issue17368

اختبرت تطورات الأسواق المالية مؤخرا ثوابت فإذا بها قد تغيرت، ومعتقدات فإذا بها قد تبدلت. فقد كان من المعتاد أن يرتفع سعر الذهب في زمن الصراعات والحرب فإذا به ينخفض. ولتبحث عن التفسير في أسعار الفائدة. فالحرب تعني ارتفاع أسعار الطاقة وسلع أخرى، فيرفع البنك الفيدرالي سـعـر الــفــائــدة كبحا للتضخم فـتـزيـد قـــوة الـــدولار ويرتفع الطلب عليه؛ فالذهب لا يمنح حامله عائدا على عكس الــــدولار. كما أن الـذهـب يقيَّم بـالـدولار عالميا فارتفاع سعر الدولار يزيد تكلفة الذهب فيقل الطلب عليه. والطلب على الذهب مدفوع بمخاوف تصاحب بداية الـحـروب والأزمـــات، فعندما تتبدد المخاوف ينخفض الطلب عليه بالتبعية. كما أنه في وقت التوتر يزداد الطلب على السيولة من الدائنين، والذهب المحتفظ به أيسر تسييلا إلى نقود فيزداد عرضه فينخفض سعره. كما تتجه بنوك مركزية في وقت الأزمات بالدفاع عن عملتها المحلية مقابل الــدولار فتتنازل عن جانب من الاحتياطي الدولي من الذهب فيزيد عرضه وينخفض سعره. وقد كان من المتعارف عليه أن تنخفض أسواق المـال مع صـدور تقارير تشير إلـى تراجع التشغيل وارتـــفـــاع الــبــطــالــة، فــــإذا بـهـا تــرتــفــع. ولـتـبـحـث عن السبب مـرة أخـرى في أسعار الفائدة. فمنذ الأزمـة صــــارت الأســـــواق المـالـيـة 2008 المـالـيـة الـعـالمـيـة فــي معتمدة على تمويل رخيص لها. ونعلم أنه إذا ساء وضع البطالة وظهرت أشباح الركود يخفض البنك الفيدرالي أسعار الفائدة، وتزيد السيولة فيرتفع الطلب على الأوراق المالية. كما أن كثيرا من الأوراق المالية الرائجة لا تعتمد على الطلب على العمالة قدر اعتمادها على كثافة رأس المال كحال الشركات التكنولوجية المسيطرة على الأسواق. ويـشـيـر الاقـــتـــصـــادي الـبـريـطـانـي جـيـم أونـيـل إلـى أن الـسـوق المالية الأميركية تقيَّم الـيـوم بنحو تـــريـــلـــيـــون دولار، أي نـــصـــف قـــيـــمـــة الأســـــــواق 77 المالية العالمية، ولكن نصيب الاقـتـصـاد الأميركي لا يـــتـــجـــاوز ربــــع الاقـــتـــصـــاد الـــعـــالمـــي، الـــــذي يتجه مـركـز جـاذبـيـتـه إلـــى الــشــرق، حـيـث الـصـن والهند وجــــوارهــــمــــا. الــــســــؤال الــــحــــرج، والمـــعـــلـــقـــة إجــابــتــه عـلــى تـــطـــورات الـــســـوق والاقـــتـــصـــاد الـحـقـيـقـي: هل سيندفع الاقتصاد الأميركي إلى نمو مرتفع يتنبأ بــه المـتـفـائـلـون بـفـضـل زيـــــادة الــكــفــاءة والإنـتـاجـيـة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي تشهد شركاته طروحات في الأســواق وصعودا في التقييم؟ أم أن السوق ستصيبها موجات من التصحيح والتراجع تـقـتـرب بـهـا مــن واقـــع الاقـتـصـاد الحقيقي؟ ويـذكـر أونيل بأنه قد حدث تصحيح عنيف للسوق المالية في المائة 45 اليابانية التي كان رأسمالها السوقي من السوق المالية العالمية في بداية التسعينات، ثم أصابها ما أصابها من تراجع على مدار ثلاثة عقود ونصف العقد. ويُعقد هـذا الأسـبـوع الاجتماع الأول لتحديد أسعار الفائدة للبنك الاحتياطي الفيدرالي برئيسه الجديد كيفين وارش، والــذي ترصده الأســـواق من كثب. وفي حين لا تتوقع الأسواق المالية حاليا رفعا أو خفضا لسعر الــفــائــدة، لـكـن مـصـداقـيـة الرئيس الجديد واستقلاله محل توقع واختبار لتوجهاته. فـقـد تـعـرض سلفه جــيــروم بـــاول لنقد مستمر من الـــرئـــيـــس الأمـــيـــركـــي دونــــالــــد تـــرمـــب لامــتــنــاعــه عن تخفيض أســعــار الــفــائــدة. ويــأتــي وارش مسبوقا بانطباعات عن أن ولاءه لترمب قد يدفعه لتغليب دوافـــع الاستجابة لضغوط سياسية واقتصادية راهــــنــــة عـــلـــى اســـتـــقـــرار الأســــــــواق والـــســـيـــطـــرة عـلـى التضخم في الأجل الأبعد. علما أن البنك الفيدرالي يتميز عن غيره من البنوك المركزية، بأنه مفوَّض مـــن الــكــونــغــرس بـالـسـعـي لتحقيق أعــلــى مستوى للتشغيل، أي تخفيض البطالة، فضلا عـن المهمة المــــعــــتــــادة لــلــســلــطــات الـــنـــقـــديـــة فــــي الـــحـــفـــاظ عـلـى الاســـتـــقـــرار الــنــقــدي بتخفيض مـــعـــدلات الـتـضـخـم. وبـالإضـافـة لهذا التفويض المـــزدوج، فهو مسؤول عن الاستقرار المالي بالرقابة على البنوك وملاءتها. ويـــــواجـــــه الـــبـــنـــك الــــفــــيــــدرالــــي ارتــــفــــاعــــا لمــعــدل فــي المــائــة فــي شـهـر مـايـو (أيـــار) 4.2 التضخم بـلـغ المـاضـي، وهــو المـعـدل الأعـلـى منذ ثــاث سـنـوات أو 2 أكثر، وهو أكبر من ضعف المستهدف المعلن وهو في المائة. وقد كان معدل التضخم في شهر فبراير فــي المــائــة، ثــم تــوالــى ارتـفـاع 2.4 (شــبــاط) المــاضــي الأســـعـــار مـتـسـارعـا مـتـزامـنـا مـــع عُــــرف بــالــولايــات المتحدة بأثر حـرب إيــران. والوضع الراهن لا يبرر حــتــمــا تـخـفـيـض الـــفـــائـــدة، خـــافـــا لــرغــبــة الــرئــيــس الأميركي، خصوصا مع تحسن مؤشرات البطالة، وفقا للتقرير الأخير عن سـوق العمل؛ لـذا سيتجه تــصــويــت أغــلــبــيــة الأعــــضــــاء لـلـتـثـبـيـت، وتـصـويـت وارش في جانب الأغلبية يعزّز الإشـارة لاستقلاله التنفيذي عن ترمب، كما يعطيه فرصة في المؤتمر الصحافي لشرح ما تظهره بيانات تقارير التضخم والبطالة من تطورات. وإن كان قد انتقد، وعن حق، إفـــــراط قـــــرارات تـحـديـد الــفــائــدة فـــي الاعــتــمــاد على بيانات لا تعكس آنيا تطورات الاقتصاد. فالتقارير المشار إليها قد تعكس ما حـدث، وليس ما يحدث فعلا أو المتوقع حدوثه؛ ما جعل قـرارات الفيدرالي مـــحـــل انـــتـــقـــاد بـــأنـــهـــا مــتــبــاطــئــة فــــي الـــتـــعـــامـــل مـع التضخم، وأنها تصورت خطأ موجات من التضخم بأنها عابرة على خلاف طبيعتها فلم تتخذ حيالها إجراء بما جعل هذه الموجات تستمر لفترة أطول. وفـي هـذه الأثـنـاء، يعرض التقرير الأخـيـر عن آفاق الاقتصاد العالمي، الصادر منذ أيام عن البنك الدولي، مؤشرات عن تراجع حاد في معدلات النمو في المائة، وهي الأدنـى منذ 2.5 العالمي لتصل إلى جائحة كورونا، مع انخفاض متوقع لنمو البلدان في المائة؛ وهو 3.6 النامية والأسـواق الناشئة إلى مـــا يـــهـــدد فــــرص الـتـشـغـيـل ويـــعـــقّـــد فــــرص تحقيق أهـــــداف الـتـنـمـيـة فـــي هـــذه الــبــلــدان الــتــي تـتـوقـع أن مليار باحث عن عمل على مدار العقد 1.2 تستقبل المقبل. وهي أمور رغم أهميتها ليست محددة لقرار البنك الفيدرالي ولا تكترث بها الأسواق المالية وهي في فورات صعودها حتى حين. ســاعــة انــعــقــاد مـجـمـوعـة الـــــدول الـسـبـع في الـعـالـم (الـــولايـــات المـتـحـدة وبـريـطـانـيـا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكـنـدا والـيـابـان) لـم تعد كما كانت منذ ولايتها على قيادة العالم الاقتصادي، كـمـا يفعل حـلـف الأطـلـسـي فــي المـجـالـن الأمـنـي والاسـتـراتـيـجـي. الإشـكـالـيـة الـكـبـرى هــي دخــول العالم فترة خشنة مـن العسكرة وعنف الحرب عندما اجتمعت «حرب غزة الخامسة» مع «حرب الـخـلـيـج الـــرابـــعـــة» فـــي حــزمــة واحـــــدة مـــن الـــدول والميليشيات، بينما الحرب الأوكرانية تُطل على كـا الـحـربـن فـي الـشـرق الأوســــط، حيث تنقسم توجهات أوروبا عن الولايات المتحدة. قمة الدول السبع فـي فرنسا تـواجـه أزمــة عالمية كبرى لها ثـاثـة أبــعــاد؛ جـيـوسـيـاسـيـة، وجـيـواقـتـصـاديـة، وجيواستراتيجية، تجعلها أكـثـر تعقيدا فوق تعقيد. البعد الأول له أبعاد تاريخية مريرة تدور حول الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي وامـــــتـــــداداتـــــه إلــــــى لـــبـــنـــان وســـــوريـــــا والـــــعـــــراق؛ والصراع العربي الإيراني الذي امتد في الحرب العراقية الإيرانية إلى ثماني سنوات. عمق هذه الصراعات اشتد مع ظهور الأصوليات الدينية الإســـامـــيـــة والـــيـــهـــوديـــة، ومـــــع تــســلُّــحــهــا الــــذي أخـذ آفاقا جديدة من التكنولوجيا السيبرانية والمُـــســـيـــرات الــجــويــة والــبــحــريــة. الــبــعــد الـثـانـي الاقـتـصـادي جــاء أيـضـا مـن انــعــدام الــتــوازن بين إيــران من ناحية، والـولايـات المتحدة وإسرائيل مـن ناحية أخـــرى، والـــذي جعل إيـــران تلجأ إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية، من خلال الاحتباس في المائة من النفط العالمي، في خطوة 20 لنحو كانت لها نتائج اقتصادية وخيمة على الطاقة والـــغـــذاء وســاســل الــتــوريــد، والـصـنـاعـة بشكل عــام. البعد الثالث الاستراتيجي لخّصته حالة إغـاق مضيق «هرمز» أمـام الملاحة العالمية، مع وجـود الأسلحة النووية لـدى الأطــراف، فأصبح ما هو معروض على قمة الدول السبع أمرا بالغ الصعوبة. الـــجـــغـــرافـــيـــا الــســيــاســيــة أحـــــد المــــذاهــــب فـي الـــعـــلـــوم الــســيــاســيــة والـــعـــاقـــات الـــدولـــيـــة الـتـي تــفــرض حـتـمـيـات مـــن الـصـعـب الـــخـــاص منها. وكـمـا أن الإنـــســـان لا يـخـتـار والـــديـــه، فـــإن الـــدول لا تـخـتـار جـيـرانـهـا؛ ومـــع الــجــيــران فـــإن الجيرة تجعل الأســـوار إمـا أن تكون رقيقة وقـــادرة على دفع الأعــداء؛ من حشرات وكائنات غير مرغوبة ومعها اللصوص، بعيداً؛ أو تـبـادل الهدايا في الأعياد ومناسبات الزفاف. هي سبيل للخصام والــــــعــــــداوة، أو الـــتـــعـــاون والاعــــتــــمــــاد المـــتـــبـــادل. وجـود العالم العربي وسط جيرة إيـران وتركيا وإســـرائـــيـــل يــخــلــق مــعــضــات «جــيــوســيــاســيــة» تـــتـــطـــلّـــب الـــتـــعـــامـــل مــعــهــا بـــمـــا يــحــقــق مــصــالــح الأطـــراف. تاريخياً، فـإن ذلـك لم يحدث، واستمر الـــعـــداء يــراكــم حـربـا عـلـى حـــرب، وهـــو مــا يخلق صعوبة كبيرة فـي الـحـديـث عـن الــســام، بينما القذائف تتوالى قاصدة القتل والتدمير. مــنــاســبــة انـــعـــقـــاد مــجــمــوعــة الــــــدول الـسـبـع تــبــدو مــدهــشــة، وســــط الانـــهـــيـــار الـكـبـيـر لتأثير المنظمات الدولية والقانون الدولي، بشكل عام، أو نـظـام الأمـــم المـتـحـدة مــا بـعـد الــحــرب العالمية الثانية، نوع من «المــودات» القديمة التي ظهرت لامعة وقت العولمة، لكنها، الآن، تشهد عالما آخر تــهــاوت فـيـه المــؤســســات الــدولــيــة. فــي منطقتنا المــلــحــة عــلــى كـــل المــحــافــل الـــدولـــيـــة دون نتيجة تطفئ نارها، يتفاعل فيها العديد من المستغلين للصراعات والأوضـــاع الجيوسياسية المختلّة، تـــشـــهـــد عـــنـــاصـــر مــــتــــعــــددة يـــطـــلـــق عـــلـــيـــهـــا اســـم «المـــفـــســـدون». الميليشيات المــتــعــددة؛ مــن «حــزب الـلـه» إلـى «الحشد الشعبي» إلـى «حـمـاس» إلى «الحوثيين»، هي نتاج بيئات دول وطنية غير مـكـتـمـلـة الـــهـــويـــة ولا تـــــزال حـــائـــرة فـــي تـعـريـف نـفـسـهـا وحــــدودهــــا وهــويــتــهــا وغـــيـــر مـسـتـعـدة لـعـبـور الــطــريــق الـصـعـب إلـــى الـــدولـــة الـوطـنـيـة. هي الأكثر سلاحا فوق الجيوش الوطنية؛ وهي الثلث المعطل لنشاط الـدولـة. وجــود هـذا النوع من المفسدين يجعل الحرب المشتعلة في الخليج الـعـربـي عصية عـلـى الـتـطـويـع نـحـو الــســام، أو إعادة تنظيم العالم بدلا من تدميره. رغـــــم قــــيــــادة الـــــولايـــــات المـــتـــحـــدة مـجـمـوعـة دول الــســبــع، بـحـكـم نـاتـجـهـا المـحـلـي الإجـمـالـي تريليون دولار)، وبحكم امتلاكها 32( الـهـائـل وسـيـطـرتـهـا عـلـى عـمـلـة الـــــدولار كعملة عـالمـيـة، وتــحــكُّــمــهــا الــكــبــيــر فــــي حـــركـــة انـــتـــقـــال الأمــــــوال والاستثمارات في العالم؛ فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنذ بداية فترة رئاسته الثانية، كان قد غيّر طريقة تعامله فيما يخص العلاقات مع الحلفاء في أوروبا وآسيا وأميركا الجنوبية، خصوصا في ملف العلاقات مع كندا والمكسيك وغرينلاند، وصــولا إلـى شن الحرب على إيـران يوم من القتال 100 بالتحالف مع إسرائيل. وبعد والمـفـاوضـات والـضـربـات المتقطعة والمـوصـولـة، فإن مصير العالم الاقتصادي الذي كان مفروضا فـيـه أن تــقـوم مـجـمـوعـة الــــدول الـسـبـع بواجبها لـحـمـايـتـه مـــن الــتــدمــيــر، فــإنــهــا عــنــد اجـتـمـاعـهـا لا تـجـد كـثـيـرا تــقــدمــه، الـلـهـم إلا دعــــوة الجميع لـلـحـضـور إلـــى مــأدبــة لا يستثنى منهم الصين ولا الهند ولا دول عربية متعددة. مدينة إيفيان، التي انعقدت فيها قمة مجموعة الــدول السبع، كانت بعيدة للغاية عن مضيق هرمز. الجغرافيا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية عبث الأسواق الرئيس التنفيذي جمانا راشد الراشد CEO Jomana Rashid Alrashid نائب رئيس التحرير Managing Editors Editorial Consultant in KSA Aidroos Abdulaziz Camille Tawil Saud Al Rayes Deputy Editor-in-Chief مديرا التحرير مستشار التحرير في السعودية محمد هاني Mohamed Hani الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز عيدروس عبد العزيز كميل الطويل سعود الريس 1987 أسسها سنة 1978 أسسها سنة هشام ومحمد علي حافظ رئيس التحرير غسان شربل Editor-in-Chief Ghassan Charbel OPINION الرأي 13 Issue 17368 - العدد Wednesday - 2026/6/17 الأربعاء عبد المنعم سعيد محمود محيي الدين

RkJQdWJsaXNoZXIy MTI5OTky