issue17379

الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel في البدء كان الصراع، كما كتب خلدون النقيب، فــالإنــســان بــغــرائــزه والمـجـتـمـعـات بـعـاقـاتـهـا والــــدول بمصالحها، وقد جرت في ساقية كل من الثلاثة مياه مـتـعـددة وكـــان لها مـشـارب مختلفة ومــصــادر شتى، وتطورت مع هذا التطور العلوم البشرية التي بحثت في علم الإنسان وفي علم الاجتماع وعلوم السياسة. كـــان وصــــول المـطـبـعـة مـــع «نــابــلــيــون» إلـــى مصر مـــرحـــلـــة مــهــمــة فـــي تـــاريـــخ الــثــقــافــة الــعــربــيــة فـــي عــام لأهـداف تخدم حملته وأغراضه، ولكنها شكلت 1798 فتحا جديدا في الثقافة العربية، ونقلتها من مرحلة تــاريــخــيــة قــديــمــة إلـــى مــرحــلــة جـــديـــدة كـلـيـا، سمحت بنشر العلوم والمعارف بأشكالها وأنواعها وإيصالها للكثيرين بـمـا لا يــقــارن بـمـا كـــان مــن قـبـل فــي تـاريـخ الـــعـــرب؛ مــا سـمـح بـنـشـر الـتـعـلـيـم والـثـقـافـة والـتـعـمّــق فيهما لدى النخب. كــــــان مـــــن الـــطـــبـــيـــعـــي أن تــــثــــور صـــــراعـــــات حـــول الطباعة وقوتها على نشر المـعـارف والعلوم وخدمة الــدول والمجتمعات؛ ما جعل جميع الــدول بعد مصر في الـدول العربية تهتم بها اهتماما كبيراً. كان الملك عبد العزيز رحـمـه الـلـه مهتما بالطباعة والنشر لأن خصومه من الترك وولاتهم ومـن الإنجليز وأتباعهم فــي المـنـطـقـة اسـتـخـدمـوهـا ضـــده وضـــد دولــتــه الفتية وشعبه الناهض حينذاك. وضمن اهتماماته بتعليم شعبه ورفعته وترقِّيه اتـــجـــه اهـــتـــمـــامـــه لــلــطــبــاعــة لأنـــهـــا تــســهــل نـــشـــر الـعـلـم والتعليم وتـرفـع مـن مستوى الشعب إلــى مستويات أرقى في الحضارة، فدعم كثيرا من المطابع ودور النشر وذلـك لدعم كل ما يقتنع به دينيا وثقافيا وسياسيا وعربيا وإسـامـيـا، وكـانـت لـه الأيـــادي البيضاء التي لا تُنسى في هـذا المـجـال، ويمكن استحضار بعضها مـع رشيد رضــا ومحب الـديـن الخطيب وكـتـب فقهية وتــاريــخــيــة ومـــجـــات وصــحــف فــي كــل مــكــان تقريباً، وهو ما أثار حماسا مقابلا لدى عدد من الدول الكبرى والصغرى في المنطقة وقتها، وكان لليمن نصيب من محاولات مناكفته في مجال الطباعة والمطابع. كلما تــطــوّر الإنــســان تــطــوّرت صــراعــاتــه، فـرديـة كانت أم جماعيةً، بين المجتمعات وبين الأمم كما بين الممالك والـــدول، ولئن كانت «الطباعة» مرحلة مهمة جـدا فـي تـاريـخ آلـيـات الـصـراع وطـرائـق الـجـدل وسبل المـنـاظـرة فإنها بعد انـتـشـارهـا الــواســع لــدى الجميع لــم تـعـد آلــيــة مـمـيـزة لـلـصـراع والـــجـــدال والـبـرهـنـة، بل وسيلة لنشر ذلك كله، ومع تطوّر الصراعات وأزليتها وخلودها فقد تطوّر العمل الجماعي في الصراعات حـــتـــى وصـــــل إلـــــى «مــــراكــــز الــــــدراســــــات» المـتـخـصـصـة والمتكاملة والعميقة والفاعلة. وبــهــذا فـلـم يـعـد الـــصـــراع عـلـى «آلـــيـــات» الــصــراع مهما تطوّرت وانتشرت وتغيرت واختلفت، وقد خرج بعد المطبعة، وكان التطوّر سريعا جدا وعظيم التأثير وبالغ الأثر من المطبعة إلى الإذاعـة ثم من التلفاز إلى الفضائيات، ومن بعد كانت ثورة الإنترنت وصراعات «مـــنـــتـــديـــات الــــــدردشــــــة» ومـــــن ثــــم «مــــواقــــع الـــتـــواصـــل الاجـــتـــمـــاعـــي»، والـــيـــوم يـعـيـش الــعــالــم ثـــــورة «الـــذكـــاء الاصطناعي» بكل تطبيقاته ومعانيه. هــل ينبغي أن نــخــاف مــن الـــذكـــاء الاصـطـنـاعـي؟ وهل يجب أن نلغيه؟ والجواب مختلف بين السؤالين، فالخوف منه لا يغير شيئاً، ولكن القلق منه يجب أن يثير أسئلة عملية في صناعة أمان للبشرية بشكل أو بآخر، وأما فكرة إلغائه فهي فكرة سخيفة لن يستمع لها أحد في ظل الصراعات البشرية المتصاعدة. عـمـر الإنـــســـان والـبـشـريـة فــي الــتــاريــخ الطبيعي لــلـكـون لا يــكــاد يـشـكـل شـيـئـا مــــذكــــوراً، ومــــع ذلــــك فــإن الإنسان شديد التكبّر ويعتقد أنه أهم شيء في الكون بــأســره، ومــن هنا فــإن «الــذكــاء الاصـطـنـاعـي» لا يثير لديه أي مخاوف. كتب هنري كيسنجر أنـه مع الذكاء الاصطناعي «تصبح الحقيقة نسبيةً، وتوشك المعلومات أن تطغى على الحكمة». ومــع كـل هــذه الـتـطـورات الكبيرة التي تطغى فيها كل واحدة على سابقتها، فإن العامل الأكبر في استخدامها وتوظيفها كان «عقل» الإنسان. الــــصــــراعــــات الــــيــــوم هــــي عـــلـــى «مـــــراكـــــز الأبـــحـــاث والدراسات» و«مراكز التفكير» لتشكل حاضنة طبيعية لكل المــواهــب وداعــمــة رئيسية للتوجهات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تدعمها الـدولـة، ومراكز الدراسات في الدول العربية معروفةٌ، وهي قد اتجهت لــلــتــوســع فـــي بــعــض الــــــدول الـخـلـيـجـيـة كــمــا فـــي قطر والإمــارات والسعودية، ولكن وجود هذه المراكز بالغة الأهــمــيــة والــتــأثــيــر لـــم يـكـن عـلـى مـسـتـوى يـــتـــوازن مع المطلوب، ويشكل مرشدا حقيقيا لكل التطورات المذهلة في القرنين الأخيرين من تاريخ البشرية. أخيراً، فمن «المطبعة» إلى «الذكاء الاصطناعي» كان المحرك الأكبر والمؤثر الأعظم هو «العقل» البشري، وهو ما تصنعه «مراكز الأبحاث والدراسات». مراكز الأبحاث من «المطبعة» إلى «الذكاء الاصطناعي» لا يُقاس نضج المجتمعات بعدد دساتيرها أو بتعدد أحـزابـهـا، بـل بقدرتها على الاعـتـراف بالآخر شريكا متساويا في الـوطـن، فالدساتير يـمـكـن أن تُــكـتـب بـسـهـولـة، لـكـن الأصــعــب هــو أن تــتــحــول إلــــى ثــقــافــة اجــتــمــاعــيــة تــحــكــم الــســلــوك الــعــام، ومـــن هـنـا تـبـدأ معضلة الــشــرق الأوســـط، حيث سبق بناء المؤسسات بناء الثقافة، فبدت الديمقراطية في كثير من التجارب جسدا حديثا يحمل عقلا اجتماعيا لا يــزال أسير العصبيات والــــهــــويــــات الـــفـــرعـــيـــة، وخـــــــال الــــقــــرن المــــاضــــي، تــنــقــلــت المـــنـــطـــقـــة بــــن الـــقـــومـــيـــة والاشــــتــــراكــــيــــة، ثـــم الإســــــام الــســيــاســي، وصــــــولا إلــــى الـتـعـدديـة الحزبية والدساتير الحديثة، ورغم هذا التنوع، فــــإن الـــســـؤال الأســـاســـي ظـــل قـائـمـا: لمــــاذا تعثرت مشاريع بناء الدولة رغم كثرة الدساتير وتعدد الانتخابات وتبدل الأنظمة؟ يــكــمــن جـــــزء أســــاســــي مــــن الإجــــابــــة فــــي أن قـبـول الآخـــر لــم يـتـحـوَّل إلـــى ثـقـافـة مـسـتـقـرة، بل ظـــل مـرتـبـطـا بطبيعة الـسـلـطـة ومــوازيــنــهــا، فقد يُقبل المختلف دينيا ويُرفض قومياً، أو يُحتفى بـــه قـومـيـا ويُــقــصــى مـذهـبـيـا، أو يُــمـنـح حـقـه ما دام منسجما مع خطاب السلطة ثم يُقصى حين يختلف معها، وهكذا أصبحت المواطنة مفهوما مــتــغــيــراً، لا قــيــمــة ثـــابـــتـــة، وهـــنـــا تـــبـــرز الـتـجـربـة نموذجا واضحا لهذا التعقيد، 1958 العراقية منذ فقد تعاقبت أنظمة وشعارات متباينة، ثم دخل مـــرحـــلـــة تـــعـــدديـــة سـيـاسـيـة 2003 الــــعــــراق بـــعـــد ودســتــوريــة واســعــة، غـيـر أن الـتـحـول المؤسسي لم يُنتج تحولا مماثلا في الثقافة السياسية، إذ بقيت الطائفة والقومية والعشيرة فاعلة بقوة في تشكيل السلوك السياسي، وتحولت الأحزاب في حالات كثيرة إلى امتدادات لهويات اجتماعية، لا إلى مؤسسات وطنية جامعة. ، فــقــد سـلـكـت مــســارا 1979 أمــــا إيـــــران بــعــد مختلفا فــي الـشـكـل، لـكـنَّــه الـتـقـى مــع الــعــراق في الــنــتــيــجــة، فـــقـــد تـــأســـس الـــنـــظـــام عـــلـــى مـرجـعـيـة آيـــديـــولـــوجـــيـــة واضــــحــــة، وأصـــبـــحـــت الــتــعــدديــة السياسية محكومة بسقف تلك المرجعية، مما جعل قـبـول الآخـــر ممكنا داخـــل الإطــــار، وصعبا خــــارجــــه، وهــــكــــذا اخــتــلــفــت الأدوات، لـــكـــن بـقـي الـــتـــحـــدي واحـــــــداً: كــيــف تُــبــنــى دولـــــة حــديــثــة في مـجـتـمـع لـــم يـسـتـقـر بــعــد عــلــى مــفــهــوم المــواطــنــة الجامعة؟ ولا يـــقـــتـــصـــر هـــــــذا الإشــــــكــــــال عــــلــــى هـــذيـــن النموذجين، بل يمتد إلى معظم دول المنطقة، حيث أعــادت الأنظمة تعريف المواطنة وفـق هوياتها؛ قومية أو دينية أو سياسية، بـدل أن تُبنى على أســاس الحقوق المتساوية، وفـي جميع الحالات بقيت الدولة الحديثة مشروعا غير مكتمل، لأن المـجـتـمـع نـفـسـه لــم يـحـسـم عـاقـتـه بـالانـتـمـاءات الأولية، ولعل ابن خلدون كان أول مَن أشـار إلى جذور هذه الإشكالية حين جعل العصبية أساسا في قيام الدول وسقوطها، بوصفها رابطة تسبق القانون في تشكيل الولاءات، وبعده بقرون، أعاد علي الوردي قراءة المجتمع من زاوية الصراع بين قيم البداوة ومتطلبات الدولة الحديثة، مبينا أن تغيير الأنظمة لا يعني بالضرورة تغيير البنية الاجتماعية. وفي الفكر السياسي الحديث، يرى توكفيل أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع، بل ثقافة مـدنـيـة تـقـوم عـلـى المـــســـاواة واحـــتـــرام الاخــتــاف، بينما يحذر هنتنغتون من فجوة خطيرة تنشأ عــنــدمــا يــســبــق الــتــحــديــث الــســيــاســي الـتـحـديـث الاجـتـمـاعـي، حـيـث تُــســتــورد المــؤســســات قـبـل أن تتشكَّل القيم التي تحميها، وهنا تقدم تجارب شرق آسيا دلالة مهمة في هذا السياق، فاليابان وكــــوريــــا الــجــنــوبــيــة وســـنـــغـــافـــورة لــــم تـــبـــدأ مـن التعددية الحزبية، بـل مـن التعليم والانضباط المؤسسي وإعـــادة بناء الإنـسـان، قبل أن تتوسع المـــشـــاركـــة الــســيــاســيــة لاحـــقـــا بــوصــفــهــا امـــتـــدادا لتطور اجتماعي واقتصادي طويل. وفـي السياق نفسه، بــرزت فـي دول الخليج العربي تجارب مختلفة، لم تقم على استنساخ النموذج الحزبي الغربي، بل على بناء مسارات تــنــمــويــة وإداريــــــــة خـــاصـــة بـــهـــا، ربـــطـــت شـرعـيـة الدولة بقدرتها على تحقيق الاستقرار والتنمية وتـــحـــســـن جـــــــودة الـــحـــيـــاة وتـــوســـيـــع المـــشـــاركـــة بـــصـــورة تــدريــجــيــة، وقــــد أثــبــتــت هــــذه الــتــجــارب أن نجاح الأنظمة لا يُــقـاس بمدى تشابهها، بل بــقــدرتــهــا عــلــى الــتــكــيــف مـــع بـيـئـاتـهـا وتـحـقـيـق التوازن بين الاستقرار والتنمية والمشاركة. في المقابل، أظهرت تجارب عربية أخـرى أن استنساخ النموذج الحزبي في بيئات منقسمة اجـــتـــمـــاعـــيـــا لــــم يـــــــؤد بــــالــــضــــرورة إلــــــى تــرســيــخ الـــديـــمـــقـــراطـــيـــة، بــــل أســـهـــم أحـــيـــانـــا فــــي تـكـريـس الـهـويـات الـفـرعـيـة، وتـحـويـل الأحــــزاب إلـــى أذرع طائفية وعشائرية، مما أنتج المحاصصة وتراجع كــفــاءة الـــدولـــة واتـــســـاع الــفــســاد، حـتـى أصبحت الانتخابات في بعض الحالات أداة لإعادة إنتاج الانقسام بـدلا من تـجـاوزه، ولا يعني ذلـك رفض الديمقراطية أو تقديم نـمـوذج واحـــد بـديـل، بل يؤكد أن النظم السياسية لا تُقاس بمعيار واحد، وأن نجاحها يرتبط بمدى انسجامها مع البيئة الاجتماعية وقـدرتـهـا على تطويرها تدريجياً، فالمشكلة ليست فـي الديمقراطية ذاتـهـا، بـل في افـتـراض إمكانية نقلها بوصفها حزمة جاهزة دون المــــرور بـمـرحـلـة بـنـاء اجـتـمـاعـي مـــــوازٍ، فقد أثبتت تـجـارب المنطقة أن تغيير الأنظمة أسهل مــن تغيير المـجـتـمـعـات، وأن الــتَّــحــول السياسي من دون تحول ثقافي يظل ناقصاً، ولهذا تعثرت مشاريع فكرية مختلفة، لأن العلاقة بين المواطن والدولة لم تُعد صياغتها بما يكفي. وفـي النهاية، يمكن القول إن بناء الدولة فـــي الـــشـــرق الأوســــــط يـــبـــدأ مـــن بـــنـــاء الإنـــســـان، فـقـبـول الآخــــر لـيـس نـتـيـجـة لـلـديـمـقـراطـيـة، بل شرط لنجاحها، وعندما تصبح المواطنة قيمة راسخة في التعليم والثقافة والسلوك، يصبح شكل النظام السياسي قـابـا للتطور، أمــا في غـيـاب ذلـــك، فستبقى أفـضـل الـدسـاتـيـر عـاجـزة عن إنتاج دولة مستقرة، لأن الدولة لا تُبنى في الـنـصـوص وحـــدهـــا، بــل فــي وعـــي مــن يُــفـتـرض أنَّهم يعيشون داخلها. قبول الآخر... وبناء الدولة في الشرق الأوسط OPINION الرأي 13 Issue 17379 - العدد Sunday - 2026/6/28 الأحد كفاح محمود عبد الله بن بجاد العتيبي [email protected]

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky