issue17373

يضعنا التلقي الـنـقـدي لمـسـار الـروايـة العربية فـي تحولاتها أمـــام تجربة روائـيـة مــتــمــيــزة أبــــانــــت عــــن كــــفــــاءة واقـــــتـــــدار عـلـى مـــســـتـــوى مـــنـــجـــزهـــا الـــــســـــردي المـــــــــوازي بـن الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تـعـدد الـشـخـوص والـلـغـات والـقـضـايـا التي تنزع إنتاج معنى. ،)1968( إن الروائي اليمني أحمد زين منذ تجربته البكر «تصحيح وضـــع» (دار )، إلى «رماية ليلية» 2004 - الانتشار العربي )، وغــيــرهــمــا، رســخ 2024 - (دار المــتــوســط تـقـالـيـد كـتـابـة روائـــيـــة تنبني عـلـى الــجــدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمــــألــــوف عــلــى مــســتــوى الــشــكــل الــــروائــــي، إذا مـا ألمـحـت لكونه يتفرد - فـي تـصـوري - بخصوص الإنـجـاز الـروائـي بوضع مسافة زمـنـيـة تـمـتـد مــن ثـــاث ســنــوات إلـــى خمس ســـنـــوات بـــن روايــــــة وثـــانـــيـــة، الـــشـــيء الـــذي يـــوضـــح أن ثــمــة تـفـكـيـرا روائـــيـــا قـبـلـيـا قبل الإقـــــــدام عــلــى الــتــحــقــق والاكـــتـــمـــال. يـاحـظ هذا أيضا على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خـوري، والتونسي الـحـبـيـب الــســالمــي، والـيـمـنـيـن عـلـي المـقـري ووجــــــدي الأهــــــدل، وأيـــضـــا لــــدى الـــروائـــيـــات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني. بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين عــلــى فــعــل الـــقـــص دون أن يــلــغــيــه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقا من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة الـــنـــص الـــــروائـــــي، نـــحـــو مــــا نـــقـــف عــلــيــه فـي «ورديـــــة الــلــيــل» لإبــراهــيــم أصـــــان، كـمـا في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بــــــ«المـــــوازاة الأجـــنـــاســـيـــة»، وفــــق مـــا عكسته تـــجـــربـــة الـــــروائـــــي الـــــراحـــــل مــحــمــد زفــــــزاف، الــــذي حــافــظ عــلــى إيـــقـــاع إصـــــدار مجموعة قصصية فـي سنة، وروايـــة فـي سنة ثانية، إلـــى حـــن رحــيــلــه. والــحــالــة ذاتـــهـــا جسدها محمد صــوف، فـي حـن نجد مـن الروائيين مـــــن لـــــم يــــصــــدر مـــجـــمـــوعـــة قـــصـــصـــيـــة عـلـى امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الــضــعــيــف، وعـــبـــد الـــلـــه الــــعــــروي، وشـعـيـب حليفي. خصائص إبداعية يـقـود المعبر عنه إلــى مـحـاولـة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركا بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاسـتـمـراريـة الإبــداعــيــة الـتـي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضـافـة، وهـذا ما سبقت الإشـارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين روايـة وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحـــالـــة قــــارئــــه. فــمــن خــــال الآثــــــار الـسـابـقـة تـتـولـد قـنـاعـة القيمة والـرغـبـة فــي الإضـافـة - كـمـا سـلـف - وهـــو مــا يحقق الـتـكـامـل بين أفـــقـــن: أفــــق الــــروائــــي المـــبـــدع، وأفــــق الــقــارئ المــتــلــقــي. عـلــى أن مـــا تـعـكـسـه الاســتــمــراريــة الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى فـي كــون المكتوب صــورة دقيقة عن وجـــود مــقــروء. فـكـفـاءة الإنــجــاز الـــروائـــي لا يمكن أن تتخلق عـبـثـا، وإنــمــا انـطـاقـا من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بــالأخــص، تفسح إمـكـان الـقـول إن أي تميز روائــــي ولـيـد قــــراءة. فـأحـمـد زيـــن فــي تـفـرده روائيا بمنزلة قارئ تأسيسا من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الــروائــي الـكـفء يجيد تـــصـــريـــف وتـــــذويـــــب مـــقـــروئـــه فــــي تــعــبــيــره الــــــروائــــــي، بـــحـــيـــث يـــصـــعـــب الـــــوصـــــول إلـــى اسـتـجـاء الأثـــر والـتـأثـيـر. يـحـدث هـــذا على مـسـتـوى الــنــصــوص المــــقــــروءة، إلـــى تـداخـل الأجـنـاس وفـق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية». وبــــذلــــك، فــــإن الاســـتـــمـــراريـــة الإبـــداعـــيـــة قـــنـــاعـــة بـــمـــا لــلــكــتــابــة الــــروائــــيــــة مــــن بــاغــة الـتـأثـيـر، عكس الـتـوقـف الـــذي يـطـول بعض الـــــتـــــجـــــارب الـــــروائـــــيـــــة بـــــمـــــبـــــررات لا يــمــكــن الـتـكـهـن بـخـلـفـيـاتـهـا. يــقــول أحــمــد زيـــن في حـوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جــابــر: «الــروائــيــون الــذيــن أصــــدروا روايـــات فـــــي الـــســـتـــيـــنـــيـــات والـــســـبـــعـــيـــنـــيـــات وربـــمـــا الـثـمـانـيـنـيـات كــفــوا عـــن الــكــتــابــة، ولــــم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية». في دور الذاكرة تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الـــروائـــيـــة لأحـــمـــد زيـــــن. ويــمــثــل حــضــورهــا وظــيــفــة غــايــتــهــا الامـــتـــيـــاح مـــن الــــذاتــــي في مــعــايــشــتــه وقــــائــــع ســـيـــاســـيـــة واجــتــمــاعــيــة وثــقــافــيــة عــرفــهــا الـــيـــمـــن، وتــبــقــى فـــي أمـــس الـــحـــاجـــة لــلــتــوثــيــق والــــتــــأريــــخ مــــن مـنـظـور الــرؤيــة الــروائــيــة المــغــايــرة، بـمـا هــي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع. بـــيـــد أن مـــــا لا يـــجـــب أن يُــــفــــهــــم، كـــون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الــذاتــيــة، علما بـــأن لا كـتـابـة فــي مـنـجـاة من الـبـعـد الـــذاتـــي، وخــاصــة أن مـيـثـاق التعاقد الـــــذي يـــربـــط الــــروائــــي بــقــارئــه يــتــحــدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا الـتـجـربـة تـحـديـدا مــن يـجـنـح إلـــى الــقــول إن شـذرات الـذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هــذا الـتـصـور يـبـدو صحيحاً. وهــو مـا عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفـزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرف ما دون كتابتها. يـرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هـمـوم خـاصـة أو ذاتـيـة، فـي المعنى الضيق للذاتية، بعيدا عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو لـيـس صـعـبـا فـحـسـب، إنــمــا أيــضــا نـــوع من الترف، في حال حصل». الفضاء اليمني يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد ؛2024 إلـــى 2004 الــســداســيــة الـــروائـــيـــة مـــن بمعنى أن زمــن المنجز الــســردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصــــل أن الامـــتـــداد دعــــوة ليقظة الــذاكــرة كــي تحكي سـيـرة الـفـضـاء بـمـا يتفاعل فيه مـــن أحـــــداث تـرتـبـط بـأمـكـنـة وأزمـــنـــة تمتلك هـدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والـــثـــقـــافـــي. ومــــن ثــــم، فـــالـــذاكـــرة تــعــد ذاكــــرة فـــضـــاء فـــي ديــنــامــيــاتــه الـــتـــي عـــاشـــهـــا، ومــا انـطـبـع بـهـا مــن إخــفــاقــات وحــــروب لــم تفتأ تنتهي إلا لـتـوقـد مــن جــديــد. مــن هـنـا، فـإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيدا عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يـقـول زيـــن: «فــي الـيـمـن، يتقدم الـعـام دومــا، يــســحــق مـــا هـــو خــــاص أو فـــي هــيــئــتــه، فلا مجال لمقاربة أحـــوال الـفـرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها». وتـــــقـــــود الاســــتــــمــــراريــــة الإبــــداعــــيــــة المتحدث عنها إلــى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهـو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الــــروايــــة فـــي وعـــلـــى مــامــســة الــقــضــايــا، والتعبير عــن تـنـوع الأحــــداث فــي رصـد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها. * كاتب من المغرب يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية 2024 إلى 2004 من الثقافة CULTURE 18 Issue 17373 - العدد Monday - 2026/6/22 الاثنين «سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات فــــي لـــغـــة ســلــســة تــجــمــع بـن البساطة والعذوبة، ترصد روايـة «ســطــوح طـــهـــران»، لـلـكـاتـب مهبد ســــــراجــــــي، حـــقـــبـــة قـــلـــقـــة ومــلــيــئــة بـالـتـوتـر الـسـيـاسـي والاجـتـمـاعـي مـــــــن تـــــــاريـــــــخ إيــــــــــــــران فـــــــي حـــقـــبـــة الـسـبـعـيـنـات، وتــحــديــدا الـسـنـوات الــــقــــلــــيــــلــــة الـــــتـــــي ســــبــــقــــت انــــــــدلاع الــثــورة على نـظـام الــشــاه، وإعــان مــــا سُـــمِّـــيـــت لاحـــقـــا «الــجــمــهــوريــة الإسلامية». ووصــــــــــف الـــــنـــــقـــــاد الــــــروايــــــة الـــــــــصـــــــــادرة عـــــــن دار «الـــــكـــــرمـــــة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «مـن الـروايـات الـنـادرة التي تـبـقـى فــي ذاكـــراتـــك طــويــا بـعـد طــي صفحتها الأخــيــرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانبا مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة». كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والـــصـــداقـــة والــــحــــب، كــمــا يــظــهــر درامــــــا فـــقـــدان الــــبــــراءة، ويكشف جانبا مجهولا عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون. في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والــعــنــف أيـــضـــا، مـــؤكـــدا فـــي الـــوقـــت نـفـسـه عــلــى المـشـاعـر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً. تــدور الأحـــداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر عــلــى ســطــح مــنــزلــه، مع 1973 سـبـعـة عــشــر عــامــا صــيــف صديقه المقرب «أحمد». يتمازحان تـارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تـــارة أخـــرى. يخفي «بــاشــا» حبا سـريـا لـجـارتـه الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتـهـا لـرجـل آخـــر. وسـرعـان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» مــعــا، عـنـدمـا يـسـاعـد الأول مـــن غـيـر قـصـد شــرطــة الـشـاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق. ، وانتقل 1956 وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام وهو في التاسعة 1976 للعيش في الولايات المتحدة عام عـــشـــرة مـــن عـــمـــره. اســتــكــمــل دراســــتــــه فـــي جــامــعــة أيــــوا؛ حيث نــال درجـــة الـبـكـالـوريـوس فـي الهندسة المـدنـيـة، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولا إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم. يــــتــــخــــذ سِــــــــراجــــــــي حـــــالـــــيـــــا مـــن منطقة خليج سان فرانسيسكو مقرا لإقــامــتــه؛ حـيـث يـعـمـل مـسـتـشـارا في مجال الإدارة. ومن أجواء الرواية نقرأ: «سمعت صــوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي: لو أن لدي كتاباً، لقرأته. لو أن لدي نشيداً، لغنيته. نـظـرت حـولـي حتى رأيـــت رجـا عـــجـــوزا يـقـف عـلـى بـعـد أمـــتـــار قليلة يـنـشـد بـنـبـرة ثـابـتـة جـــوفـــاء. لـــم يـبـد المـكـان مألوفا بالنسبة إلـــيَّ، فـالـرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المـتـحـرك الــــذي أجــلــس عـلـيـه، وأشـعـة الـــشـــمـــس الـــتـــي تــتــســلــل بــــن الـــظـــال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً: لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها. لو أنني أعرف قافية، لرددتها. لو أن لي حياة، لخاطرتُ. لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ. في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقـاء. كان هناك شيء غريب في كـل واحــد منهم؛ حيث بــدوا تائهين. فجأة امتلأ صـدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلـى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة: ساعدوني هنا، ساعدوني! هـــرع رجـــل يـــرتـــدي زيـــا أبــيــض وحـــــاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة: ابق في مقعدك يا عزيزي، ابق في مقعدك! وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزت على الـجـلـوس بـثـبـات، ونــظــرت نحو الـرجـل الـعـجـوز في الـجـانـب البعيد مــن الـغـرفـة. أخـــذ يـحـدق إلـــي وهـــو يكرر ترنيمته على نحو محموم: لو أن لدي حصاناً، لركبته. لو أن لدي حصاناً، لركبته. لو أن لدي حصاناً... اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة: سأعطيك مهدئا ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي. شــــعــــرت بـــوخـــز فــــي ذراعــــــــي، وفــــجــــأة أصـــبـــح رأســــي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي». القاهرة: «الشرق الأوسط» الإسبانية كاشا أجيري تفاجئ القارئ بأفكار غير تقليدية «أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة تــنــتــمــي روايـــــــة «أشـــــبـــــاح الأمــــــومــــــة»، لـلـكـاتـبـة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية مـن حيث المــوضــوع، والجريئة مـن حيث الأفـــكـــار الــتــي تـطـرحـهـا، حـيـث تـعـيـد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيدا عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحيانا الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد. تــتــداخــل فـــي الــعــمــل، الـــصـــادر أخـــيـــرا عـــن «دار الـعـربـي» بـالـقـاهـرة، ترجمة أحـمـد عـويـضـة، تجربة الأمـــومـــة وفــعــل الـكـتـابـة الإبـــداعـــيـــة عـنـدمـا تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حـيـث قــامــت امــــرأة تُــدعــى «ألـــيـــس» بـــإغـــراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام. تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تـعـرف هــذه الأم القاتلة شخصيا فـي المــاضــي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلا من أن تستغل إجــــازة الأمـــومـــة المـرتـقـبـة للعناية بطفلها الـرضـيـع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة. تــــبــــدأ الـــبـــطـــلـــة رحــــلــــة تـــتـــبـــع وبــــحــــث جـــنـــائـــي وأدبــــي لمـعـرفـة الحقيقة المظلمة والـــدوافـــع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهـو مـا يضعها فـي مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أما وأن تكون مبدعة في آن واحد. الأمومة والإبداع تــمــزج حـبـكـة الــــروايــــة بـــن الــبــنــاء الـكـاسـيـكـي لــقــصــص الـــتـــشـــويـــق والإثـــــــــارة وأســــلــــوب الـتـحـقـيـق الــصــحــافــي والـــجـــرائـــم الـــواقـــعـــيـــة، مـــع طــــرح الأفـــكـــار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد مـــن أكــبــر المـــحـــرمـــات أو «الـــتـــابـــوهـــات» الاجـتـمـاعـيـة والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائما حبا مطلقا وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة. وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، مـــن خـــال اسـتـلـهـام تـــجـــارب وســيــر ذاتـــيـــة لـكـاتـبـات وشـــــاعـــــرات عـــانـــن مــــن المــعــضــلــة ذاتــــهــــا، واخـــتـــبـــرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مـثـل الـشـاعـرة الأمـيـركـيـة سيلفيا بـــاث، والـروائـيـة البريطانية دوريس ليسينغ. عالمان متناقضان جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الـذاتـي الـحـاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث. تضع تلك الأجـــواء الـقـارئ أمــام تـسـاؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جـــاهـــزة: هــل الأمـــومـــة يـمـكـن أن تـتـحـول أحــيــانــا إلـى سجن أو زنـزانـة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبــداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائـمـا إلــى الأمــومــة على أنـهـا قــدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحـــدة مـن الأصـــوات الأدبـيـة الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المــعــاصــر. تـمـيـزت مـسـيـرتـهـا الأكــاديــمــيــة والـعـمـلـيـة بـــتـــنـــوع إبـــــداعـــــي لافــــــت، حـــيـــث جــمــعــت بــــن الــبــحــث المــتــخــصــص فـــي الـــســـرديـــات الـسـيـنـمـائـيـة والإبــــــداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعدا بصريا متميزا لأسلوبها السردي. اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية فـــي أوروبــــــا الـــيـــوم، حــيــث تـــقـــدم رؤيـــــة فـــريـــدة تـدمـج بـن الحساسية الأدبــيــة والتفكيك الـنـقـدي للأنماط الاجتماعية. ومن أجواء الرواية نقرأ: «الأدب هــو الـخـيـمـيـاء، مـعـرفـة مــا قـبـل معرفة عـلـمـيـة وبـــربـــريـــة وعــقــانــيــة وعــاطــفــيــة وطـــوبـــاويـــة وســـيـــاســـيـــة وبــــــــاردة وحــــارقــــة ومـــجـــنـــونـــة وجـمـيـلـة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة. الأدب لـغـز لا يـحـتـاج إلـــى إجــابــات هـنـا والآن؛ لأنه لا يطرح علي أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة. تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعا لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعــــا» وهــو يـلـوّح بكفه الـصـغـيـرة. بــدا سعيدا مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيـضـا. ومـن المـؤكـد أن نيكولاس أيضا سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلــى درجـــة أنــه لـم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفـوق كل ذلـك فأنا أيضا سعيدة، سعيدة وأنـا وحـدي في منزل أمي. أهرب أنا أيضا خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مــثــالــي: درجــــة الـــحـــرارة والـــرائـــحـــة وصــــوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. ســـيـــعـــود الــجــمــيــع إلـــــى الــــداخــــل خـــــال ســـاعـــتـــن أو ثلاث. سيعود إيريك نائما ومجهدا بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمـــي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى. سينتهي هـــذا الــكــمــال فـــي غــضــون سـتـة أيـــام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمـي: «وداعــا» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة. سـأعـود لأراقـــب حسابي الـجـاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفـوق كل هـذا سيتعين علي قـــراءة كـل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لــقــاء عـنـيـف وغــيــر ســـار هــنــاك يـنـتـظـرنـي، الأمــــوات والأحـيـاء، «ألـيـس» والـتـوأمـان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر». القاهرة: رشا أحمد في تجربة الكاتب اليمني أحمد زين أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي *صدوق نور الدين أحمد زين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky