issue17373

تـجـربـة الــعــراق مـع غــزو الـكـويـت ليست بـعـيـدة في التاريخ، والأجيال التي عاصرتها لم تختف بعد. لكنَّها رغــم ذلــك ليست حــاضــرة بما يكفي ونـحـن نـتـحـدَّث عن الأزمــة مع إيــران. وسأبرز من تجربة العراق ثـاث نقاط جديرة بالتذكر: أولاً، أن أصل المشكلة كان الآيديولوجية التوسعية لنظام «البعث»، واعتقاده أن من حقه توجيه سياسات أمــــة مـتـخـيـلـة تــضــم دولا مــــجــــاورةً. ومــــا أدَّت إلــيــه هــذه الـعـقـيـدة الـسـيـاسـيـة مـــن تـسـخـيـر ثـــــروات الـبـلـد لصالح مـــشـــاريـــع عــســكــريــة تــفــوق قــــدراتِــــه، وتـــتـــجـــاوز مـــا يمكن أن تسمح بـه تـــوازنـــات الـسـيـاسـة. فـصـار مـصـدر تهديد لجيرانه، ولمصالح الدول الكبرى. ثــانــيــا، الـتـعـامـل الـــدولـــي مـــع الـــعـــراق لـــم يُــنــجَــز بين عاما بعد «عاصفة 12 يوم وليلة، نظام «البعث» استمر الصحراء». وذلك على الرغم من الظروف الدولية المهيأة لإسقاطه، مع انهيار الكتلة الشرقية، والتحالف الدولي غـيـر المــســبــوق المـــشـــارك فـــي الـــحـــرب، بـمـا فـيـه كـــل الـــدول الإقليمية ذات الصلة المباشرة. ، عملت 2003 إلى 1992 ثالثاً، في الفترة الممتدة من الولايات المتحدة بالتدريج على تقويض النظام وتجهيز الــبــديــل. مــن خـــال الــحــصــار الاقـــتـــصـــادي، ودعــــم الـقـوى المحلية في كردستان والجنوب، وجمع شتات المعارضة العراقية في الـخـارج، تحسبا للحظة إسقاط النظام إن قررت ذلك. أمَّا العراق فصب اهتمامه على الدعاية. لم ينشغل داخليا ببناء جبهة أقــوى وأكـثـر اشـتـمـالاً، بـل بالحملة الإيـمـانـيّــة الـتـي تعيد صياغة صـــورة صـــدام، و«البعث» المـؤمـن. وانشغل خارجيا - مـن خـال الأصـــوات المعتادة - بـالـتـرويـج لـصـمـوده أمـــام المـــؤامـــرة الـعـالمـيـة، وتوجيه الغضب نحو جيرانه، والادعاء بانتصاره. الـــتـــجـــربـــة الـــعـــراقـــيـــة تـــتـــكـــرر مــــع إيـــــــران فــــي بـعـض خطوطها العريضة. أولاً، على مـدار الأعـوام الماضية، منذ اغتيال قاسم ، قُلِّمَت أظافر 2020 ) يناير (كانون الثاني 3 سليماني في طهران الإقليمية بإيقاعات مختلفة يحددها خصومها. فقدت سـوريـا، وفـقـدت الجانب الأكـبـر مـن قـــدرات «حـزب الــــلــــه»، وتــلــقــى حــلــفــاؤهــا فـــي الــــعــــراق رســـائـــل عـسـكـريـة مـتـكـررة، والآن انتقلت المـعـركـة إلــى الأراضــــي الإيـرانـيـة. شيء لم يكن يخطر على بال مراقب قبل سنوات قليلة. عنوان التشابه: خسارات كبرى لإيران، وأهداف مرحلية تحققت لخصومها. ولكن بدون ضربة قاضية. وجه الشبه الثاني: السلوك الإعلامي. العراق ادعى أنه حلقة في سلسلة الفشل الأميركي في فيتنام والهند الصينية، وراجت الرواية. لدينا جمهور يحب هذا النوع مــن الـــروايـــات، ونـخـب بــارعــة فــي صياغتها، واتـهـامـات جـاهـزة لمـن يتحداها. لكن رواجـهـا الدعائي لـم يغن عن الــواقــع شيئاً. مـن ملاحظة الـسـلـوك الإعــامــي لمناصري إيــــران، يـبـدو أنـهـم بـصـدد تــكــرار تـجـربـة الــعــراق لأجـيـال لـــم تــعــاصــرهــا. يــنــثــرون بـــــذور روايـــــة جـــديـــدة عـنـوانـهـا «انتصار النظام ضد محاولات إسقاطه». والمفارقة أنَّها الرواية نفسها التي يستخدمها المتشددون في الحكومة الإسرائيلية لدفع الـولايـات المتحدة إلـى تبني السياسة الإسرائيلية تجاه إيران بحذافيرها. وجه الشبه الثالث أن السياسة التي أبقت على نظام «الـبـعـث» سـنـوات بعد «عـاصـفـة الـصـحـراء» كــان هدفها الإبــقــاء على تـدفـقـات الـنـفـط، فـي مقابل الـسـمـاح بمرور الـغـذاء. ومـن هنا نالت عنوانها المـعـروف «النفط مقابل الغذاء». يمكننا أن نرى صيغة قريبة من هذه الآن. إسـقـاط النظام فـي إيـــران كــان هدفا ممكن التحقق بالنظر إلــى وتـيـرة حصد مستويات الـقـيـادة الأهـــم في بـدايـة العمليات، وحجم الاخـتـراق الــذي ظهر بوضوح. لكن السؤال الذي فرض نفسه: هل يستحق هذا الغرض ما سيدفعه العالم مقابل تحقيقه فوراً؟ من أخطاء الجدل ، في 2017 اعـتـبـار بـقـاء الـنـظـام فـي إيـــران مــرادفــا لإيـــران حين أن الباقي منه خيال مآتة لما كان عليه. ومن أخطاء الـحـسـاب السياسي الـقـيـاس إلــى مـا تتمناه ولـيـس إلى حصيلة المكاسب والأضرار. لا تـحـكـم المـــبـــادئ أو الـــشـــعـــارات ســيــاســات الــــدول الكبرى بقدر ما تحكمها المصالح، فيما تترك شخصية القادة وطموحاتهم السياسية أحيانا بصمات واضحة عـلـيـهـا. وفــــي حــالــة الــــولايــــات المــتــحــدة الـــيـــوم، تتقاطع حسابات الـدولـة الرئيسية مع أسلوب الرئيس دونالد تـــرمـــب الـــقـــائـــم عــلــى الــبــرغــمــاتــيــة والــصــفــقــات والـبـحـث عـــن إنــــجــــازات نــوعــيــة تـحـمـل اســـمـــه. وفــــي وقــــت تــواجــه فـــيـــه واشـــنـــطـــن تـــحـــديـــات اســـتـــراتـــيـــجـــيـــة واقـــتـــصـــاديـــة وتـكـنـولـوجـيـة غـيـر مـسـبـوقـة؛ مــن المـنـافـسـة مــع الصين إلى سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، لم يعد الشرق الأوســط يحتل الموقع السابق نفسه؛ بل بات ملفا تسعى الإدارة الأميركية إلى إدارته بأقل تكلفة ممكنة. من هذا المنطلق يمكن قراءة مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران؛ فهي ليست اتفاقا نهائيا بقدر ما هي إطار عام للتفاوض، أو إعلان نوايا يحدد المـسـارات التي قد يسلكها الطرفان لاحقاً. إلا أن أهميتها لا تكمن في تفاصيلها فقط بقدر ما تكمن في دلالتها: واشنطن وطهران باتتا تفضلان إدارة الخلاف على تحمل تكلفة المواجهة المفتوحة، لا سيما مع تمكن إيران من الحفاظ على نظامها السياسي وشبكة نفوذها الإقليمية. ولا شــك أن منطقتنا سـتـكـون مــن أكــثــر المـتـأثـريـن بـنـتـائـج هـــذه المـــذكـــرة، ســــواء انـتـهـت إلـــى اتــفــاق شـامـل، أم راوحــــــت ضــمــن إطـــــار تـــفـــاوضـــي. فـــالانـــعـــكـــاســـات لن تقتصر على العلاقة الأميركية - الإيرانية؛ بل ستطول مستقبل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط وطبيعة انخراط واشنطن في أزمـاتـه. فتركيز الـولايـات المتحدة على تسوية الملفات التي تمس مصالحها المباشرة مع إيران يعزز الفرضية القائلة إن أولوياتها الاستراتيجية باتت خارج المنطقة، وإنها تسعى إلى تقليص وجودها فيها بما يتركها رهينة الـنـزاع الإسرائيلي - الإيـرانـي. هـــــذا الـــتـــحـــول يــثــيــر اعــــتــــراضــــات داخــــــل أمـــيـــركـــا ولــــدى حلفائها الإقليميين، كونه يشكل تراجعا عن التزامات استراتيجية راسخة. صــــقــــور الـــيـــمـــن فــــي الــــحــــزب الـــجـــمـــهـــوري الأكـــثـــر قربا مـن إسـرائـيـل يتحفظون على المــذكــرة، مـا يجعلها مرشحة لأن تتحول إلى أحد عناوين الصراع السياسي فـــي الانــتــخــابــات الـنـصـفـيـة المـقـبـلـة وحــتــى الاسـتـحـقـاق الـــرئـــاســـي. ولـــم تُـــخـــف إســرائــيــل امـتـعـاضـهـا مـــن مـسـار الــتــفــاوض ومـــن مــحــدوديــة اطـاعـهـا عـلـى تـفـاصـيـلـه، لا سيما أنها تعد أي اتفاق مع طهران تنازلا استراتيجيا يهدد أمنها ومكانتها الإقليمية. ورغم أن ذلك لن ينتج انـهـيـار التحالف الأمـيـركـي - الإسـرائـيـلـي، فـإنـه يعكس تراجع قدرة تل أبيب على فرض رؤيتها الكاملة للملف الإيراني على صانع القرار الأميركي، وقد يدخل علاقة الطرفين إحدى أكثر مراحلها حساسية. إقــلــيــمــيــا، تـــفـــرض الـــواقـــعـــيـــة الــســيــاســيــة مــقــاربــة تـنـطـلـق مـــن الــــواقــــع الـــجـــديـــد، فـــا تـــقـــوم عــلــى انــتــظــار نـتـائـج المــفــاوضــات؛ بـل عـلـى الـتـعـامـل معها بوصفها مؤشرا إلى عالم يتراجع فيه الاعتماد على الضمانات الـــخـــارجـــيـــة لمــصــلــحــة بـــنـــاء عـــنـــاصـــر الــــقــــوة الـــذاتـــيـــة. ويــقــتــضــي ذلـــــك تـــعـــزيـــز الـــتـــمـــاســـك الـــعـــربـــي سـيـاسـيـا واقتصادياً، ومواصلة تجنب الانخراط في أي صراع أميركي - إسرائيلي - إيراني محتمل، وبناء منظومة دفـاعـيـة مشتركة أكـثـر قــدرة على مـواجـهـة التهديدات المستجدة. كما يستدعي إعادة النظر في مفهوم الأمن الإقليمي، بحيث لا يـقـوم على افـتـراض تـدخـل القوى الـــكـــبـــرى، مـــع تــطــويــر شــــراكــــات مـــتـــوازنـــة مـــع أوروبـــــا والقوى الدولية الأخرى، انطلاقا من حقيقة أن مصالح الدول الكبرى قد تتغير. يـبـقـى لـبـنـان الـحـلـقـة الأضـــعـــف فـــي هـــذه المــعــادلــة. فـالمـذكـرة تـوحـي أنـهـا منحت طـهـران وحـلـفـاءهـا جرعة أكسجين قـد تترجم بـإعـادة إنـتـاج مـوازيـن الـقـوى التي حكمت الـبـاد لعقود، وتعويم نفوذ الثنائي الشيعي، لا سيما «حـزب الله»، على القرار السياسي، مع تراجع زخم الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة واستعادة سيادتها الكاملة، بما يعيد لبنان إلى مرحلة غلبت فيها التسويات على بناء الدولة ومؤسساتها. وسينعكس ذلك على مسار المفاوضات مع إسرائيل بخفض سقفها من البحث في حلول نهائية للنزاع إلى الاكتفاء بتثبيت وقـف طويل لإطــاق الـنـار، مـع استمرار الغموض حول مصير الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال المواجهات الأخـــيـــرة. أمـــا دعــــوة تــرمــب ســـوريـــا لـلـتـدخـل فـــي لبنان لـتـحـجـيـم «حـــــزب الـــلـــه»، فــهــي أحــجــيــة تــحــتــاج إلــــى من يفككها. الــخــطــر الـحـقـيـقـي لا يـكـمـن فـــي المــــذكــــرة؛ بـــل فيما تعكسه من تحولات أعمق في حسابات القوى الكبرى. فـاخـتـزال المـشـهـد فــي كـونـه صــمــودا إيـرانـيـا قــد يحجب حــقــيــقــة أكـــثـــر أهـــمـــيـــة تــتــعــلــق بـــالـــتـــحـــول الــــــذي أصــــاب الـسـيـاسـة الأمـيـركـيـة نـفـسـهـا. فــالمــذكــرة لا تـعـكـس فقط صعود الواقعية السياسية؛ بل تكشف أيضا تراجعا في حضور الاعتبارات الأخلاقية التي استند إليها الغرب لتبرير سياساته الخارجية. تشي المذكرة والاتفاق الذي قد ينبثق عنها، بوجود رهــــان أمــيــركــي عـلـى تـغـيـر جـــوهـــري فـــي ســلــوك الـنـظـام الإيــرانــي وسياساته الإقليمية التوسعية يـبـرر تقديم مليار دولار. فـإذا صح 300 حوافز واستثمارات بقيمة هــذا الــرهــان، ستكون المنطقة أمـــام تـحـول استراتيجي يقلب المعادلات القائمة. أما إذا خاب، فأي اتفاق سيكون إعادة إنتاج لسياسات أثبتت فشلها، وتمهيدا لجولات جديدة من الصراعات المستقبلية. هـل مـن المبالغة الـقـول إن الاتـفـاق الأميركي الإيـــــرانـــــي -وهــــــو بــــا شــــك اتــــفــــاق بــــن واشــنــطــن وطــهــران بـالـدرجـة الأولــــى- قـد يـكـون بـدايـة نظام إقليمي، وربما عالمي جديد، على غــرار ما حدث بـعـد ســقــوط جــــدار بـــرلـــن؟ وهـــل يـمـكـن أن يـكـون السلام بين الولايات المتحدة وإيران أكثر خطورة على النظام الإيراني من المواجهة العسكرية؟ لفهم هـــذه الــفــكــرة، ينبغي الـنـظـر إلـيـهـا من منظور الواقعية السياسية. فسقوط جدار برلين لم يكن مجرد توحيد للألمانيتين؛ بل لحظة أعادت توزيع القوة في النظام الدولي. ومن تلك اللحظة انهار حلف وارسو، ثم تفكك الاتحاد السوفياتي. والـسـؤال الـيـوم: هل يقود الاتـفـاق الأميركي الإيراني إلى إعـادة توزيع مماثلة للقوى إقليميا ودولياً؟ وهل يمكن أن يتحول ما يبدو انتصارا لإيـــــــران إلـــــى بــــدايــــة تـــحـــول يـــطـــول بــنــيــة الــنــظــام الإيراني ذاته؟ فـــي الــســيــاســة، لا تُـــقـــاس أهــمــيــة الاتــفــاقــات بما تتضمنه من بنود؛ بل بما تخلقه من وقائع جـــــديـــــدة. الـــنـــصـــوص لا تـــغـــيِّـــر الــــتــــاريــــخ، ولــكــن نـتـائـجـهـا تــفــعــل. لـــذلـــك تـــبـــدو المـــقـــارنـــة مـــع جـــدار بـرلـن مفيدة، ليس لأن الحدثين متشابهان؛ بل لأن كليهما قد يفتح الباب أمام نظام مختلف عما سبقه. كـــان ســقــوط الـــجـــدار إعـــانـــا لـنـهـايـة مرحلة كـامـلـة. لــم يـكـن مـجـرد إزالــــة حـاجـز أسـمـنـتـي؛ بل انهيار منظومة سياسية وعسكرية واقتصادية حــكــمــت الـــعـــالـــم عــــقــــوداً. ومـــــن رحـــــم ذلـــــك الـــحـــدث خـرج نظام دولــي جديد تقوده الـولايـات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة. ومــــن هــنــا تـــبـــرز أهــمــيــة الــنــظــر إلــــى الاتـــفـــاق الأمـــيـــركـــي الإيــــرانــــي مـــن زاويــــــة أوســـــع مـــن المـلـف الـــنـــووي أو الــعــقــوبــات. فــالــصــراع بـــن واشـنـطـن وطـــهـــران كـــان أحـــد الأعـــمـــدة الــتــي تشكلت عليها . وعـلـى 1979 خـريـطـة الـــشـــرق الأوســـــط مـنـذ عـــام أســـــاس هــــذا الــــعــــداء نـــشـــأت تـــحـــالـــفـــات، ورُســـمـــت استراتيجيات أمنية، وأُنفقت مئات المليارات على الحروب وإدارة الأزمات. فـــي أدبـــيـــات الــواقــعــيــة الــبــنــيــويــة، لا تتغير الـــــدول بـسـبـب الـــنـــوايـــا؛ بـــل بـسـبـب تـغـيـر الـبـيـئـة الاســتــراتــيــجــيــة المـحـيـطـة بـــهـــا. وإذا كــــان الـــعـــداء الأمـيـركـي الإيــرانــي جـــزءا مـن البنية الـتـي حكمت الإقــلــيــم أكــثــر مــن أربــعــة عــقــود، فـــإن الانــتــقــال من المواجهة إلى التفاهم لا يغير العلاقة بين دولتين فحسب؛ بل يغيِّر قواعد اللعبة التي تكيفت معها بقية القوى الإقليمية. إذا انــتــقــل هــــذا الـــصـــراع مـــن المـــواجـــهـــة إلــى التفاهم، فلن يقتصر الأثـر على الطرفين. الـدول التي بنت سياساتها على فرضية العداء الدائم بـــن إيـــــران وأمـــيـــركـــا سـتـجـد نـفـسـهـا أمـــــام واقـــع جديد، والتحالفات التي نشأت في ظل الصراع قــد تـحـتـاج إلـــى إعــــادة تـعـريـف، بينما ستسعى قوى أخرى إلى إعادة التموضع وفق التوازنات الجديدة. السؤال الحقيقي ليس: من ربح ومن خسر؟ بـــل: مـــاذا سـيـحـدث للنظام الإقـلـيـمـي كـلـه؟ فحين تتغير الـعـاقـة بــن خـصـمـن تـاريـخـيـن، تتغير معها حسابات الأمن والنفوذ ومراكز القوة. وما كان ثابتا لعقود قد يصبح قابلا للمراجعة خلال سنوات قليلة. لــكــن الــبــعــد الأكـــثـــر أهــمــيــة قـــد يـــكـــون داخـــل إيــــران نفسها. فـالـتـاريـخ يثبت أن الأنـظـمـة التي تـــتـــجـــاوز الـــضـــغـــوط الـــخـــارجـــيـــة تــــواجــــه أحــيــانــا تحديات داخلية أكبر. الانفتاح على العالم يخفف الــضــغــوط، ولـكـنـه يــرفــع أيــضــا سـقـف الـتـوقـعـات الشعبية. ومـــا يُــطـلـب فــي زمـــن الـحـصـار يختلف عما يُطلب في زمن الانفتاح. الــــحــــرب تـــمـــنـــح الأنـــظـــمـــة الــــثــــوريــــة شــرعــيــة دفـــاعـــيـــة. فـــوجـــود عــــدو خـــارجـــي يـــبـــرر الـتـعـبـئـة السياسية والقبضة الأمنية وتأجيل الإصلاحات. أما السلام فيسحب هذه الورقة تدريجياً. في زمـن الحرب يسأل المـواطـن: كيف نحمي الـــدولـــة؟ أمـــا فـــي زمـــن الانــفــتــاح فـيـبـدأ فـــي ســـؤال مـخـتـلـف: لمـــاذا لا تتحسن حـيـاتـي؟ وهـنـا تنتقل الشرعية من شرعية المقاومة إلى شرعية الإنجاز، ومن شرعية الثورة إلى شرعية الأداء. هـنـا تـفـرض الـتـجـربـة الـسـوفـيـاتـيـة نفسها. فالولايات المتحدة لم تُسقط الاتحاد السوفياتي عسكرياً؛ بل سقط تحت وطأة تحولات لم تستطع مـؤسـسـاتـه اسـتـيـعـابـهـا. وعـنـدمـا انـفـتـح الـنـظـام عـلـى الـعـالـم، تـسـارعـت مـطـالـب الإصــــاح بوتيرة تجاوزت قدرة الدولة على التحكم فيها. لـــكـــن الـــتـــاريـــخ يـــقـــدم مـــفـــارقـــة أخــــــرى لا تـقـل أهمية: كثير من الأنظمة الثورية لا تواجه أخطر لحظاتها عند الهزيمة؛ بل عند نجاحها. فالهوية الـــثـــوريـــة تُــبــنــى عــلــى الــــصــــراع، وعـــنـــدمـــا ينتهي الصراع يبدأ السؤال الأصعب: ماذا بعد؟ الـــثـــورة الإيــرانــيــة عــرَّفــت نفسها لـعـقـود من خـــال مـواجــهــة الـــولايـــات المــتــحــدة. وإذا تحولت الــعــاقــة إلــــى تــفــاهــم طــويــل الأمـــــد، فــــإن جــــزءا من الــســرديــة المـؤسـسـة لـلـنـظـام سـيـحـتـاج إلـــى إعـــادة تـــعـــريـــف. وهـــنـــا لا تـــكـــون المــشــكــلــة فــــي الــتــهــديــد الــخــارجــي؛ بــل فــي كيفية إعــــادة إنــتــاج الشرعية داخليا ً. لـذلـك يـظـل الـــســـؤال مــشــروعــا: هــل يـــؤدي أي تحول كبير في علاقة إيران بالعالم إلى ديناميات داخلية جديدة تعيد تشكيل طبيعة النظام؟ لا أحد يملك الإجابة، ولكن التاريخ يعلمنا أن السلام قد يطلق قوى تغيير لا تطلقها الحروب. لــهــذا قـــد يــكــون الاتـــفـــاق الأمــيــركــي الإيـــرانـــي أكـــثـــر مـــن مـــجـــرد تــســويــة ســيــاســيــة. فــفــي منطق الواقعية السياسية، القضية ليست مصالحة بين خصمين؛ بل هي انتقال من توازن قوى إلى توازن آخر. وإذا كان سقوط جدار برلين قد دشَّن نهاية نظام عالمي كامل، فإن الاتفاق الأميركي الإيراني قد يكون بداية نهاية النظام الإقليمي الذي تشكَّل .1979 بعد الثورة الإيرانية عام وقــــد تـــكـــون المـــفـــارقـــة الـــكـــبـــرى أن مـــا عـجـزت الـحـرب عـن تحقيقه، قـد يحققه الـسـام. فالحرب توحِّد الأنظمة حول الخطر الخارجي، أما السلام فيجبرها على مواجهة أسئلتها الداخلية. وربما لا يــكــون الـخـطـر الحقيقي عـلـى إيــــران أن تخسر حـربـا مــع الـــولايـــات المـتـحـدة؛ بــل أن تـربـح سلاما معها. OPINION الرأي 12 Issue 17373 - العدد Monday - 2026/6/22 الاثنين من الذي تغيّر... واشنطن أم طهران؟ إيران... رواية شبيهة بما حدث للعراق النظام الإقليمي في ظل الاتفاق الأميركي ــ الإيراني وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com مأمون فندي سام منسى خالد البري

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky