issue17379

وسـيـط وطــرفــان أسـكـتـوا الـبـنـادق فـي واحـــدة مـن أخطر حــــروب الــقــرن الـــحـــادي والــعــشــريــن، فـقـد شـهـد قـصـر فـرسـاي التاريخي في باريس توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عـلـى مــذكــرة الـتـفـاهـم مــع إيـــــران. كـمـا وقَّــــع الـرئـيـس الإيــرانــي مـسـعـود بـزشـكـيـان عليها فــي طــهــران، فــي حــن وقَّـــع شهباز شريف، رئيس وزراء باكستان، بصفته ضامنا في إسلام آباد، رغم أن الجميع لا يزال يتحسَّس مسدسَه، ولا تزال دول الإقليم تترقَّب لعبة الخرائط. إن للخطر وجـوهـا متعددة فـي تلك الـحـرب، لا تبدأ من الــتــجــرؤ عـلـى إغــــاق المــضــائــق والمـــمـــرات الــبــحــريــة، وتـمـزيـق قانون البحار الـذي ينص على حرية المـرور العابر والبريء، ولا تنتهي عند إشعال حرب شاملة وكارثية بالقرب من أهم شريان عالمي للطاقة، أي منطقة الخليج الحيوية، تلك التي شكلت على مدى عقود مثالا للتنمية الاقتصادية، واستلهام الــحــداثــة المــعــمــاريــة والــثــقــافــيــة، والانـــفـــتـــاح عـلـى جـمـيـع دول العالم، لكنَّها وجدت نفسها في خضم حرب مرفوضة، طالما حـذَّرت من اندلاعها، وحاولت تفاديها، ومنعها بكل السبل، والتحركات الدبلوماسية. ولعل اتفاق بكين الذي رعته الصين بين السعودية وإيران كان أحد الأوتاد الدبلوماسية المهمة في تلك المنطقة الحيوية، لكن الحرب وجهت ضربة قاسية إلى روح هذا الاتفاق، ورغـم ذلك فإن دول الخليج رحبت بتوقيع مذكرة التفاهم، وإسكات القنابل، تمهيدا لصياغة رؤية عربية مختلفة للتعامل مع الرمال العالمية المتحركة. وحين أقول إنَّها واحدة من أخطر الحروب العالمية فلا أبالغ، فقد أثرت في كل اقتصاد العالم حتى أصغر قرية منسية، وعبثت بالقانون الدولي المنظِّم للتجارة، وتدفق السلع، وحرية سلاسل الإمداد، وكشفت مدى هشاشة النظام الدولي القائم. لا أقـــول ذلـــك مــن بـــاب المـبـالـغـة، فالجميع خـــرج بـــدروس عميقة، ولذلك رحبوا بتوقيع مذكرة التفاهم، وبدء مفاوضات في سويسرا بين واشنطن وطهران برعاية الوسطاء، للتوصُّل إلى حلول جذرية للملفات الخطيرة: الملف النووي، وانتشار أسلحة الـدمـار الـشـامـل، وحـريـة المـاحـة فـي مضيق «هـرمـز»، وترسيخ مبدأ احترام سيادة الدول. ولا شــك أن أهــــم درس أفـــرزتـــه هـــذه الــحــرب هــو الـنـظـرة العميقة التي ينبغي أن تتبنَّاها دول الإقليم العربي، تجاه مقدراتها وأمنها، فالمطلوب أولا امتلاك وسائل الدفاع الكفيلة بـــردع المـغـامـريـن، والـطـامـحـن إلــى الـتـوسـع، وتـهـديـد الطاقة والملاحة والتجارة، مع التفكير بمرونة دبلوماسية في إدارة الـعـاقـات مـع أطـــراف الــجــوار الإقـلـيـمـي، ومنعها مـن التجرؤ مرة أخرى. وقد أعادت تلك الحرب المجنونة طرح سؤال الأمن العربي الجماعي، وقدرة الدول العربية على بناء منظومة ردع وتنسيق مستقلة، تحمي مصالحها بعيدا عن الاستقطابات الإقليمية والدولية، فقد كشفت عن أن المسألة لم تعد تحتاج إلـــى فــك الألـــغـــاز، لأن دول الـــجـــوار المـخـتـلـفـة أنــشــأت لنفسها ميليشيات وأذرعــا مسلحة داخـل أطــراف الإقليم العربي: في اليمن ولبنان والعراق وفلسطين وسوريا وليبيا والسودان، وزاد الطين بلة أن هذه الأطراف لعبت دورا بارزا في تفتيت قوة الدولة العربية الوطنية، وعملت على إضعاف الإقليم العربي واستنزاف موارده. وطـبـعـا لا يـمـكـن إغــفــال الـعـامـل الإســرائــيــلــي. فـقـد وقـف وحيدا يعارض مذكرة التفاهم، ويتنبأ بحرب جديدة، ويرفض التوقف عن الحروب في غزة ولبنان وسوريا، ويضيف تركيا إلى قائمة المواجهات المحتملة في وقت قريب. ولـــذلـــك، فــــإن وصـــف نــائــب الــرئــيــس الأمـــيـــركـــي، جـــي دي فـانـس، المـوقـف الإسـرائـيـلـي بـأنَّــه مـصـاب بحالة مـن الـذعـر لم يكن بعيدا عن الحقيقة، فنهاية الحرب بما آلـت إليه كشفت الأعصاب العارية في المنطقة، وأظهرت أن دول الإقليم العربي فــي حــاجــة إلـــى مـيـثـاق مـخـتـلـف، يــقــوم عـلـى الــتــعــاون الأمـنـي والاقـــتـــصـــادي والاجــتــمــاعــي، ضـمـن مـنـظـومـة دفــاعــيــة قـويـة، وانفتاح دبلوماسي عقلاني، يؤكد أن هـذه الــدول لن تسمح لأي طـرف إقليمي بـأن يجعل من المنطقة مسرحا لتصوراته ومشروعاته، سواء عبر تكوين ميليشيات ولائية لهذا الطرف أو ذاك، أم عبر استخدام أراضيها منصات لإطـاق الحروب، مهما تكن المبررات. دول الإقـــلـــيـــم الـــعـــربـــي يــجــب أن تـــدافـــع عـــن مـصـالـحـهـا الـــحـــيـــويـــة، وتــــرســــل بـــرســـالـــة واضــــحــــة إلـــــى جــمــيــع الأطــــــراف الإقليمية والدولية بأن «الدرس انتهى». ويــبــقــى المــلــف الـــنـــووي الإيــــرانــــي، وكـــذلـــك المــلــف الــنــووي الإسـرائـيـلـي، مـن أخـطـر المـلـفـات على شـعـوب المنطقة والـعـالـم، والمطلوب العمل على إخلاء الشرق الأوسـط من أسلحة الدمار الشامل بجميع أشكالها، إلى جانب إيجاد حل عـادل ونهائي لـلـقـضـيـة الـفـلـسـطـيـنـيـة، يــفــضــي إلــــى قـــيـــام دولـــــة فلسطينية مـسـتـقـلـة، وتــوحـيـد الفلسطينيين ضـمـن إطــــار وطــنــي جـامـع، بعيدا عن الميليشيات، والتوظيف من قبل الأطراف الإقليمية. ولـــعـــل دول الإقــلــيــم الـــعـــربـــي، بـــالـــتـــوازي مـــع المــفــاوضــات الأمـــيـــركـــيـــة - الإيــــرانــــيــــة فــــي ســـويـــســـرا، تـــتـــحـــرك كــخــلــيــة نـحـل واحــــــــدة، لــصــيــاغــة رؤيــــــة عـــربـــيـــة أكـــثـــر تـــمـــاســـكـــا، فـــلـــن يـحـمـي المنطقة ومقدراتها سـوى أبنائها، وقـد كشفت تلك الحرب عن أن جميع الأطــــراف عــمــدوا إلـــى إشـعـالـهـا دون اعـتـبـار حقيقي لمقدرات الإقليم، ومصالح شعوبه، وكادت تدفع العالم كله إلى الاختناق، ومـن ثم فـإن اليوم التالي للحرب وإسـكـات البنادق يفرضان علينا التحرك فـي مـسـار مختلف، وأعتقد أن الــدول العربية الكبرى والوازنة والمسؤولة، وقد رحَّبت بانتهاء هذه الجولة من الحرب، بدأت بالفعل في التفكير في صياغة فلسفة جــديــدة لــأمــن والاســـتـــقـــرار والـتـنـمـيـة فــي المـنـطـقـة، فـالـحـروب تنتهي بتوقيع الاتـفـاقـات، أمَّــا الـسـام الحقيقي فيبدأ عندما تدرك دول الإقليم أن أمنها ومصالحها لا يحميهما إلا أبناؤها. الـــقـــاســـم المـــشـــتـــرك بــــن الأحــــــــزاب والــــحــــركــــات والأنـــظـــمـــة الـــقـــومـــيـــة، عــلــى اخــتــافــهــا جــغــرافــيــا وديـــنـــيـــا ولـــغـــويـــا، أنَّــهــا شوفينية، أحادية النظرة إلى العالم، وضيقة الرؤية إلى درجة استعدادها لقراءة وكتابة التاريخ بالمقلوب، من خلال إعادة اختراع الماضي وتزوير الحقائق لتناسب سرديتها المضللة. ذكّــرنـي بذلك مــرور الـذكـرى العاشرة للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، التي حلّت يوم الثلاثاء الماضي. الغريب أن الذكرى مرّت من دون أن تحظى باهتمام حتى من الذين دعموا «بريكست» وقــادوا الحملات في الاستفتاء عام . قــد يـقـول قـائـل إن الأوضــــاع السياسية الـتـي تـمـر بها 2016 البلاد ممثلة في استقالة رئيس الحكومة السير كير ستارمر، لـم تـتـرك فـراغـا للاحتفاء بـالـذكـرى. وهــو تبرير يحتمل أكثر من قولين. وها هي بريطانيا تستعد حاليا لاستقبال رئيس حكومة جديد، لم يصوّت في الاستفتاء لصالح الخروج، لكن عليه الانـصـيـاع، مثل سابقيه، لـقـرار الشعب، حتى وإن كان الشعب فريسة لحملة مضللة من الأكاذيب. قـبـل الاسـتـفـتـاء بـــأيـــام، كـــان قـــادة حملة الـــخـــروج كـرمـاء فــي تـقـديـم الـــوعـــود. عـلـى سبيل المــثــال وعــــدوا بـــأن بريطانيا ستتخلص مــن سـيـاسـة التقشف الـنـاتـجـة عــن الأزمــــة المالية ، وعـكـس تـراجـع الـوظـائـف ذات الأجـــور الجيدة 2008 فـي عــام فـي قـطـاع التصنيع، والاتــجــار بـحـرّيـة وربـحـيـة فـي الأســـواق الــــدولــــيــــة، وإعــــــــادة المـــهـــاجـــريـــن الـــقـــادمـــن مــــن شـــــرق ووســــط أوروبـــا إلـى بلدانهم. وكــان الوعد بالعودة إلـى مجد الماضي الإمــبــراطــوري فـي المـركـز مـن تلك الــوعــود. بـوريـس جونسون الــذي أصبح لاحقا رئيسا للحكومة، كـان يقول بشاعرية إنه يرى المـروج المضيئة بنور الشمس بعد الخروج. العجيب أن في المائة من البريطانيين أوصــدوا عقولهم وصدقوا تلك 52 الأكاذيب. المليارات التي قيل إنَّها ستعود من بروكسل إلى الخزينة الـبـريـطـانـيـة فـــور تحقيق الـــخـــروج لــم تــعــد، وكــذلــك الـسـيـادة والتحكم على الــحــدود. لــدى التوقيع على الاتـفـاق فـي بداية ، دخـلـت الــبــاد فــي أزمــــات عـــدة أبــرزهــا عـجـز كبير 2020 عـــام فــي الـعـامـلـن فــي قـطـاع الـضـيـافـة، لأن أغـلـب الـعـامـلـن بــه من بلدان أوروبـيـة، وكذلك نقص في الـوقـود في محطات البيع؛ لأن سائقي الشاحنات التي كانت تنقل الوقود غـادروا البلاد كونهم ينتمون إلــى دول أوروبـــيـــة، فـاضـطـرت الحكومة إلى الاستعانة بالجيش لتزويدها بمن يقود تلك الشاحنات. الأســـوأ مـن ذلــك أن مـوجـات الهجرة عبر البحر ارتفعت بنسبة كبيرة، ولم يعد ممكنا رد الواصلين منهم إلى الشواطئ البريطانية؛ لأن بريطانيا بقطعها جسورها مع بروكسل لم تعد طرفا في اتفاق دبلن، الذي يقضي بإعادة المهاجرين غير القانونيين إلى أول بلد أوروبي دخلوه. وما زاد الطين بِلّة أن «بريكست» أعـطـى دفـعـة كبيرة للحركات اليمينية المتطرفة في بريطانيا، وعلى رأسها حزب الإصـاح البريطاني، الذي سرعان ما اقتنص الفرصة التي جاءته، حتى أضحى رئيسه نايجل فـــاراج هـو مـن يـقـرر الأجــنــدة السياسية فـي الساحة، وتــرتــفــع شـعـبـيـتـه فـــي اســتــطــاعــات الــــــرأي إلــــى درجـــــة تـهـدد الـحـزبـن الـرئـيـسـيـن. ظـهـر ذلـــك جـلـيـا فــي شـهـر مــايــو (أيــــار) الماضي خلال انتخابات المجالس البلدية. لـــــم يـــتـــوقـــف الـــتـــأثـــيـــر عـــلـــى حـــــركـــــات الـــيـــمـــن المـــتـــشـــدد البريطاني، بل وصل إلى فرنسا، حيث سارعت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد ماري لوبن، بالترحيب بقرار الـشـعـب الـبـريـطـانـي بــالـخــروج، ودعـــت الـشـعـب الـفـرنـسـي إلـى الاقتداء بنظيره البريطاني، ونحتت مصطلح «فريكست»، أي خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي. إلا أن تلك الدعوة سرعان ما فقدت زخمها بعد أن بــدأت النتائج السلبية لـ«بريكست» تتجلَّى في بريطانيا، حتى طواها النسيان. باختصار، كان «بــريــكــســت» نــمــوذجــا قـومـيـا شـوفـيـنـيـا كـاسـيـكـيـا بـامـتـيـاز، اخترع ماضيا مجيدا وباع وهماً، والفاتورة يدفعها المواطن العادي. «بــريــكــســت»، مـــن جـهـة أخـــــرى، لـــم يـكـن ســهــا عـلـى دول الاتحاد الأوروبي، بل كان ضربة موجعة غير متوقَّعة تلقّتها بروكسل على حين غرة. فخروج بريطانيا من الاتحاد يعني حرفيا فقدان عضو دائـم في مجلس الأمـن الدولي، يملك قوة عسكرية معتبرة، ويحظى باقتصاد متقدم لا سيما في قطاع التقنية الإلكترونية، فضلا عن كونه مقرا لأكبر سـوق مالية في أوروبا. بـــعـــد مـــــــرور عـــقـــد مـــــن الـــــزمـــــن، وبــــالمــــقــــاربــــة بـــــن الـــحـــال البريطاني وأحــوال دول الاتحاد الأوروبــي، يتبين من الأرقـام والإحـــصـــائـــيـــات الــرســمــيــة أن كــفــة كـتـلـة بــروكــســل فـــي الــجــرد الـعـام ترجح بكثير كفة بريطانيا. الأمــر الــذي دعـا كثيرا من الشخصيات السياسية والإعلامية البريطانية إلى التصريح بـــأن «بريكست» كــان خـطـأ. أكـثـر الخسائر تـبـدَّت فـي القطاع الاقتصادي بسبب الحواجز الجمركية التي فُرضت وتسببت في ارتفاع التكاليف والتأخير في الشحن لـزوم الوقت اللازم للترتيبات الإداريــة. الإحصاءات الرسمية تقول إن الاقتصاد في المائة من دخل الناتج العام، 6 و 4 البريطاني خسر ما بين وانـعـكـس ذلــك سلبا على أمـــوال الـضـرائـب الـتـي كـانـت تدخل الخزينة العامة، وتنفَق منها على مشاريع مختلفة. الـــافـــت لــاهــتــمــام أن أحــــــزاب ورمــــــوز الــيــمــن والــيــمــن المتشدد لا تــزال ترفض بعناد الاعـتـراف بالتأثيرات السلبية لـ«بريكست» على بريطانيا اقتصاديا وعسكريا وسياسياً. ولا يزال قادته ومنظِّروه يشيّدون قصورا على الرمال، ويزداد أتباعهم وأنصارهم عدداً. مـــــع مـــــــبـــــــادرة الـــــرئـــــيـــــس الـــــــسَّـــــــادات فــي ، ثــــــم مــــبــــاشــــرتِــــه الـــــتـــــفـــــاوض مـع 1977 عــــــام الإســـرائـــيـــلـــيّـــن، ظـــهـــر فـــي الـــحـــيـــاة الــثــقــافــيّــة المصريّة والعربيّة تـيّــار أقـلّــي ربَّما كــان أبـرز ممثّليه الـراحـل الكبير فـؤاد زكـريَّــا. هـؤلاء لم يكونوا بـالـضـرورة متَّفقين مـع كـل مـا يفعله الـــــسَّـــــادات، لــكــنَّــهــم اعـــتـــبـــروا أن الأخــــيــــر نقل التعاطي مع النزاع من سويّة لاعقلانيّة إلى أخرى عقلانيّة. والـــحـــال أنَّــــه بـعـد المـــبـــادرة والــتــفــاوض، تــراءَى لوهلة أن الـنّــزاع وحلّه باتا يتناولان الأرض والــــــحــــــدود والمـــــــــــوارد والمــــصــــالــــح، لا التَّحيّة والمصافحة وتــنــاول وجـبـة طـعـام أو الظهور في صورة مشتركة. وقبلا كانت الصورة المشتركة أقرب إلى وثـيـقـة جنائيّة تشهد، بما لا يُــدحــض، على الخطايا والخيانات والأفعال الشائنة المُدانة. بــــيــــد أن تــــوقّــــعــــات الـــعـــقـــانـــيّـــن الـــقـــلّـــة جـافـتْــهَــا الــوقــائــع، عـلـى مَـــا هـــي الــحــال غالبا في التَّجارب العربيّة. ومؤخّرا بدأ الإيرانيّون والأمـــيـــركـــيّـــون يـــتـــفـــاوضـــون لإنـــهـــاء الـــحـــرب، فتفاوضوا بالواسطة في عُمَان لكنَّهم، وفق مصادر غربيّة، التقوا وجاهيّا في إسلام آباد وجنيف دون أن تُلتقط لهم صـورة. وكـان قد نُسب إلى رسميّين إيرانيّين رفضهم الصورة المشتركة مع قاتلي مرشدهم علي خامنئي. وفــــي هــــذه الــغــضــون اجــتــمــع، فـــي واشــنــطــن، وفدان عسكريّان لبناني وإسرائيليّ، فرفض اللبنانيّون الظهور في صورة تجمعهم بمن قتلوا عسكريّين لبنانيّين. ولـئـن نبع السبب اللبناني الفعلي من عـجـز لا يـتـرك لأصـحـابـه إلا قـــدرة يتيمة هي ألا تلتقطهم الكاميرا، نتج السبب الإيـرانـي الفعلي عـن عــدم مصارحة الإيـرانـيّــن بإقدام وفـــدهـــم عــلــى عــمــل عـــدّتـــه طـــهـــران الــرســمــيّــة فضائحيّا ً. لكن صوت البداهة الخام يتساءل: إن لم يكن جائزا إجراء «شكليّ» كالتقاط صورة مع القتلة، فكيف يجوز التفاوض معهم، وهو ما يتعدّى «الشكل» إلى «المضمون»؟ إلا أن الصورة أشد تعقيدا من أن تكون شكلا محضاً. فنحن نعلم مثلا بوجود ظاهرة تُــســمّــى «قــلــق الـــكـــامـــيـــرا»، قـــد يــكــون وراءهـــــا حَــــرج مَـــن يُــــراد تـصـويـره لـشـعـوره بـعـيـب ما في مظهره أو جسده، أو لظنّه بأنَّه ليس في أحسن أحواله، أو لأنّه، عند التصوير، لم يكن يرقى إلى تصوّره لذاته. هكذا كان المصوّرون الــقــدامــى فــي اسـتـوديـوهـاتـهـم يـطـلـبـون ممّن يريدون تصويره أن يبتسم، أي أن يبدو على هيئة تتغلّب على معوقات التصوير. فـــالـــصـــورة ورطـــــة بـــالـــتـــالـــي. هـــكـــذا رأى رولان بـارت أن القلق هو ما ينتاب الشخص حــــن يُـــــصـــــوَّر، إذ يــــــدرك فـــجـــأة أنّــــــه «مـــجـــرّد شــيء فـي نظر شخص آخـــر». وبــدورهــا رأت ســــــوزان ســـونـــتـــاغ أن الــــصــــورة تــجــمّــد حـالـة إنسانيّة متدفّقة ومتغيّرة في لحظة و«لقطة» بـــعـــيـــنـــهـــمـــا. وهـــــــــذا، عــــنــــدهــــا، يـــنـــطـــوي عـلـى «اسـتـيـاء» يـصـادر حــرّيّــة صـاحـب الـصـورة، فـــتـــنـــوب لـــحـــظـــة واحـــــــــدة عـــــن ذاتـــــــه وحـــيـــاتـــه المعقّدتين والمتحوّلتين. ولأن الـصـورة قابلة لــلــمــشــاهــدة مــــــرارا وتــــكــــرارا فــهــي تــثــبّــت هــذا الانطباع العابر عن الذين التُقطت صورهم. وقبل بارت وسونتاغ علّمنا ولتر بنجامين أن ظهور التصوير الفوتوغرافي ضرب «الهالة» وأطــــــــاح الاعـــــتـــــداد بـــــالـــــفـــــرادة. وفـــــي الـــعـــقـــود الأخيرة كان لتعاظم الأهميّة التي اكتسبتها الصورة أن رفع درجة الخوف منها وممّا قد تُحدثه من «تشويه» أو «إنقاص». فهي مثلا photograph أو picture يسعها أن تتحوّل من ، أي صـــــــورة بــمــعــنــى الــتــمــثــيــل image إلــــــى البصري الذي قد يكون مُتَخيّلاً، وليس فعليّا بالضرورة، وقد يطال الشخصيّة أو السمعة، لا الشكل الظاهر فحسب. لــــهــــذا فـــالـــدبـــلـــومـــاســـيّـــة حـــــن لا تـــكـــون سرّيّة، ولا تكون مفاوضاتها سرّيّة بالتالي، تستحوذ عـلـى الــصــورة وتــحــاول تطويعها وتذليل تحدّياتها، تماما كحال المصوّر الذي كان يطالب زبونه بأن يبتسم. وهذا بالضبط ما كان الهدف من إكثار الصور التي التُقطت مـــع اخــتــتــام مـــحـــادثـــات الـــســـام الأمــيــركــيّــة – ، بحيث 1973 الـفـيـتـنـامـيّــة فـــي بـــاريـــس عــــام أصبح ألبومها الضخم دلـيـا على أن إنهاء الحرب غـدا أمـرا واقعاً. هكذا رأينا المندوبين جالسين حول طاولة التفاوض كما رأيناهم يتبادلون الأحـاديـث مجتمعين أو متفرّقين، كـمـا لــو أن الـطـرفـن يـــؤكّـــدان عـلـى أهليّتهما لصنع الـسـام وعلى جـدّيّــة المـفـاوضـات التي يعقدانها. فـــي المــقــابــل، وُجـــــدت مـــدرســـة أخــــرى في التعامل مـع مصاعب الـصـورة تعلّم الإذعــان لـــــصـــــورة جـــــامـــــدة تـــســـتـــحـــوذ عـــلـــى الــجــمــيــع وتُلزمهم، بحيث ينشأ، في العلاقة معها، ما يشبه العبادة. وكـــان عـبـد الحليم حـافـظ قــد غــنّــى، في ، أغـنـيـة كـتـب كلماتها صـــاح جـاهـن، 1966 وكان عنوانها «صورة»، كما رُدّدت فيها كلمة «صورة» كلازمة لا تكلّ. «صـوره صوره صوره كلنا كدا عايزين صوره صــــــــوره صــــــــوره صــــــــوره تــــحــــت الــــرايــــة المنصوره صـــــوره لـلـشـعـب الـــفـــرحـــان تــحــت الـــرايـــه المنصوره يا زمان صوّرنا صوّرنا يا زمان هـنـقـرّب مــن بـعـض كـمـان والــلــي هيبعد فى الميدان عمره ما هَيبان في الصوره» لقد كانت هذه الأغنية جزءا من الاحتفال ، فـــجـــاءت متخمة 1952 يــولــيــو 23 بـــذكـــرى بالتفاؤل التاريخي وبالإنجازات التي تعبّر عنها صـــورة جـمـاعـيّــة ينبغي عـلـى الجميع الانضواء فيها، أمّا الذي لا يفعل فـ«عمره ما هَيْبان في الصوره». فـالـصـورة هـنـا إنّــمــا أُريــــد لـهـا أن تكون نهاية تـاريـخ ليس للبشر أي دور فـيـه. لكن .1967 بعد أقل من عام حلّت نكسة يونيو OPINION الرأي 12 Issue 17379 - العدد Sunday - 2026/6/28 الأحد «بريكست»... جرد الربح والخسارة إسكات البنادق... وضرورات اليوم التالي ... عن «الصورة» في السياسة والمفاوضات وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة جمعة بوكليب جمال الكشكي

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky