجــب أن يـــتـــضـــمّـــن الــــتــــزامــــا واضـــــحـــــا بــــوقــــف نـقـل الصواريخ والطائرات المسيّرة والتقنيات الـعـسـكـريـة إلــيــهــا، وإنـــهـــاء أشـــكـــال الــدعــم المــــالــــي والـــلـــوجـــســـتـــي والــــتــــدريــــبــــي الــتــي تـمـكّــنـهـا مـــن الاســـتـــمـــرار بـوصـفـهـا أدوات للضغط وتهديد أمن المنطقة. أمــا المطلب الــرابــع فيتعلق بمعالجة الأضـــرار الـتـي لحقت بــدول المجلس جـراء الـحـرب الأخــيــرة، وهــو حـق تكفله مبادئ الـقـانـون الـــدولـــي، بـاعـتـبـاره امـــتـــدادا لحق الـــــدول فـــي المـطـالـبـة بـجـبـر الأضــــــرار الـتـي تلحق بها نتيجة الأعمال غير المشروعة. فـهـذه الـــدول لـم تكن طـرفـا فـي الـحـرب ولم تــؤيــدهــا، ومـــع ذلـــك تـعـرضـت لاسـتـهـداف إيـــــــرانـــــــي تــــرتــــبــــت عــــلــــيــــه أضـــــــــــرار أمـــنـــيـــة واقتصادية، واضطراب في حركة التجارة والطاقة، وارتفاع في مستوى المخاطر على المـنـشـآت الـحـيـويـة. فـا يمكن لأي تسوية أن تفتح صفحة جديدة من حسن الجوار وهي تتجاهل التكلفة التي تحملتها دول الخليج في أمنها واستقرارها ومصالحها الحيوية. كما أن معالجة هذه الأضــرار لا ينبغي أن ينظر إليها بوصفها عقبة أمام السلام، بل باعتبارها جـزءا من الاعتراف بـــالـــضـــرر، وتـــرســـيـــخ المـــســـؤولـــيـــة، وبـــنـــاء الثقة، وتهيئة بيئة أكثر استقرارا لعلاقات تقوم على حسن الجوار واحترام السيادة. وأخيراً، فإن ما تريده دول الخليج من أي اتفاق مع إيــران شـيء بسيط وواضـح، وهـــــو بـــنـــاء إطــــــار أوســــــع لـــلـــســـام وحــســن الجوار، يقوم على احترام السيادة، ورفض الــتــدخــل، وصــــون أمـــن المـنـطـقـة ومـمـراتـهـا ومـصـالـحـهـا الـحـيـويـة، وأن يـكـون اتفاقا حقيقيا يعالج جذور الأزمـة ويفتح الباب أمام علاقة أكثر توازنا مبنية على المصالح المشتركة، والتعاون الاقتصادي والأمني، واســـتـــثـــمـــار الـــفـــرص الـــتـــي تـــخـــدم شـعـوب المنطقة. وبالتالي، فإن أمن الخليج يجب ألا يكون مسألة هامشية فـي أي تسوية، بـــل يـــكـــون أســـاســـا مـــن أســســهــا وضــمــانــة لاســـتـــقـــرار المــنــطــقــة وانــتــقــالــهــا مـــن إدارة الأزمات إلى صناعة السلام والازدهار. فؤاد مطر إبراهيم العثيمين عادل درويش OPINION الرأي 14 الاتفاق الأميركي ــ الإيراني بعيون خليجية صار للأمتين وسيط صبور بريطانيا... ما بعد ستارمر

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky