Issue 17373 - العدد Monday - 2026/6/22 الاثنين الإعلام 17 MEDIA د. ياسر عبد العزيز % من سكان الأرض لا يزالون 90 يستمعون إلى الإذاعات ترند صناعة الأخبار في زمن الشك الكبير صـنـاعـة الأخــبــار لا تـمـوت فــي هـــذه الأثـــنـــاء، وهـــي لن تموت أبداً، ولكنها تنزف وتعاني. وبين هذين الحدَّين تقع أزمة مُعقَّدة لا تُفهم بمجرد قراءة أرقام الانتشار ولا برصد عــوائــد الإعـــانـــات؛ بــل تـحـتـاج إلـــى الـنـظـر فــي شـــيء أعمق وأكثر أهمية: ثقة الإنسان العادي فيما تقوله الأخبار. وحــن تُشير أحـــدث بـيـانـات «معهد رويــتــرز لـدراسـة في المائة فقط من البشر حول العالم 37 الصحافة» إلى أن يثقون بمعظم الأخبار معظم الوقت، ويتراجع هذا الرقم في المائة حين يتعلق الأمـر بما تُجيب عنه أنظمة 20 إلى الذكاء الاصطناعي، فنحن أمام ظاهرة تتجاوز الإعلام إلى سـؤال وجــودي يخص العلاقة بين المجتمعات وحقائقها المشتركة. الشك في صحة الأخبار ليس وليد اللحظة، غير أن ما يجري اليوم يختلف نوعيا عمَّا جـرى في فترات سابقة. في الماضي، كان الجمهور يُشكك في هذه الصحيفة أو تلك المحطة، ولكنه كـان يؤمن بالمؤسسة الإعلامية، بوصفها جهة ضـروريـة لإدارة الحقيقة الـعـامـة. أمــا الـيـوم، فالشك بــات منهجيا وبنيوياً؛ أي إن الجمهور لـم يعد يشك في طرف بعينه؛ بل في المنظومة كلها. وهـذا التحوُّل هو ما يجعل الأزمة أشد خطورة مما تبدو عليه في ظاهرها. ما الذي أوصل الأمور إلى هذا الحد؟ تتضافر عـوامـل عــدة فـي تشكيل هــذا المـشـهـد؛ أولها صعود منصات «التواصل الاجتماعي» التي أتاحت لكل إنسان أن يكون ناشراً، وبذلك فكَّكت احتكار السرد الذي كانت تملكه وسائل الإعلام «التقليدية». وحين يرى المُتلقِّي أن الخبر يصل إلـيـه مـن عـشـرات الــروايــات المتضاربة في الوقت ذاته، لا يلجأ دائما إلى المصدر الأوثق؛ بل كثيرا ما يلجأ إلى المصدر الأقرب؛ إلى ما يعتقده مُسبقاً. وهنا يبدأ ما يُسميه باحثو علم النفس الاجتماعي «تحيُّز التأكيد» في العمل على نحو ممنهج وخطير. وثــانــي هـــذه الــعــوامــل أن الأخــطــاء الإعــامــيــة الكبرى التي وقعت في العقدين الأخيرين -مـن التغطية المُضلِّلة لأسـلـحـة الــدمــار الـشـامـل قبيل غـــزو الـــعـــراق، إلـــى الـتـسـرُّع فـي تـنـاول أحـــداث جائحة «كـوفـيـد»- أثبتت للجمهور أن الخطأ ليس استثناء عارضاً؛ بل قد يكون نمطا متكرراً. وقد رصد باحثو جامعة أكسفورد في دراسات متعاقبة أن الثقة لا تتراجع عـادة بصورة تدريجية ناعمة؛ بل تنهار فجأة عقب صدمات بعينها، ثم لا تعود إلـى مستوياتها السابقة. أما ثالث هذه العوامل، فيتعلق بالضغوط الاقتصادية الــتــي أفــــرزت صـحـافـة أســــرع وأرخــــص وأقــــل عـمـقـا. وحـن يُلاحَق المحرِّرون بمعدلات النشر والتفاعل، فإنهم يتخلَّون عــن معايير الانــتــقــاء والـتـحـقُّــق الـتـي كـانـت تـمـثِّــل الـفـارق الحقيقي بـن الخبر والشائعة. والنتيجة أن المؤسسات الإعلامية تتنافس مع منصَّات تعمل بلا ضوابط مهنية، فتخسر الرهان أحياناً؛ لأنها تتبنَّى أساليب تلك المنصات مـــن دون أن تــمــلــك خــفَّــتــهــا، ومــــن دون أن تـحـتـفـظ بثقل مصداقيتها التاريخية. أيضاً، لا يمكن تجاهل المناخ السياسي. فالتشكيك في الإعـــام بــات ورقـــة ضغط فـي يـد الساسة فـي كـل الـقـارات. وعـــبـــارات مـــن قـبـيـل «أخـــبـــار زائـــفـــة» أو «إعـــــام مـــأجـــور»، تـحـوَّلـت إلـــى أسـلـحـة خـطـابـيـة تُــطـلَــق فــي وجـــه أي تقرير مُــزعــج، فتُضفي عـلـى الـشـك طـابـعـا آيـديـولـوجـيـا يُصعِّب نزعه لاحقاً. غير أن القول بموت صناعة الأخبار ضرب من المبالغة الـتـي لا تعكس الــواقــع. فالحاجة إلــى المعلومة المـوثَّــقـة لا تزول بتراجع الثقة؛ بل تزداد إلحاحا حين تسود الفوضى. والمؤشرات تدل على أن المواطنين الذين ابتعدوا عن الأخبار لم يتوقَّفوا عن البحث عن المعنى؛ إنهم فقط يبحثون عنه في مكان آخر. وهذا بالضبط هو الخطر الحقيقي: أن تترك الساحة لمن لا يلتزمون بأي معيار. فـمـا الــــذي ينبغي عـمـلـه؟ يـجـب أن تُــعـيـد المـؤسـسـات الإعـامـيـة الاستثمار فـي الشفافية، وأن تـكـرِّس التزامها بالمعايير المهنية، وأن تُفرِّق بوضوح في مخرجاتها بين الخبر والتحليل والــــرأي، وأن تُــعـمِّــق صلتها بالجمهور عبر الاستماع؛ لا عبر البث وحـده؛ إذ أثبتت تجارب عدة أن الوسائل التي تُشرك جمهورها في العملية التحريرية تكسب ثقته بصورة أكبر. ومــــن جــانــب آخــــر، فــــإن الــجــهــات الـتـعـلـيـمـيـة مطالبة بـــإدراج تعليم المعرفة الإعـامـيـة فـي مناهجها، بوصفها مهارة بقاء في عصر المعلومات، لا مادة ثانوية. صناعة الأخبار تشبه الهواء؛ لا تشعر بوجوده حتى يشح أو يفسد. وحين تتآكل ركائز الثقة التي تقوم عليها، لا يُصبح الإعلام وحده في خطر؛ بل يُصبح النسيج الذي تـتـمـاسـك بــه المـجـتـمـعـات، وتـتـفـاهـم عــبــره عـلـى حقيقتها المشتركة، مُهددا في جوهره. ومـعـركـة الـثـقـة لا تُــخــاض بـالـبـيـانـات والتصريحات والتطمينات؛ بـل تُــخـاض يوميا فـي غُـــرَف التحرير، وفي الفصول الدراسية، وفي قرار كل قارئ رأى أن يتوقف لحظة قبل أن يُعيد النشر. كيف أعادت وسيلة إعلامية عمرها نصف قرن اختراع نفسها؟ الإذاعة... حكاية صمود في مواجهة ثورة الاستماع الرقمي ثمة ظاهرة لافتة في تاريخ وسائل الإعلام، فمنذ أن أطل التلفزيون برأسه منتصف القرن المـاضـي، راح الناس يتنبّأون بنهاية الإذاعــة. ثم جـاء «الإنترنت» فـجـدّدوا النبوءة. واليوم، مــع انـتـشـار «الــبــودكــاســت» وهـيـمـنـة منصات البث الرقمي، تعود الأسئلة ذاتها بصياغات جـــديـــدة: هــل بـلـغ هـــذا «الــوســيــط» المـــولـــود في مطلع القرن العشرين نهايته الطبيعية؟ أم أن ما نشهده ليس سـوى تحوّل جـذري في شكل وسيط أثبت، على مدى عقود، قدرة استثنائية على البقاء والتكيّف؟ «البودكاست» منافس يغيّر قواعد اللعبة فــــي الـــــواقـــــع، لا تــســتــقــيــم قــــــــراءة المــشــهــد الإعـــــامـــــي الـــــراهـــــن مـــــن دون الاعــــــتــــــراف بـــأن «البودكاست» غيّر شيئا جوهريا في طبيعة العلاقة بين المستمع والمحتوى الصوتي. الإذاعــة التقليدية تفرض على مستمعها إيــقــاعــهــا الـــخـــاص: تـوقـيـتـا مـــحـــدداً، وتـرتـيـبـا لا يــمــلــك تــغــيــيــره، وبـــرنـــامـــجـــا لـــم يـــشـــارك في اختياره. أما «البودكاست» فيقلب هذه المعادلة رأســا على عقب؛ إذ لا يمنح المستمع محتوى جـــديـــدا فــحــســب، بـــل يـمـنـحـه أيـــضـــا ســلــطــة لم يعرفها من قبل، هي سلطة أن يقرّر ماذا يسمع، ومتى يسمع، وأين يتوقّف وأين يستأنف. إنــه تـحـوّل فـي طبيعة الـعـاقـة ذاتـهـا بين الــصــوت ومـــن يستقبله. ولــقــد كـشـفـت الأرقــــام عن حجم هذا التحوّل بوضوح. إذ بلغت نسبة الفرنسيين الذين يستمعون إلى «البودكاست» في 22 ، مــقــارنــة بـــــ 2024 فــي المــائــة فــي عـــام 42 ؛ وهـــو مـــا يعني 2019 المـــائـــة فـحـسـب فـــي عـــام أن جيلا كـامـا أعــاد تشكيل علاقته بالصوت خارج الأثير التقليدي. وفي هذا الاتجاه، تُفسّر بيانات مؤسسة «ميديامتري» الفرنسية هذا الانــزيــاح بـجـاء: إذ تراجعت نسبة الاستماع في المائة في خريف 67 التراكمية للإذاعة إلى في المائة 70 ، مقارنة بما يزيد على 2024 عام قبل عقد من الزمن. في كندا أيضاً، يكشف المشهد الكندي عن الـصـورة ذاتـهـا؛ إذ يُخصّص المستمع الكندي سـاعـة أسـبـوعـيـا لـإذاعـة 11 الــيــوم مــا مـعـدّلـه قبل عشر سنوات. 17 التقليدية، مقابل معدل ويُـــعـــزى هــــذا الـــتـــراجـــع جــزئــيــا، وفــــق المــصــادر والمتابعين، إلى انتشار ظاهرة «العمل عن بُعد» الأمر الذي قلّص ساعات التنقّل بالسيارة، ذلك المــكــان الـــذي ظـــل تـاريـخـيـا «الـحـاضـنـة» الأكـبـر للاستماع الإذاعي. الإذاعة لم تمُت ... لكنها تتحوّل فــي الـــواقـــع، إن فـحـص الأرقــــام الإجمالية بعيدا عن ضجيج التوقعات يكشف عن صورة أقــــل درامـــيـــة مـمـا تُـــصـــوّره مـــراثـــي «الــرقــمــنــة». وبـمـنـاسـبـة «الـــيـــوم الــعــالمــي لــــإذاعــــة»، أصـــدر «التحالف العالمي لـإذاعـات» بيانات تؤكد أن هـذا «الوسيط» الإعلامي لا يـزال يصل إلـى ما في المائة من السكان في الأسـواق 90 يقارب الـــ الكبرى، محتلا بذا المرتبة الأولـى بين وسائل الإعلام الصوتية من حيث الثقة الجماهيرية. وعلى الصعيد الفرنسي، لا يــزال مـا بين مليون مستمع يومي يعتمدون على 38 و 37 الإذاعـــــــة بــأشــكــالــهــا المــخــتــلــفــة، فـــي حـــن تُــبــن 2025 بـيـانـات هيئة «أركــــوم» الحكومية لـعـام أن أكـثـر مــن نـصـف الفرنسيين مـمـن تــجــاوزوا الخامسة والـثـاثـن لا يـزالـون أوفـيـاء للإذاعة المباشرة بصفة يومية. أما دولياً، فقد سجّلت مجموعات البث الإذاعي الكبرى في بريطانيا ، فلقد تجاوز 2024 أرقاما قياسية بنهاية عام 29 خـــالـــهـــا مـــعـــدل المــســتــمــعــن الأســـبـــوعـــيـــن مليون مستمع في المرة السادسة على التوالي. مـــن جـــانـــب آخـــــر، رصـــــدت مــؤســســة «إس بـي إم» الفرنسية لـلـدراسـات الرقمية أكثر من ثلاثة مليارات استماع لـإذاعـات الرقمية عام ، وهذا رقم لا يعكس حالة انهيار بل حالة 2025 انـتـقـال؛ ذلــك أن الـنـاس لـم يُقلعوا عـن متابعة الإذاعة، بل باتوا يستمعون إليها عبر «الهاتف الذكي» والسماعة اللاسلكية والمكبّر المنزلي. وفــــي الــســيــاق عــيــنــه، لــعــل نـــمـــوذج إذاعــــة «نـــوفـــا» الـفـرنـسـيـة يُــلـخّــص هـــذا الــتــحــوّل أبلغ تــلــخــيــص. فـــهـــذه المـــحـــطـــة الـــتـــي ظـــلّـــت طـــويـــا إذاعـة تتابعها «أقلية» ثقافية، ضاعفت نسبة جـــمـــهـــورهـــا أربــــــع مــــــرات فــــي غـــضـــون سـنـتـن ألف 595 مليونا و 2026 فقط، لتبلغ مطلع عام مستمع يومي. والسر هنا لا يكمن في الإنفاق الإعلاني، بــــل فــــي أشــــيــــاء أبــــســــط وأعــــمــــق هـــــي: الـــهـــويـــة التحريرية الواضحة، والصوت المميّز، والوفاء لجمهور يشعر أن المحطة تخاطبه تحديدا لا سواه. ما لا يستطيع «البودكاست» تعويضه وبالفعل، تمتلك الإذاعــة وظائف هيكلية تعجز المنصّات الرقمية عن تقليدها بالكامل: أولاهـا المباشرة الآنية؛ فحين تندلع أزمة أو تــقــع أي فـــاجـــعـــة، تــبــقــى الإذاعـــــــة الـوسـيـلـة الأســــرع والأكــثــر مـصـداقـيـة فــي إيــصــال الخبر دون تأخير الإنتاج أو تصفية الخوارزميات. وثـانـيـتـهـا الـلـحـظـة الـجـمـعـيـة؛ إذ تصنع الإذاعــــة وقـتـا مشتركا بــن مـايـن المستمعين فـــي الــلــحــظــة ذاتــــهــــا، وهــــي تــجــربــة نــــــادرة في بـيـئـة رقــمــيــة تـمـيـل بـطـبـيـعـتـهـا إلــــى الـتـفـتـيـت والتخصيص المتطرّف. وثالثتها الثقة؛ إذ تحتل الإذاعـــة المرتبة الأولـــــى فـــي ثـقـة المــواطــنــن الأوروبــــيــــن بـفـارق نقطة مئوية عـن أقـــرب منافسيها؛ 18 معدله في المائة من الأوروبيين، 56 إذ يثق بها قرابة وهذه نسبة لا تبلغها أي منصة رقمية. فـــي هــــذا الـــســـيـــاق، يــــرى إيــــف ديــــل فــــرات، الرئيس التنفيذي لمعهد «سي إس آ» الفرنسي، أن «الـــصـــوت الــــذي ينبعث مــن المـحـطـة يمتلك قــــــدرة فـــريـــدة عــلــى الــتــوحــيــد فـــي حـــن تـتـآكـل وســائــل الإعــــام الـتـقـلـيـديـة، وتُــفــتّــت المـنـصّــات الـــرقـــمـــيـــة انـــتـــبـــاه الـــجـــمـــاهـــيـــر فــــي تــســلــســات فردية... فالإذاعة وسيط مرافقة بامتياز، يُتيح للمستمع أن يكون في مكانين دفعة واحدة». أفق المستقبل عـــلـــى صــعــيــد مـــــــــوازٍ، تــكــشــف الـــــدراســـــات عـــــن أن الإذاعـــــــــات 2025 المـــتـــخـــصـــصـــة لــــعــــام و«الــبــودكــاســت» والــبــث الـرقـمـي لا يخوضون حــــربــــا، بــــل يـــســـيـــرون فــــي مــــســــارات مـتـقـاطـعـة تُــــفــــضــــي إلــــــــى مــــــا بــــــــات يُــــــعــــــرف بـــــ«الــــعــــامــــة الصوتية». ومعها لم تعد المحطة مجرد جهاز بــثّ، بـل أصبحت كيانا صوتيا متكاملا يبث مباشرة وينتج «بـودكـاسـت» ويُنشئ أرشيفا يُعاد استهلاكه. ذلك أن الإذاعــات الرقمية تُسجّل مليارات الاستماعات سنوياً، و«الـبـودكـاسـت» يُسجّل مئات الملايين من التنزيلات، والاثنان ينموان معا من دون أن ينفي أحدهما الآخر. بـل إن الإذاعـــة التي ستبقى هـي تلك التي تفهم أن قيمتها ليست فـي التقنية التي تبث بها، بل في الصوت البشري الحي الذي تُقدّمه، وفـــي الـثـقـة الـتـي بنيت وتــراكــمــت عـبـر أجـيـال. وهكذا، يمكن القول إنه ليس من الخطأ الإقرار بأن الإذاعة لم تمُت، بل هي تتعلّم، ببطء وحذر، كيف تكون وسيطا لعصر لم تولد فيه. جهاز راديو من العصر الذهبي للإذاعة (شترستوك) باريس: أنيسة مخالدي هل يغيِّر نمط استهلاك الأخبار طريقة عمل الإعلام؟ 2026 أثـــــار تــقــريــر الإعــــــام الـــرقـــمـــي لـــعـــام تـــســـاؤلات بــشــأن إمـكـانـيـة تغيير طـريـقـة عمل المــؤســســات الإعــامــيــة اســتــجــابــة لـتـغـيـر نمط اســتــهــاك الـجـمـهـور لــأخــبــار. وفـــي حــن رأى خـــبـــراء أن «الـــفـــتـــرة المـقـبـلـة سـتـشـهـد نــمــوا في الاعــتــمــاد عـلـى الـفـيـديـو فـــي تـقـديـم الأخـــبـــار»، فإنهم شددوا على أن «ذلك لا يعني التخلي عن الإعلام المكتوب». حـــســـب الـــتـــقـــريـــر الـــــــذي أصـــــــــدره «مــعــهــد رويترز لدراسات الصحافة»، الأسبوع الماضي، ســنــة من 15 فـــإنـــه «لـــلـــمـــرة الأولــــــى عــلــى مـــــدار إعـداد التقرير، يظهر اعتماد غالبية الجمهور على مشاهدة مقاطع الفيديو الإخـبـاريـة عبر الإنترنت في جميع الدول التي رصدها التقرير دولة». 48 وعددها فــي المــائــة مــن الجمهور 77« وأوضــــح أن عالميا يستهلكون الفيديوهات الإخبارية على الإنترنت أسبوعياً، ليتجاوز عدد من يشاهدون دولة»، 45 نشرات الأخبار التلفزيونية في نحو في حين تظل «ألمانيا والدنمارك وهولندا هي الدول الثلاث الوحيدة التي تتقدم فيها الأخبار التلفزيونية أو تـتـسـاوى مـع مقاطع الفيديو على الإنترنت». مـــحـــمـــود غــــزيــــل، الـــصـــحـــافـــي الــلــبــنــانــي، المــــــــدرّب فــــي مـــجـــال الــتــحــقــق مــــن المـــعـــلـــومـــات، صـــرح لـــ«الــشــرق الأوســـــط» بـــأن «تـبـنّــي إنـتـاج الـفـيـديـوهـات أثَّـــر بشكل عميق ومـتـسـارع في طـريـقـة عـمـل الإعـــــام»، مـشـيـرا فــي هـــذا الـصـدد إلـى «صعود المنصات الإخبارية الجديدة في العالم العربي، حيث باتت الفيديوهات تشكِّل الـــعـــصـــب الأســـــــاس لــلــعــمــل الإعـــــامـــــي، بـيـنـمـا الـنـصـوص المـكـتـوبـة لا يــعــوَّل عـلـى انـتـشـارهـا بـشـكـل واســــع بــن المـسـتـخـدمـن عـلـى منصات التواصل». في المائة في 77 وأردف غزيل أن «نسبة الـ تقرير معهد رويـتـرز ليست مـجـرد إحصائية عـــابـــرة، بــل دلالـــة عـلـى اسـتـهـاك الـفـيـديـوهـات والمقاطع المصورة، تبين أن التحقيقات المطولة المـكـتـوبـة لــم تـعـد تـحـظـى بـنـفـس الـتـأثـيـر على المستخدمين»، قبل ان يضيف: «ولمــن مـا زالـت التحقيقات مهمة، إلا أن تأثيرها أقل بكثير من الفيديوهات». غزيل تابع أيضا أن «التأثير الأكبر لمثل هذا التغير في نمط الاستهلاك سيكون في عملية اكتشاف المـــواد وتوزيعها، بحيث أن الدخول إلـى المـواقـع الإلكترونية المباشرة للمؤسسات لـن يـكـون بنفس أهمية طريقة عــرض وتقديم الفيديوهات على منصات التواصل، سواء كان ذلـك عبر (تيك تــوك) أو الريلز أو (يوتيوب)». وفـي رأيـه «يتوجب على المؤسسات الإعلامية أن تتأقلم مع متطلبات المنصات والتحديثات المستمرة فـي خـوارزمـيـة الانـتـشـار، مما يعني الـتـركـيـز عـلـى إنــتــاج المـحـتـوى الأصــلــي حسب كـــل مــنــصــة، ولـــيـــس مـــجـــرد إعــــــادة نــشــر نفس المـادة المصورة لكل المنصات... وأن هذا يعني على سبيل المثال، التركيز على المـادة الجاذبة والترجمة والنص على الشاشة للفيديوهات القصيرة، في حين يتم التركيز على المحتوى الطويل والمسهب بالشرح لمنصة (يوتيوب)». وأكـــد الخبير اللبناني أنــه «ينبغي على وسائل الإعلام الحديثة أن تتقرب من المقابلات الشخصية الأكثر دفئا والتركيز على محتوى وراء الكواليس أو محتوى البث المباشر». فــــي المــــقــــابــــل، قــــــال غــــزيــــل إن تـــغـــيـــر نـمـط الاسـتـهـاك «لا يعني بــالــضــرورة التخلي عن الـــطـــرق الـتـقـلـيـديـة فـــي مـعـالـجـة المـــحـــتـــوى؛ بل تطويرها وتأقلمها وتكاملها مـع المتطلبات الـــحـــديـــثـــة... وبـــالـــتـــالـــي، فــالــنــصــوص والمـــــواد المـكـتـوبـة تـبـقـى أســاســيــة، للعمق أو التوثيق وأرشـفـة المــواد أو التحقيقات المعقدة؛ ولكنها لـــن تـــكـــون الــطــريــقــة الــرئــيــســيــة لـــلـــوصـــول إلــى الـقـراء والمتابعين». ولفت فـي هـذا الـصـدد إلى «تجارب لمؤسسات عربية تكتب تقارير طويلة غنية بالمعلومات، ولكن تدعمها بفيديوهات قصيرة ممتعة تُنشر على المنصات». واختتم كلامه بتأكيد أنـه «حــال أصــرت الوسيلة على الـطـريـقـة الـتـقـلـيـديـة فــقــط، مـــن نـــص طــويــل أو تـــقـــريـــر إخــــبــــاري مـــثـــل الـــتـــلـــفـــزيـــون، ســتــواجــه الوسيلة الإعلامية تآكلا مستمرا في شريحة الجمهور المستهدف، أما من يستثمر في فيديو مع الحفاظ على الـجـودة الصحافية، فسيجد فـرصـا جــديــدة لـلـوصـول والـتـأثـيـر، خصوصا بين الشباب». القاهرة: فتحية الدخاخني النص الكامل على الموقع الإلكتروني
RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky