issue17372

مـــا بـــن حـــدثـــن كــبــيــريــن، قــمــة مـجـمـوعـة الــســبــع من جانب، وقمة «ناتو» عما قريب جدا من جانب آخر، يبدو أن العالم القديم الذي عرفناه يتوارى، وتطفو على السطح علائم لعالم مغاير. في عددها الأخير أفـردت مجلة «الفورين بوليسي» الأميركية الذائعة الصيت، مساحة واسعة لمناقشة فكرة «نهاية العالم الـــذي نـعـرفـه»، عبر منظور لـعـدد مـن كبار المفكرين حول العالم. كــــان الـــعـــنـــوان الــــذي اخـــتـــارتـــه المــجــلــة الــرصــيــنــة، هو «نهاية العالم الذي نعرفه»؛ الأمر الذي يؤدي مباشرة إلى فهم المشهد على أنه أوان وزمـان لانتهاء صلاحية كوكب الأرض، ســـواء بـالـنـار أو الـثـلـج. الـنـار مـن خــال الـكـوارث الـكـوكـبـيـة الـــنـــازلـــة مـــن فــــوق، والــجــلــيــد مـــن خــــال التغير المناخي، ونشوء وارتـقـاء عصر الجليد الـذي تحدث عنه الـعـلـمـاء قـبـل قــرابــة خـمـسـن ســنــة، وبـعـضـهـم يــعــود إليه اليوم. المــفــاجــأة فـــي الـتـحـقـيـق المــنــشــور، هـــو أن الــحــديــث لا يُعنى بجيوفيزيائية الكوكب الأزرق، وإنما يتناول شأن التغيرات الجيوسياسية من مشارق الأرض إلى مغاربها، ومن أقصاها إلى أدناها. عشرة كُتّاب كبار يتناولون قضايا كل منها تحتاج إلــى صـفـحـات، ولـيـس بضعة سـطـور. على سبيل المـثـال، يتحدث برانكو ميلانوفيتش، الأستاذ والباحث في مركز الدراسات العليا في جامعة نيويورك عمَّا يسميه «نهاية الليبرالية الجديدة»، وعنده أن العولمة الليبرالية، لا سيما في الفترة الممتدة من ثمانينات القرن الماضي وصولا إلى ، كـانـت مـدفـوعـة بفكرتين رئيسيتين: العالمية 2020 عـــام والمـنـافـسـة، لكن مـا نشهده الـيـوم بـخـاف ذلــك تـمـامـا؛ إذ يمكننا القطع بأننا عائدون إلى زمن الحمائية والاحتكار، والجمارك العابرة للقارات؛ ما يعني أن رفاهية الليبرالية المعولمة، ستختفي من فوق سطح البسيطة قبل منتصف هذا القرن على أحسن تقدير. لا حياة على الأرض إلا في ظل مناخ يناسب الإنسان والــنــبــات والـــحـــيـــوان، هـنـا يـعـلـو صـــوت لـيـا آرنـوفـسـكـي، أســــتــــاذة مـــســـاعـــدة فـــي كــلــيــة المـــنـــاخ بــجــامــعــة كـولـومـبـيـا الأمـــيـــركـــيـــة، قــائــلــة بــنــهــايــة ســيــاســة المــــنــــاخ، فــقــد شـهـدت السنوات القليلة الماضية تراجعا مذهلا عن أهداف المناخ الــقــائــمــة عــلــى تــحــديــد الأهـــــــداف، حــيــث تــراجــعــت الـنـخـب المعنية بالمناخ عن مواقفها المتشددة السابقة. فـــي أكــتــوبــر (تــشــريــن الأول) المـــاضـــي، وقــبــل انـعـقـاد مؤتمر الأمـم المتحدة لتغير المناخ في البرازيل، نشر بيل غيتس سطورا حول «النظرة التشاؤمية» لمجتمع المناخ. فــي الــوقــت عـيـنـه تـتـقـدم الــصــن فــي طــريــق قــطــاع الـطـاقـة الـنـظـيـفـة؛ مـــا يـعـنـي تــراجــعــا غــربــيــا عـــن الإطـــــار الــخــاص باستنقاذ الكوكب، وبدء مسيرة التدهور الأخطر. مـــاذا عــن المـؤسـسـات الـتـي قـــادت الـعـالـم بـعـد الـحـرب الكونية الثانية؟ بالنسبة لجيمس تـراوب، الكاتب والمؤلف الأميركي، فإن نهاية الأمم المتحدة على الأبواب، والدليل سعي الكثير من الأقطاب الكبرى في طريق خارج أطرها التقليدية؛ ما ينتقص من قدرتها على المسير الأممي معاً، ويرسم علامة استفهام عن مقدرتها على تلبية الاحتياجات الكونية في عالم رقمي يصعب فيه التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين منطق حق القوة وقوة الحق. نهاية العلاقات عبر الأطلسي، وهذا ما تناولته نتالي نـوتـشـي، أســـتـــاذة المــمــارســة فــي كـلـيـة الـــدراســـات الـدولـيـة المـتـقـدمـة بـجـامـعـة جــونــز هـوبـكـنـز، حـيـث تـــرى أن الأزمـــة الحالية بين أوروبا والولايات المتحدة تمثل نهاية حقبة، بغض النظر عمن سيكون سيد البيت الأبيض القائم أو الــقــادم، فقد اسـتـنـدت الــروابــط عبر الأطـلـسـي إلــى سمات مـــحـــددة عـلـى المــســتــوى الــعــالمــي، وكـــذلـــك داخــــل الـــولايـــات المتحدة وأوروبا، وقد زالت جميعها الآن. مــن الـــقـــراءات الأكــثــر إثــــارة فــي عـمـل المـجـلـة الـدولـيـة، التنبؤ بنهاية فاعلية التحالف الأميركي – الإسرائيلي، وهو ما يوضحه جوشوا ليفر، كاتب العمود في صحيفة «هــآرتــس» الإسـرائـيـلـيـة، حيث يــرى أن المـظـاهـر قـد تكون خادعة، فمن جهة تبدو العلاقات الأميركية – الإسرائيلية في أوجها، لكنها في حقيقة الحال دخلت مرحلة انحدار حـــــاد، حــيــث بـــــدأت الـــركـــائـــز الــســيــاســيــة والآيــديــولــوجــيــة والاجـــتـــمـــاعـــيـــة الـــتـــي اســتــنــد إلــيــهــا مـــا يــســمــى الـتـحـالـف الخاص طوال معظم نصف القرن الماضي بالانهيار. هل تتراجع مكتسبات الصين في العقود المقبلة؟ هنا تـبـدو نهاية عملية النمو الصيني، كما يوضحها بالمر جيمس كاتب العمود في المجلة الأميركية؛ إذ يقطع بأن طموحات الصين الاقتصادية عادت إلى أرض الواقع بعد أن حلَّقت فـي الآفـــاق لعقدين أو أكـثـر، وهــو مـا سيحاكي فكرة قطبيتها. النهاية الأخيرة هي نهاية المستقبل بعيون الحاضر، وبــــدايــــة المــســتــقــبــل بـــأعـــن وادي الــســيــلــيــكــون، كــمــا يــرى البروفسور جوناثان وايـت، أستاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد. هل هذه نبوءة ذاتية التحقق؟ مـهـمـا يـكـن مـــن جـــــواب، فـــإن الـــســـؤال الأهـــــم: مـــا الـــذي ينبغي فعله عربيا وشـرق أوسطيا لملاقاة ما بعد العالم الذي عرفناه؟ الغرض من خرائط الطرق أنَّها تحدّد باتفاق المسار نــحــو جــهــة مـــقـــصـــودة مــتــفــق عـلـيـهـا مـــن جــمــيــع الأطـــــراف المتورطة في النزاع. خرائط الطرق التي وُضعت لحل الأزمة الليبية مختلفة، كونها تأتي من الخارج، ومن دون اتفاق مسبق. لذلك السبب، بقيت الأزمـة تراوح في المكان نفسه، وأغــلــب الـظـن أنَّــهــا ستستمر. فــي الأيــــام القليلة الماضية ظــهــرت علينا خـريـطـتـان مــن جـهـتَــن مختلفتَين فــي مـرة واحدة. كلتاهما بأهداف ظاهرة وخفيّة. ما كان يُتداول وراء أبواب مغلقة ظهر الآن إلى العلن. المـــبـــادرة الأمـيـركـيـة الـتـي يـقـودهـا مـبـعـوث الـرئـيـس ترمب للشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس، خرجت أخيرا من تحت الطاولة واستقرت فوقها، تمهيدا لتنفيذها. المـبـادرة الأميركية الجديدة لليبيا تناولتها وسائل الإعــام العربية والدولية، من خـال تصريحات أدلـى بها مسعد بولس، ومـن لـقـاءات أجـراهـا مع صحف ومحطات تلفزيونية عربية وأجنبية. الوصول إلى هذه المرحلة مر بعدة محطات في لقاءات سرّية عُقدت في عواصم أوروبية وعربية مختلفة. يـــوم الـخـمـيـس المـــاضـــي كـــان يـــوم مــفــاجــآت؛ إذ قبل سـاعـتَــن على الأكـثـر مـن إحـاطـة رئيسة البعثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه أمـام مجلس الأمـن الـدولـي، ظهرت وثـيـقـة مـوقـعـة مــن رئــاســات المـجـلـس الــرئــاســي والــنــواب والــــدولــــة، تـحـت اســـم «وثــيــقــة المـــبـــادئ» بـوصـفـه عـنـوانـا رئيسياً، وتحته عنوان آخر «خريطة طريق إنهاء المرحلة الـتـمـهـيـديـة». الـوثـيـقـة عُــــدّت مــن قِــبـل عـديـد مــن المعلقين الليبيين ضربة استباقية من الرئاسات الثلاث، للالتفاف على مبادرة المبعوث الأميركي؛ لأن الأخيرة، كما اتضح، تــدعــو إلـــى تـقـاسـم الـسـلـطـة بـــن الـحـكـومـتـن فـــي الـغـرب والـــشـــرق، بـتـأسـيـس حـكـومـة وحــــدة، وتــأســيــس مجلس رئـــاســـي جـــديـــد، الأمــــر الــــذي يُــفــضــي إلــــى خــــروج أســمــاء عديدة من المشهد السياسي. أهم ما يميز وثيقة الرئاسات الثلاث هو تأكيدها عقد فبراير 17 انتخابات نيابية ورئـاسـيـة متزامنة قبل يــوم ، أي بعد أقــل مــن ثمانية أشـهـر مــن تاريخ 2027 ) (شــبــاط صدورها، الأمر الذي يشكك في مصداقيتها، على اعتبار اسـتـحـالـة عـقـد انـتـخـابـات نـيـابـيـة ورئــاســيــة مـتـزامـنـة في مـدة زمنية قصيرة، وهـو مـا سيدعو لاحقا إلـى تأجيلها إلى موعد آخـر، ثم فيما بعد صرف النظر عنها. يظل من المهم الإشارة إلى أن الوثيقة تتسق وما تدعو إليه المبعوثة الأممية من عودة إلى الشرعية ممثلة بالعودة إلى ما سبق من اتفاقات سياسية. فــي الـجـهـة الأخــــرى مــن المـشـهـد، إذ فــي الــوقــت الــذي كـانـت تـقـدم فيه المبعوثة الأممية هـانـا تيتيه إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي صدر بيان من «القيادة العامة» (المــشــيــر خـلـيـفـة حـفـتـر) أعـلـنـت فـيـه تـرحـيـبـهـا بـمـبـادرة مسعد بولس. الترحيب غير المتوقع والفجائي يُفضي إلى استنتاج مفاده أن المبعوث الأميركي تمكّن من إقناع الطرفَين الفاعلَين في الغرب والشرق من تقاسم السلطة. الخطة الأميركية تقوم على تعيين حكومة وحدة جديدة برئاسة رئيس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبد الحميد الدبيبة، في حين يتولى صدام حفتر، نجل المشير حفتر، رئاسة المجلس الرئاسي، ويتولى ابن عم رئيس الحكومة فـي طـرابـلـس إبـراهـيـم الدبيبة رئـاسـة مجلس الأمن القومي. المـــبـــادرة الأمـيـركـيـة لخبطت الأوراق عـلـى نـحـو أثــار اسـتـيـاء أغـلـب الأطــــراف فـي الـغـرب الليبي، لاعـتـقـادهـم أن المبادرة لا تقود إلى سلام واستقرار نهائيَّي قائمَي على مصالحة بـن جميع الأطــــراف، وأنَّــهـا لـن تُفضي إلــى عقد انــتــخــابــات نـيـابـيـة ورئـــاســـيـــة، وأن هـــدف واشــنــطــن منها هو السعي إلـى خلق حالة من الاستقرار، بـإحـداث تغيير في المشهد يـؤدي إلى تعيين حكومة وحـدة في كل البلاد، وبــــدورهــــا تــضــمــن وجـــــود اســـتـــقـــرار نــســبــي يــســاعــد على اســتــمــرار نــشــاط الــشــركــات الأمـيـركـيـة الـنـفـطـيـة. شـركـتـان نـفـطـيـتـان أمــيــركــيــتــان كــبــيــرتــان هــمــا «كــونــكــو فيليبس» و«شيفرون» عادتا في المدة الأخيرة للعمل في ليبيا. الآلـيـة الـتـي سيتمكّن مـن خلالها المـبـعـوث الأميركي مـن تنفيذ المـبـادرة/الـخـطـة لـم تتضح تفاصيلها العملية بعد، وكيف يمكن عبور الحواجز في الطريق. لكن المبادرة حسب تصريحاته الأخـيـرة حـــازت قـبـول ومـوافـقـة أطــراف عدة عربية وأوروبية وأفريقية. المبعوث الأميركي بولس يؤكد أن مبادرته تسير باتساق مع خطة البعثة الأممية ومكملة لها. في حين أن معلقين ليبيين عديدين يؤكدون أن المبادرة الأممية عُدّلت بما يتسق مع خط سير المبادرة الأمـيـركـيـة. هـــذا يفضي إلـــى اسـتـنـتـاج جـديـر بـالمـاحـظـة، وهو أن واشنطن الآن هي من تقود المبادرة وليست البعثة الأممية. بــــاخــــتــــصــــار، يـــمـــكـــن الـــــقـــــول إن خـــريـــطـــتَـــي الـــطـــريـــق المــطــروحــتَــن لـيـسـتـا ســـوى خـريـطـتَــي هــــروب إلـــى الأمــــام. وثيقة المبادئ الصادرة عن الرئاسات الغرض منها تضييع الوقت، كونها غير قابلة واقعيا وفعليا للتحقق، وهدفها الحفاظ على مكاسب أصحابها وبقائهم فـي مناصبهم. والمـــــبـــــادرة الأمـــيـــركـــيـــة تـــقـــود إلـــــى تـــأجـــيـــل الــــحــــوار بــشــأن الانـتـخـابـات وتـرسـيـخ الـديـمـقـراطـيـة بسعيها إلـــى إيـجـاد حالة مـن الاسـتـقـرار النسبي يضمن سلامة الاستثمارات النفطية للشركات الأميركية. حـــــن قـــــــــال الــــــوزيــــــر الإيــــــرانــــــي عـــــــبَّـــــــاس عـــــراقـــــجـــــي بـــــــــــأن الــــــحــــــرب و«مذكّرة التفاهم» كانتا بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيـران و«حزب الـلـه» مـن جهة أخـــرى، لـم يــرم كلامَه إلا إلى تسمين الحزب وتخصيبه. أمَّــا التسمين فهو ترفيعُه إلى مرتبة الـــدول التي تحارب وتسالم، بـدلا من تولّي الـدولـة التي يُفترض أنَّها دولته المهمّة المذكورة. وأمّا التخصيب فجعل مواد الحزب السامَّة أشد انتشارا وسُمّيّة وقدرة على الفتك عبر إعداده لأدوار تتجاوز دورَه وطاقتَه الحاليّين. والـــحـــق أن الـتـسـمـن والـتـخـصـيـب تـلـزمـهـمـا شــــروط مـائـمـة وفّـــــرت «مـــذكّـــرة التفاهم» الأخيرة معظمها، أو أوحت بذلك. وربّما كان أوَّل تلك الشروط وقف إطلاق النَّار الذي لا يصحبه انسحاب إسرائيليّ. فهو، بتقطّعاته وتعثّره، ما يقدّم المناخ الصالح لإنجاز مهمّات باتت شديدة الصعوبة بعد النكبات الحربيّة التي مني بها الحزب، كإعادة البناء العسكري والسعي إلى طرق وأدوات تؤمّن الحصول على المال والسلاح والذخائر، فضلا عن تدريب شبّان جدد مرشّحين لـ «الشهادة». أمَّــا الشرط الثاني فهو بالضبط بقاء الاحتلال الإسرائيلي لأنّــه، وكما كانت الحال قبلاً، يوفّر الحجّة السياسيّة والآيديولوجيّة لمقاومة «حزب الله» وتمسّكه إلى ما لا نهاية بالسلاح. وبـــدوره فالشرط الثالث، وللمرّة الألــف، هو إعــان النصر القاطع الــذي يُقدَّم كمُنجز نهائي لا رجعة عنه. فهذا، فضلا عن تكريسه جدوى المقاومة، «وعد صادق» آخر يُمنَح لبيئة الحزب كي تقتنع بأن آلامها الكبيرة لم تذهب سدى، وبأن تلك الآلام شرط لمزيد من الانتصارات التي دلّت إليها تجارب متواصلة. وإلى الإصابة المزمنة بإعلان النصر، لا يغيب عن الشروط اللازمة شرط رابع مؤدّاه تعظيم إيران وأدوارها، إذ مَن تكون إلى جانبه إيران لا بد أن يكون غالباً. وفــي ظــل الـتـشـوّش الــذي بــات يطال تــوازنــات الـقـوّة الإقليميّة تبعا لــ«مـذكّــرة التفاهم»، وبعد ما وصفته الحجج الوجيهة بتراجع القوّة الأميركيّة، راحت تتقافز الإعــانــات الـتـي تكسر كــل رقــم قـيـاسـي فـي تصوير الــقــدرة الإيــرانــيّــة الـخـارقـة، من «توليد نظام دولي جديد» إلى «تغيير شكل المنطقة والعالم»... ولأن إيران، بحسب عبارة الأمين العام نعيم قاسم، «قدّمت كل شيء ولم تأخذ شيئاً»، فهذا ما يعزّز المطالبة باستعادتها نفوذها السابق في لبنان. ذاك أن تعظيم قدراتها، ممّا باتت تسنده مضامين «مذكّرة التفاهم»، وتوكيد غيريّتها المنزّهة عن كل مصلحة، لا يجوز أخلاقيّا ألا يستدعيا مقابلا أو مكافأة معتَبَرة. وهــذا، بطبيعة الـحـال، ذو وظيفة ماليّة شديدة الحيويّة: فشمول «التفاهم» مليار دولار، فضلا عن 300 المستجد على صندوق خاص لحفز الاستثمار قيمته ملياراً، قابل للترجمة إلى ما يصعب حصره من 24 تحرير المبالغ المحتجزة المقدّرة بـ أنفاق وأسلحة وذخائر ورواتب تُغدق على «حزب الله». ووفق تقارير إعلاميّة غربيّة فإن صورة إيران ومواضع التركيز فيها قد تشهد بعض التغيّر. ذاك أن قوّتها كطرف قومي ذي بطانة مذهبيّة قد تفوق صورتها كطرف إسلامي يصارع الغرب «المستكبر». ويسند أصحاب تلك التقارير توقّعاتهم إلى ضعف موقع المرشد قياسا بموقع «الحرس الثوريّ» والاضطرار، ولو بعد حين، إلى أشكال من التعاون مع الولايات المتّحدة تُمليها الجوانب التنفيذيّة لـ «المذكّرة»، وهذا فضلا عن أن الجاذبيّة القوميّة في إيران غدت تفوق الجاذبيّة الإسلاميّة التي استهلكها النظام حتّى استنفدها. وكائنا ما كان الأمر، فهذا ما يلائم التفاهم مع «الشيطان الأكبر»، كما يناسب مـا لاحـظـه مـراقـبـون استوقفهم إغـفـال ذكــر غـــزّة، ناهيك عـن فلسطين. وغــــزّة، كما يُفترض، أصل الحروب الأخيرة. لهذا، وفي محاولة متأخّرة لتجنّب الإحراج الذي سبّبه التجاهل، نُقل عن رسمي إيـرانـي لم يُذكر اسمه أن «غــزّة مـوجـودة في روح التفاهم». وأمَّــا الشرط الخامس والأهـــم فهو تلويث سمعة الـدولـة اللبنانيّة. فرموزها مشبوهون وأفعالها خيانات موصوفة وأقوالها وأقوال مؤيّديها هرطقات. وهؤلاء جميعا تنبغي مخاطبتهم بالتعنيف، عبر قاموس تتراوح مفرداته بين التشهير والتهديد وتبليغهم ما يجوز وما لا يجوز. وهناك أيضا العون الذي تقدّمه اللغة الإيرانيّة: فوصف عراقجي السابق الذكر، وما يختبئ خلفه من رغبات ونيّات، وما يشبهه من كلام إيراني رسميّ، لا تستهدف إلا الدولة اللبنانيّة التي يُفترض بها أن تتخلّى عن قراري الحرب والسلم وتسلّمهما للحزب ولطهران. وفي هذه الغضون فإن أزمة العلاقة بين جمهور الحزب والدولة ينبغي تعميقها وجعلها استعصاء شاملاً. فالدولة لا تخونهم وتبيع قضيّتهم فحسب، بل تسيء التعامل مع نزوحهم وإقامتهم وتعليمهم وكل ما يتعلّق بهم... أمّا جمهور الدولة فينبغي دفعه إلى الشك بنواياها، إذ هي، فضلا عن كونها لا تحرّر، تحاول منع إيران من أن تحرّر. وبـالاسـتـفـادة مــن وضـــع الــدولــة الـصـعـب، ومـــن ضـيـق خـيـاراتـهـا الـتـي زادتـهـا «مذكّرة التفاهم» ضيقاً، يقترح الحزب وإيـران عليها استكمال «وحـدة الساحات» لـزمـن الـحـرب بـــ«وحــدة المــســارات» للزمن الـسـلـمـيّ. وعـلـى النحو هــذا يُــعـلّــق لبنان وخـــيـــاره الــوطــنــي عـلـى خـشـبـة مــنــخــورة وغـــمـــوض مـطـلـق. ذاك أن دولــــة الـــادولـــة واللاقرار هي وحدها ما يضمن تسمين «حزب الله» وتخصيبه. OPINION الرأي 12 Issue 17372 - العدد Sunday - 2026/6/21 الأحد هل تذلل شركات النفط الأميركية أزمة ليبيا؟ أوان ما بعد العالم الذي عرفناه تخصيب «حزب الله» وتسمينه وكيل التوزيع وكيل الاشتراكات الوكيل الإعلاني المكـــــــاتــب المقر الرئيسي 10th Floor Building7 Chiswick Business Park 566 Chiswick High Road London W4 5YG United Kingdom Tel: +4420 78318181 Fax: +4420 78312310 www.aawsat.com [email protected] المركز الرئيسي: ٢٢٣٠٤ : ص.ب ١١٤٩٥ الرياض +9661121128000 : هاتف +966114429555 : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: www.arabmediaco.com هاتف مجاني: 800-2440076 المركز الرئيسي: ٦٢١١٦ : ص.ب ١١٥٨٥ الرياض +966112128000 : هاتف +9661٢١٢١٧٧٤ : فاكس بريد الكتروني: [email protected] موقع الكتروني: saudi-disribution.com وكيل التوزيع فى الإمارات: شركة الامارات للطباعة والنشر الريـــــاض Riyadh +9661 12128000 +9661 14401440 الكويت Kuwait +965 2997799 +965 2997800 الرباط Rabat +212 37262616 +212 37260300 جدة Jeddah +9661 26511333 +9661 26576159 دبي Dubai +9714 3916500 +9714 3918353 واشنطن Washington DC +1 2026628825 +1 2026628823 المدينة المنورة Madina +9664 8340271 +9664 8396618 القاهرة Cairo +202 37492996 +202 37492884 بيروت Beirut +9611 549002 +9611 549001 الدمام Dammam +96613 8353838 +96613 8354918 الخرطوم Khartoum +2491 83778301 +2491 83785987 عمــــان Amman +9626 5539409 +9626 5537103 صحيفة العرب الأولى تشكر أصحاب الدعوات الصحافية الموجهة إليها وتعلمهم بأنها وحدها المسؤولة عن تغطية تكاليف الرحلة كاملة لمحرريها وكتابها ومراسليها ومصوريها، راجية منهم عدم تقديم أي هدايا لهم، فخير هدية هي تزويد فريقها الصحافي بالمعلومات الوافية لتأدية مهمته بأمانة وموضوعية. Advertising: Saudi Research and Media Group KSA +966 11 2940500 UAE +971 4 3916500 Email: [email protected] srmg.com حازم صاغيّة جمعة بوكليب إميل أمين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky