issue17372

خــــال الــيــومــن المــاضــيــن هـيـمـنـت نـتـائـج الانـــتـــخـــابـــات الــفــرعــيــة فـــي مـاكـلـيـسـفـيـلـد على أحــــــــاديــــــــث الــــســــيــــاســــيــــن والــــصــــحــــافــــيــــن فــي وستمنستر، بالسؤال عمَّا إذا كانت تمثل بداية الـنـهـايـة لــقــيــادة كـيـر ســتــارمــر لــحــزب الـعـمـال، وربـمـا الــســؤال الأكـثـر أهـمـيـة: هـل تكشف هذه الانـــتـــخـــابـــات عــــن نـــضـــج جـــديـــد لـــــدى الــنــاخــب البريطاني؟ اشـتـعـل الـــجـــدل بـعـد الــفــوز الــسَّــاحــق الــذي حققه عمدة مانشستر، أندي برنهام، ولخصته هارييت هارمان، إحدى أبرز قيادات «العمال» التاريخية، بالقول إن «القطيع لم يعد يتحرك فـــقـــط، بـــل بــــدأ يــنــدفــع بــــقــــوة»، وتــعــنــي تـنـامـي الاعــــتــــقــــاد بــــن نـــــــواب «الــــعــــمــــال» بــــــأن مــرحــلــة سياسية جديدة بدأت بالفعل. لـكـن أهـمـيـة ماكليسفيلد لا تقتصر على الصراع المحتمل داخل حزب العمال. فالنتيجة كشفت أيـضـا عـن ظـاهـرة انتخابية أكـثـر إثــارة لــاهــتــمــام، وهـــي تـــزايـــد الـتـصـويـت التكتيكي والبراغماتي. فـــقـــد اجـــتـــمـــع خـــلـــف بــــرنــــهــــام نــــاخــــبــــون لا يــنــتــمــون بــــالــــضــــرورة إلـــــى المــعــســكــر الــعــمــالــي الاشـتـراكـي الـــذي يمثله. بعضهم أراد توجيه رســــالــــة إلـــــى كـــيـــر ســــتــــارمــــر، وبـــعــضــهــم يـمـيـل بالفعل إلـى تقاليد حـزب العمال القديمة التي يمثلها برنهام، بينما صـوّت آخــرون ببساطة لمـنـع حـــزب الإصــــاح بـقـيـادة نـايـجـل فــــاراج من تحقيق اختراق انتخابي جديد. بـمـعـنـى آخــــر، لـــم يــكــن الـجـمـيـع يـصـوتـون لـلـسـبـب نــفــســه، لـكـنـهـم وصـــلـــوا إلــــى الـنـتـيـجـة نفسها. ومن أبرز ما لفت انتباه المراقبين أن نسبة المـشـاركـة جـــاءت مرتفعة بـصـورة غير معتادة في انتخابات فرعية. فـغـالـبـا مـــا تُــفــسَّــر الــنــتــائــج المــفــاجــئــة في مثل هذه الانتخابات على أنها مجرد أصوات احــتــجــاجــيــة أو تـعـبـيـر عـــن غــضــب مـــؤقـــت من الـــحـــكـــومـــة. أمـــــا فــــي مــاكــلــيــســفــيــلــد، فـــقـــد بـــدت في 55 الــــصــــورة أكـــثـــر تــعــقــيــداً. فــــاز بـــرنـــهـــام بــــــ المائة من الأصـوات أي أكثر من مجمل الأحزاب الأخـــــــرى مــجــتــمــعــة، إذ شــــــارك عـــــدد كــبــيــر مـن الناخبين (فاقوا نسبة المشاركة في الانتخابات العامة) وهم يدركون تماما ما يريدون تحقيقه من أصواتهم. ولعل من أبـرز المؤشرات على هذا التحول أن الأحـــزاب الصغيرة الواقعة إلـى يسار حزب العمال، وفي مقدمتها حزب الخضر، لم تستفد من حالة التذمر من الحكومة كما كان متوقعاً. فـعـلـى الـــرغـــم مـــن وجـــــود أربـــعـــة عــشــر مـرشـحـا يمثلون طيفا واسعا من الأحـزاب والاتجاهات الـسـيـاسـيـة، فـضّــل كثير مــن الـنـاخـبـن تجميع أصـواتـهـم خـلـف المــرشــح الأوفــــر حـظـا لتحقيق الــهــدف الــــذي أرادوه، ســــواء كـــان الـتـأثـيـر على مــســتــقــبــل حــــــزب الــــعــــمــــال أو مـــنـــع فــــــوز حـــزب الإصـــــــــاح. وهـــــو مــــا يــعــكــس درجــــــة أعـــلـــى مـن التصويت التكتيكي والحساب السياسي لدى الناخب البريطاني. وفــــــــي المــــــقــــــابــــــل، حــــمــــلــــت نــــتــــائــــج جـــنـــوب أبردين، في اسكوتلندا في اليوم نفسه رسالة مـخـتـلـفـة بــفــوز المــحــافــظــن بــهــا. فــهــنــاك بـــرزت قــضــيــة الـــوظـــائـــف المـــرتـــبـــطـــة بــصــنــاعــة الـنـفـط والغاز باعتبارها عاملا حاسما في توجهات الناخبين. ويبدو أن كثيرين باتوا يتساءلون عــمــا إذا كــانــت الـــوظـــائـــف الـــجـــديـــدة الــتــي تعد بــهــا ســيــاســات الــتــحــول الأخـــضـــر قـــــادرة فـعـا عــلــى تــعــويــض الـــوظـــائـــف الـــتـــي بـــــدأت تختفي فـي قطاعات الطاقة التقليدية. ولـذلـك لـم يكن مـسـتـغـربـا أن تـتـحـول قـضـايـا الـعـمـل والــدخــل والأمــن الاقتصادي إلـى عوامل أكثر تأثيرا من الشعارات الآيديولوجية المعتادة. وقــــد بــــدا أن قــطــاعــا مـــن الــنــاخــبــن أصـبـح أقـل اهتماما بالشعارات الآيديولوجية وأكثر اهتماما بالسؤال العملي: أين ستأتي الوظائف الجديدة إذا أُغلقت الوظائف الحالية المرتبطة بالطاقة التقليدية؟ وهـــكـــذا بــــدت الانـــتـــخـــابـــات كــأنــهــا تعكس اتـــجـــاهـــا أوســــــع داخــــــل المــجــتــمــع الــبــريــطــانــي. فـالـنـاخـب لـــم يـعـد يــصــوت انــطــاقــا مـــن الـــولاء الــحــزبــي وحـــــده، بـــل بــــات يـــقـــارن بـــن الـنـتـائـج المحتملة لكل خيار سياسي. ومــــــن هـــنـــا تــــأتــــي أهـــمـــيـــة أنـــــــدي بـــرنـــهـــام. فالنقاش الدائر حوله لا يتعلق فقط بإمكانية خـــافـــتـــه لــــســــتــــارمــــر، بـــــل أيــــضــــا بـــمـــا يـسـمـيـه بـعـض أنـــصـــاره «الــنــهــج المـــانـــشـــســـتـــراوي»؛ أي التركيز على البنية التحتية والنقل والإسكان والاستثمار المحلي، مـع شـراكـة بـن القطاعين الـــعـــام والـــخـــاص بــــدلا مـــن الـــعـــودة إلـــى نـمـاذج التأميم التقليدية. غـيـر أن هـــذا الـنـهـج يــطــرح أسـئـلـة لا تـــزال بـا إجــابــة. فبرنهام مـعـروف بمواقفه المـؤيـدة لأوروبـــــــــا، بــيــنــمــا يــعــتــمــد جـــــزء مــــن الــتــحــالــف الانتخابي الــذي دعمه على ناخبين من دوائـر تـعـرف بـــ«الــجــدار الأحــمــر» الـذيـن أيـــدوا خـروج بـريـطـانـيـا مـــن الاتـــحـــاد الأوروبـــــــي. كـمـا أن أي بــرنــامــج تـوسـعـي لـاسـتـثـمـار الـــعـــام سـيـواجـه عاجلا أو آجلا أسئلة حول التمويل والضرائب والانضباط المالي. لهذا قد يكون من المبكر الحديث عن انتقال وشــيــك للسلطة داخــــل حـــزب الــعــمــال. لـكـن من الواضح أن ماكليسفيلد فتحت نقاشا أعمق من مجرد تغيير زعيم حزبي. فـــــإذا كـــانـــت وسـتـمـنـسـتـر مـنـشـغـلـة الــيــوم بمستقبل كير ستارمر، فإن نتائج الانتخابات تــشــيــر إلــــى أن الــقــصــة الأهـــــم قـــد تـــكـــون نضج الـنـاخـب البريطاني نفسه؛ ذلــك الـنـاخـب الـذي أصـبـح أكـثـر اســتــعــدادا للتصويت التكتيكي، وأكــثــر مـيـا إلـــى الـحـكـم عـلـى الـنـتـائـج العملية بدلا من الشعارات السياسية. Issue 17372 - العدد Sunday - 2026/6/21 الأحد اســتــوقــفــتْــنــي، وأنـــــا أتــصــفــح تــعــلــيــقــات فـــي صحف ومواقع فضائية إسرائيلية مترجمة إلى العربية، عبارات يـونـيـو 18 فـــي صـحـيـفـة «هــــآرتــــس» عــــدد يــــوم الــخـمـيــس ، إحــداهــا مـقـارنـة بـن حـالـة أدولـــف هتلر 2026 ) (حــزيـــران وبنيامين نتنياهو، قال كاتبها أوري مسفاف الآتي: «كتب مـــؤرخـــون مــثْــل يـواكــيــم فـيـسـت وإيــــان كـيـرشـو وأنـطـونـي بـيـفـور بــإســهــاب عـــن الــحــالــة الـنـفـسـيـة لأدولـــــف هـتـلـر في ، عندما 1945 أيـامـه الأخــيــرة داخـــل المخبأ فـي بـرلـن عــام بـــدأت الحقيقة تُــطْــبـق عليه ورصــــدوا لـديـه حـالـة الإنـكـار والانفصال عن الواقع والإحساس بالاضطهاد: «الجميع ضـــدي وضـــد الــشــعــب، والمـــســـؤولـــون خـــونـــة، والــجــنــرالات انهزاميون يطعنونني في الظهر». ويضيف الكاتب: «لا مجال للمقارنة بين نتنياهو وهتلر، لكن نوبات الغضب لدى كل منهما مطابِقة لما وصفه المؤرخون». ويضيف الكاتب أيضاً: «لا يوجد مقابل حلقة النار الأمنية التي يحيط نتنياهو نفسه بها، وإلـى جانبه بن غفير الــذي يعتدي على المتظاهرين بشكل متكرر، هيئة أركان مِن جنرالات مطيعين لا يوجد بينهم شخص واحد شـــجـــاع يـــضـــرب بـــيـــده عــلــى الـــطـــاولـــة، ويـــرفـــض المــشــاركــة فـي مـزيـد مـن الهجمات على لبنان وغـــزة، مـع التضحية بالجنود وترك الجبهة الداخلية عرضة لعمليات للرد». ويخْلُص الكاتب إلـى القول: «هـذا الرجل (نتنياهو) قـادر على جرنا إلى مصير شبيه بمصير مسادا (إشـارة إلــى حـصـار قلعة مسعرة على أيـــدي الــرومــان ومقتل كل بعد الميلاد) 75 المتمردين اليهود الذين تحصَّنوا فيها عام ثم الهرب إلى ميامي». هــــذا الـــــذي يــحــبِّــره الــكــاتــب الإســـرائـــيـــلـــي يـــأتـــي فيما الرئيس ترمب يتخذ موقفا مِن نتنياهو تمثَّل بملاحظة حــــادة مــن جـانـبـه بـــدت كـمـا لــو أنــهــا تنسجم إلـــى حــد ما 14 الإسرائيلية» يوم الأحـد 12 مع الـذي أوردتْــه «القناة الــ ، وتمثَّل بصيغة تساؤلية على النحو الآتي: 2026 يونيو «مـاذا سيكون موقف ترمب الـذي أعلن توقيع الاتفاق مع إيــــران، وإذ بـإسـرائـيـل تقصف بــيــروت فــي الــيــوم نفسه». وأمـا العبارة التي قالها ترمب فإنها أتـت على درجـة مِن الحزم وتتمثل بقوله: «إن الغارة على الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن يجب أن تحدُث خصوصا في يوم نحن فيه قريبون جدا من توقيع اتفاق سلام مع إيران». ولأن الـــــــذي يـــعـــنـــي نــتــنــيــاهــو هــــو تـــمـــديـــد رئـــاســـتـــه ، فإنَّه يحاول استعادة 1996 للحكومة الإسرائيلية منذ عام دعـــم تــرمــب لـــه كـمـا مــاضــي الــســنــوات الـــثـــاث المـنـصـرمـة، وذلــــك مِـــن خـــال مـــا أمـكـنـه الـتـشـويـش عـلـى إنـــجـــاز حققه الرئيس ترمب خـال استبدال التعامل الـصـاروخـي على أنواعه بالتعامل الدبلوماسي الذي بعدما تجاوز العبء البنياميني حدود التحمل بات لا بد من التسوية، وعلى النحو الذي تم توثيق بنود المعاهدة والتوقيعي الأميركي والإيـرانـي عليها، وهـو إنجاز يتباهى الرئيس الأميركي بتحقيقه، لكن ما بعد التوقيع فالتنفيذ التزاماً، غير قابل للتعديلات والاجتهادات، تبقى المسألة الأكثر أهمية والتي لم تأت الاتفاقية الأميركية - الإيرانية عليها، وهي إيقاف محاولات العدوان الإسرائيلية التي هي في نظر نتنياهو بمثابة درجــات تُحقق لـه الصعود إلـى رئـاسـة الحكومة، تـفـاديـا لـلـمـسـاءلات الـجـاهـزة، فـضـا عـن الاتـهـامـات التي مــا زالــــت فــي إضـــبـــارات المـحـكـمـة المـخـتـصـة فــي إسـرائـيـل، والتي نجا منها، أو نجَّاه منها الرئيس ترمب، في مرحلة تحالُف تناثرت بعد الاتفاق مع إيران دواعيها. وأما المسألة الأكثر أهمية، فإنها التعمير بعد التدمير الذي لا سابقة له بهذا الشمول في تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي. وهنا يتحمل واجب التعمير مَن ارتكب إثم التدمير حيثما حصل، سواء في إيران وإسرائيل، وبشكل يتسم بــالإبــادة فـي مناطق مـن لبنان بعد غـــزة. والمسألة تلك تحتاج إلى مؤتمر مِن النوع الذي انتهت إليه صيغة الحل بين الإدارة الأميركية والنظام الإيراني. وهذا المؤتمر لا يحتاج إلى وسطاء كما الوساطة الباكستانية، وإنما إلــى إرادة اتـخـاذ خـطـوة يتم بموجبها الـتـعـاون مِــن أجْــل التعمير الـنـاشـئ عـن الـتـدمـيـر، مـع ملاحظة أن السنوات الـثـاث الحافلة بالتدمير، إضـافـة إلـى مـا نتج عـن إغـاق «مضيق هرمز» من ارتدادات اقتصادية أصابت ميزانيات دول كثيرة في الصميم، يجعل من مسألة التعمير مطلبا غـيـر ســريــع الـتـنـفـيـذ قـطـعـا لــحــدوث حــــالات مــن الـفـوضـى تـؤسـس مــع الــوقــت لمـشـاعـر احـتـرابـيـة. وبــالــعــودة إلـــى ما أوردنا ملامح حول الوضع الإسرائيلي في ضوء التسوية الأميركية - الإيرانية واستمرار نتنياهو في عدوانه على لبنان، متى شاء وحيثما أراد، فإن إنقاذ الاتفاق الأميركي - الإيراني المرحَّب به عربيا وإسلاميا ودوليا يكون بردع حـاسـم لـلـعـدوان البنياميني والـتـحـضـيـر للحظة سماع عبارة «دقت ساعة التعمير». هـل غـــزت الـحـضـارة الغربية واجـتـاحـت قــرى جـبـل لبنان، حسب قول أنيس فريحة في كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية»؟ الـغـزو والاجـتـيـاح مـن التعبيرات العسكرية فـي الـحـروب. فهل تـأثـر قــرى جبل لبنان بالحضارة الغربية جــاء عبر غزو جيوشها واجتياحها ساحاتها وحاراتها ومزارعها؟ تأثير الـحـضـارة الغربية فـي تلك الـقـرى تاريخه أقـــدم من احتلال فرنسا لسوريا وللبنان بقرون. الــوجــه الأبــــرز لــهــذا الـتـأثـيـر هــو الــوجــه الــديــنــي المسيحي التبشيري أيــام كانت سـوريـا عثمانية، وكــان لبنان عثمانياً. وهـــذا الـوجـه أطـــل وتــدّخــل تـدخـا دينيا تبشيريا فـي سـوريـا، وفــي سـاحـل لبنان وجبله بموافقة ورضـــا شـرعـي أو قانوني مـــن «الـــبـــاب الـــعـــالـــي» بــمــوجــب «نـــظـــام الامـــتـــيـــازات الأجـنـبـيـة» ومستلزماته. سأتحدث عن ناحية واحدة في التبشير المسيحي الغربي الـــذي استهدف الـطـوائـف المسيحية فـي لبنان عبر مَــثَــل سائر معروف لدى كل اللبنانيين، لأصل بعد ذلك إلى الحالة الدينية التي كان عليها أنيس فريحة، والتي ورثها عن أبيه. هـــذا المَـــثَـــل الــســائــر هـــو «أنْـــكـــلِـــزْلـــي أنـــكـــلِـــزْلـــك». يــقــول سـام الراسي عن قصة هذا المثل: «في أواسـط القرن الماضي (يقصد القرن قبل الماضي) جاء إلى لبنان مبشر إنجليزي يدعو الناس إلى اعتناق المذهب الإنجيلي، وحل في إحدى القرى اللبنانية، داعـيـا الـنـاس إلــى الـخـاص بطريقته الـجـديـدة، فلم يُقبل أحد إليه. فعمد أخيرا إلى اكتساب قلوبهم عن طريق جيوبهم، وأخذ يدفع إلى كل واحد يقبل دعوته ليرة إنجليزية ذهبا كل شهر. عندئذ تكاثر عـدد المؤمنين بـه، والمتحمسين لدعوته، فاعتقد أن بـــذرة الإيـــمـــان نبتت فــي قـلـوبـهـم، وأن حـقـل الـــرب أثـمـر في نفوسهم، فكف عن دفـع الليرات الإنجليزية، مستعيضا عنها بالصلوات والابتهالات. فأخذ (المؤمنون) يبتعدون عنه واحدا بعد الآخــر، وعندما سألهم عن سبب فتور حــرارة الإيـمـان في قلوبهم، أجابوا: (أنكلزلتنا أنكلزلناك، بطّلت تأنكلزلنا بطّلنا نأنكلزلك)». مـــن ذلــــك الـــوقـــت دخــــل فــعــل «أنـــكـــلـــز» فـــي لــغــة الـلـبـنـانـيـن، وصــــــــاروا يــســتــعــمــلــونــه فــــي مــنــاســبــاتــهــم قـــائـــلـــن: «أنــكــلــزلــي أنكلزلك»، أي، «ادفع لي سلفا افعل لك ما تريد». الأديـــب الشعبي ســام الــراســي الـــذي روى قصة هــذا المثل ورث البروتستانتية من أبيه القس يواكيم الراسي الذي اعتنق هــذا المـذهـب مـع تلقيه التعليم فـي إحـــدى مـــدارس الإرسـالـيـات الإنجيلية، بعد أن كان معتنقا لمذهب الأرثوذكس الروم. ولسلام الـراسـي أكـثـر مـن مـقـال تعامل فيها مـع هــذه الـحـادثـة مـن دون حساسية فائقة. والـحـسـاسـيـة الـفـائـقـة تـرجـع إلـــى أن رواد اعـتـنـاق المـذهـب البروتستانتي متهمون مـن قبل المـوارنـة والأرثــوذكــس بأنهم اعتنقوا هـذا المـذهـب، وبـاعـوا مذهبهم الأصلي لقاء دريهمات معدودة. ويلحق بهذا الاتهام الأخلاقي اتهام آخر من قبل هؤلاء لأجيال بروتستانتية تالية، وهو أنهم في المــدارس الإنجيلية معفون مـن الــرســوم المـالـيـة الـتـي يدفعها الطلبة الآخــــرون من المسيحيين ومن المسلمين. لهذا وذاك كانوا يسمونهم «طائفة الشلن». أبـنـاء الطائفة الإنجيلية أو البروتستانتية يـــردون على الاتهامين واتهامات أخرى مشابهة، بأنَّها ما هي إلا حسد من عند أنفسهم، لتميزهم النوعي فـي مـجـالات مختلفة، كأقلية مسيحية صغيرة عن أغلبيتهم المسيحية من الطوائف الأخرى. قد تعكس هذه الاتهامات ما واجهه البروتستانت الأوائل مــن قـبـل المـــوارنـــة والأرثـــوذكـــس مــن عـنـت وتضييق واضـطـهـاد ونبذ مدة من الزمن. من المقطوع به أن الإرساليات الدينية بمختلف جنسياتها، فرنسية أو روسـيـة أو إنجليزية أو ألمانية أو أميركية، أفـادت أبناء المسيحية الشرقية في بلدان الشام، ومن فوائدها ظهور المثقف المسيحي العلماني، وتطور علوم اللاهوت التي تلقاها رجال الدين المسيحي في هذه البلدان. وهذا التطور انبثق عنه المثقف اللاهوتي، المتسع في آفاقه العلمية والمعرفية. لو تساءلنا: هل ما قامت به فرنسا من التبشير بتعاليم الكنيسة اللاتينية، وما قامت به إنجلترا وأميركا من التبشير البروتستانتي في قرى جبل لبنان يعدّه نوعا من غزو الحضارة الغربية واجتياحها لها؟ وهل يعد اعتناق أبيه، وهو من بعده، لمذهب من المذاهب الـبـروتـسـتـانـتـيـة المـــتـــشـــددة (الـــفـــرنـــدز) اســتــجــابــة لـــهـــذا الــغــزو والاجتياح المذهبي لتلك القرى؟ هو لا يعدّهما كذلك مطلقاً. فما عناه بالغزو والاجتياح في كتابه هو إخراج قرى قابعة في القرون الوسطى إلى شيء من التطور والحياة الحديثة. وللحديث بقية. فؤاد مطر علي العميم عادل درويش OPINION الرأي 14 ظهور المثقف المسيحي العلماني الشامي في انتظار دقات ساعة التعمير الانتخابات الفرعية ونضج الناخب البريطاني قد يكون من المبكر الحديث عن انتقال وشيك للسلطة داخل حزب العمال تأثير الحضارة الغربية في قرى جبل لبنان تاريخه أقدم من احتلال فرنسا لسوريا وللبنان بقرون محاولات العدوان الإسرائيلية في نظر نتنياهو بمثابة درجات تُحقق له الصعود إلى رئاسة الحكومة

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky